Menu

مفهوم التحرر الوطني

غازي الصوراني

المفكر غازي الصوراني في الدراسة التي تحمل عنوان: حول مفهوم التحرر الوطني.. وتطبيقاته على الوضع العربي الراهن، التي خص بوابة الهدف الإخبارية بنشرها؛ قراءة موضوعية للواقع العربي؛ مستندة للمنهج المادي الجدلي التاريخي، وينطلق منها في قراءته لواقع حركة التحرر الوطني/القومي العربي؛ كضرورة لا بد منها للخلاص من هذا الواقع المأزوم والمهزوم. من جهته وفي اتصال هاتفي معه من أسرة تحرير الهدف؛ أشاد المفكر د. هشام غصيب، بدراسة "الصوراني" وحياه على الجهد الكبير المبذول فيها، حيث اعتبر أن هناك أهمية كبيرة في تناول موضوع الدراسة، خاصة في ظل انحسار مفهوم التحرر الوطني/القومي، مترافقًا ذلك مع التغول الاستعماري والاستغلال الطبقي والظلم والتجزئة والتبعية والارتهان للخارج من خلال الدور الكمبرادوري الرث لمعظم الأنظمة العربية. كما أكد أن دراسة "الصوراني" تأتي تواصلًا مع ما طرحه المفكرين الذين انشغلوا بتناول قضية حركة التحرر العربية، أمثال: مهدي عامل وإلياس مرقص ومنيف الرزاز وصادق جلال العظم وياسين الحافظ وسمير أمين.. وبأن الوضع العربي المتردي لدرجات سحيقة، يحتاج لحلول جذرية؛ وعليه يأتي هنا ضرورة بعث مفهوم حركة التحرر العربية، على طريق بعث الحركة ذاتها، وهذه مهمة يجب أن تضطلع بها الأحزاب الماركسية إلى جانب الأحزاب والحركات الوطنية والقومية العربية – أسرة تحرير بوابة الهدف).

حول مفهوم التحرر الوطني.. وتطبيقاته على الوضع العربي الراهن

غازي الصوراني

تمهيد:

إنَّ الكفاح الثوري التحرري والديمقراطي العربي لن يكون مجدياً، إلا إذا كان كفاح مواطنين حُرِّرَت إرادتهم وعقولهم ، ونَضَجَ وعيهم بالظلم الوطني والطبقي ، لكي يقوموا بدورهم النضالي المطلوب في مسيرة النضال التحرري الوطني ، كما في مسيرة النضال الطبقي ضد أنظمة التخلف والاستغلال والتبعية.

ففي هذه اللحظة الفارقة غير المسبوقة من حيث انحطاطها في تاريخنا العربي القديم والحديث والمعاصر ، تتجلى فيها وتترسخ أبشع مظاهر التبعية والتخلف والاستبداد والاستغلال الطبقي والصراع الطائفي الدموي جنبا الى جنب مع تزايد السيطرة الامبريالية الصهيونية على مقدرات وثروات شعوبنا بالتعاون المباشر من العملاء الكبار والصغار ممن يطلق عليهم أمراء وملوك ورؤساء لا هم لهم سوى مراكمة الثروات لحساب مصالحهم الشخصية على حساب دماء الاغلبية الساحقة من شعوبنا ... كما ويتجلى ايضا في هذه اللحظة مفهوم التحرر الوطني والقومي الهادف الى بلوره وتجسيد حركات وطنيه وقوميه تقدميه في كل ارجاء الوطن العربي ليس من اجل النضال الهادف الى مقاومه وطرد العدو الامريكي الصهيوني فحسب ، بل ايضا من اجل تفعيل النضال الثوري من منظور ماركسي لإسقاط انظمه التبعية والتخلف وتحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية في بلادنا.

ذلك ان الواقع أو الظرف الموضوعي الحامل لهذه اللحظة الفارقة من حياة مجتمعاتنا العربية ، يدعو بإلحاح الى تفعيل العامل الذاتي ، الحركات والاحزاب اليسارية الثورية من أجل مراكمة وانضاج الثورة الشعبية الوطنية الديمقراطية لإنهاء حكم الطغم الحاكمة ولكي تضع حداً لطغيان قوى اليمين الكومبرادوري ( السياسي والديني المسيس ) وتطال كل جوانب البنية الفوقية المجتمعية العربية بكل ما فيها من اقزام توارثوا الحكم بالعمالة والاستتباع والخيانة والقهر والاستبداد والاستغلال والنهب لاجتثاثهم ودفنهم في مزابل التاريخ ، ألسنا بحاجه الى ثورة بقيادة قوى طليعية يسارية ديمقراطية لتحقيق الاهداف التي طال انتظار جماهير فقراء العرب وتضحياتهم الغالية من اجلها، في تحقيق الديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي وتجاوز وانهاء التبعية ومجابهة التخلف بالرؤى العقلانية التنويرية وامتلاك ادوات العلم والتكنولوجيا الحديثة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة والتصنيع ومبدأ تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة والدخل في اطار التطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والعسكري القادر وحده على توفير كل مقومات القوة اللازمة لطرد وازالة الوجود الامبريالي والصهيوني من بلادنا ، ما يعني بوضوح شديد أن تحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية واجتثاث أنظمة التبعية والعمالة ، يشكل المقدمة الأولى والشرط الرئيسي لتحقيق اهداف التحرر الوطني والقومي التقدمي الديمقراطي في بلادنا.

بدايات حركة التحرر العربية وتطورها:

تميز تطور حركة التحرر الوطني العربية منذ نهاية القرن 19 في سياق النضال ضد النظام العثماني بطابع معقد ومتناقض، فقد كانت القوة المحركة للعمل الوطني ضد الاستعمار هي الجماهير العفوية الكادحة في المدينة والريف والبادية، لكن قيادة هذه الحركة ظلت في يد القوى الرجعية من كبار الملاك الاقطاعيين ورموز العشائر ، "وزاد الوضع تعقيداً بعد صدور قانون الأراضي (الطابو) سنة 1858 الذي وضع أساساً لتجميع الأراضي في أيدي الأغنياء والوجهاء ورؤساء القبائل، ولم تعد الأرض ملكية جماعية للقبيلة او للقرية، بل أصبحت ملكية للإقطاعيين الذين مارسوا أبشع مظاهر الاستبداد والاستغلال الطبقي ضد الفلاحين الفقراء ، ونتيجة لهذا الاستعباد او الاستغلال الاقتصادي الاجتماعي والسياسي لجماهير الفلاحين من كبار الملاك فقد أصبح نظام "العبودية" الأقرب الى القنانة سائداً وان لم يكن بصورة قانونية"[1].

في هذه المرحلة كانت البرجوازية الوطنية في المشرق العربي غاية الضعف من حيث التشكل أو التأثير ، ولم تكن تشغل مكاناً ملحوظاً في الحياة الاجتماعية – الاقتصادية للمدينة ، سوى في سورية و مصر ، وكانت العائلات المالكة (الباشوات) تجسد طبقة الحكام الحقيقيين لمناطقهم بالتحالف مع البورجوازية التجارية (الكومبرادور[2]) الذين سيطروا على السوق والتجارة المحلية.

وفي مثل هذه الاوضاع، حرصت السلطة العثمانية على قمع أية آراء متحررة او مخالفة للعقائد الرسمية الجامدة، واعتبر أبسط نقد للسلطة وأجهزتها المستبدة ، أو للعلوم اللاهوتية من أفظع الجرائم (كما هو حالنا اليوم).

كما حُظِرَ على كافة الصحف والمطبوعات استخدام كلمات مثل "مجلس النواب / الديمقراطية/ الحرية / مجلس الشيوخ / القنبلة / الحكم الذاتي / الديناميت/ الثورة / العروبة ... الخ ، مع تزايد تراكمات وأساليب القهر والاستغلال والتخلف والجهل والامية ، ومع تفاقم هذه الأوضاع المتردية، بدأت معالم وحراكات النضال الوطني ضد العثمانيين من خلال العديد من الظواهر والمؤشرات[3]:

1- تفككت وتراجعت التصورات حول عظمة السلطان وتفوق المسلمين على ما عداهم من الاديان الأخرى.

2- تقوضت أسس العلاقات الاجتماعية التقليدية بسبب عدم تلاؤمها من حيث التفكير مع الظروف الجديدة.

3- بداية التراجع تجاه التصورات الميتافيزيقية القديمة عن العالم (عبر عدد من المثقفين المستنيرين الذين تأثروا بالليبرالية).

4- بداية تكون أيديولوجية البرجوازية الجديدة وثقافتها الليبرالية في سوريا ومصر (بدءاً من الأفغاني ومحمد عبده، أحمد لطفي السيد، وسلامه موسى ، وشبلي شميل ، وفرح انطون وإسماعيل مظهر، وعلي عبد الرازق وفيليب تقلا وطلعت حرب وغيرهم) ، حيث بدأت تتكرس العلاقات الرأسمالية التي كان لها آثارها الهامشية على اختلاط المفاهيم القومية بالمفاهيم الدينية.

ومع هزيمة الاتراك 1919، بدأت تتراكم الاشكال الجنينية للتحرر الوطني والقومي، العربي، وظهرت الافكار القومية ، خاصة في الولايات السورية في اوساط المثقفين البورجوازيين فقط دون وصولها الى الجماهير الشعبية ، حيث ظلت الزعامات الاقطاعية والعشائرية والدينية تحتل نفوذاً لا جدال فيه على آراء وعقول الجماهير.

من أوائل المنورين في مجال الفكر التحرري القومي ، بطرس البستاني وناصيف اليازجي اللذان أكدا على التلاحم العربي ونبذ التفرقة الدينية، وإبراهيم اليازجي الذي رفع شعار إسقاط الحكم التركي واستقلال العرب ، وألف نشيد "بعث الأمة العربية" عام 1868 ، وفي عام 1904 دعا المفكر القومي الفلسطيني نجيب عازوري الى استقلال العرب عن الاتراك ، وأعلن تأسيس رابطة الوطن العربي ، وأصدر في عام 1905 -من باريس- بيان يقظة الامة العربية ، ثم أصدر عام 1907 صحيفة الاستقلال العربي باللغة الفرنسية.

وعلى أثر هزيمة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ، تشكلت الجمعيات العربية ذات الطابع القومي من اجل الاستقلال ، وقد شجع الدور الاممي للاتحاد السوفياتي آنذاك كافة حركات التحرر الوطني في الشرق ، لكن السمة الرئيسية لهذه الحركات اتسمت بالضعف حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية وحصول معظم البلدان العربية على استقلال شكلي، مع استمرار هيمنة الطبقات الاقطاعية والفئات العليا من الرأسمالية ، وكان دور القوى الوطنية عموماً واليسارية خصوصاً هشاً ضعيف التأثير .

