Menu

العلمانية العربية نقد ذاتي الجزء الأول

قلم.jpeg

بقلم / نضال الابراهيم

عنوان اي بحث او مقال او كتاب يجب ان يكون بمثابة النافذة التي تطل على الحقل المراد وصفه او تصويره، حتى يستطيع الكاتب الذي يمعن النظر من هذه النافذة، نقل القارئ ذهنيا الى تفاصيل هذا الحقل كما يراه وبظني مهما حاول الكاتب ان يكون محايد وموضوعي الا انه لن يغادر ماهيته وتكوينه الثقافي والمعرفي و اسبابه للكتابة، في احد حقول المعرفة الا ان ذلك يبقى اقرب للصدق مع الذات قبل الصدق مع القارئ، بأن محاولاته خوض غمار هذا الحقل متخذا من مناهج العلوم وعقلانية الطرح طريقا له يحتم عليه الالتزام بقواعدهما الصرامة، وهو واجب اخلاقي قبل ان يكون علمي، وان حياده وموضوعته هما نسبيا يتوخاهم في جنبات ما يكتبه ويتخذهم نبراسا له لعله لا يضل الطريق .
ومن هنا أجد لازما على اولا ان اقر بعلمانيتي والتي أفضل تسميتها (عقلانية عربية جديدة –عقلانيين – وعقلاني) وهو ما سوف احاول التأسيس له في هذه السلسة) وبكل الحالات لا أجد على المستوى الفكري نفسي ملزما بالانتساب لأي من تيارات العلمانية في العالم العربي، لأنني اتخذت لنفسي منحى لا أجد نفسي اتفق به مع كثير مما يكتب عن العلمانية او عن علاقة العلمانية (بالإسلام الدين وليس الإسلام الأيديولوجيا)، مما يحررني من الوقوع في مأزق قوالب الادلجة.
اما موضوع النقد والرؤية فهو كم تم وسمه كعنوان للمقال بعنوان، العلمانية العربية نقد ذاتي، فإنني اقصد به مجموع الافكار والرؤى والمبادئ التي بشر بها ودعى اليها المفكرين العلمانيين العرب، وهي من ناحية اخرى ايضا المبادئ العامة او الفلسفة التي قامت عليها الدولة العربية الحديثة ومؤسساتها، ما بعد انهيار الخلافة العثمانية وبعد الاستقلال السياسي للدول العربية بنهاية حقبة الاستعمار، والنقد المقصود هو نقد للمشروع العلماني العربي بشكله العام كما تصوره المفكرين العلمانيين ونقد للدولة العربية او نموذج الدولة القائم في العالم العربي، والذي سوف اطلق عليه خلال المقال " نموذج دولة ما قبل العلمانية"، وبذات الوقت هو نقد لمشروع الاسلام السياسي الذي يقدم نفسه كبديل عن دولة علمانية لم تتحقق على الارض في العالم العربي، حتى في التجارب التي وسمها اصاحبها بانها علمانية كنموذج تونس و سوريا ولبنان ما قبل مرحلة "الربيع العربي"، والذي لم يكن ربيع باي شكل من الاشكال .
اهدف من هذه المقالة محاولة تقديم " نقد ذاتي للعلمانية" بلغة ارجو ان تكون واضحة للقارئ، أي عموم جمهور القراء العرب ان كانوا من اتباع الفكر العلماني والليبرالي، او الاسلام السياسي او من القراء بشكل عام، الذين ليس لهم انتماء او موقف أيديولوجي، والسبب بذلك ان اغلب المؤلفات والدراسات العلمانية ذات صبغة نخبوية تزخر بالكثير من الافكار والمصطلحات والمفاهيم، التي يجد كثير من القراء صعوبة في فهمها لكونها لا تنتمي الى الفضاء الثقافي العربي من ناحية، ومن ناحية اخرى لا تقدم تاريخ للمراحل التي مرت بها الثقافة او الحضارة الاوروبية ابتداء من عصر النهضة الأوروبي، والحقب الزمنية التقريبية لانبثاق الأفكار والايديولوجيات او كما تسميها (1) التي واكبت او تلت عصرة النهضة الاوروبي بشكل متسلس يسمح للقراء بفهم طبيعة الحقل الثقافي والحضاري التي نشأت به العلمانية، وما ارتبط بها من مفاهيم . ومن ضمن الاهداف ايضا محاولة تفكيك المصطلحات والمفاهيم التي يستخدمها الخطاب العربي المعاصر، ان الخطاب العلماني بمعناه الذي يدخل في تلافيفه التيارات القومية واليسارية والليبرالية ومعارضهم الرئيسي تيار الإسلام السياسي، بمختلف تلاوينه وان جاز القول ايضا خطاب الدولة او النظام السياسي للدولة العربية المتداخلة مع الخطابين المذكورين، من خلال اجهزتها الايديولوجية المختلفة لان هذا التفكيك يعيدنا الى الاصول المادية والفكرية التي بنيت عليه هذه الخطابات، ومعرفة دوافعها الظاهرة او الباطنة وهو ما يمكن ان يحيلنا بالنتيجة الى ما اطمح اليه، من التأسيس من خلال هذه محاولة بالمساهمة اليسيرة في التمهيد، لبعض الاضاءات التي قد ينتج عنها طريق ثالث لا يحمل وزر العلمانية العربية، ولا وزر الاسلام السياسي .
