Menu

تظاهرات مستمرة..

تقريرثلاثون يومًا على الاغتيال.. لماذا نزار بنات؟

أحمد بدير

والدة نزار بنات تبكيه أمام جداريةٍ له

الضفة المحتلة - خاص بوابة الهدف

"لا مساس بحريّة الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون" – المادة 19 من الباب الثاني في القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل لعام 2003، وتعديلاته لعام 2005، وانطلاقًا من ذلك نتساءل: هل فعل شهيد الكلمة نزار بنات أكثر من ذلك؟، في المقابل حُرِّض ضدّه، واعتُدي على منزله بالرصاص والقنابل، وطُورِد، وفي آخر المطاف قتلوه بطريقةٍ بشعة، إذ جثم على صدره أكثر من 25 شخصًا من "أمن السلطة" في رام الله، عذّبوه، كسّروه، خنقوه، ليُفارق الحياة ماضيًا عن هذه الدُنيا، دافعًا ثمن كلمةِ حقّ في وجه سلطة "الصفقات" التي تعتاش على أذيتنا وسحلِ أبنائنا وبناتنا في الشوارع، بادّعاء حماية "المشروع الوطني" أو "الحفاظ على الشرعيّة التي تجابه العديد من المؤامرات".

في كل مرّة كان يُعتقل فيها نزار، أو يتم استدعاؤه للمثول أمام القضاء كان يُفرج عنه، ولا يثبت عليه شيء لأنّه ببساطة كان يُمارس حقه في التعبير عن الرأي وفق ما نصّ عليه القانون الفلسطيني، ويُحارب الفساد منذ سنواتٍ وسنواتْ سواء فساد السلطة، أو جهازها القضائي، مرورًا بالصفقات وآخرها صفقة "اللقاحات الفاسدة".

وفي ظل أنّ التظاهرات التي تُطالب بمُحاسبة مرتكبي هذه الجريمة البشعة ما زالت مستمرة في عدّة مدن بالضفة المحتلة بعد أكثر من 30 يومًا من الاغتيال، تحدّثنا مع العديد من النُشطاء في الضفة المحتلة وقطاع غزّة وسألنا سؤالاً واحدًا فقط: لماذا قتلوا الناشط الفلسطيني نزار بنات؟.

الناشط الحقوقي والقانوني ماهر أبو وردة، أكَّد أنّ القانون الأساسي الفلسطيني كفل حريّة التعبير وأعطى الفلسطيني حقّه الكامل في هذا الجانب، وإحدى مواد هذا القانون تؤكّد أنّ النظام السياسي المعمول به في فلسطين هو نظام ديمقراطي نيابي قائم على التعدديّة الحزبيّة والسياسيّة، وهذا للأسف غير موجود.

ولفت أبو وردة خلال حديثه مع "بوابة الهدف"، إلى أنّ المادة القانونيّة الوحيدة المعمول بِها في فلسطين هي المتعلّقة بالعلم الفلسطيني وألوانه الأربعة المعتمدة من منظمة التحرير، مُؤكدًا أنّ الشهيد نزار بنات استخدم حقه المكفول ليس فقط في القانون الفلسطيني، بل في كافة القوانين الدوليّة المعمول بِها في الدول المتحضّرة، لأنّه من الصحي أن يكون هناك مُعارضة داخل الدولة، وهذه المُعارضة هي من تُصحّح وتُقوِّم في حال وجود أي أخطاء أو انتهاكات.

ما نفع الدستور إذا كان حبرًا على ورق!

وبيّن أبو وردة أنّ وجود المُعارضة في بلدنا أمر غير مقبول لدى السلطة الفلسطينيّة، لأنّ السلطة ذاتها قائِمة على الفساد وتُحاول قدر الإمكان إخفاء الصورة وحجب الصوت الذي يتنافى مع مصالح الأشخاص المتنفّذين فيها، لا سيما وأنّ نزار لم يكن يتهم الناس جزافًا، بل كان في كل مقطع فيديو يتهم فيه أشخاصًا بعينهم كان ينطلق من حقائق هو متيّقن منها.