ومع قيام ثورة يوليو في مصر، ثم قيام الثورات او الانقلابات الوطنية (البرجوازية) في الجزائر والعراق وسوريا واليمن و السودان ، بدعم صريح من النظام الناصري الذي كان له دوراً رئيساً في الدعوة الى إزاحة وتفكيك الاقطاع المحلي ، ومجابهة الاستعمار والنظم الرجعية العربية ، الى جانب الموقف ضد الدولة الصهيونية ، وقد تميزت تلك المرحلة بحالة من المد القومي العفوي والرومانسي بتأثير كاريزما الزعيم الراحل عبد الناصر ، كما تميزت بشعاراتها السياسية الفاقدة للرؤى والأفكار والبرامج الاقتصادية التنموية والاجتماعية النهضوية التقدمية الديمقراطية بسبب هيمنة البرجوازية الحاكمة وحلفائها على قيادة حركة التحرر القومي ، الى جانب استمرار قمع واعتقال القوى اليسارية ومن ثم غياب دورها وتأثيرها على الرغم من تأييد الاتحاد السوفياتي غير المحدود لعبد الناصر و قضايا التحرر العربي ، وذلك انطلاقا من قناعة السوفيات بدور جمال عبد الناصر الوطني والقومي التقدم المعادي للإمبريالية واسرائيل من ناحيه ، ودوره في تطوير قدرات المجتمع المصري الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والسياسية الى جانب دوره في دعم حركات التحرر الوطني من ناحيه ثانيه ، وبالفعل كان دور القائد الراحل عبد الناصر متميزا في رؤاه و مواقفه الوطنية والقومية التقدمية بمثل تميزه في النهوض ببلده مصر وتقدمها الصناعي والاقتصادي والثقافي والسياسي ودورها العربي الريادي ، لكن القوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية انطلاقا من حرص هذه القوى على مصالحها في بلادنا ، وقفت بالمرصاد ضد كل ممارسات الراحل عبد الناصر بهدف افشال سياساته وبرامجه الوطنية والقومية التقدمية ، ذات الطابع الفردي غير الممأسس تنظيمياً وفكرياً ومجتمعياً ، الأمر الذي وَفَّر عوامل نجاح المخطط الامبريالي الصهيوني لإسقاط النظام الناصري ، وكانت هزيمه عام 1967 تتويجاً وتنفيذاً لكل تلك المخططات التي وجدت بالطبع العديد من الثغرات السلبية في البنيه السياسية والاجتماعية الحاكمة لنظام عبد الناصر خاصة بعد ان تفاقم دور البورجوازية الصغيرة العسكرية خصوصا التي شاركت في النظام الحاكم ، ومن ثم تطور دورها عبر متغيرات طبقيه انتهازيه بالتحالف مع البيروقراطية الطفيلية وبقايا الاقطاع والفئات العليا من الرأسمالية الرثة التابعة ، الأمر الذي ادى الى توفير المناخات المعادية لعبد الناصر والتي كانت احد اهم عوامل انتصار العدو الصهيوني في حزيران 1967 واضطرار الراحل عبد الناصر بعد تلك الهزيمة الى اجراء بعض التغييرات في مواقفه السياسية تجاه انظمه الرجعية العربية الى جانب استعداده للتوصل الى تطبيق ما سُمّي بـ شعار "السلام العادل" وقبوله بقرار مجلس الامن 242 ..الخ ، وفي نفس الوقت حرصه الشديد على بناء الجيش المصري بدعم غير مشروط من الاتحاد السوفياتي ، ولكن رحيل القائد الخالد في سبتمبر 1970 عن دنيانا فتح الباب مشرعاً امام القوى والأنظمة اليمينية والرجعية العربية ، خاصة السعودية ودويلات النفط ، باسم الانفتاح وتكريس التبعية الكاملة للمخططات الأمريكية/الصهيونية ، وصولاً الى اتفاق كامب ديفيد 1978 ، الأمر الذي عزز حالة المأزق في مجابهه حركات التحرر العربية عموما والفلسطينية بوجه خاص.

وبالفعل نجحت الامبريالية بالتعاون مع عملائها حكام النظام العربي في حصار وخنق حركات التحرر في بلداننا العربية وتفكيكها في شروط تُحاصَر فيها الثورة التحررية الوطنية والقومية الديمقراطية في بلادنا، سياسياً وإيديولوجياً وثقافياً وأمنياً عبر وسائل القمع والاضطهاد الممتدة حتى اللحظة في المشهد الراهن الذي تسيطر عليه القوى الكومبرادورية والبيروقراطية والطفيلية المتخلفة والتابعة (في ظل تراخي وغياب القوى الماركسية الثورية) ، وأصبح هذا المشهد – في فلسطين وكل بلدان الوطن العربي زاخراً بصور الهزيمة والهيمنة الأمريكية الصهيونية على مقدرات شعوبنا من جهة، الى جانب مظاهر الاضطهاد والاستغلال والفقر والجهل والتخلف في ظل مظاهر البذخ والفساد والامتيازات والثروات غير المشروعة للشرائح والطبقات الحاكمة من جهة أخرى.

ففي ظل استمرار سيطرة شروط محاصرة الثورة في هذا المشهد العربي المحكوم بأنظمة الاستبداد والتخلف والتبعية والتطبيع والخضوع، مع استمرار غياب التأثير الفعال للقوى اليسارية، وتزايد وتكاثر مظاهر الهبوط السياسي والانتهازية والتكيف والخضوع -في معظم أحزاب وفصائل اليسار العربي- تحت مسميات براقة وخادعة باسم الليبرالية أو الواقعية المستسلمة لشروط الواقع المأزوم والمهزوم، حيث يتم خلط المبادئ والأفكار الثورية وإفراغها من مضامينها ، بدءاً من ماهية التحرر الوطني والديمقراطي، والمشروع الوطني وثوابته وصولاً إلى الهبوط بالقضايا المجتمعية والمطلبية ، والهبوط بالرؤية الفكرية للنظرية الماركسية ومنهجها ، وانحسار النضال والصراع ضد الإمبريالية والحركة الصهيونية ، وقضايا النضال والصراع الطبقي ... الخ، وهو مناخ حاولت (وما زالت) فيه الرأسمالية وبرجوازيتها الرثة أو أدواتها التابعة في بلادنا فرض الاستسلام والركود على جميع ساحات الحياة، في كل أرجاء الوطن العربي.

وبالتالي فان دروس وعبر المجابهة والتحدي في هذه المرحلة المنحطة تتجلى في تعميق الوعي الثوري من أجل التغيير المنشود وتحقيق الأهداف الوطنية والقومية التقدمية الكبرى في التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من منظور طبقي ملتزم بالماركسية ومنهجها، لكن ذلك الهدف مرهون في تحققه بقوة الالتزام والانتماء، حيث لا يستطيع العضو الحزبي، والكادر بالذات الاستمرار بالعمل الثوري إن لم يُعلِّم نفسه ويرشد الجماهير ويسترشد بها ويتعلم منها، وإن لم ينظر للوعي بالنظرية الثورية والوعي بالواقع من اجل تغييره على أنه جزء لا يتجزأ من النشاط التنظيمي.

السؤال هنا ما هو مفهوم حركة التحرر القومي العربية وما طبيعة ازمتها وواقعها ، وبماذا يتسم هذا الواقع اليوم ؟ للإجابة عن هذا السؤال ، فإن من أولويات حركات التحرر القومي التقدمية العربية ، أن تبدأ بالواقع التاريخي الحديث للأمة العربية . وتنطلق من الملاحظة التاريخية بأن الأمة العربية جابهت الإمبريالية الغربية منذ البداية مجزأة متخلفة عارية سياسياً.

لكن على الرغم من ذلك -كما يقول د.هشام غصيب- "فإن بذور حركة التحرر القومي العربية موجودة في حركة المقاومة العربية : في مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني، وفي المقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية، وفي مقاومة الجيش العربي السوري للإرهاب المعولم ومموليه وداعميه، وفي مقاومة الشعوب العربية للنيوليبرالية وإملاءاتها ، لكن تلك المقاومة ما زالت محدودة وما زالت تفتقر إلى المضمون الاجتماعي الثوري العميق والمشروع التاريخي البديل، فمع أنه ليس هناك أمة في العصر الحديث قاومت المحتل وقدمت من الشهداء بقدر ما قاومته الأمة العربية وما قدمته من شهداء، إلا أن أمتنا أخفقت حتى الآن في تحويل حركات المقاومة العربية إلى حركة تحرر قومي عربية نهضوية تنموية شاملة، على غرار ما حدث في روسيا والصين وجنوبي شرقي آسيا وكوبا"[4].

بالإضافة الى ذلك فإن "الامبريالية لم تكتف بإعادة رسم الحدود، وإنما خلقت أيضاً آليات في كل قطر عربي وعلى الصعيد القومي لتجديد حالة التجزئة والتبعية والتخلف، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. بيد أن الكيان الصهيوني نما محلياً وعالمياً، فأضحى مركزاً إمبريالياً في حد ذاته واكتسب دوراً أيديولوجياً عالمياً، أي أضحى تجسيداً محلياً للجناح الأكثر ظلامية في الإمبريالية العالمية. وأخذ يخطط لنظام جديد للتجزئة في الوطن العربي، فهو يسعى إلى بلقنة الوطن العربي على أسس إثنية وطائفية وقبلية ضيقة ومغرقة في تخلفها ورجعيتها. والنتيجة هي ما يحصل في العراق ولبنان واليمن وفلسطين ومصر والسودان والجزائر، والحبل على الجرار. وقد تم ذلك من أجل ترسيخ الكيان الدخيل في الأرض العربية ولجم تطور الأمة العربية والتحكم في الموارد العربية ونهبها"[5].

من ناحية ثانية ، "أمسك المفكر القومي الماركسي الراحل ياسين الحافظ بمفهوم التأخر التاريخي للمجتمع العربي، الذي يتجلى سياسيا بغياب الرأي العام وبكونه صاغرا وعزوفا، ويتجلى اقتصاديا بكون الاقتصاد العربي مندلقا نحو الخارج وتابعا، ويتجلى اجتماعيا بسيطرة بنى اجتماعية ما قبل قومية (طائفية، عشائرية، عائلية، محلية..)، ويتجلى فكريا بسيطرة فكر تقليدي تمتد جذوره إلى العصر الوسيط. لذلك فهو ينتقل من نقد "السطح السياسي" إلى نقد "العمق الاجتماعي" الذي يصوغ الحيز السياسي ويفرزه" ، وعلى أساس هذا الوعي فـ"القومية هي الحركة التاريخية التي ترفع سديما بشريا إلى كتلة متجانسة، متلاحمة، مندمجة، تستحق اسم الامة".

لقد انتقد ياسين الحافظ الايديولوجيا المهزومة "التقليدوية الجديدة" التي توهمت إمكانية دخول العصر بِتَجَنُّب الثورة القومية الديمقراطية أو "المنظور النهضوي" ، والقفز إلى تبني "المنظور التنموي"، فقال: "ما من شعب حقق تقدما اقتصاديا دون أن يكون قد حقق تقدما مجتمعيا وثقافيا وسياسيا"[6].