في الهوية الثقافية والعولمة
هوية الانسان هي ذاته التي تحدد اتجاهاته وتحولاته وميوله الفكرية ومنظومة القيم والاخلاق التي يؤمن بها، وكما للإنسان الفرد هوية كذلك الامر بالنسبة للمعتقدات والافكار والثقافات لها هوية تشخص خصوصياتها وتمايزها عن غيرها، قد لا يكون هناك مشكلة بهذا المفهوم الواسع للهوية، ولكن المشكلة تكمن في ماهية هذه الهوية وهل هي ثابتة الرسوخ و البنيان غير قابلة للتغير، وهل هي بحد ذاتها تشكل هوية واحدة ام ان كل انسان يملك اكثر من هوية، وهو الذي يؤدي في كثير من الاحيان بهذا الانسان الى التصرف والتفكير بناء على ما تفرضه معطيات هذه الهويات، يبدو ان الامر شديد التعقيد، وهو امر طبيعي في عصر شديد التعقيد والتشظي حتى اصبح اكبر من ان يستطيع اي مفكر او فيلسوف او عالم مختص ان يقبض على تخوم كامل المشهد .
فانت انسان اولا ولكن مع ذلك قد تم تحديد هويتك بشكل مسبق، حتى قبل ان تولد جنسك وعرقك ولغتك ديانتك ومذهبك وجنسيتك وثقافتك والعادات والتقاليد التي عليك الالتزام بها، واذا اعتبرنا ان كل حقل من الحقول السابقة يشكل هوية بحد ذاته، فالمشكلة لن تنتهي هنا بل سوف تبدأ من جديد، لان داخل كل حقل من هذه الحقول هناك هويات فرعية سوف تجذبك نحوها، وحتى نتصور الامر بشكل عملي اكثر نطرح المثال التالي تصور كم عدد الهويات التي تحملها لمجرد انك فرد ولدت في العالم العربي، بخلاف كونك انسان فانت عربي القومية كما قد تم غرس الامر في ذهنك هنا القومية تشكل هوية، ولغتك هي لغة مجموعة بشرية اطلق عليها العرب وهنا ايضا اللغة تشكل هوية، وتحمل جنسية احد الدول العربية والجنسية تشكل هوية، وتنتمي الى احد الفئات او الطبقات الاجتماعية الاوسع او الاضيق في دولتك والانتماء الطبقي والمهني والفئوي يشكل هوية، وتنتمي الى عائلة او عشيرة لها هوية تميزها عن غيرها والعائلة والعشيرة هوية، وتدين بدين الاغلبية وهو الاسلام ودينتك هوية، وتتمذهب بمذهبك الشيعي او السني ومذهبك هوية، وفي الاطار الفكري والسياسي قد تتبنى هوية ايديولوجية او سياسية كأن تصبح قومي او يساري او ليبرالي او علماني وهي جميعها هويات.