وتابع أبو وردة خلال حديثه: "للأسف كل من يُعارض السلطة برأيه في الآونة الأخيرة يتم اتهامه بأنّه ينفّذ أجندات خارجيّة أو غربيّة، ولو صدقوا لكان نزار مرتاحًا من الناحية الماليّة على الأقل، لكنّ المحامي الخاص بنزار شاكر اطميزة بيّن في أحد منشوراته على موقع "فيسبوك" أنّ نزار في يومٍ من الأيّام لم يكن يمتلك 15 شيكلاً كرسوم استصدار ورقة عدم محكوميّة من وزارة العدل برام الله. عن أي جهاتٍ وأجنداتٍ خارجيّة يتحدّثون!، هذه تُهمة توزّع بالمجّان على كل من يُعارض هذه السلطة، خاتمًا حديثه للهدف مُتسائلاً: "ما نفع الدستور إذا كان حبرًا على ورق!، وما نفع مواده إن لم تُحاسِب منتهكيها؟".

رسالة شديدة الوضوح لأي مُعارض

أمَّا الناشط السياسي أحمد القيق، فقط أجزم بشكلٍ قاطع بأنّ الفعل الإجرامي الذي أقدمت عليه السلطة بحق نزار بنات هو رسالة واضحة وضوح الشمس لكل من يُفكّر في مُعارضة هذه السلطة وأجهزتها الأمنيّة، أو أن يرفع صوته عاليًا في يومٍ من الأيّام.

وأشار القيق خلال حديثه للهدف، إلى أنّ نزار بنات شكّل خلال المرحلة الأخيرة مُعارضة بالقول والفعل، وشكّل قائمةً انتخابيّة للمُشاركة في الانتخابات التشريعيّة التي اُلغيت فيما بعد، وكان هو على رأسها، ولم يترك نزار قضية على الساحة الفلسطينيّة إلّا وكان له فيها موقف وبصمة واضحة.

وبيّن أنّه لا يمكن لأحد أن يُنكر الجمهور الواسع الذي يُتابع نزار بنات والذي أثَّر على هذا الجمهور خاصّة على المُعارضة في الضفة الغربيّة، مُؤكدًا أنّ الرادع الحقيقي لوقف هذا التغوّل يكون من خلال الضغط في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وصولاً إلى مُحاسبة حقيقيّة للمتورطين وتشريع ضوابط تُحاسب أي شخص يفكّر في ارتكاب مثل هذه الجريمة مُجددًا.

"نحن في بلدٍ لا تُصان فيها الحقوق"

وتواصلنا أيضًا مع الناشطة الحقوقيّة ديالا عايش، والتي أكَّدت في بداية حديثها على أنّ "نزار مارس حقّه بحريّة التعبير بموجب القانون الأساسي الفلسطيني والذي نعتبره أب القوانين الفلسطينيّة، وأيضًا مارس حقّه وفق المعاهدات الدوليّة الموقّعة عليها السلطة الفلسطينيّة، وهذا القانون الدولي يسمح حتى بالنقد اللاذع للشخصيّات في المراكز السياديّة، أي عندما ينتقد نزار أي وزير أو مسؤول هو لا ينتقده بصفته الشخصيّة بل بصفته الرسميّة، كوزير، أو رئيس، أو مدير جهاز أمني معيّن".

وبيّنت ديالا للهدف، أنّنا "في بلدٍ لا تُصان فيها الحقوق للأسف، فقط مُصانة على الأوراق كقوانينٍ ندرسها في الجامعة وفي الحياة الأكاديميّة، ولكن على أرض الواقع غير مطبّقة، ومن الممكن أن يقوم الأمن باعتقال أي شخص يعبّر عن رأيه ويوجّه له تهمة إثارة النعرات مثلاً، أو تلقي أموال، أو حيازة سلاح، لكن التجاوز الذي حصل مع نزار هو أنّهم رأوا أنّ الاعتقالات والاستدعاءات لم تردعه وتوقفه عن النقد فلجأوا باتجاه الاغتيال السياسي الذي نرفضه بشكلٍ كامل بعد أن جرّبوا الاعتقال السياسي".

ورأت ديالا أنّ "جريمة قتل نزار ليست منافية للقوانين فقط، بل للأخلاق، والعادات، والدين"، وبشأن ردع هذا النهج، أشارت إلى أنّه "كان من المفترض أن نفكّر في السابق كيف نوقف الاعتقال السياسي سواء من جانب السلطة بالضفة أو سلطة حماس في غزّة، ونبحث في كيفيّة إيقاف هذه الممارسات بعد أن تجرّأت فتح وانتقلت من مربّع الاعتقال السياسي إلى الاغتيال السياسي".