كما كان الحافظ رائدا في التقاط عوامل هزيمة المشروع القومي العربي، حين استعاد الإشكالية المركزية للنهضة عبر سؤال "التأخر"، باعتباره ليس تخلفا اقتصاديا يمكن تجاوزه عبر التنمية، وليس مسألة فقدان أصالة الذات التاريخية التي زُلْزِلَت موضوعياً أمام التوسع الكولونيالي ، بل المسألة تكمن في التأخر كفوات حضاري يشمل كل بنى المجتمع العربي ، حيث اعتبر الحافظ التأخر هو المسألة المركزية في الواقع العربي المعاصر، لذلك انتقد الأحزاب الشيوعية ومنظروها الذين توهموا بإمكانية دخول العصر و"تجنب الثورة القومية الديمقراطية التي دشنت العصر الحديث من خلال قلبها وتصفيتها المجتمع التقليدي القديم، وعبر هذه التصفية أمكنها أن ترسي بنى المجتمع الحديث المجتمعية والأيديولوجية والسياسية وإطلاق قواه الإنتاجية"[7].

في هذا السياق أكد المفكر ياسين الحافظ على مفهوم الوعي المطابق، أي تملك السياسات العربية للوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها، وهو وعي لا يمكن أن يتكون إلا على أرضية الحقيقة الواقعية، وليس الحقيقة التي تنطوي عليها النصوص في اكتمالها المنهجي الداخلي الذاتي. وهو ذو ثلاثة مستويات: أولها، هو وعي كوني. وثانيها، هو وعي حديث. وثالثها، هو وعي تاريخي.

والواقع -كما يقول ياسين الحافظ- "أن الليبرالية والاشتراكية ، على ما بينهما من تكامل وتناقض، وبخاصة الماركسية، ماركسية ماركس، هما الايديولوجيتان الحديثتان اللتان تقدمان مناهج وأدوات وقيم تسهل امتلاك الوعي الكوني المنشود". وحينئذ لا بد من الارتقاء من الواقع الأقوامي المفتت إلى واقع الأمة الذي يحقق الاندماج القومي، وينتج وعياً مواطنياً جديداً يستجيب لصورة الأمة/ الدولة الحديثة، في صيغة وعي قومي – عقلاني- ديمقراطي – علماني- حديث"[8] ، فلا يمكن امتلاك وعي مطابق بدون امتلاك الحداثة ، وتطبيق مفاهيمها وأسسها حول المواطنة والحرية والديمقراطية والعلمانية والعدالة ، حيث لا يمكن الامتداد مكانياً في العصر دون الامتداد زمنياً في امتلاك وعي العصر ضمن دولة الأمة أو الدولة القومية ، بما يحقق مضامين الحداثه القادرة على التمفصل في بنية المجتمع العربي للاستجابة إلى حاجات تقدمه، عبر استلهام وتطبيق مبادئ عصر الأنوار، والثورة الفرنسية ، والمجتمع الصناعي ، والحركة الاشتراكية.

التحرر الوطني وأنظمة التبعية والاستبداد في المرحلة الراهنة:

في هذا الجانب من المفيد الاشارة الى ان الازمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها التاريخية الراهنة، ليست فقط ازمة قيادتها الطبقية البرجوازية، بل هي أزمة البديل الثوري (الديمقراطي) لهذه القيادة، وهذه الازمة (ازمة البديل) هي ازمة سياسية بالدرجة الاولى، بمعنى انها ازمة الخط السياسي الذي سارت وتسير فيه الاحزاب والتنظيمات والفصائل التي يفترض فيها ان تكون هذا البديل الثوري او اليساري الديمقراطي ، فما زالت هذه الاحزاب والقوى والفصائل متخلفة عموماً في ممارساتها السياسية عن الفهم الذي يؤكد ان طريق التحرر الوطني – كهدف – لا يمكن ان يتحقق الا من خلال اجراء تحولات اجتماعية عميقة تزيح عن السلطة تلك الطبقة او الطبقات المسؤولة عن الازمة والعاجزة عن حلها، عبر رؤية واضحة للصراع كصراع ضد الامبريالية واداوتها في المنطقة دون الإلغاء أو القفز عن الدور النضالي على المستوى المحلي / القطري.

ولعل العنوان الأمثل للأزمة السياسية العربية الراهنة، يتجلى في تغير المفاهيم والمبادئ والأهداف ، بعد أن تغيرت طبيعة الأنظمة وتركيبتها وركائزها الاجتماعية والطبقية وتحالفاتها الداخلية بما يتوافق مع الهيمنة الأمريكية وأحاديتها، حيث انتقل النظام العربي بمجمله، من أرضية التحرر الوطني والاجتماعي كعنوان رئيسي سابق، إلى أرضية التبعية والانفتاح والارتهان السياسي والاقتصادي كعنوان جديد، وتحول التناقض الأساسي إلى شكل آخر أشبه بالتوافق بين التحالف البيروقراطي – الكومبرادوري المهيمن على النظام العربي من جهة، وبين التحالف الأمريكي – الإسرائيلي من ناحية ثانية، مما فاقم من مظاهر الإفقار والبطالة والحرمان، والاستبداد المرتكز إلى الأجهزة الأمنية، في ظل حالة غير مسبوقة من العزلة الهائلة الاتساع بين الشعوب وأنظمتها ، وهي حالة أسهمت بدورها في اتساع انتشار التيارات الدينية الأصولية "الإسلام السياسي" الذي قد يسيطر على المشهد السياسي الرسمي العربي بديلاً للأنظمة المتهالكة الراهنة إذا ما تم التوافق بينه وبين النظام العالمي الرأسمالي، الأمر الذي يؤكد على ضعف وتراجع فصائل وأحزاب حركة التحرر العربية وتفاقم أزمتها الذاتية إلى درجة أوصلتها إلى هذه الحالة من الانكفاء وغياب التأثير في مجريات الوضع السياسي والمجتمعي العربي.

هنا تتمظهر المؤشرات والعوامل الذاتية، الدالة على أزمة كافة الأحزاب والفصائل والقوى التي تشكل في مجموعها حركة التحرر العربية ، فالأزمة في تقديري ليست مشكلة "تخلف وتقدم" فحسب على نحو ما يذهب إليه المثقف الليبرالي ، لان هذه الصيغة ، تخفي علاقة التبعية البنيوية لنظام العولمة ، كما تخفي دور الصراع الطبقي كمحدد رئيسي في صياغة مستقبل حركة التحرر العربية.

والسؤال هنا، إذا كانت تلك هي القضية ، وهذه هي الأزمة والطبقة المسؤولة عنها، وكان الحل، هو السير على طريق التحرر الوطني والديمقراطي والتنموي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال صراعات وتحولات اجتماعية عميقة، تزيح عن السلطة تلك الطبقة أو الطبقات المسؤولة عن الأزمة والعاجزة عن حلها، فلماذا إذن تعثر سيرنا على هذا الطريق ؟ هنا يتضح بجلاء عجز العامل الذاتي ، الذي نستنتج منه، إن حركة التحرر العربية في ظل أوضاعها الراهنة ، لم تعد حركة ثورية بسبب انتقال معظم أطرافها إلى النهج البورجوازي وبالتالي إلى المواقع السياسية البورجوازية الحاكمة أو المشاركة فيها ، كما هو الحال في السلطة الفلسطينية ومعظم البلاد العربية.

من ناحية أخرى ، يبدو أن فجوة الانفصام بين النظرية الثورية وممارستها في فصائل وأحزاب الحركة التحررية العربية ، كانت –ولا تزال- واسعة إلى درجة التفارق والتناقض بينهما، وهذا ما يفسر بسهولة أسباب الهزائم المتتالية التي منيت بها الثورة بمختلف نواحي القصور والعجز التي يحفل بها تكوين وممارسات القيادات اليسارية، وعلى سبيل المثال فإن الغالبية العظمى من قيادات اليسار ورموزه بدلاً من أن تعيش بين جماهيرها الطبقية بين العمال وفقراء الفلاحين، وتتكلم لغتها وتربط مصائرها ومصائر أسرها بمصيرها ، عاشت نوعاً من الانفصام الواضح بين الحزب والفكر الثوري من ناحية والوجود الاجتماعي والجماهيري من ناحية ثانية.

إذن ، نحن أمام حركة تحرر عربية تعيش حالة من النكوص، تشير إلى طبيعة ازمتها الراهنة، التي تدل على العجز الواضح ، في ظروف ومستجدات يبدو فيها الباب مشرعاً أمام تفاقم عوامل وعناصر مشهد التبعية والانحطاط العربي الكومبرادوري الراهن.

ولذلك فإن النقد الجاد الكامل والصريح، هو نقطة البداية، لإعادة صياغة فصائل وأحزاب حركة التحرر العربية ، إلى جانب إعادة صياغة أهداف الثورة التحررية الديمقراطية العربية، وممارستها على أساس علمي، بعد أن توضحت طبيعة الطريق المسدود الذي وصلته الأنظمة العربية، وانتهت إليه مسيرة هذه الحركة بسبب أزمة فصائلها وأحزابها عموماً، وأزمة قياداتها خصوصاً، التي عجزت عن توعية وتثقيف وتنظيم وتعبئة قواعدها وكوادرها لكي تنجز مهامها التاريخية، إذ أن هذه الأوضاع القيادية المأزومة، التي جعلت بلدان الوطن العربي، في المرحلة التاريخية المعاصرة ، من أقل مناطق العالم إنتاجاً للعمل الديمقراطي الثوري الطويل النفس القادر على حماية نفسه، والمنتج في المدى الطويل لتحولات سياسية ومجتمعية نوعية، ودائمة ومطردة التطور على هذه البقعة أو تلك من الأراضي العربية.

إن أزمة حركة التحرر العربية ، تستدعي المبادرة إلى دراسة الخصائص والمنطلقات السياسية والفكرية التي تميزت بها فصائل وأحزاب حركة التحرر في مجتمعاتنا طوال الحقبة الماضية، والتي ربما كان إهمالها في الماضي أو الخطأ في تحديد أبعادها وانعكاساتها على الحركات اليسارية أحد الأسباب الرئيسية لتعثرها وفشلها، ومن أهم هذه المنطلقات التي باتت بحاجة إلى المراجعة والمناقشة وإعادة الصياغة

أولاً/ إشكالية القومية العربية والعلاقة الجدلية بين الماركسية والقومية: حيث بات من الضروري أن تقوم القوى اليسارية العربية في كل قطر ادراج البعد التوحيدي القومي كبعد رئيس في عملها ، بما سيضيف عمقاً جديداً لقواها بدلاً من أن يبقى كما كان الأمر حتى الآن ، عبئاً عليها وعامل إضعاف لها .