هذه الانتماءات الهوياتية لا يتصور ان تكون وقتية عابرة تنتهي بمجرد تغير الانسان لانتمائه الفكري او ديانته او جنسيته او حتى تخليه عن هذه الانتماءات بشكل نهائي، فما يتشكل في العمق الانساني مهما تغيرت تبديلاته وتشكيلاته يبقى كامن في العمق بشكل او باخر. وفي اطار اوسع من ذلك انت تنتمي الى مجموعة دول يطلق عليها العالم الثالث او الدول النامية او الجنوب المتخلف الفقير، مقابل الشمال المتحضر الغني وكل هوية من هذه الهويات تحمل في بذورها هويات فرعية قد يعيها الانسان وقد لا يعيها الا من خلال الممارسة الحياتية بمختلف اشكالها وهي هويات غير اختبارية فرضت على الانسان لمجرد انه ولد وعاش في اقليم جغرافي محدد من هذا العالم وفي زمن محدد، وحتى لا يذهب ذهن القارئ بعيدا فان البحث لن يكون بحثا في الهوية وإشكاليتها، ولكنه مبحث مهم لتعلقه مباشرة بقضايا العلمانية المتعددة الحقول والجوانب والرؤى ، والهوية التي اقصدها هنا ليست الهوية الفردية او الوطنية وغيرها من الهويات الفرعية وانما الهوية الثقافية واكثر تحديدا الهوية الثقافية العربية لان تحديد مضمون الحقل محل البحث هو بذات اهمية ما يمكن التوصل له من نتائج، في اي بحث او مقالة متخصصة فما هي هذه الهوية الثقافية العربية التي نريد ان نخوض غمار امواجها العاتية ؟ .
يقول الدكتور محمد سعدي " مفهوم الهوية مفهوم غامض ومعقد ومتشعب المداخل تتفاعل داخله حقول معرفية عدة، وتتصارع ديناميات ال "انا " و "الاخر "، ال " انا " وال " نحن " الوحدة والتعدد، التطابق والاختلاف، وقد شكل مفهوم الهوية منذ سنين وحتى اليوم اشكالية مؤرقة غير قابلة للتجاوز في مختلف الفضاءات الثقافية والحضارية "(2).
ويستطرد بالقول " هل نعيش عصر عودة الهويات ام عصر ازمة الهويات؟ هل الهوية عنصر للتقدم والتفاعل مع العالم ام هي انكفاء على الذات وتقييد لها؟ هل هي معطى ثابت متكلس ام بناء ديناميكي مستمر؟ لماذا اصبحت الحدود بين الهويات الثقافية رخوة ومرنة؟ هل يمكن الحديث عن هوية كوسموبوليتية كونية تتجاوز كل الهويات الثقافية؟ ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين تطرح الانسانية من جديد سؤال الهوية فهل من معنى للتمعن في الهوية في عالم أصبح يتسم بغياب المرجعيات والثوابت التي كانت تحدد معالم الهوية الفردية والجماعية للأشخاص ".
يطرح السعدي مجموعة من الاسئلة لا اجدها تسهل محاولة تقديم تعريف شامل للهوية، بشكل عام والهوية الثقافية بشكل خاص فعالم اليوم أصبح عالم يتسم بغياب المرجعيات وقد يكون الامر أكثر من غياب لهذه المرجعيات الدينية والقومية والايديولوجية ووجود الحدود الرخوة بين الهويات، فقد وصل الى حد الاختفاء وبداية سيطرة نموذج عولمي لكل شيء بدء من الانسان وليس انتهاء بالهوية الثقافية التي كانت اشكالية بحد ذاتها حتى قبل دخولها حيز العولمة.
وفي هذا المجال يقصد بثقافة العولمة الإطار المعرفي الذي يجعل النظام الرأسمالي مقبولا من سائر الشعوب ولا يكون في هذه الحالة صورة تتمثل في اخضاع عقل هذه الشعوب لتقبل النظام الرأسمالي فحسب، بل اعلانا للتكيف من مفكرين استراتيجيين مخططين لوضع دعامات فكر بعينه ييسر تقبل فكرة الانخراط في حركة الرأسمال وسيرورته كما يحلو للغرب ان يسيره (3).
