Menu

محاكمات النظام السعودي للمواطنين الأردنيين والفلسطينيين.. توقيتاً ورسائل

راسم عبيدات

منذ أن استدخل المغدور السادات بعد اتفاقية "كامب ديفيد"، ثقافة الهزيمة و99% من أوراق الحل بيد أمريكا...وما تبع ذلك من حالة انهيار في بنية ودور ووظيفة النظام الرسمي العربي،والذي بفعل أموال البترودولار التي دمرت قبل ذلك لبنان،وجدنا بأن هذا النظام الرسمي العربي ينتقل من النقيض الى النقيض في شعاراته وعلاقاته وتوصيفاته لطبيعة الصراع والعلاقة مع المحتل ،حيث سقطت كل الشعارات التي رفعها النظام الرسمي العربي في مرحلة المد الوطني والقومي العربي بعد هزيمة حزيران/1967،بحيث أصبحت السودان التي عقدت فيها قمة اللاءات الثلاثة،قمة الخرطوم " لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف" بإسرائيل،واحدة من دول التطبيع " الإبراهيمي"،ولعل النظام الرسمي العربي الذي لم يكتف بالهرولة نحو التطبيع مع المحتل والتخلي عن كل شعاراته القديمة،بل اضاف لتلك الشعارات أبعاداً ومضامين أخطر،من حيث حرف الصراع عن جوهره من صراع عربي- اسرائيلي جوهره القضية الفلسطينية الى صراع مذهبي اسلامي - اسلامي (سني- شيعي)،ولم تعد اسرائيل هي عدوة الأمة ومحتلة أرضها ومن يهدد أمنها واستقرارها،بل اضحت ايران هي العدو والمهدد لأمن واستقرار وعروش النظام الرسمي العربي،في سياق العدو المصطنع الذي أوجدته أمريكيا للنظام الرسمي العربي،من أجل ان تستمر في الضغط عليه و" استحلابه" مالياً من أجل حمايته من ايران.

ومن بعد ذلك استمر النظام الرسمي العربي في حالة عجز وانهيار وتردي،ولكي يبقي ورقة التوت ساترة لعورته،طرح الملك السعودي الراحل خالد الذي كان ابان تلك القمة أميراً،ما سمي بمبادرة السلام العربية،في قمة بيروت آب/2004،"الأرض مقابل السلام" والتي رد عليها المغدور شارون في تلك الفترة بأنها لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به،وبأن المطلوب هو " السلام مقابل شرعنة الإحتلال"،وبالمناسبة ما قاله دقيق..ومن بعد ذلك كانت حرب تموز العدوانية الإسرائيلية على لبنان وجماعة السيد و قوى ا ل م ق ا ا و م ة ،التي خاضتها اسرائيل لأول مرة بالوكالة عن أمريكا لخلق ما سمته وزير خارجية أمريكا أنذاك " كونداليزا رايس" بالشرق الأوسط الجديد،وفي تلك الحرب كان رئيس وزراء قطر حمد بن جاسم،والذي استدخل ثقافة " الإستنعاج" والإستجداء العربي على بوابات الأمم المتحدة والبيت الأبيض،لأن العرب لا طاقة لهم بمحاربة ومنازلة هذا الذئب الشرس ...معتقدين بل ومقتنعين بأن ثقافة الهزيمة والإستجداء أقل كلفة من ثقافة ا ل م ق ا و م ة....من بعد ذلك كانت العشرية السوداء التي أصابت العديد من الأقطار العربية،تحت ما سمي بثورات الربيع العربي باللوثات الفكرية والمذهبية والطائفية،والتي كانت واحدة من أهدافها المركزية، ضرب القوى المركزية العربية ( سوريا والعراق ومصر) وتدمير جيوشها المركزية وتفتيت وتذرير وتفكيك جغرافيتها مع العديد من الدول العربية الأخرى وبما يحول أغلب الدول العربية الى كيانات فاشلة،بعد اعادة تركيبها على اساس المذهبية والطائفية والثروات.

وبالمناسبة في فترة العشرية السوداء في أول خمس سنوات منها،كانت تربط ح م ا س مع السعودية علاقات قوية، في ظل قيادة خالد مشعل للحركة،حيث التقت مصالحهم ومواقفهم من ما جرى في سوريا.

التطورات اللاحقة في العلاقة كانت تشير الى برود في تلك العلاقة،حيث الخلاف السعودي- القطري حول القضية السورية وقيادة الملف ،وكذلك التغيرات التي حصلت في عضوية مجلس شورى ح م ا س ،مكتبها السياسي،كانت تؤشر الى سعي لتطوير العلاقة مع طهران .. وقد تجلى ذلك في الحرب التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة في 2014 ،والتي خطت فيها حركة ح م ا س خطوات واسعة نحو تعزيز علاقاتها مع طهران،بفعل الدعم المالي والعسكري،في وقت لم تقم المشيخات الخليجية،وفي مقدمتها السعودية بتقديم أي دعم ومن أي نوع وشكل ل ح م ا س وا ل م ق ا و م ة، ومن ثم تسارع تدهور العلاقات بين السعودية وحركات ال م ق ا و م ة الفلسطينية وفي مقدمتها ح م ا س،بعد قطع العلاقات ما بين العديد من مجلس التعاون الخليجي و مصر مع قطر في حزيران 2017/، وتولي الرئاسة الأمريكية من قبل الرئيس الأكثر يمينية وتطرف ترامب،حيث جرى تصنيف حركات ا ل م ق ا و م ة الفلسطينية والعربية،وفي مقدمتها ح م اس كحركات "إرهابية"،والسعودية تبنت نفس الموقف والتصنيفات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية.