ثانياً/ إشكالية التبعية وكسرها وتجاوزها: وهي اشكالية مرتبطة بتبعية بكل البلدان العربية ، كأجزاء متناثرة ، للنظام الرأسمالي المعولم وفق محددات قانون التطور اللامتكافئ، وبالتالي فإن وحدة التحليل الأساسية من منظور القوى الثورية التي تسعى إلى التغيير، تتحدد أساساً وحصراً بالمجال القومي الديمقراطي العربي الذي تستطيع فيه هذه القوى تعبئة نفسها بشكل فعال وأخذ زمام المبادرة على نحو قادر على خلق صيرورته النضالية الراهنة والمستقبلية.

ثالثاً/ القاعدة الاقتصادية والأبنية الفوقية: ففي ظروف التخلف والتبعية تلعب الأبنية الفوقية المتصلة بالسلطة السياسية وبالثقافة والأيديولوجية بصفة عامة دوراً أكثر أهمية بكثير من تأثير القاعدة الاقتصادية بحكم تخلفها. إذ أن التحالف الطبقي الحاكم في الأنظمة العربية يلعب دوراً هاماً في دعم البنى الفوقية القديمة وتحويلها إلى رصيد لقوى التخلف والرجعية.

رابعاً/ الحاضر والماضي: هنا أقول بصراحة ، لابد من الوعي بأهمية العمل الفكري والسياسي الهادئ والمتدرج باتجاه القطيعة المعرفية مع كل رواسب التخلف في ماضينا، التي أتاحت عودة الماضي ليحكم الحاضر، او عودة الميت ليحكم الحي، وهذه العودة تتجسد في بلادنا اليوم على شكل اصوليات يمينية سلفية رجعية أو على شكل القوى اليمينية الحاكمة في الانظمة العربية، وكلاهما من جوهر واحد وان اختلف شكل أحدهما على الأخر وهذا ، نذير آخر حي بنوع المستقبل الذي تتحدث عنه تلك الأصوليات.

إنني لا أزعم –كيساري ماركسي وطني وقومي ديمقراطي- أنني أنفرد بالدعوة إلى إعادة تجديد وتفعيل الفكر الماركسي القومي ومشروعه النهضوي في بلادنا، ذلك لأن هذه الرؤية تشكل اليوم هاجسا مقلقا ومتصلا في عقل وتفكير العديد من المفكرين والمثقفين في إطار القوى الوطنية والقومية اليسارية الديمقراطية، على مساحة الوطن العربي كله، وهي أيضا ليست دعوة إلى القفز عن واقع المجتمع العربي أو أزمته الراهنة.

وفي هذا السياق فإن رؤيتي، تتجاوز حالة التجزئة القطرية العربية (رغم تجذرها)، نحو رؤية ديمقراطية قومية ، تدرجية ، تنطلق من الضرورة التاريخية لوحدة الأمة-الدولة في المجتمع العربي ، وتتعاطى مع الإطار القومي كوحدة تحليلية واحدة ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، مدركين أن الشرط الأساسي للوصول إلى هذه الرؤية-الهدف ، يكمن في توحد المفاهيم والأسس السياسية والفكرية للأحزاب والقوى الديمقراطية اليسارية القومية داخل إطارها القطري/الوطني الخاص كخطوة أولية ، تمهد للتوحد التنظيمي العام وتأطير وتوسع انتشار الكتلة التاريخية –على الصعيد القومي، انطلاقاً من إدراكي بأن الأزمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في وضعها الراهن ليست فقط أزمة قيادتها الطبقية البورجوازية الرثة التابعة، بل هي أزمة البديل الديمقراطي لهذه القيادة، يؤكد على صحة هذه المقولة، ما جرى في بلادنا فلسطين وغيرها من انهيار اجتماعي واقتصادي وتفكك في النظام السياسي وتراجع الهوية الوطنية والقومية لحساب الهوية الدينية أو هوية الإسلام السياسي ، أو للهويات الاثنية والطائفية والعشائرية كما هو الحال في العراق والسودان واليمن ولبنان والجزائر.

في ضوء ما تقدم فإن الحاجة الى بلورة وتفعيل هدف التحرر الوطني ضمن حركة التحرر القومي العربية وبرنامجها الذي يؤكد على انهاء الانظمة المستبدة في راهن مجتمعاتنا العربية ، هو هدف عاجل ، آني واستراتيجي رئيسي ، لكونها أنظمة تخنق الاستقلال الروحي والفكري للمواطن ، بل وتتغذى من هذه العملية عبر محاولاتها تفريغ المواطن وحرمانه من العدالة الاجتماعية ومن حرية الرأي والإرادة والضمير والحس النقدي ، كي ما تحوله إلى أداة تنفيذ فحسب، يتلاعب بها عقل واحد ، أو "رب" عمل واحد، هو جهاز السلطة أو نظام الحكم القمعي بمختلف تلاوينه ومنطلقاته. فبقدر ما يستدعي النضال السياسي والديمقراطي الداخلي أناسا على درجة عالية من الاستقلال السياسي والفكري وحرية الرأي والمعتقد والإرادة والمسؤولية ، يقوم انحطاط السلطة على تعميم الاستلاب والتبعية الشخصية والإلحاق ، فرجل السياسة الاستبدادية في بلادنا( ملكا او رئيسا او أميرا او شيخا ) لا يقبل بأقل من الخضوع لإرادته الجائرة، ورجل الوصاية الدينية/ الاسلام السياسي لا يطلب أقل من التسليم الكامل بتفسيره وتأويله وروايته. فالطغيان الاول يقوم على احتكار السلطة السياسية والدولة ، بينما يقوم الطغيان الثاني على احتكار الرأي والفكر الى جانب احتكار السلطة، وكلاهما له مصالح طبقية رأسمالية رثة وتابعة ولا يتناقض أي منهما أبداً مع النظام الامبريالي ، وهنا بالضبط تتجلى العلاقة الجدلية لمفهوم التحرر الوطني والقومي في النضال ضد الوجود الامبريالي الصهيوني من ناحيه وضد انظمه الكمبرادور من ناحيه ثانية للخلاص من واقع التبعية والانحطاط الراهن وتحرير الوطن والمواطن.

ذلك إنّ واقع الانحطاط في الوضع العربي الراهن يحتاج إلى وقفة تأمل ومحاسبة للنفس، من قبل كافة الاحزاب والحركات اليسارية والفعاليات الديمقراطية العلمانية التقدمية في اوساط المثقفين والمفكرين والفنانين والادباء وغيرهم ، فعلى هؤلاء تقع مسؤولية استعادة المبادرة لتحرير المواطن وانتزاعه التدرجي من الفقر والجهل والولاءات العصبية ، ومن كل اشكال الاستغلال الطبقي والاستبداد اللاأخلاقية واللاإنسانية التي دفعته إليها دكتاتوريات انظمة الاستبداد الكومبرادورية او الرأسمالية الرثة التابعة ،وكذلك انتزاع المواطن من الالتزامات السلفية الغيبية الرجعية التي يطرحها تيار الاسلام السياسي في المشهد الحالي.

وهنا أود التأكيد على أهمية انحياز المثقف الماركسي لمصالح وأهداف الطبقات الشعبية الفقيرة، إذ أن هذا الانحياز الواعي والمسئول هو الأساس الأول في تحديد ماهية موقفه السياسي، ورؤيته الفكرية أو الأيدلوجية وفق ما يتطابق مع تطلعات الطبقات الشعبية وأهدافها المستقبلية ، حيث أن مجتمعاتنا بحاجة ماسة إلى مراكمة عوامل انضاج ثورة وطنية ديمقراطية وانتصارها تمهيداً لبناء مقومات القوة الكفيلة بهزيمة وطرد الوجود الصهيوني والامريكي من بلادنا ،وبدون ذلك لن نستطيع تحقيق اي هدف تحرري ونحن عراة ، متخلفين وتابعين ومهزومين يحكمنا الميت( شيوخ قبائل وامراء وملوك عملاء ورؤساء مستبدين) أكثر من الحي (النهوض الوطني والقومي التقدمي الديمقراطي) ، ففي مثل هذه الاوضاع يحكمنا الماضي أكثر من المستقبل...فما هي قيمة الحياة والوجود لأي حزب أو مثقف تقدمي ان لم يكن مبرر وجوده تكريس وعيه وممارساته في سبيل مراكمة عوامل الثورة على الأموات والتحريض عليهم لدفنهم الى الأبد لولادة النظام الثوري الديمقراطي الجديد للخلاص من كل أشكال التبعية والعمالة والاستبداد والتخلف وتحقيق أهداف ومصالح وتطلعات العمال والفلاحين الفقراء وكافة الكادحين والمضطهدين.

وعليه أقول بكل وضوح ، إنّ الثورة لا تنضج بمقدماتها فحسب، بل تكتمل بتوفير الوعي المعمق لكافة العناصر الموضوعية للوضع الثوري والعامل الذاتي (الحزب) ووحدتهما معاً، وهي أيضاً لا يمكن أن تندلع –بالصدفة أو بحفنة من المناضلين المعزولين عن الشعب، بل بالحزب الثوري الديمقراطي المؤهل، الذي يتقدم صفوف الجماهير الشعبية الفقيرة، واعياً لمصالحها وتطلعاتها وحاملاً للإجابة على أسئلتها، ومستعداً للتضحية من أجلها ، واثقاً كل الثقة من الانتصار في مسيرته وتحقيق الاهداف التي تأسس من أجلها.

وفي هذا الجانب ، أشير إلى أنه بدون توفر الإرادة الشعبية والالتفاف الجماهيري، يصبح خوض التمرد الثوري بالعنف الشعبي والمسلح أو بوسائل الضغط الجماهير الديمقراطي لأي حزب أو فصيل نوعاً من المغامرة، لان الجماهير منفضة من حوله، خاصة وان الطليعة لا تناضل نيابة عن جماهيرها، بل بها، وفي مقدمتها، فهي من يرعى المناضلين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنوي، ويخفيهم ويحميهم عند الضرورة، كما يمدهم بالدماء الجديدة، ما يجعل انفصال الأحزاب الثورية الديمقراطية عن الجماهير الشعبية – كما هو حالها اليوم في مجتمعاتنا- سمة من سمات هبوط وتفكك هذه الأحزاب وتراجعها السياسي والفكري والتنظيمي والجماهيري ، لذلك فان التأييد الجماهيري مسألة أساسية، إذ إننا – على سبيل المثال- لن نستطيع تنظيم وإنجاح إضراب أو اعتصام أو مظاهرة شعبية لا يقتنع الجمهور بأهدافها أو بالأسباب الداعية لتنظيمها، فإذا كان الأمر كذلك ، فإن غياب أو ضعف قناعة الجماهير الشعبية بممارسة النضال التحرري الثوري المسلح ، تتزايد وربما تصل الى أعلى درجات اليأس والإحباط طالما أن هذه الجماهير الفقيرة عاجزة بسبب فقرها وحرمانها عن تأمين أسباب الحياة الكريمة لعوائلها ، حيث يغيب العقل حين يغيب الدقيق كما يقول ماركس ، ما يعني بوضوح ثوري ساطع أن أي نضال وطني تحرري معزول عن النضال الطبقي الاجتماعي وقضايا الجماهير الشعبية المطلبية ، هو نضال قاصر لن يستطيع تحقيق الالتفاف الجماهيري من حوله ، ويظل محكوماً بالأفق المسدود رغم ضخامة التضحيات، وبالتالي ، لابد أن تنطلق الثورة التحررية الوطنية الديمقراطية في بلادنا العربية، من منظور يساري يضمن تفعيل العلاقة الجدلية بين الثورة الوطنية التحررية الديمقراطية وبين القضايا المطلبية والصراع الطبقي على طريق الثورة الاشتراكية.