هذا التداخل القائم فعلا بين الثقافة العربية وثقافة العولمة، يمكن عزله بشكل موضوعي مؤقتا حتى يتسنى لنا فهم وسبر اغوار ونقد الثقافة العربية سندا لمحدداتها الداخلية وتفاعلاتها لان مشكلتنا نحن العرب أنّنا نعاني، من أكثر من قرنٍ من الزمن، من صراعاتٍ بين هُويّات مختلفة، ومن عدم وضوح أو فهم للعلاقة بين هذه الهويّات المتعدّدة أصلاً. فالهويّات المتعدّدة للإنسان، الفرد أو الجماعة، ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها فلا تتفاعل أو تتلاقى، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها، بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها، والتي فيها (أي الدائرة) " نقطة مركزية " هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية. هكذا هو كل إنسان، حيث مجموعة من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة، فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموّه وتطوّره: من خصوصية الأم إلى عمومية البشرية جمعاء. أيضاً، فإنّ مشكلة "الهويّة العربية" نابعة من هذا الانفصام الحاصل بين وجود ثقافة عربية واحدة، وعدم وجود دولة عربية واحدة. فشعوب العالم يشترك البعض منها في حضارات، لكن هناك خصوصيات ثقافية لكل شعب، حتّى لو اشترك مع شعوبٍ أخرى في حضارة واحدة. فتلك طبيعة قانون التطوّر الاجتماعي الإنساني، الذي انتقل بالناس من مراحل الأسر والعشائر والقبائل إلى مرحلة الأوطان والشعوب والأمم، لقد ترافق تحوّل الأمم أو القوميات إلى دولٍ، مع سقوط الإمبراطوريات، بحكم التضارب أصلاً بين وجود إمبراطوريةٍ تضمّ أكثر من أمَّة، وبين الدعوات إلى استقلال الأمم وبناء الكيان/ الدولة لها. لكنَّ الملفت للانتباه على الصعيد العربي (منذ عهد الخلفاء الراشدين وإلى نهاية العهد العثماني)، هو توالي أشكال من حكم العرب وغير العرب على المنطقة العربية، على أساسٍ غير قوميٍّ أصلاً وغير محدَّدٍ بشعبٍ معيَّن أو بأرضٍ معينة (4).
يذهب بعض المثقفين العرب الى تأزيم اعمق لقضية الهوية والانتماء الى العصر، واخص منهم مثقفي تيار الاسلام السياسي بمختلف تلاوينه العقدية والسياسية، فهم دائما يميلون الى اعطاء فهم مغلق لموضوعة الثقافة والهوية خصوصا عندما يتعلق الامر بالثقافة العربية الإسلامية، الى حد الاعتقاد ان هذه الثقافة لها قوانين ومبادئ وثوابت قدسية تميزها عن كل ثقافات العالم ليس بقصد التمايز، ولكن بقصد استعلائي في الغالب، مما يجعل من قضية تحديثها عملية داخلية فقط، تستند الى استعادة النموذج الاول لعصر تميزها "الخلافة الراشدة"، وتقدمها فلا يصلح أمر هذه الامة الا بما صلح به أولها، وعليه تصبح اي محاولة لعلمنتها او دمقرطتها هي اشبه بزرع عضو غريب في جسد الامة ولا يمكن فهم هذا الاتجاه الا في حدود انه شكل من اشكال ازمة الثقافة العربية وازمة العقل العربي والاسلامي .
خلاصة الامر وبعيدا عن الخلافات والاختلافات بين المفكرين وعلماء التاريخ الأنثروبولوجيا في فهم وتعريف الثقافة والحضارة وهوية اي ثقافة او حضارة، يمكن تعريف الهوية الثقافية ككل الهويات الاخرى بانها هي نظام من القيم والتصورات يتميز بها مجتمع ما تبعا لخصوصياته التاريخية والحضارية وكل شعب من الشعوب البشرية ينتمي الى ثقافة متميزة عن غيرها وهي كيان يتطور باستمرار ويتأثر بالهويات الثقافية الاخرى ولهذه الاخيرة مستويات ثلاث هوية فردية وهوية جماعية وهوية وطنية (5).
وبذلك وبتحديد أكثر لمفهوم الثقافة، يمكن القول ان الثقافة العربية الاسلامية هي جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. هذه الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته وتجعل منه كائناً يتميز بالإنسانية المتمثلة بالعقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي وعن طريقها يهتدي إلى القيم ويمارس الاختيار وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه والتعرف على ذاته كمشروع غير مكتمل وإعادة النظر في إنجازاته والبحث عن مدلولات جديدة وإبداع أعمال يتفوق فيها على نفسه (*).
وهو ما يحلينا الى الموضوع الرئيسي للمقالة وهو النقد الداخلي او الذاتي للفكر العلماني، وحتى يكون هذا النقد في اطاره النظري والعملي الصحيح فهو يستوجب تحليل صراع وأزمة العلمانية العربية في علاقتها بالدين وهو الدين الإسلامي تحديدا لكون دين الأغلبية في العالم العربي.
