Menu

أنياب العشائرية والدولة المدنية

سعاده مصطفى أرشيد

نقلًا عن جريدة البناء

قامت الحياة الاجتماعية قديماً على مستلزمات البقاء وضروراته، التي لا يستطيع الإنسان الفرد تأمينها لوحده، وتشكلت مع التقدّم الإنساني اثر ذلك مؤسسات مجتمعية بسيطة أخذت في التطوّر إلى أن وصلت إلى مرحلة الدولة الصغيرة، ثم إلى الدولة القومية والتي لا زلنا نأمل ونعمل لبلوغ مرحلتها .

ترافق وجود الدولة قومية كانت أم وطنية مع وجود مؤسسات رديفة، اجتماعية، اقتصادية، وسياسية لها دور مشارك مع الدولة في إدارة شؤون المجتمع، ولكن مع بقاء الدولة المؤسسة الأمّ والأشمل والتي تمثل الوعاء للجميع، وتدافع عن المصالح العامة من أرض ومجتمع واقتصاد وثقافة وقيم وحدود، وهي التي تضع بالاشتراك مع المؤسسات المجتمعية الرديفة، الدساتير وتسنّ القوانين الناظمة للجميع .

أدى التطور الاجتماعي للوصول إلى دولة المواطنة، وإلى استبدال الهياكل والمؤسسات الاجتماعية القديمة ـ البسيطة، بما هو أكثر تطوّراً وحداثة، فبدل مؤسسة العشيرة والقبيلة والطائفة والزقاق، أخذت الناس تنتظم على شكل نقابات مهنية لأصحاب الصنائع، والمتحدات الجزئية كالمدن والقرى في مجالس بلدية وقروية، وأنشأت منتديات المثقفين ونوادي للرياضيين وأحزاب للمشتغلين بالشأن العام .

في سابق العصر والأوان مثلت القبيلة والعشيرة خط دفاع عن أبنائها المنتمين إلى جدّ مشترك ومن يشاركهم العيش كموالٍ، وجدوا في العشيرة ملاذاً لحمايتهم، العشيرة تدافع عن أبنائها، وتصون مراعيهم وموارد مياههم من الغرباء، وتأخذ بثأرهم وتنصرهم ظالمين كانوا أم مظلومين، في حين شكل الانتماء للحزب السياسي شكلاً أكثر تحضراً… فالأحزاب تنشأ بموجب القانون، يتفق المنتسبون إليها على عقيدة مشتركة و/ أو برنامج سياسي، شامل في نظرته للمجتمع وحامل تصوّراً لإدارة الشأن العام، فلا شيء يمكن أن يجمع أكثر من الاتفاق في الرأي .

في عصر الدولة الوطنية في بلادنا، أخذت العشائرية تتراجع ولم يبق منها ظاهراً إلا بعض المظاهر الإيجابية المتعلقة بالتكافل الاجتماعي وفعل الخير العام، إضافة إلى المشاركة في مناسبات الأفراح والأتراح، فيما تقدّمت الدولة وقوانينها لتصبح الناظم والفيصل في أية حالة نزاع على قاعدة المواطنة والتساوي بين الناس غير آخذة في الاعتبار عشيرة أو مذهب أو منطقة، وإذا أخذنا العراق مثالاً، فمن منا قبل الاحتلال الأميركي كان يعرف أو مهتماً ـ إلا صدفة ـ أن وزير الخارجية العراقي الكفوء طارق عزيز كان كلدانياً، أو أنّ وزير الإعلام الصحاف كان شيعياً، وأنّ ذلك الوزير تركماني أو كردي، انهم وزراء عراقيون وكفى، ولكن الاحتلال الأميركي فور قدومه نشر هذه الثقافة ولجأ للطوائف والاثنيات وأقام من عشائر كنا نظن أنها أصبحت جزءاً من تاريخ قد انقضى جيش الصحوات وذلك على حساب الدولة المركزية ومجتمع المواطنة، في حين تهاوى الحزب الحاكم القوي الذي كان ينتمي إليه الملايين وأصبح أثراً بعد عين، وأثبت أنه لم يستطع أن يمؤسس ثقافة المواطنة شأنه شان الأحزاب الشمولية التي عندما تصل للسلطة يتمّ تهميش عقائدها ومناضليها لصالح أجهزة أمنية وانتهازيين لا يرون في الحزب أكثر من قنطرة للوثوب إلى السلطة ومغانمها .