قضية التحرر الوطني والتحرير إذاً هي بالضرورة في مرحلة الانحطاط العربي الرسمي الراهن– في هذا العصر بالذات – قضية لا يمكن فصلها عن بعدها الطبقي الاجتماعي المطلبي الثوري، فهي ليست مسألة وجدانية او فلسفية عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو حق الشعوب في مقاومة المحتل، والدفاع عن حريتها وتحررها، لأن مهمة التحرر الوطني، ينبغي ان تتوفر لها عوامل وشروط، تُحَوِّل هذا الفهم الوجداني او الفلسفي، الى تطلعات سياسية وطبقية تخدم فكرة النضال التحرري الوطني ، وتعزز ايضا بلورة الهوية الوطنية والقومية التقدمية الديمقراطية الجامعة.

فحينما أتحدث عن هوية قومية تقدميه ، فإنني أتحدث في نفس الوقت عن حركه تحرر وطني وقومي في كل قطر عربي في مشرق ومغرب الوطن العربي ، حركة ملتزمة بالهدف التحرري التوحيدي القومي انطلاقاً من الوعي العميق بأن لا مستقبل لأي قطر عربي دون تكامله السياسي الاقتصادي المحكوم بالرؤية التنموية الاشتراكية مع بقية الاقطار العربية ، آخذين بعين الاعتبار أننا نتحدث عن النضال التحرري الوطني العربي، في كل أرجاء الوطن العربي ، باعتباره منطقة تشكل بموقعها وثرواتها أهم وأعقد المناطق في العالم، ضمن الصراع التناحري ضد تحالف القوى الامبريالية والكيان الصهيوني ، الذي يسعى الى تكريس السيطرة على هذه المنطقة وما تمثله من ثروات نفطية ومواقع استراتيجية ، لضمان المصالح الامبريالية وضمان استمرار احتجاز تطور مجتمعاتنا العربية وتخلفها ، وتلك هي وظيفة الكيان الصهيوني ودوره المرسوم في بلادنا.

هنا ، لابد لي من أن أؤكد بوضوح شديد على أن النضال الوطني التحرري هو اليوم في ظروفنا العربية المحكومة الى حد كبير في مصر والسودان والعراق والمغرب وتونس والسعودية والخليج وفلسطين ..الخ لشروط التبعية لنظام العولمة الامبريالي ، هو جزء من النضال الطبقي للكادحين والفقراء والمضطهدين، وهو نضال لا يتميز عن النضالات التاريخية السابقة شدة واتساعا فحسب، بل يتميز أيضاً، بتطوره ، نوعيا وكيفيا شرط توفر التنظيم الماركسي الطليعي الكفيل بإدخال الوعي الطبقي الثوري في صفوف الفقراء بما يمكنهم من التحول الى حالة نوعية في النضال التحرري والديمقراطي الاجتماعي والاقتصادي ضمن منظورهم ومصالحهم الطبقية واهدافهم الوطنية .وفي هذا الجانب من المفيد أن نستذكر معاً قول المفكر اللبناني الشيوعي الشهيد مهدي عامل[9] حول حركة التحرر الوطني : "من داخل، أعني بآليتها الداخلية ، وبمنطق سيرورتها كحركة عداء للامبريالية، هي بالضرورة حركة عداء للرأسمالية، تتحدد حركة التحرر الوطني كجزء من الثورة الاشتراكية". إذن ، يمكن القول إن العداء للإمبريالية لا يكون بالفعل متسقا الا بما هو عداء للرأسمالية ، ومن حيث هو هذا العداء بالذات ، ففي حقل علاقتها العضوية بأزمة الامبريالية، من حيث هي، بالدرجة الأولى ازمة نمط الانتاج الرأسمالي نفسه ، تتمدد حركة التحرر الوطني في ذلك الشكل التاريخي الذي يجعل منها جزءاً من العملية الثورية العالمية.

وبإيجاز كلي نقول -كما يضيف مهدي عامل- "أن عملية التحرير الوطني هي، في مفهومها النظري، عملية تحويل ثوري لعلاقات الانتاج الرأسمالية القائمة بعلاقة تبعيتها البنيوية بالإمبريالية، فالقطع مع الامبريالية والاستقلال عنها يقضيان بضرورة تحويل هذه العلاقات من الانتاج التي هي في البلد المستعمر، القاعدة المادية لديمومة السيطرة الامبريالية ، فلا سبيل إلى تحرر وطني فعلي من الامبريالية الا بقطع لعلاقة التبعية البنيوية بها هو بالضرورة تحويل لعلاقات الانتاج الرأسمالية القائمة في ارتباطها التبعي بنظام الانتاج الرأسمالي العالمي".

بهذا المعنى وجب القول أن سيرورة التحرر الوطني في المجتمعات التي كانت مستعمرة، اعني في المجتمعات الكولونيالية ، هي سيرورة الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.

هذا هو -كما يستنتج المفكر مهدي عامل- بكل دقة، معنى أن تكون حركة التحرر الوطني جزءا من الثورة الاشتراكية ولا معنى اخر لمثل هذا القول، الا اذا قبلنا بذلك الفهم البرجوازي المتناقض الذي يضع هذه الحركة في افق انتقالها التاريخي إلى النظام الرأسمالي العالمي، بفصله فيها ممارسة العداء للإمبريالية عن ممارسة العداء للرأسمالية فصلا مصطنعا يقلب العداء للإمبريالية تساوما معها على قاعدة تأييد علاقات الانتاج الرأسمالية وتأييد علاقة ارتباطها التبعي بالإمبريالية.

إن هذا الفهم البرجوازي -كما يستدرك مهدي عامل- "متناقض وغير متسق لأنه يجعل من حركة التحرر الوطني جزءا لا يتجزأ من مناهضة الثورة، انه يدفع بها إلى أن تكون، أو أن تصير، في مناهضتها الامبريالية بالذات، جزءا من مناهضة العملية الثورية العالمية، ذلك ان عجز البرجوازية عن قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية "يجد اساسه المادي في هذا التلازم الضروري بين العداء للإمبريالية والعداء للرأسمالية، وفي استحالة أن تكون البورجوازية ، بالتالي، مناهضة للرأسمالية، في مناهضتها المحدودة للإمبريالية والتحرر من الامبريالية ليس ممكنا الا بما هو تحرر من الرأسمالية والعكس بالعكس، وهذا ما لا تقوى عليه البرجوازية".

لهذا كله وجب النقد، في ممارسة نظرية مستمرة تقيم الحد الطبقي الفاصل في معرفة الحركة التحررية الوطنية -كما يشترط مهدي عامل- بين فكر برجوازي رجعي، وفكر بروليتاري ثوري، والنقد هذا ممكن على قاعدة ممارسة سياسية ثورية تقيم الحد الطبقي الفاصل في حقل هذه الحركة بين نهجين اساسيين: نهج برجوازي رجعي هو هو نهج الخيانة الوطنية، ونهج ثوري هو نهج التحرر الوطني، من حيث هو بالذات، نهج الطبقة العاملة.

يتضح مما تقدم أن الصراع التحرري الوطني (ضد الوجود الصهيوني الامبريالي) يمتلك عند مفكرنا الشهيد مهدي عامل بعداً طبقياً ضمن علاقة جدلية بينهما ، وهو استنتاج أكدت على صحته مجريات الأحداث والصراعات العربية سواء في إطار الصراع ضد التحالف الامبريالي الصهيوني أو في إطار الصيرورة الثورية للانتفاضات الشعبية العفوية العربية (وهي في جوهرها عندي صراع طبقي) ضد أنظمة الاستبداد والاستغلال والتبعية والتخلف على حد سواء.

فالتحرر إذن من البرجوازية ونظام سيطرتها الطبقي "يمر، بضرورة منطقه، عند الراحل مهدي عامل ، بالتحرر من الإمبريالية، بل إنه هذا التحرر نفسه، كما أن التحرر من الإمبريالية، بقطع علاقة التبعية البنيوية بها، يمر بضرورة منطقه ، بالتحرر من البرجوازية ونظام سيطرتها الطبقية، بل إنه هذا التحرر إياه، وسيرورة التحرر هذا، في وجهيه الملتحمين في سيرورة معقدة واحدة، هي سيرورة التغيير الثوري في سيرورة الانتقال الكوني إلى الاشتراكية".

في هذا الجانب أؤكد على استنتاج المفكر الشهيد مهدي عامل في " أن الشرط الأساسي لإمكان وصول الطبقة العاملة وحزبها الثوري إلى موقع القيادة الطبقية في التحالف الطبقي الثوري ، هو أن يكون موقعها في حقل الممارسات السياسية الطبقية موقعا طليعيا، فمن موقعها الطليعي هذا، وبنهجها السياسي الثوري، يمكن للطبقة العاملة، بقيادة حزبها، أن تحتل موقعها القيادي في التحالف الثوري، لتقوم بدورها التاريخي في قيادة السيرورة الثورية، في شتى مراحلها ، التحررية الوطنية والمجتمعية التقدمية وفق المنظور الماركسي الطبقي ، وذلك رهن بوجود ، أو قل بإيجاد حزب ثوري ماركسي قادر على تعبئة الجماهير الفقيرة والكادحة ، صانعة الثورة وضرورة توعيتها ، وتنظيمها تنظيما شاملا، سياسيا، وفكريا ونفسيا وعسكريا، فتنظيمها هذا هو شرط تفجر طاقاتها.

أهمية العملية الثورية كانعكاس لوعي النظرية الثورية:

هنا ، لابد لكل أطراف حركات التحرر العربية التقدمية من الوعي المُعَمّق لشعار لينين : لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية ، ومن ثم الالتزام بممارسة هذا الشعار وتطبيقه على تفاصيل الحياة اليومية لأعضاء الحركات والأحزاب التقدمية العربية ، حيث نجد في هذا الشعار تحديداً واضحاً للأهمية العظمى للنشاط النظري في تحقيق العملية الثورية المرتبطة بنهوض هذا الحزب الماركسي أو ذاك واستعادته لدوره الطليعي ، بما يضمن تفعيل وتكريس المضامين الوطنية التحررية والطبقية من منظور ماركسي في آن واحد ، حيث أنني أرى ، بل وأؤكد على أنه من المستحيل عملياً ونظرياً أن نفهم واقعنا الاجتماعي وأن نحوله ثورياً إذا لم نعتمد في هذه العملية الواحدة التحررية الوطنية والطبقية على الفكر الماركسي، وعلى الفكر اللينيني أيضاً ، فهذا الفكر هو شرط إمكانية فهم مجتمعنا وبالتالي تحويله ثورياً.