في الصراع بين العلمانية والاسلام
لا بد من فهم طبيعة الصراع بين الدين بشكل عام والعلمانية، وبينها وبين والاسلام بشكل خاص، هل هو مجرد صراع اجرائي وتنظيمي على شكل الدولة وطبيعة ونوع مؤسساتها، ام هو أعمق من ذلك يدخل في الاصول المؤسسة لكل من العلمانية والاسلام بصفتهما نظامين للقيم والمبادئ العامة، التي تخص نظام الدولة وأنظمة المجتمعات.
ومن هي القوى التي تقف في وجه اي مشروع علماني حداثوي، هل هو الاسلام الدين والعقيدة؟ ام هي التيارات والاحزاب والمؤسسات الدينية الاسلامية فقط؟ ام ان هناك قوى اجتماعية اخرى قد تتضرر من وضع اي مشروع حداثوي قيد التنفيذ والتطبيق نظريا، قد يكون الاسلام الدين وقوى الاسلام السياسي هي اول وأكبر عائق مام هذا المشروع.
ولكن هذا التأكيد النظري لا يكفي وحده لتحديد كافة القوى او الطبقات او الفئات والتيارات التي تقف على الضد من اي مشروع علماني موضع التطبيق، لان الامر يحتاج الى دراسات وابحاث تأخذ على عاتقها تقديم فهم موضوعي لبنية كل مجتمع من مجتمعات العالم العربي لبيان طبيعة وشكل البنى الداخلية لهذه المجتمعات، وكيفية تأثرها ببعضها البعض، وتأثرها باي متغير داخلي جذري سوف يعيد ترتيب الانساق الاجتماعية التي تتخذها هذه البنى، بالهدم او التطوير او التجاوز من خلال الادوات الثورية او الإصلاحية، التي سوف يدخلها مشروع العلمانية الحداثي لان التجارب الانسانية تثبت ان اي تغيري جذري في بنية الدولة وبنية المجتمعات لا بد له من اثار وردة فعل جراء الاضرار التي تصيب قوى فئوية وطبقية وقبلية مرتبطة بشكل وتراتبية النظام السياسي السائد في نموذج الدولة العربية الحالية، واي تغير بنيوي وجذري لطبيعة وشكل الدولة بخلق مؤسسات سياسية جديدة اعادة تشكيل العلاقة بين والنظام السياسي والهيئة الاجتماعية اي العقد الاجتماعي المفترض والسائد منذ عقود . يمكن القول المفكرين والكتاب العلمانيين والليبراليين العرب ينقسمون في هذا الشأن الى ثلاث اقسام:
القسم الأول: يضع الاسلام الدين والعقيدة ذاتهما كهدف اما لما اسميه للإزاحة التاريخية من بنية الدولة وتحيده فيما يتعلق ببنية المجتمع والتحييد هنا هو البديل لديهم عن الالغاء الغير ممكن وهم يعلمون ذلك، تهدف هذه الازاحة المتصورة الى احلال الحداثة كبديل عنه، يبدو لي ان هذه الفئة من العلمانيين العرب، المنضوين تحت لواء هذا المشروع بالغالب هم ملحدين بالأساس يعتقدون ان الدين بشكل عام هي منتج بشري تاريخي، يجب تجاوزه بأسلوب الصدمة الفكرية والثقافية من خلال التشكيك بكل اسس الاديان العقدية والتاريخية، وحتى أنماط ممارسات العبادات الخاصة لهذا الدين، وهذا التصور للعلمانية والحداثة هو ما اطلق عليه المفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري العلمانية الشاملة وهي علمانية راديكالية لا تقبل القسمة على اثنين .
اما القسم الثاني: هو الاقل راديكالية، فقد وضعوا نصب اعينهم هدف ادخال الحداثة ذاتها في بنية الاسلام، من ناحية وبنية الدولة من ناحية اخرى، وهي محاولات اتخذت اشكال مختلفة فمنهم من حاول المزاوجة بين الاسلام والاشتراكية والاسلام والليبرالية او انتاج اسلام الليبرالي او يسار اسلامي واسلام قومي العروبي.