العشائرية أخذت تطلّ برأسها من جديد، مترافقة مع ظواهر التخلف والعنف والتكفير والتوحش الأخرى. ما جرى في لبنان في مطلع هذا الأسبوع، وما قيل عن عشائر لها مجلسها وتصدر بياناتها، أمر يستحق التوقف عنده طويلاً، كاتب المقال الذي يفترض انه يعرف لبنان جيداً، لم يسمع قبلاً بوجود عشائر عربية في خلده أو بيروت من قبل هياكلها التنظيمية ومجالسها وقوانينها الخاصة، وفي غالب الأمر يشاركه عدم المعرفة هذه كثير من سكان بيروت، من الواضح من سياق ما جرى، أنّ هذه العشائر لم تنخرط في المتحد الاجتماعي حيث تعيش، وأنها قد أخذت تلبس لبوساً طائفياً وتعادي حزباً من طائفة أخرى على قاعدة مذهبية طائفية، وهي تتلقى الدعم من دول مشغلة لها ذات بنية عشائرية، تحبّ أن تعمّمها، وتجد قواسم مشتركة معها، وهذا الدعم سواء كان مباشراً أو عبر أدوات لبنانية له توظيفه، ومطلوب منه أن يكون بيئة حاضنة لجموع من التكفيريين الهاربين من الشام، مطلوب إعادة موضعتهم في لبنان وتحديداً على طريق الجنوب وما بين الضاحية الجنوبية وبيروت، وذلك لحين لزومهم الذي لا يبدو بعيداً.

الأردن بدوره، قام داخلياً على أساس عقد اجتماعي وضعه الآباء الأوائل في مطلع عشرينيات القرن الماضي، يضع الدولة والعرش الطرف الأول والأقوى وتقدّم العشائر ولاءها لهم، وتلتزم بسيادة القانون ـ والدستور في ما بعد ـ هذا العقد بقي ثابتاً وإنْ كان قد تعرّض لهزات في غالبها اقتصادي، كرفع الدعم عن الخبز، ومدينة معان الجنوبية مثلاً على ذلك، فكان الملك الراحل يقطع زياراته للخارج عند أيّ توتر من هذا النوع ويسارع بالعودة وزيارة المناطق المحتجة وينتهي الأمر بتسوية مرضية للطرفين ولكن مع سيادة القانون، لكن في العقد الأخير أطلت هذه العشائرية بأظافر وأنياب حداد، تتطاول بها على الدولة، وتثبت تفوّقها على القانون العام واستخفافها به، ومع سوء الأداء الرسمي وعدم معالجة هذه الظاهرة أصبح للعشائر مكتسبات، من شأنها الإضرار بالعقد الاجتماعي الذي قامت عليه السياسة الداخلية للدولة، وكان لذلك دور في إنهاك البلد ووصولها إلى الحافة السياسية والمالية .

في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، حصل حادث قتل قبل أسبوع، وبغضّ النظر عن ملابسات وأسباب القاتل، إلا أنّ الجريمة وقعت وأنّ روحا قد أزهقت وأنّ جسداً قد أصبح تحت التراب، أصدرت عشيرة القاتل بياناً، تبنّت فيه عملية القتل وفاعلها، وأكدت على أنّ القتل كان باسم العشيرة معدّدة أسبابها ومبرّراتها، وردّت عائلة القتيل ببيان مضاد، وتذكر هذه البيانات بصيغتها بما كان يصدر عن فصائل العمل الوطني في السبعينيات عندما كانت تتبنّى عملية فدائية .

غابت السلطة عن الحدث، واكتفت بالطلب من العشيرتين بضبط النفس، ولكن العشيرتين لم تستجيبا لذلك الطلب، فتم إحراق عشرات المنازل ومثلها من المحال التجارية، وظهر مسلحون بيدهم أسلحة عشائرهم وأطلقت النار على المنازل وأصيب بالرصاص من أصيب، لم تحضر السلطة أو مسؤولوها وإنما قامت بالاستنجاد بأحد شيوخ العشائر المعروفين ليتدخل ويعقد هدنة بين العشيرتين، تمهيداً لبحث المشكلة ومحاولة إيجاد حلّ لها، وتردّد أنّ بعضاً من أهل المدينة قد ناشدوا الملك عبد الله بالتدخل، وأنّ سفير الأردن في رام الله قد أجرى اتصالات مع الحكومة (الإسرائيلية) بهدف الحصول على تأشيرات دخول لمجموعة من شيوخ العشائر الأردنية لذات الغرض، فيما وصل الاثنين الماضي بعض مسؤولي السلطة للمدينة بمعية الشيخ العشائري .

يعني ما تقدّم وعلى المستوى القومي لا المحلي فقط، أنّ السلطات والحكومات تتخلى عن دورها لصالح العشائر، وأنها لم تعد ترى أنّ المواطنة هي الأساس وإنما الأساس هو الانتماء إلى العشيرة، وأن الحكم بين الناس ليس القانون وإنما مجموعة من الأعراف الشفوية القديمة، ويعني أيضاً، انتهاء النظرة المدنية للدولة، والأحزاب السياسية والتنظيمات تخلت عن دورها في الارتقاء بالمجتمع سياسياً وثقافياً، ونلاحظ أنها تلقت شحنة كهربائية سالبة من العشيرة، فتماهت معها بالأداء وطرائق العمل، انه مظهر من مظاهر الفشل وأمر إنْ لم يتمّ تداركه، فإنه خط فاصل بين مرحلة ومرحلة بملامح بالغة الوضوح وباتجاه الطلاق البائن مع المواطنة والحياة المدنية.