ففي الممارسة الفعلية الفلسفية ، يؤكد لينين على أن الصراع الأيديولوجي من وجهة نظر الأحزاب الماركسية هو في جوهره صراع ضد الأيديولوجية البرجوازية التي تختفي وراء قناع الفلسفة المجردة ، لأن الصراع الأيديولوجي كما فهمه لينين على حقيقته هو شكل من أشكال الصراع الطبقي ، والصراع الطبقي في أساسه هو صراع سياسي ، إلا أنه يتخذ أشكالاً متعددة كصراع أيديولوجي مثلاً.

لقد كان الهم الأساسي عند لينين في ممارسته للصراع الأيديولوجي، هو إظهار الحد الفاصل بين الوعي الطبقي الثوري البروليتاري، أي الوعي النظري العملي، وبين مختلف أشكال الوعي الاجتماعي الطبقي غير البروليتاري ، هذا الحد الفاصل ضرورة نظرية وعملية للقيام بالنضال الثوري والاستمرارية، كل ذلك يشير إلى أهمية الوعي الطبقي في تحقيق العملية التحررية الثورية الوطنية ، شرط أن يتولى الحزب الماركسي الثوري هذه العملية من خلال الوعي العميق النقيض لعفوية جماهير العمال.

هنا بالضبط ، علينا -في كافة حركات التحرر العربية- استلهام الفكرة المركزية لدى لينين حين يقول : كل عبادة لعفوية الطبقة العاملة أو لعفوية جماهير الكادحين والفقراء ، وكل تقليل من دور العنصر الواعي، من خلال الحزب الثوري، يعني -كما يوضح لينين- تقوية تأثير الأيديولوجية البرجوازية او الرجعية على العمال ، وتوفير كل الفرص للأساليب الديماغوجية الصادرة عن القوى والأحزاب والحركات اليمينية بمختلف ألوانها وأطيافها.

إن الهدف من استحضار النص اللينيني السابق يعني أن الثورة ليست عفوية ، والوعي الطبقي الثوري لا يأتي الى الطبقة العاملة بشكل عفوي ، بل يأتيها من الخارج، أي من طليعتها الحزب الثوري، الذي يُعبّر عن معاناتها ويجسد مصالحها وطموحاتها ، فالحزب هو مكان تبلور الوعي الطبقي الثوري وهو أداة توعية للجماهير الفقيرة، من هنا أتت ضرورة الصراع الأيديولوجي.

في ضوء كل ما تقدم ، وارتباطاً بموضوعنا حول مفهوم التحرر الوطني ، نستنتج بوضوح أن الماركسية تسلط الضوء على جذر المشكلة ، وجذر المشكلة في مشرق ومغرب وطننا العربي هو هيمنة الصهيوإمبريالية وعملائها حكام أنظمة الكومبرادور ، على مقدرات شعوبنا العربية وحرمان الجماهير الكادحة والمهمشة من هذه الموارد وثمارها.

وحتى تتحرر هذه الجماهير من ربقة هذه القوى المهيمنة، على القوى والأحزاب الماركسية ان تقوم بتنظيم الجماهير ، وتوعيتها وتحريضها لخوض الثورة وفق المنظور الطبقي ، ومن ذلك تنبع ضرورة أن تكون قيادة حركة التحرر القومي العربية ماركسية ثورية ، بما يضمن تحقيق أهدافها التحررية الوطنية على طريق الثورة الاشتراكية.

على أي حال ، إن تفاؤلي اللامحدود بمستقبل اليسار العربي لا يلغي مشاعر الحزن والقلق من اوضاعه ، وبالتالي أوضاع التحرر الوطني المتردية في اللحظة الراهنة في ضوء رخاوة وهبوط معظم احزاب وفصائل اليسار العربي وتراجعها الفكري عن النظرية الثورية الماركسية ومنهجها ، وغياب وعيها بتفاصيل اوضاع الفقراء والمضطهدين في مجتمعاتها، وتحالفاتها اللامبدئية مع بعض الأنظمة وبعض القوى والحركات اليمينية العلمانية والاسلاموية ، فإنني بت على قناعة بأن معظم هذه الفصائل والاحزاب باتت اليوم معزولة عن جماهيرها فاقدة لمصداقيتها بعد أن تراجعت الاهداف والمبادئ الثورية والأخلاقية المرتبطة بها ، الى جانب تراجع معاني الالتزام والانتماء والمصداقية والاحترام والعلاقات الرفاقية الدافئة ، وسيادة او انتشار منطق الشللية و التكتل والنفاق وانزلاق بعض الرفاق إلى مستنقع الانتهازية التي تتجلى في كسب الأنصار بأية طريقة كانت ، فتتراجع النظرة الموضوعية، كما تتراجع الثقافة النظرية، والهوية الفكرية للحزب ، ويصبح الانجرار وراء الأشخاص، لا التمسك بالمبادئ، هو السائد .. مما يعني ان هذه الاحزاب بحاجة ماسة وعاجلة إلى عمليات جراحية لأوضاعها التنظيمية والاخلاقية والسياسية والفكرية المأزومة الناجمة عن عوامل ذاتية شلليه وتكتلية انتهازية ، ،بما يحتم عليها أن تبدأ بتقييم صارم لوضعها الراهن و مراجعة خطاباتها السياسية والمجتمعية الهابطة او التراجعية او الانتهازية ، بهدف اعادة تأهيلها لكي تتمكن – قبل فوات الآوان – من الخروج من مأزقها وتطهير احزابها بما يضمن لها أن تسترد قوتها ، كخطوة لا بد منها صوب القيام باستعادة وعيها الثوري بالمبادىء والاهداف التي استشهد وضحى من أجلها العديد من الرفاق القادة الشيوعيين والماركسيين العظام ، يوسف سلمان يوسف (فهد) في العراق ، وعبد الخالق محجوب والشفيع وغيرهما في السودان وشهدي عطيه في مصر والمهدي بن بركة في المغرب وفرج الله الحلو ومهدي عامل وحسين مروة وجورج حاوي في لبنان ، وغسان كنفاني و أبو علي مصطفى في فلسطين وشكري بلعيد والبراهمي في تونس ، الى جانب تضحية واستشهاد عشرات الالاف من الرفاق والرفيقات ، بما يُمَكِّن كافة الأحزاب الشيوعية والماركسية من استعادة دورها الطليعي عبر التزامها الجدلي التطوري المتجدد بالماركسية( بعيدا ورفضا لكل مظاهر الجمود) والعمل بكل جدية على امتلاك الوعي العلمي بمكونات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي كشرط لضرورات النضال ضد كل مظاهر الاستبداد من الانظمة او من حركات الاسلام السياسي ، وكشرط لمجابهة التخلف والتبعية وتكريس الاستقلال السياسي والتنمية المعتمدة على الذات ، الى جانب النضال التحرري والديمقراطي المطلبي الذي ينطلق من قلب الصراع الطبقي ضد قوى الكومبرادور والبورجوازية الرثة بكل تلاوينها، عندئذ يمكن لقوى اليسار في كل بلد عربي ان تقوم بدورها الطليعي في متابعة مسيرتها النضالية ، وتحقيق الانتصار لمشروعها الوطني التحرري والديمقراطي الاشتراكي .. وبدون ذلك سيسدل عليها ستار الزمن ليولد الجديد من احشائها او من خارجها.

أخيراً ان الحاجة الى وعي النظرية الثورية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي ، قضيه تقرر مصير العمل الثوري كله ، فلا إمكانية لتأسيس أو لتواصل حزب ثوري بدونها ... هذه المقولة التي أصبحت بديهية ، الى متى سنظل نرددها بلا نشاط فكري ونضال سياسي وديمقراطي وجماهيري وكفاحي مكثف وفعال؟

فليسَ يسارياً من لا يعي ويؤمن بعمق بدور النظرية الثورية أولاً لتفعيل الحركة الثورية ، وليس يسارياً من لا يلتزم في الممارسة والنظرية بأسس النضال الطبقي والصراع السياسي والديمقراطي والثوري ضد انظمة الاستبداد والاستغلال والتخلف وضد قوى اليمين الليبرالي والرجعي السلفي ، وضد كل اشكال التبعية والتخلف والاستبداد والخضوع ،وليس يساريا من لا يمارس - وفق الزمان والمكان المناسبين- كل أشكال المقاومة المسلحة والشعبية ضد الوجود الصهيوني والقواعد الأمريكية المنتشرة في الوطن العربي ... وليس يسارياً – بل خائنا - من يستعين بأعداء وطنه بذريعة الديمقراطية ، وليس يسارياً من يشارك في حكومة من صنع الاحتلال أو يتحالف معها ، وبالطبع ليس يسارياً أيضاً من يعترف بدولة العدو الصهيوني ويتناسى دورها ووظيفتها في خدمة النظام الامبريالي .. وليس يسارياً أيضاً من لا يستوعب تماماً كل مكونات واقع بلده الاقتصادي والاجتماعي / الطبقي بكل تفاصيله المتعلقة بقضايا الطبقة العاملة والبطالة والفقر والتنمية والتشغيل وتوزيع الدخل والمسألة الزراعية والصناعة وقضايا المرأة والشباب والصحة والتعليم ... الخ ، وفق منطلقات ومبادئ وبرامج الثورة الوطنية الديمقراطية ضد التحالف الكومبرادوري / البيروقراطي وإسقاط أنظمة الاستبداد ، من أجل انعتاق شعوبنا عموماً و إلغاء كل أشكال قمع الحريات والاستبداد والاستغلال والاضطهاد والتبعية . وفق هذا المنطلق يجب أن نعيد تحديد معنى اليسار عموما، والماركسي المتطور المتجدد خصوصاً ، الملتزم بالمنهج المادي الجدلي ، فلا مكان هنا للتلفيق أو التوفيق ناهيكم عن الارتداد الفكري صوب الأفكار الهابطة والانتهازية والليبرالية الرثة ، إذ أنَ هذه المنهجيات المُضَللة أساءت كثيرا جدا لليسار العربي كله وأدت إلى عزلته عن الجماهير وعن سقوطه المدوي في آن واحد . هذه تعريفات جوهرية وقيم عامة لليسار، ومن وجهة نظري ، ليس يسارياً من لا يدافع عنها ، وبالتالي بات من الضروري تحقيق الفرز انطلاقاً منها ، وأن لا يُكتفى بالتسميات أو الألوان الحمراء ، بل أن يجري الانطلاق من المواقف والسياسات علاوة على الوعي المتجدد للماركسية ومنهجها . ولهذا حينما يجري التأسيس لعمل يساري أو وحدة قوى يسارية يجب أن ينطلق من هذا الفرز، ويقوم على أساسه، وإلا استمرت التوجهات السياسية الانتهازية والارتدادات الفكرية وتفاقم مظاهر التفكك الشللية والتحريفية الانتهازية والمصالح الطبقية الخاصة ، فاليسار ليس تسمية بل موقف وفعل أولاً وأساساً.

ذلك إنَّ القول بدور تاريخي لليسار العربي ليس إلا فرضية على جميع فصائله واحزابه واجب إثباتها عبر التفاعل والتطابق الجدلي بين النظرية والواقع المعاش (الملموس ) عبر الممارسة اليومية المتصلة بكل مقتضياتها السياسية والكفاحية والمجتمعية والجماهيرية، شرط ان تلتزم ثوريا واخلاقيا وتنظيميا بالمفاصل الرئيسية التالية:

1- ضرورة مغادرة الذهنية التي تتعاطى السياسة بنوع من الانفعال.

2- الوضوح والتطوير الدائمين للرؤية السياسية والنظرية التي تقود سياسات العمل والممارسة اليومية.

3- وعي واحترام قانون التراكم والتكامل والمراجعة والفحص الدوري للنشاط عبر المتابعة والتقييم بعقلية ومنهجية ادارية حديثة وديمقراطية.

4- مغادرة ذهنية القطع والبيروقراطية ، وممارسة الديمقراطية الداخلية كمنهج حياة على صعيد الحزب والمجتمع.

5- الالتزام بمبدأ النزاهة الفكرية والأخلاقية وضمانته الوعي والديمقراطية.

6- الاحترام والارتقاء الدائم بمضامين القيمة المطلقة للعقل والنظام المعرفي أو المنظومة الفكرية (هويتنا اليسارية الماركسية تحديداً).

7- الالتزام بخصوصية القضايا الوطنية التحررية والديمقراطية المطلبية مع استمرار العلاقة التكاملية الجدلية بينهما وتوزيعها سلباً وإيجاباً بين خصوصية الشرائح الطبقية الفقيرة والمضطهدة والمجتمع عموماً ارتباطاً بالبعد القومي.

إنَّ ما تقدم ، يتطلب من قوى اليسار ترسيخ الأسس العلمية الصحيحة (السياسية والفكرية والاعلامية والمجتمعية والإدارية والمالية) لبناء حركة ثورية ديمقراطية صحيحة وممأسسة تطرد كل مظاهر ازماتها الفكرية والتنظيمية والسياسة ، بما يمكنها من جسر الفجوة بينها وبين جماهيرها والتوسع الكمي والنوعي في اوساطها واستعادة ثقتها بما يمكنها من مواجهة هذه التحولات السريعة المعقدة على المستوى المحلي و القومي والعالمي، وإلا فإن مسيرتها في الظروف الصعبة والمعقدة الراهنة من اجل تحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية ستضل الطريق.

تأكيداً على ما تقدّم ، أشير الى أن أزمة الأنظمة العربية في مرحلة الانحطاط والتبعية المطلقة الراهنة ، ليست أزمة بورجوازيات عربية كما شخصها المفكر الشهيد مهدي قبل اكثر من أربعة عقود ، وانما هي نوع من المأزق المسدود أمام هذه الأنظمة بسبب طبيعتها الكومبرادورية التي لا تجد مخرجا لمأزقها سوى بالمزيد من الارتماء في أحضان التحالف الامبريالي الصهيوني من خلال المزيد من مراكمة عوامل التبعية والتخلف والاستجابة لشرط التحالف المذكور من ناحية ، ومن خلال مزيد من ممارسات الاستبداد والاستغلال ضد الجماهير الشعبية العربية من ناحية ثانية ، ما يعني أن أمر تغييرها عبر الثورة عليها واجتثاثها هو أمر مطروح اليوم في هذه المرحلة بإلحاح شديد كضرورة وشرط للخلاص من الوجود الامبريالي الصهيوني وتحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية ، لذا كان للصراع الطبقي في كل البلدان العربية ضد نظام سيطرة البرجوازية فيه، طابع ثوري معقد- كما يقول الشهيد مهدي عامل –" فكلما احتدم الصراع الطبقي في هذا البلد او ذاك من البلدان العربية ضد البرجوازية المسيطرة فيه بسيطرة نظامها، احتدم ضد الرجعية العربية، وضد الامبريالية، وبالطبع ضد اسرائيل ايضا والعكس صحيح كذلك: فكلما احتدم الصراع ضد الامبريالية، احتدم ضد البرجوازية والرجعية وإسرائيل".

لكن الإشكالية هنا تتجلى – كما يضيف مهدي عامل – في أن ميزة الحركة الثورية العربية أنها، اذن، في ازمة، وازمتها هي في قصورها السياسي وقصور احزابها عن قيادة هذه السيرورة، وازمتها هي السبب الرئيسي في تعثر هذه السيرورة، أن لم تقل في تعطلها، وهي التي تسمح ، بالتالي، بتاييد انظمة البرجوازيات العربية، وتؤمن لأزمة هذه البرجوازيات وانظمتها ديمومة التجدد، هذا هو السبب الرئيسي لوجود حركة التحرر الوطني في العالم العربي في ازمة ، فاذا كانت الحركة التحررية او الثورية العربية في أزمة ، فهل ستكون الطبقة العاملة قادرة على تكوين حركة ثورية جديدة تقود السيرورة الثورية في الحركة التحررية الوطنية العربية؟

- أنها قادرة على ذلك، إما بقيادة احزابها الراهنة، اذا استجابت هذه الاحزاب لضرورات هذه السيرورة الثورية، واما بقيادة اخرى، اذا استمرت قابعه في قصورها السياسي، فوجود تلك الحركة الثورية الجديدة بات ضرورة ملحة هي جديد المرحلة في كل بلد عربي.

خلاصة القول ، ما زالت المهمة الملحة التي تنتظرنا هي تحويل حركة المقاومة العربية وحركة الجماهير الغاضبة إلى حركة تحرر قومي شاملة ترفد حركة الثورة العالمية ضد الرأسمالية الإمبريالية برمتها. ولا بديل عن الماركسية الثورية المتجددة أبدا بحكم طبيعتها الداخلية مرشدا ومضمونا لهذه السيرورة الثورية ، إذ لا مستقبل لشعوبنا وكل الشعوب الفقيرة في كوكبنا ، إلا من خلال الالتزام الواعي بالرؤية الماركسية ومنهجها ، بقيادة الأحزاب الماركسية الثورية المُعَبِّرَة عن مصالح الجماهير الشعبية وتطلعاتها.

ولهذا أرى أن من واجب قوى اليسار الماركسي العربي، أن تكون معنية بتحديد الموضوعات الأساسية القومية والوطنية التحررية من جهة والطبقية المجتمعية من جهة ثانية ، التي يشكل وعيها، مدخلاً أساسياً لوعي حركة وتناقضات النظام الرأسمالي من جهة، وحركة واقع بلدانها بكل مكوناته وآفاق صيرورته التطورية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ثانية، انطلاقاً من إدراكها الموضوعي، بأن التعاطي مع الماركسية ومنهجها بعيداً عن كل أشكال الجمود وتقديس النصـوص ، كفيل بتجاوز أزمتها الراهنة ، إذا ما أدركت بوعي عميق طبيعة ومتطلبات واقع بلدانها بكل جوانبه الاقتصادية والسياسية والمجتمعية.

ذلك أن تطور العولمة في صيغتها الأكثر وحشية " الأمركة خلق نوعاً من الحراك الاجتماعي الجديد على مستوى العالم، لكن للأسف ، لا تزال القوى الاجتماعية والحركات السياسية عموماً وحركات التحرر العربي التقدمية خصوصاً ، وهيئات ما يسمى بـ المجتمع المدني في بلداننا العربية عاجزة أيضـاً عن الانخراط في الحركة العالمية المناهضـة للعولمة والأمركة .. لأنها لا تزال جنينية وغير متبلورة بشكل كاف لتقوم بالجهد المنوط بها في سياسة هذه الحركة العالمية.

لذلك نطرح مجدداً السؤال التقليدي : ما العمل؟ ما هي العملية النقيض لذلك كله؟

إن الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بصحوة حقيقية نشطة ، سياسياً وفكرياً وتنظيمياً ، من قبل أحزاب وحركات اليسار في بلادنا في كل ارجاء المشرق والمغرب، على الرغم من ادراكنا للطبيعة المركبة والمعقدة لأزمة هذه الأحزاب، ومرهونة أيضاً بتبلور ولادة احزاب وحركات يسارية ماركسية ثورية قادرة على التقاط هذه اللحظة، ومن ثم الالتزام بعملية النضال الحقيقي السياسي الديمقراطي والجماهيري من منظور طبقي، من أجل تحقيق الأهداف التي تتطلع اليها جماهيرنا الشعبية، وخاصة إسقاط رؤوس وأنظمة التبعية والاستبداد والتخلف والاستغلال، وتأسيس النظام الاشتراكي الديمقراطي الجديد ، وذلك ايماناً ووفاءً للمبادئ القومية التقدمية الثورية التي أطلقها المفكر الثوري الراحل جورج حبش عبر تأكيده على أن الطريق الى تحرير فلسطين او تحرير أي بقعة أرض عربية من الامريكان او الصهاينة ، مشروط بتحرير العواصم العربية من حكامها العملاء عبر ممارسة ومراكمة كافة اشكال النضال الهادف الى اسقاط أنظمة التبعية والعمالة والاستغلال والتطبيع، من خلال أحزاب وحركات ثوريه ماركسية قومية ملتزمة بتطبيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية، وذلك انطلاقا من ان هذه الثورة – كما اشرنا من قبل - هي استمرار لثورة التحرر الوطني من جهة وهي ايضاً استمرار لسيرورة الثورة الاشتراكية من جهة ثانية ، انطلاقا من العلاقة الجدلية بين الثورة الوطنية الديمقراطية والثورة الاشتراكية ، باعتبار أن الثورة الوطنية الديمقراطية هي في نفس الوقت ثورة وطنية وطبقية مناضلة ضد كل أشكال التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد، وضد الوجود الامبريالي الصهيوني في بلادنا ، وهي أيضا ثورة مناضلة ضد كافة قوى اليمين بكل اطيافه والوانه ومضامينه، فهي ثورة تستهدف تحقيق الاستقلال الوطني والسيادة الكاملة على الارض والموارد والتوزيع العادل للثروة والدخل، وهي أيضاً ثورة ضد كل قوى التخلف السياسي والمجتمعي ، وضد القوى البورجوازية وكل مظاهر الاستبداد والافقار والاستغلال الرأسمالي، وبالتالي فان قيادة الثورة يجب ان تتولاها الطبقات الشعبية الفقيرة من العمال والفلاحين الفقراء بقيادة أحزاب يسارية ماركسية ثورية، بما يضمن تطبيق أسس ومفاهيم الحداثة والتنوير العقلاني والديمقراطية والتقدم وفتح سبل التطور الصناعي والاقتصادي وفق قواعد التخطيط والتنمية المستقلة وتكافؤ الفرص وتحديد الحد الأدنى للدخل الذي يضمن تأمين احتياجات وكفاية أسرة العامل، وتحديد الحد الاعلى للدخل بما لا يزيد عن ثلاثة أضعاف دخل العامل المنتج الى جانب تطوير الأوضاع الصحية والتأمينات الاجتماعية والثقافية والرفاه للجماهير الشعبية وتحقيق مبادئ واليات العدالة الاجتماعية الثورية ، وهي بهذا المضمون ثورة تهدف إلى استكمال التحرر الوطني في الميدان الاقتصادي الاجتماعي ، كما وترمي إلى القيام بتحولات طبقية /اجتماعية ثورية تضمن انهاء كل اشكال التبعية للامبريالية وانهاء هيمنة الكومبرادور والرأسمالية الطفيلية واقتصاد السوق في المجتمع لحساب اقتصاد التسيير الذاتي والتعاوني والمختلط في اطار التنمية ، وهذا يعني أن مهامها:

1. تصفية البنية الاقتصادية التابعة وتصفية البنية الاقتصادية الكومبرادورية وكافة الشرائح الاجتماعية التي تجسد التخلف الاقتصادي الاجتماعي والتي لها مصلحة في الابقاء عليه. والغاء سيطرة اقتصاد السوق في الميدان الاقتصادي وتطبيق البرامج العملية لإنهاء الأمية ، وتطوير الصحة والعلم والثقافة الديمقراطية الوطنية والقومية على قاعدة فصل الدين عن الدولة، وتوفير التأمينات الاجتماعية والصحية ومجانية التعليم للفقراء والمتميزين، وبناء الجيش الوطني وكافة المؤسسات الأخرى التي تخدم اهداف ومصالح الجماهير الفقيرة.

الغاء وتجاوز البنى اليمينية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بكل اطيافها ومنطلقاتها والوانها وتفكيك وازاحة هيمنتها في البناء الفوقي ، وهذا يعني اعادة هيكلة وبناء مؤسسات الدولة قانونيا وسياسيا وثقافيا بما يتطابق مع المصالح الطبقية لجماهير الفقراء والكادحين في سياق العمل الدؤوب لإلغاء كافة مظاهر التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وعلى قاعدة العداء والنضال لاجتثات الوجود الامبريالي الصهيوني من بلادنا في اطار التحالف الاستراتيجي مع كافة الدول والشعوب والحركات المناضلة ضد كل اشكال السيطرة الامبريالية وحليفها الصهيوني وضد كافة انظمة التخلف والاستبداد والرجعية في بلادنا.

3. اعتماد تطبيق مبادئ التنمية المستقلة المعمدة على الذات: إقامة التعاونيات ، وتنشيط الصناعة الوطنية والزراعة والتجارة الداخلية واشراف الدولة على التجارة الخارجية.

بهذا التوجه في الرؤية والبرامج، فان الثورة الوطنية الديمقراطية تستهدف القيام بتحولات نوعية عريضة، ديمقراطية ثورية تحقق انهاء البنية الطبقية الرأسمالية وأدواتها الطبقية بكل تلاوينها ومسمياتها ومصادرة ثرواتها، ضمن خطة تستهدف بناء الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية المستقلة من خلال: إقامة التعاونيات، وتطوير وتوسيع الصناعة الوطنية والزراعة المكثفة والتجارة الداخلية مع دور مركزي للدولة بالنسبة لأولويات التجارة الخارجية، بما يضمن توفير أسس بناء البنية الفوقية للنظام الثوري الديمقراطي الجديد بالقطيعة مع البنية الامبريالية والطبقية اليمينية السابقة عبر تحطيم العلاقات ما قبل الرأسمالية، وتصفية التخلف الاجتماعي الثقافي جنباً الى جنب مع خطط محو الأمية، وتطوير الصحة والتأمين الصحي المجاني للفقراء الى جانب العلم والثقافة الوطنية ببعديهما القومي والانساني، وبناء الجيش الوطني والمؤسسات الأخرى التي تخدم أغراض الدولة الوطنية الديمقراطية.

أخيراً.. إن الثورة الوطنية/ الشعبية الديمقراطية يمكن أن ترتكز إلى تحالف واسع من القوى السياسية الملتزمة بهذه الرؤية، الى جانب التحالف الشعبي الذي يضم إلى جانب العمال والفلاحين الفقراء، الشريحة الفقيرة من البورجوازية الصغيرة ، وهنا بالضبط فان الثورة الوطنية أو الشعبية الديمقراطية هي مرحلة انتقالية صوب الاشتراكية. وبالتالي فان القوى الديمقراطية اليسارية في البلدان العربية، يجب أن تتوحد أو تأتلف في اطار جبهوي في هذه اللحظة وتكرس كل جهودها من أجل مراكمة توسعها ونضالها في أوساط جماهيرها – في كل قطر عربي - معلنة استمرار النضال لاستكمال مهمات وأهداف الثورة من أجل إقامة مجتمع اشتراكي خال من الاستغلال، قائم على مبادئ ومفاهيم الحداثة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والعلمانية والانسانية على طريق تحقيق مهمات وأهداف الثورة الوطنية القومية التحررية الديمقراطية على طريق بناء مجتمع عربي اشتراكي موحد.

ختاماً ، إنني ، اذ اؤكد على أن اللحظة الراهنة من المشهد العربي، هي لحظة لا تعبر عن صيرورة ومستقبل وطننا العربي، رغم كل المؤشرات التي توحي للبعض، أو القلة المهزومة، من أصحاب المصالح الأنانية الضيقة، أن المشهد العربي المهزوم والمأزوم الراهن، يوحي بأن المطلوب قد تحقق، وأن الإمبريالية الأمريكية وصنيعتها وحليفتها الحركة الصهيونية وإسرائيل، قد نجحتا في نزع إرادة العمال والفلاحين وكل الكادحين والمضطهدين العرب، ذلك إن وعينا بأن المشهد الراهن –على سوداويته- لا يعبر عن حقائق الصراع الاجتماعي / الطبقي ، والكامنة في قلوب وعقول هذه الجماهير التي سينبثق من بين صفوفها ، حركات وأحزاب يسارية وديمقراطية جديدة، تعيد إحياء وتفعيل الدور الطليعي المنتظر لحركة التحرر العربية، وهو أمر طبيعي يتوافق مع سنن الصراع وسنن التاريخ إذا ما بقيت فصائل وأحزاب الحركة التحررية العربية القائمة على ما هي عليه من ترهل وتراجع سياسي وفكري وتنظيمي وجماهيري.

لذلك فإن قوى وأحزاب اليسار الماركسي العربي، تواجه في هذه اللحظة الثورية ، تحدياً كبيراً ، سيحدد مصيرها ووجودها ومستقبلها .

 

[1] كوتلوف-تَكَوّن حركة التحرر الوطني في المشرق العربي-ترجمة سعيد أحمد-وزارة الثقافة/دمشق-1981-ص76 .

[2] الأصل التاريخي لتعبير البورجوازية الكومبرادورية ، يعود - حسب المفكر الراحل اسماعيل صبري عبدالله - إلى كلمة comprador ، وكلمة كومبرادور هي أصلا كلمة برتغالية . وقد استخدم الحزب الشيوعي الصيني (أثناء الثورة وبعدها بقيادة ماوتسي تونج) مفهوم الكومبرادوري لفضح العملاء والوسطاء الصينيين المتعاونين مع الاستعمار ، ثم أصبحت هذه الكلمة تطلق – في بلدان العالم الثالث - على المديرين المحليين والوكلاء التجاريين للشركات الأوروبية ، كما هو الحال في العراق و فلسطين وبقية دول العرب والعربان.

فالكومبرادوري هو صاحب ثروة نقدية كبيرة راكمها بالوراثة المشبوهة او بوسائل انتهازية طفيلية او ما شابه ذلك ( ولا اقول صاحب رأسمال ) انه مجرد وسيط للبضائع الاجنبية ( الامريكية والاوروبية واليابانية ...الخ ) للاستهلاك والمتاجرة في اسواق بلاده من خلال آلاف المحلات التجارية في اسواق بغداد او القاهرة او الرياض او ابو ظبي و الكويت وصنعاء وبيروت والجزائر ومراكش وتونس ومكة وغزة ورام الله ..الخ المملوكة لتجار متوسطي الثروات وصغارهم الذين يقوموا بشراء البضائع والسلع من الكومبرادوري او السمسار الوسيط بين السوق المحلي وبين المصانع الاجنبية المنتجة للسلعة ، وكل جهود هذا الكومبرادوري ونشاطاته تتركز في كيفية الحصول على وكالة اجنبية لسلعة معينة يستوردها ويحتكرها ويبيعها الى الاف المحلات التجارية المشار إليها.

والنتيجة مزيدا من الثروات النقدية للكومبرادوري ومزيدا من التراجع والخراب للصناعات والسلع او البضائع والمنتجات الوطنية التي لا تستطيع منافسة السلع الاجنبية ..وهنا يتحقق هدف المراكز الرأسمالية في النظام الامبريالي ، وهو ضمان تخلف بلدان العالم الثالث او الرابع عموما والبلدان العربية واحتجاز تطورها واستمرار استهلاكها للبضائع والسلع الاجنبية من خلال الكومبرادوري " ابن البلد" الذي يمارس دورا تخريبيا مدمراً للصناعة الوطنية في بلده ، الامر الذي كرس العلاقات الراسمالية الرثة ( غير المنتجة) في بلداننا العربية ، فالكومبرادوري لا يمانع في ان يمارس اي دور خياني ضد بلده لحساب الرأسمال الامبريالي العالمي كما هو حال رموز الكومبرادور في كل الوطن العربي .

باختصار إن الكومبرادوري عميل في الجوهر على الرغم من شكله الخارجي الزائف تحت ستار أو عباءة الدين او الصلاة او توزيع "الصدقات" و" الموائد الرمضانية "وبناء جامع هنا او هناك. وفي هذا السياق أشير الى أن الارهاصات الأولى للكومبرادور تشكلت في بلداننا في القرن التاسع عشر من اغنياء العرب المسيحيين والارمن في الشام والعراق ومصر ومن الهنود والحضارمه الجاويين في الجزيرة العربية .

[3] مصدر سبق ذكره-كوتلوف-تَكَوّن حركة التحرر الوطني في المشرق العربي-ص253 .

[4] د.هشام غصيب-أزمة حركة التحرر القومي العربية-الحوار المتمدن-8/6/2011 .

[5] د.هشام غصيب-المصدر السابق .

[6] د.عبد الله تركماني – المسألة القومية العربية من وجهة نظر المفكر الراحل ياسين الحافظ - بوابة الهدف - 08 سبتمبر 2020 .

[7] المصدر السابق .

[8] المصدر السابق .

[9] المصدر : مهدي عامل -مناقشات وأحاديث- الاعمال الكاملة -دار الفارابي-بيروت 1990 -ص155 .