كما أكَّدت ديالا أنّ "المسؤوليّة اليوم لا تقع على عاتق الأحزاب الفلسطينيّة والمجتمع المدني، بل هي مسؤوليّة شعب بأكمله لأنّنا في مرحلة إمّا أن نكون أو لا نكون، وإذا بدأوا بنزار لأنّه يُعبّر عن رأيه فمن الممكن أن يغتالوا أي شخص أو ناشط أو مُعارض، لذلك الضمانة الأولى هي مُحاسبة كل شخص تورّط في قتل نزار سواء مسؤول أو وزير داخليّة أو رئيس السلطة بحد ذاتها".

أمَّا أُبي العابودي، المدير التنفيذي لمركز بيسان للبحوث والإنماء، قال إنّ "هناك جهة متنفّذة في البلد لا تحتمل أي شخص ناقد لها، وعندما نتحدّث عن هؤلاء الأشخاص فهناك مجموعة غير نزار، ولكن الذي ميّز نزار عن غيره أنّه كان يُسمّي الأشياء بمُسميّاتها، حتى أسماء الأشخاص والمستفيدين، وكان أسلوبه قريب لقلوب الناس بعيدًا عن الشِعارات والكلمات المنمّقة، وكان يوصل المعلومات للجمهور بطريقة بسيطة جدًا ولديه قدرة تعليميّة عالية جدًا ويبسّط كل المسائل الفنيّة المعقّدة ليفهمها الانسان العادي".

"نزار شكّل خطرًا على السلطة من خلال توعية الناس"

وبيّن العابودي أنّ "نزار كان يُشكّل خطرًا على سلطة من خلال توعية الناس، ولم يكن على رأس خليّة أو مجموعة مسلّحة تشكّل خطرًا مباشرًا، ولكنه شكّل خطرًا على منظومة كاملة قائمة على الفساد أساسًا، ولا ننسى الفساد في قضية اللقاحات، والفساد في معالجة أزمة كورونا، والفساد في مُعالجة الأمور الحياتيّة للناس، كل هذا الفساد قامت عليه منظومة أوسلو، وهذه المنظومة لديها اقتصاد سياسي للفساد، أي أن الفساد لديهم قائم على منافع وفئات، وأبسط موضوع هو كارثة فساد اللقاحات".

"نظام الطاغية دائمًا يكون هشًا"

ولفت العابودي إلى أنّ "نزار كان مميزًا في كسر حاجز الخوف عند الناس، وفي هذه الحالة يردّد الناس ما يقوله ويرفعون أصواتهم عاليًا في وجه الفساد، وهذا يشكّل رعبًا حقيقيًا لهذه السلطة، لأنّ نظام الطاغية دائمًا يكون هشًا للغاية، وأي نقدٍ لهذا النظام يكون بمثابة تحدٍ لقوّته فيشعر على الدوام بأنّه مهدد وضعيف مع أنّه يمتلك العسكر والأمن وأدوات القمع، ونزار أزعج السلطة بشكلٍ مباشرٍ وشخصي، وحاولوا اسكاته سابقًا من خلال التهديد وإطلاق النار على منزله لكنّه لم يخف، وفي كل مرّة كان يُعتقل كان يخرج من السجن بلا أي تهمة لأنّه مارس حقّه حتى النهاية ولم يفرض أي رقابة ذاتيّة على نفسه".

"منظومة تعيش على الخوف"

وأكَّد العابودي أنّ "هذه رسالة لنا، كل الفلسطينيين، بأنّه يجب علينا ألّا نُمارس أي نوع من الرقابة الذاتية على أنفسنا عند نقد هذه المنظومة، لأنّها ليست فاسدة فقط، بل نخرها الفساد وأصبحت مجرمة وقاتلة، ونزار ليس أوّل شخصيّة مُعارضة يتم قتلها".

ورأى العابودي في ختام حديثه للهدف، أنّ "هذه المنظومة تعيش على الخوف، لأنّه لا يوجد لديها ما تقدّمه من ناحية مشروع التحرّر الوطني، مشروع أوسلو فشل، وفشلت كل خياراتهم مثل: التنسيق الأمني مع الاحتلال، وضع كافة رهاناتهم على الولايات المتحدة لتحل لهم المشكلة وأنّ "إسرائيل" ستُعطيهم دولة في يومٍ من الأيام، واليوم فقط هناك فئة متنفّذة في السلطة تحكم بالعصا والمسدّس، ومن يحكم بهذه الطريقة لن يستمر حكمه طويلاً".

دعوة للمشاركة في مسيرة برام الله نزار بنات.jpg