ولم تكتف السعودية بهذه المواقف،بل سعت كما هو شركائها من أمريكا واسرائيليين وبريطانيين في عهد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى تجفيف ما يسمى بمصادر ومنابع " الإرهاب"،من خلال القيام بحملة اعتقالات واسعة شملت نشطاء وأصدقاء لحركة ح م ا س أردنيين وفلسطينيين كانوا يجمعون التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ...السعودية أصرت على محاكمة المعتقلين،ولكنها كانت تأخر اجرءات المحاكمة والحكم،في رهان على أن يجري تطويع ح ر ك ة ح م ا س وتغيير موقفها من علاقاتها بطهران ،وتطبيع علاقاتها مع السعودية من خلال البوابة الأمنية،وليس وزارة الخارجية أو الديوان الملكي السعودي، ولكن التطورات اللاحقة قادت الى فجوة كبيرة بين الرياض و ح رك ة ح م اس،وخاصة بعد معركة " سيف القدس " ،والتي ارتفع فيها سقف التنسيق والتعاون بين مكونات محور ا ل م ق ا وم ة،وخاصة بأن الخلاف السعودي القطري – التركي والتقارب القطري مع طهران، ساعد هو الآخر في دفع العلاقات بين ح م ا س ومحور ا ل م ق ا و م ة وبالذات ما بين ح م ا س وطهران وجماعة السيد.

بعد انتخاب ابراهيم رئيسي رجل الإمام الخميني والجناح المتشدد في القيادة الإيرانية ..وانتهاء انتخابات مجلس شورى ح م ا س،والتي قادت الى فوز أغلبية التيار الداعي الى توثيق العلاقة مع قوى ودول محور ا ل م ق ا و م ة . ومن ثم مشاركة وفد كبير من كافة قوى ا ل م ق ا و م ة الفلسطينية،وفي مقدمتها وفد ح ر ك ة ح م ا س بقيادة رئيس مكتبها السياسي اسماعيل هنية،في تنصيب الرئيس ابراهيم رئيسي رئيساً ل إيران وما حظي به الوفد من استقبال حافل من قبل القيادة الإيرانية، كان القرار السعودي بإختيار هذا التوقيت للإعلان عن محاكمات أعضاء وأنصار حركة ح م اس المعتقلين لديها (69) معتقل، والحكم عليها بما فيهم الشيخ محمد الخضري ممثل حركة ح م ا س السابق على أرضها الذي تجاوز الثمانين من العمر لمدة 15 عاماً، أتت تلك الأحكام انتقاماً من ح م ا س على توثيق علاقاتها بطهران،وكذلك الزيارة للتهنئة والمباركة بتنصيب الرئيس الإيراني الجديد ..وفي الرسائل التي تحملها تلك المحاكمات،فواضح بأنها كانت بمثابة رشوة لإدارة بايدن من أجل تقديم الدعم لولي العهد السعودي الذي لديه سجل قاتم في قضايا الحريات وحقوق الإنسان،وخاصة بعد قتل صحفي بلاده الخاشقجي بطريقة وحشية ...وكذلك هي رسالة لدولة الإحتلال بإخراج عملية التطبيع التي طالت سريتها بين السعودية ودولة الإحتلال إلى العلن،حيث تحدث قبل ثلاثة أيام عضو الكنيست عيساوي عن اتصالات بين أغلب دول النظام الرسمي العربي ودولة الإحتلال، بما في ذلك السعودية... والرسالة الأخرى للنظام الرسمي العربي،والقول لهم بأن جمع التبرعات والدعم المالي والمساعدة للقضية الفلسطينية،ليس تهمة في السعودية،ولكن واضح بأن خيار ا ل م ق ا و م ة الفلسطينية،هو خيار ايراني في محاولة لتضليل الرأي العام العربي.. وهناك رسالة موجهة لقيادة ح ر ك ة ح م ا س بأن قرارها يجب أن يكون بجيب السعودية،والقبول بالخيار السعودي لحل القضية الفلسطينية،والذي لا يخرج عن صفقة القرن الأمريكية،وبالتالي أي عفو ملكي عن المعتقلين المرتبطين بحركة ح م ا س،يستدعي تخفيف علاقاتها بطهران وعدم السير في ركبها وخيارها.

ومن هنا نحن نفهم توقيت المحاكمة السعودية لممثل حركة ح م ا س السابق على أرضها محمد الخضري ومن معه،والحكم عليهم باحكام قاسية جداً ،والرسائل التي أرادات القيادة السعودية ايصالها اسرائيلياً وأمريكياً وعربياً و ل ح م ا س نفسها.