والقسم الثالث: هم من اختاروا دخول معترك التاريخ الاسلامي والفقه الاسلامي والفتوى ايضا محاولين انتاج قراءات جديدة للتراث العربي الإسلامي، بمجمله او وضع فهم جديد لأسس الفقه الاسلامي وكيفية تطويره او انتاج فقه جديد يلائم متطلبات العصر.
ان المقابلة الصراعية بين الاسلام والعلمانية باي شكل قد تتخذه هي معركة خاسرة مسبقا، وهذا برأي أحد اسباب فشل الفكر العلماني بالتحول من فكر نخبوي الى فكر شعبي وجماهيري، بان يصبح جزء من بنية هوية شعوب المنطقة، اضافة الى ذلك ان المقابلة الصراعية بالأساس مقاربة خاطئة لم تأخذ بعين الاعتبار ان المواجهة، التي يجب ان يخوضها المشروع العلماني الوطني لكل دولة عربية على حدى، يتطلب:
اولا: وجود نخب علمانية حقيقية،
ثانيا: ان تملك هذه النخب مشروع علماني متسق مع بعضه البعض،
ثالثا: ان تقوم هذه النخب بإعادة قرأة وتشخيص الواقع بما يلائم مشروعها من خلال التحليل والنقد والاتسام بالواقعية بسقوف هذا المشروع،
رابعا: وهو الاكثر اهمية بنظري ان تستوعب هذه النخب، ان الاسلام الدين لا يشكل وحده العائق التاريخي لتطبيق مشروع العلمانية من خلال النظر اليه على انه وحدة او بنية معزولة عن باقي المعيقات التاريخية الأخرى، مثل طبيعة تشكيل الدولة العربية الوطنية المعاصرة والطبقات الاجتماعية المسيطرة فيها، ونخب المثقفين المتدينين والقبائليين والانظمة الاجتماعية التقليدية القبائلية والنظام التعليمي والاقتصادي السائد ومدى تجر تنظيمات الاسلام السياسي في هذه الدول ومجتمعاتها،
وهذا الأخير قدم نفسه منذ البدايات كممثل للإسلام في ظل غياب واندثار مشروع دولة الخلافة الإسلامية، والفشل المتواصل لأنظمة الحكم في العالم العربي التي اتخذت لبوس قومي وعلماني واشتراكي وليبرالي، وجميعها فشل في تحقيق مشاريعه، فلا قامت دولة الوحدة العربية من المحيط للخليج، ولا الاشتراكية العربية حققت التغير و التنمية الحقيقية وصولا الى العدالة الاجتماعية والتحرير، ولا الانظمة التي اتخذت لبوس الليبرالية وبعض اوجه العلمنة حققت القدر الادنى من الحرية والديمقراطية، بصوره اخرى كانت كل هذه الايديولوجيات قد قدمت نفسها كفكر خلاصي وانتهت الى فشل اهداف هذه النخب وفشل عضوي متربط بها في تأسيس الدولة الوطنية المعاصرة.
وقد يكون ما اطلق عليه "الربيع العربي" ما هو الا نتيجة متأخرة للفشل والانهيار الدولة العربية المعاصرة في اتجاهي أولهما انهيار (نموذج دولة ما بعد الاستعمار- دولة ما قبل الدولة الوطنية العلمانية )، والاتجاه الثاني الانهيارات المتتالية في بنى مجتمعات هذه الدول، لذلك كان المستفيد الوحيد من كل ذلك هو تيار الاسلام السياسي من خلال عمله على الارض لسنوات وعقود، والانظمة الملكية التي تبنت نموذج خاص بها في الحكم وادارة الحراك الاجتماعي الوطني الداخلي، مما جعلها اكثر استقرار في مواجهة موجة هذا الربيع المدمرة إضافة الى ما ابرمته من تحالفاتها إقليمية و دولية تتناسب مع ادوارها الوظيفية في المنطقة، ولا مانع من اضافة عامل اخر ساعد في استقرارها هو توظيفها للثروات الناتجة عن البترول والغاز التي تملكها، وهو ما جعل التباين الطبقي والاجتماعي في هذه الدول تباين في حدوده المعقولة فلا يوجد قمع تام ولا يوجد فقر مدقع ونسب الفساد قليلة مقارنة بباقي الدول، التي هب عليها الربيع العربي وجعلها مكشوفة امام نفسها وامام الاخر الدولي .
وبالعودة الى فلسفة فكرة العلمانية عند اغلب الباحثين العرب وعند العلمانيين انفسهم، يعتبرون ان العلمانية والحداثة وفيما بعد الليبرالية وما رافقهم، اذا ما اعتبرناهم مراحل للنقلات النوعية في الثقافات الغربية، من افكار وفلسفات شكلت اساس نهضة اوروبا وانتقالها الى عصر الانوار، ان الدين المسيحي بنظامه الكهنوتي الذي كان يسيطر على الحياة الثقافية ويغلق مصادر المعرفة، وينفي اسباب الحرية الانسانية الا في اطار الفهم اللاهوتي الرسمي لها، هو ما تسبب بضرورة قيام النقلات النوعية او الثورات الفكرية التي سبقت الثورات السياسية في الثقافة الاوروبية ، وهذا الاتجاه يبدو لي انه يمعن في التخندق المعرفي ضد الدين باعتباره العامل الوحيد او حتى الرئيس في تأسيس عصور الظلام في اروبا ، وان الحداثة والعلمنة كانت اشبه بردة فعل ثقافي وحضاري استوجبته مفاعيل النهضة والتحرر منه، وهم بذلك يفصلون العامل الديني بشكله الفاعل آنذاك عن عوامل اخرى لا تقل اهمية عنه، بل هي تتضافر معه وان لم يكن بشكل تحالف تاريخي واضح المعالم، في تشكيل عالم ما قبل النهضة ابتداء من الانماط الاقتصادية السائدة والاشكال الطبقية المسيطرة اضافة الى ما كان يفرضه الشكل السياسي لدولة ما قبل الدولة القومية في اوروبا، من بنى اجتماعية شكلت جميعها معالم عصر ما قبل النهضة وهي جميعها ساهمت في انبثاق اللحظة الحداثية الأوروبية .
برأي وحتى لا اصدر احكام قطعية مسبقا لا يمكن فهم الصراع حول العلمانية الذي لا زال يدور في كافة الحقول المعرفية والسياسية والتاريخية للثقافة العربية، بين المثقف العلماني والليبرالي العربي الذي واكب وساهم في بزوغ عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر الميلادي واوائل القرن العشرين، والجمهور النخبوي لهذا الفكر وبين التيار الديني التقليدي الذي كان سائد أنداك وجمهوره العريض، وبين سلطة الدولة العربية بصفتها مؤسسة التي دخلت على خط هذا الصراع بشكل مبكر مع استقلال الدول عربية عن الاستعمارين الفرنسي والانجليزي، بغض نظر عن النظام السياسي الذي كان مسيطر او لا زال في هذه الدول بعد المرحلة الاستعمارية، دون فهم اشكال وطبيعة الصرعات المتعلقة ببنية الدولة ومؤسساتها ومرجعتيها وشرعيتها السياسية والدينية أحيانا، فهيا كانت ولا زالت حاضرة في اغلب اشكال الصراع بين فرقاء الفكر والايديولوجيا، لا بل ساهمت مساهمة فاعلة في اشتداد وتوسع دائرة هذا الصراع حفاضا على مصالحها الوجودية.
(1) جاكلين روس، كتاب-مغامرة-الفكر-الأوربي-قصة-الأفكار-الغربية، ترجمة امل ديبو، هيئة ابوظبي للثقافة والتراث، ابوظبي، الطبعة الأولى، 2011.
(2) محمد السعدي، مقال، الهوية من الوحدة اللا التعدد "، مقال منشور مجلة افاق المستقبل، العدد 7 -سبتمبر -اكتوبر سنة 2010.
(3) دكتور جمال نصار، دراسة الهوية الثقافية وتحديات العولمة، اصدارات مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ 28-يناير كانون الثاني سنة 2015.
(4) دكتور صبحي غندور، مشكلة الهوية العربية انها هي الحل، مقال، منشور في جريدة البيان، بتاريخ 13-ديسمبر سنة 2012.
(5) دكتور جمال نصار، المرجع السابق.
(*) تعريف منظمة اليونسكو للثقافة "تم تعريف مصطلح الثقافة على أنه عبارة عن مجموعة من الأمور ذات الميزات والمادية والفكرية والثقافية التي تتسم بالطابع الثقافي، تلك التي تقوم بدورها في تمييز مجتمع ثقافي ما أو تميز فئة اجتماعية معينة، وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات والثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته ".