Menu

الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا

الفصل الأول

تمهيد

يعود اهتمامي القديم ب القدس إلى العام 1983، عندما وجدت نفسي لأول مرة في خنادق الحفريات قرب السور العثماني للمدينة. ودفعتني الرغبة في فهم تعقيدات جذوري -الدينية والثقافية والقومية- إلى ممارسة مهنة مكرسة لاستكشاف الحضارات القديمة من زاوية أكاديمية وتجريدية ومبعثرة تماماً  ومتطورة وعملية وملموسة في ذات الوقت، ولعب ماضي القدس وحاضرها دوراً مركزياً وثابتاً في تشكيل هذا المنظور المزدوج. ومن هنا، سمحت لي الأبعاد المادية والبصرية لمجالات علم الآثار والعمارة وتاريخ الفن بالتغلغل بعمق في الحقائق الملموسة للثقافات المتلاشية، والحفاظ، في الوقت عينة، على مسافة معينة وغموض فيما يتعلق بالواقع.  يمكن رؤية آثار القدس ولمسه، المادية منها والمجردة. ومع ذلك، فإن معرفتنا بالمواقع والمعالم الأثرية والمصنوعات تستند إلى بيانات غير كاملة وأفكار متصورة، وخلقت بعض هذه الأفكار والمعتقدات ذات الصلة إرثٌ عمره مئات وآلاف السنين، وأنتجت إبداعات دينية وفنية قيمة. ومع ذلك، فإن بعض منها تسبب في الصراع والعنف. هذا هو التفاعل والازدواجية التي أحاول تحريها في هذا الكتاب.

بدأت تدريس مادة علم الآثار في القدس في العام 1996، في مؤسستين أكاديميتين مختلفتين، المدرسة التوراتية والآثارية الفرنسية في القدس École biblique et archéologique française de Jérusalem ، التي أسسها في العام 1890 كاهن دومينيكي متخصص في علم الآثار والتفسير الكتابي، وفي مدرسة روثبرغ للدراسات الخارجية في الجامعة العبرية Rothberg School of Overseas Studies at the Hebrew University، أول جامعة يهودية في المدينة، التي تأسست في العام 1918. وجعلتني، هذه الفرصة الفريدة، على اتصال بطلاب من خلفيات قومية ودينية مختلفة، بما في ذلك إسرائيليين وفلسطينيين ويهود ومسيحيون ومسلمون. وقادني هذا التنوع إلى التعامل مع موضوع مثير للجدل إلى حد كبير بطريقة تتطلب التفحص الدقيق لجميع الحقائق والبيانات، باستخدام مجموعة من الأساليب التقليدية والمبتكرة للتحقيق وتقديم مجموعة متنوعة من التفسيرات التكميلية والمتباينة والمتعارضة. كان هدفي -وربما خوفي- أن أبقى موضوعيّةً دون الإساءة إلى النظرة الدينية و/أو السياسية لأي شخص. وشكّل هذا النموذج التعليمي أيضاً طبيعة فكتابي الذي شاركت في تأليفه هانز وولف بلدويدهورن (مع Hanswulf Bloedhorn) والذي كان بعنوان آثار القدس: من الأصول حتى العثمانيين، The Archaeology of Jerusalem: From the Origins to the Ottomans الصادر عن مطبوعات جامعة يال في العام 2013 . وعلى مدار سنين عديدة، علمتني المهمة الصعبة المتمثلة في التفاوض على الحقائق والخيال والبيانات والتفسير والموضوعية والتحيز مدى أهمية تأثير السياق الديني والاجتماعي والسياسي في القدس على النشاط الأثري والتفسير، وكيف أن العلم والإيديولوجيا كيانان مترابطان بشكل مدهش. لقد سمحت لي تجربة العيش والعمل والتعليم في كل من منطقتي القدس (الشرقية والغربية) والحفاظ على الحوار المستمر مع المجتمعات الأثرية الإسرائيلية والفلسطينية والدولية في المدينة، سمحت لي هذه التجرية باختبار واستكشاف وتحليل الأوضاع بشكل مباشر. بدلاً من إبعاد الأمور المثيرة للجدل والنزاع -الدينية والسياسية منها على حد سواء- والنأي بالنفس عنهما، وكان ذلك هو الهدف الأساسي لكتابي المشترك ذاك، آثار القدس  . أما هذا: الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثالاً Finding Jerusalem: Archaeology between Science and Ideology فهو محاولة لدراسة هذه الموضوعات بشكل مباشر، من أجل عرض وجهات النظر المختلفة وإدخالها في حوار. وأدرك، ومع ذلك، أن الموضوعية في حالة القدس هي مجرد وجهة نظر بصورة كبيرة، على الرغم من جهدي المستمر ورغبتي في أن أبقى، من ناحية، موضوعيّةً وعادلةّ في عرضي التقديمي وتحليلي, ومن ناحية أخرى، لا تقابل الموضوعية بطريقة ما نعنى الحيادية، ومن هذه الزاوية تمثل آثار القدس تشابكًا مشحونًا ومتعدد الأوجه عندما يتم الحديث عن  الحقائق والقيم.

انغمست منذ طفولتي وشبابي/ في ألمانيا وفرنسا، في الفكر الصهيوني، لكن سرعان ما تحطمت قناعاتي حول أحقية امتلاك اليهود يمتلكون لأرض إسرائيل عندما هجرت إلى إسرائيل وأنا في سن الثانية والعشرين. لقد علمت  مدى الارتباط التاريخي والديني-المشابه جداً لارتباطي في المنطقة- للفلسطينيين المسيحيين والمسلمين، الذين كانوا حاضرين بشكل متواضع فقط في السردية الذي تعرضتً لها. كما أدركتً أيضاً الظلم المتمثل في منحي الأولوية بسبب انتمائي الديني بكوني يهودية، بغض النظر عن تاريخ العائلة (الذي يمكنني تتبعه حتى القرن السادس عشر في أوروبا الشرقية)، لقد منحت امتيازات حرم منها  الفلسطينيون، الذين عاشوا في الأرض لعدة أجيال. وهكذا، على الرغم من جهودي المخلصة لدراسة ماضي القدس بطريقة مستنيرة وموضوعية، فإن نتيجة هذه الدراسة تعكس رحلتي الشخصية في البحث عن أهمية التقاليد والأساطير والدين والسجلات التاريخية والبيانات الأثرية والحزبية السياسية لجميع تلك الأمم التي تدعي التحالف وملكية أرض إسرائيل/فلسطين.

تعتبر الطبيعة المنحرفة والغموض لمصطلحات معينة أحد المجالات التي تعكس الطبيعة المتنازع عليها للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحالي، وغالباً ما تشير إلى رأي إيديولوجي أو سياسي أو ذاك. دون الخوض في المناقشات حول المصطلحات، إليكم سرد موجز للكلمات والتعابير التي أستخدمها في هذا الكتاب:

تشير فلسطين إلى الكيان الجغرافي للمنطقة الأكبر التي تقع فيها القدس. منذ ظهور الاسم لأول مرة، في وثيقة قديمة كتبها هيرودوت في القرن الخامس ق.م، وصولاً لإحيائه كاسم مكان رسمي في بداية فترة الانتداب البريطاني، تغيرت الحدود الدقيقة بشكل متكرر.

إسرائيل هو اسم المملكة المذكورة في الكتاب المقدس. كما هو اسم يشير إلى الدولة الحديثة، التي تأسست عام 1948. تغيرت حدود دولة إسرائيل مراراً وتكراراً منذ إنشائها وهي محل نزاع شديد.

كان الإسرائيليون شعباً سامياً عاش، وفقاً للرواية التوراتية، في أجزاء من [أرض] كنعان منذ [زمن] الخروج (حوالي القرن الثاني عشر ق.م) وما بعده. حالياً يطلق اسم الإسرائيليون على مواطنين أو رعايا دولة إسرائيل الحديثة.

في السياق الأحدث والمعاصر لهذه المخطوطة، أستخدم مصطلح فلسطيني للأشخاص الذين عاشوا في هذه المنطقة قبل إنشاء دولة إسرائيل، لأولئك الذين طردوا في عامي 1948 و 1967، للمسيحيين والمسلمين الذين استمروا في العيش داخل الحدود الحالية لإسرائيل، وأخيراً، لأولئك الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية (قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية).

أستخدم المصطلح اليهودي المسيحي لتحديد الأصول المشتركة لليهود والمسيحيين في العصور القديمة، كما تشكلت على وجه التحديد بين القرنين الأول والرابع ق.م ، قبل صياغة أشكال أكثر تميزاً من الطقوس والمعتقدات. وسأستخدمه أيضاً، وبالتالي أشير إلى استخدامه، في السياق المعاصر لنشرها من قبل الإنجيليين الأمريكيين لتوفير أساس قائم على القيم لاهتمامهم باليهودية وتعاطفهم السياسي مع دولة إسرائيل. على الرغم من أن اهتمامهم بالإرث المسيحي للمدينة يتداخل بشكل واضح مع اهتمام المسيحيين الفلسطينيين، إلا أن الاصطفافات السياسية المختلفة لهاتين المجموعتين تؤثر على نظرتهم التراثية وبالتالي سياساتهم التراثية.

اليهود والمسيحيون والمسلمون، المعروفون أيضاً باسم الديانات الإبراهيمية الثلاثة -مما يشير إلى أصولهم المشتركة ومعتقداتهم التوحيدية المتداخلة- يحددون الهويات الدينية للأبطال الرئيسيين لهذه الدراسة. على الرغم من استخدامهم بشكل متكرر في سياق سرد حصري (يهودي أو مسيحي أو مسلم) أو كمؤشر على تراث موحد، فلا ينبغي هذا الاستخدام أن يشير إلى تصنيفهم كفئة مجموعة متجانسة أو مصلحة متجانسة.

على الرغم من أن النضالات الدينية والإيديولوجية في القدس خلال القرن الماضي عارضت في كثير من الأحيان العرب واليهود، فقد تأثر سكان القدس الآخرون أو شاركوا في هذه النزاعات، على سبيل المثال، الأرمن واليونانيين واليهود. الجاليات الاثيوبية. وبالتالي سأحدد الجماعات الإثنية والدينية المعينة قيد المناقشة.

أعرّف الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أنه “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني” وأشير إلى المنطقة على أنها إسرائيل/فلسطين.

مصطلح التطبيع، كما فهمته الغالبية العظمى من المجتمع المدني الفلسطيني منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 ، يعكس نية إسرائيل لتقديم الاحتلال على أنه دولة “طبيعية”.

أستخدم مصطلح القدس الغربية للإشارة إلى الجزء من المدينة الذي ظل تحت السيطرة الإسرائيلية بعد الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948، والتي حددت خطوط وقف إطلاق النار الخاصة بها الحدود مع القدس الشرقية وبقية المدينة. وقعت القدس الشرقية بين عامي 1948 و 1967 تحت الوصاية الأردنية. وأدى احتلالها من قبل إسرائيل في حقبة ما بعد 1967 إلى تطور وتوسع هامين في المدينة (64 كم2).

أقر الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في العام 1980 قانون القدس، الذي أعلن القدس عاصمة “كاملة وموحدة” لإسرائيل. أعلن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 أن هذا الإجراء “باطل ولاغٍ”، ويعرّف القانون الدولي القدس الشرقية على أنها جزء من الضفة الغربية وأرض محتلة. ويعكس استخدامي لمصطلح “القدس الشرقية المحتلة” وجهة النظر الدولية.

كثيراً ما يستخدم من قبل علماء الآثار العاملين في إسرائيل مصطلح “فترة لهيكل الأول” لتعريف الثقافة المادية للعصر الحديدي الثاني (حوالي القرن العاشر إلى 586 ق.م ) ومصطلح “فترة الهيكل الثاني” للإشارة إلى الثقافة المادية للفترات الهلنستية والرومانية المبكرة (حوالي 332 ق.م إلى 70 ق.م ). ونظراً لأن هذه المصطلحات تستند إلى مصادر مكتوبة لا تعكس المنطقة الجغرافية الأكبر المرتبطة بالتطورات المميزة والتغيرات في الثقافة المادية، فإن معظم الباحثين الأوروبيين، بالإضافة إلى عدد متزايد من العلماء الأمريكيين يتجنبون استخدام هذه المصطلحات. وأستخدم المصطلحين “فترة الهيكل الأول” و “فترة الهيكل الثاني” فقط في الأماكن التي يمثلان فيها التسمية التي اختارها عالم الآثار أو الباحث أو القيم الفني المرتبط بتفسير القطعة الأثرية أو الموقع المعني.

يبلغ حجم الأدبيات التي تتناول سياسات القدس والصراع الإسرائيلي الفلسطيني مدىً واسعاً للغاية بحيث لا يمكن الرجوع إليها هنا. غير أن الأكثر صلة بالدراسة الحالية هو الاهتمام المتزايد بين العلماء من خلفيات مختلفة في سياسة علم الآثار والتاريخ والتراث الثقافي للمدينة. ووأد تسليط الضوء على بعض المصادر المفيدة من بين المقالات والكتب العديدة التي نظرت فيها بشكل خاص والتي أغنتني ووجهتني، فعلى سبيل المثال: يبحث كتاب نيل آشر سيلبرمان “بحثاً عن إله ووطن” Digging for God and Country: Exploration, Archaeology and the Secret Struggle for the Holy Land, 1799–1917، في الاكتشافات الأثرية في المنطقة من وجهة نظر ثقافية واجتماعية سياسية نقدية، مع التركيز على الفترة العثمانية المتأخرة. وتستخدم ناديا أبو الحاج التحقيق الأنثروبولوجي للأعمال الأثرية الحديثة في المنطقة في كتابه حقائق على الأرض Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self- Fashioning in Israeli Society ، بتطبيقها الرؤى المنهجية والنظرية المستقاة من الأدبيات العلمية الفلسفية والاجتماعية. أحد فصول أبو الحاج مخصص بشكل خاص للنشاط الأثري في القدس، مع التركيز على فترة ما بعد 1967 مباشرة حتى عام 1982.  أما راز كلتر فيدرس في كتابه صنع علم الآثار الإسرائيلي Just Past? The Making of Israeli Archaeology ، وثائق من أرشيف دولة إسرائيل حول الإعداد الإداري للنشاط الأثري في إسرائيل والضفة الغربية ويحلل الآليات التي تحكمت في تشكيل العمل الميداني والتفسير من خلال العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا سيما خلال العقود الثلاثة الأولى بعد إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948. أما المنشورات الأخرى الهامة التي تتناول الأدوار التي يلعبها علم الآثار والتراث الثقافي في الصراع الإقليمي بين إسرائيل وفلسطين فتشمل عمل المؤرخ ميرون بنفينيستي مدينة الحجر: التاريخ الخفي للقدس City of Stone: The Hidden History of Jerusalem ، وعمل الباحث السياسي مايكل دومير سياسات الفضاء المقدس Politics of Sacred Space: The Old City of Jerusalem in the Middle East Conflict  وكذلك الصراع على الأماكن المقدسة في القدس The Struggle for Jerusa­lem’s Holy Places لكل من ويندي بولان وماكسميليان ستيرينيرغ وليفكوس كيرياكو وكريغ لاركين ومايكل دومير, ويتحرى هذين الكتابين، بنجاح، دور العمارة والهوية العمرانية الحضرية فيما يتعلق بالاقتصاد السياسي للمدينة من منظار الأماكن المقدسة. ويبحث كتاب شموئيل بيركوفيتز حروب الأماكن المقدسة The Wars of the Holy Places: The Struggle Over Jerusalem and the Holy Sites in Israel, Judea, Samaria and the Gaza Districtفي أهم المواقع والمعالم الدينية والصراع الديني والسياسي ذي الصلة من وجهة نظر النظام القانوني الإسرائيلي. كما كانت المنشورات العديدة لرفائيل غرينبيرغ ويوناثان مزراحي حول دور علم الآثار في المجتمع الإسرائيلي وفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مفيدة بشكل خاص لفهمي للعديد من القضايا في جوهر هذا الكتاب. وقد زودتني أعمال غرينبيرغ ومزراحي – بالإضافة إلى العديد من العلماء الآخرين الذين يعملون على القضايا ذاتها، بالبيانات والتأملات القيّمة، بخلاف العديد من المؤلفات التي نشرها علماء آثار، و معظم الدراسات الأخرى التي تتناول الجوانب السياسية للعمل الميداني الأثري والتفسير والعرض (التي أنتجها في الغالب المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا والمهندسون المعماريون والمخططون الحضريون والعلماء الاجتماعيون والسياسيون)

تواريخ مهمة

العصر البرونزي: 3300-1200 ق.م

العصر الحديدي: 1200-586 ق.م

الفترات البابلية والفارسية: 586-539 ق.م

الفترة الهلنستية: 332 ق.م- 70 م

الفترة الرومانية: 70-324

الفترة البيزنطية: 324-638

الفترة الإسلامية المبكرة: 638-1099

الفترة الصليبية والأيوبية: 1099-1250

الفترة المملوكية: 1250-1516

الفترة العثمانية: 1516-1917

فترة الانتداب البريطاني: 1917-1947

التقسيم بين إسرائيل والأردن: 1947-1967

الحرب العربية الإسرائيلية: 1948 (بالعبرية المعروفة باسم حرب الاستقلال מלחמת ה’עצמאות ، وباللغة العربية باسم النكبة)

معركة القدس: 1948

اتفاقيات الهدنة: 1949

الحرب العربية الإسرائيلية: 1967 (بالعبرية المعروفة باسم  מלחמת ששת היא ימים، أو حرب الأيام الستة، وبالعربية باسم النكسة)

قانون القدس: 1980 (سنته إسرائيل لكن لم يعترف به القانون الدولي)

الانتفاضة الأولى: 1987-1991

اتفاق أوسلو الأول: 1993

اتفاقية أوسلو الثانية: 1995

قمة كامب ديفيد: 2000

الانتفاضة الثانية: 2000-2005 (المعروفة أيضاً باسم انتفاضة الأقصى)

بناء الجدار الفاصل: 2000–

المقدمة

آثاريات علم الآثار

لا يعني هذا الكتاب ” الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثالاً”، البتة، إعادة الحياة إلى الحجارة والجدران القديمة المدفونة تحت الأرض، ولا هو مغامرة البحث عن  كنوزٍ وآثار مدينة تبجلّها الديانات والتقاليد الإبراهيمية الثلاثة. والأهم من ذلك، لا يزعم أنه يحاول كشف الحقائق الكتابية، لكنه، كتابٌ، يقع بين العلم والإيديولوجيا، ويهتم بعلماء لآثار وأهل الاختصاص والباحثين والمؤسسات والهيئات الحكومية التي تعمل في تنقيب وتأويل ماضي مدينة القدس [أينما ورد الاسم Jerusalem، سوف نستخدم المقابل العربي “القدس” دون النظر إلى المقابل العبري” أورشليم” إلّا إذا اقتضت الضرورة- المترجم]، كما يتعامل مع من يدعمون ويراقبون ويعززون مساعي الإرث الثقافي، كما أنه يتحرّى الآثار المترتبة على الأفراد والمجتمعات والدول المتأثرة بعمليات النشاط الأثري. وأخيراً، يطمح، قدر الإمكان، إلى التفريق بين ما هو واقع وملموس ومادي من جهة، وبين ما هو متخيل ومخلوق ومحسوس من جهة أخرى. ويستطلع، بتعابير أكثر بعداً عن التجريد، تاريخ البعثات الأركيولوجية والمكتشفات وتأويلاتها في المدينة، في سياق السجالات الاجتماعية والسياسية والدينية، منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الوقت الحاضر، مع التركيز على مرحلة ما بعد العام 1967.

الشكل 1. منظر جوي لمدينة القدس القديمة ، باتجاه الشمال الشرقي. تصوير: حنان إسخار

فيدرس الأطر القانونية والمبادئ الأخلاقية التي حكمت النشاط الأركيولوجي، والخطاب المتنامي للإرث الثقافي، وكذلك مكانة علم الآثار في مختلف النظم و المؤسسات التعليمية في المدينة. كما يعمل على تحليل الصراع المستمر لاكتشاف وتعريف ماضي المدينة، بإظهار إرثها المادي والتاريخي وتعزيز مزاعم الشرعية العلمية والموضوعية إزاء تحديات الحماسة الدينية والتحزب السياسي المرتبطين ببعضهما البعض بصورة وثيقة، بطرق لا تقتصر بالضرورة على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي مازال قائماً حتى الساعة. ويمكن القول أن هدف وبؤرة هذه الدراسة، إنما تنصب بالدرجة الأولى، على موقع القدس التاريخية أو الحوض (المقدس)، الذي (يحتوي على البلدة القديمة والمنطقة المحيطة بها), والتي تعدُّ من أكثر مناطق العالم تعرضاً للتنقيب والبحث الكثيفين، وأحد أكثر المناطق المعقدة على الصعيدين الثقافي و التاريخي(1). (انظر شكل 1). وقاد وترأس عمليات التنقيب والبحث، على مدى حوالي قرن ونصف قبل اليوم، آثاريون  بارزون برعاية مؤسسات أكاديمية كبرى، متسلحين بمعايير وإجراءات مهنية سواء في العمل الميداني أو البحثي، بالإضافة إلى تنظيم مؤتمرات تعليمية وندوات وعروض لغير المختصين. ولم يمنع هذا، في ذات الوقت، من ظهور النزاعات الدينية والقومية بصورة مطّردة، التي ساهمت بدورها في طمس الخطوط بين الماضي والحاضر، وبين الحقيقة والخيال. فنادراً ما يتم تحدي مزاعم الإسرائيليين المعاصرين بأنهم أحفاد بني إسرائيل أو الحشمونيين، وأن المسيحيين الأوائل وطلائع الفاتحين المسلمين، هم الأسلاف المباشرين للفلسطينيين المعاصرين. فالعديد من عمليات النفي [السبي] والهجرة والتهجير والغزو والدمار والفناء، بالإضافة إلى العدد اللانهائي من الزيجات المختلطة والتداخل الثقافي والتحول الديني تجعل من الافتراضات السابقة نتاج واضح للتقاليد والمعتقدات الدينية بدلاً من كونها تستند إلى الاحتمال التاريخي. وبدلاً من تقديم مزاعم النسب المباشر، ينبغي إيلاء اهتمام أكبر للتشابهات الثقافية والدينية واستمراريتها، والتي غالباً ما تكون أكثر أهمية بين المجموعات الدينية المختلفة في السياق الجغرافي والزمني ذاته, وبدرجة أقل في نطاق عقيدة واحدة أو تقاليد دينية على مر مئات أو آلاف السنين.

وإذن، هذا الكتاب محاولة لخلق وضوح داخل المتاهة المربكة للمبادرات الأركيولوجية المستخدمة والتلاعب بها لتشكيل رأي عام محلي ودولي. ومثل هذا الأمر يدعونا، من خلال وضع مخطط لسجل الوقائع، إلى المشاركة في رحلة، متعددة الأوجه، عبر الزمن، والتي تعرف مكانياً بالعديد من الحدود والطبقات المتشابكة عمودياً وأفقياً، واستكشاف الفضاء المتخلل ضمن الآثار والصروح واللقى المادية المتلونة بالعديد من الثقافات والشعوب. تشكلت عمليات الحفر والمسح والبحوث في المدينة، منذ منتصف القرن التاسع وحتى بدايات القرن العشرين، بفضل الاهتمامات الاستعمارية الغربية في المنطقة، وجمعت ما بين الفضول العلمي والرغبة في تكريس الواقع المادي للكتاب المقدس العبري، وسرديات العهد الجديد. وكان لهذا النموذج من علم الآثار الكتابي، الذي بدأه مستكشفو القدس الكاثوليك والبروتستانت، أثرٌ كبير على المساعي الصهيونية المبكرة الطامحة إلى تكريس صلة مادية ملموسة تربط بين الجذور اليهودية المحلية والحضور اليهودي المتزايد في المدينة والمنطقة. وكان لمتابعة التحقيقات الأثرية تأثيراً، في بادئ الأمر، ثم بصورة مطّردة عبر  القرن العشرين، ليس فقط على الدوائر الأكاديمية والمتخصصة فحسب، بل على المجتمع بصورة أوسع، بشقيه المحلي والدولي. واكتمل هذا التأثير بعد قيام إسرائيل في العام 1948، ثم ازداد اكتمالاً بعد استيلاء إسرائيل على القدس الشرقية في العام 1967. وكان للواقع السياسي الجديد للاحتلال عواقب عملية وإدارية وقانونية وسياسية مختلفة على مجال عمل علم الآثار. فاحتكرت إسرائيل حصرياً، ومنذ العام 1967، أعمال التنقيب في المواقع الأثرية في القدس، مما سمح لهيئة آثار إسرائيل (عرفت قبل العام 1990 باسم دائرة إسرائيل للآثار والمتاحف)، باعتبارها وكالة حكومية، من العمل الميداني في القدس الشرقية وفقاً للمبادئ القانونية السارية في القدس الغربية(2). وأدانت اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) هذه المبادرات الإسرائيلية واعتبرتها غير قانونية وفقاً لأحكام القانون الدولي، الذي يعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة.

وبسبب هذا الإطار السياسي للمدينة، مٌنع الفلسطينيون من القيام بأعمال حفر وتنقيب فيها، لرفضهم، بطبيعة الحال، للاحتلال، وفرض السيادة الإسرائيلية والإدارة الأثرية والتحكم بها. وهذا ما جعل المبادرات الفلسطينية المعنية بالتراث الثقافي الفلسطيني تتجه بالكامل، تقريباً، لإبراز الصروح ،لاسيما المباني المملوكية (1250-1516) والعثمانية(1516-1917)، المهيمنة حتى يومنا هذا على المشهد العمراني للبلدة القديمة. ومنذ تسعينيات القرن الماضي أخذ علم الآثار الإسرائيلي يأخذ منحىً تطورياً بالاستناد إلى معايير مهنية عالية(3)، بخلاف العديد من الحفريات الواسعة التي أجريت في القدس الشرقية في أعقاب حرب حزيران\يونيو 1967 مباشرةً، والتي سلطت الضوء على التراث اليهودي وصنفها بعض العلماء بأنها جهود قومية واستعمارية لبناء الدولة. وباتت تتميز أعمال الحفريات الأخيرة بمعالجة أكثر للحقب والثقافات المختلفة، وأظهرت، أيضاً، ووثّقت ملامح الإرث الثقافي الفلسطيني المميز، واشتملت على لقى ذات صلة بالمسيحيين والمسلمين على حد سواء(4). ومع ذلك سوف تبقى نتائج بحوث هذه المشاريع الميدانية متاحة، في أغلب الحالات، لدائرة صغيرة من الباحثين الآثاريين المتخصصين. كما لا تزال السردية الأكثر انتشاراً لتأويل للقى الأثرية، لاسيما، كما تم عرضها للعامة، واجتهد في طرحها، تتاخم الطموح الصهيوني القديم في تأمين صلة مباشرة بين ماضي بني إسرائيل وحاضر اليهود في المدينة. كانت الجهود الفلسطينية لإشراك علم الآثار كوسيلة للمطالبة بالسيادة على المدينة متواضعة نسبياً بالمقارنة مع الجهود الإسرائيلية، وساهمت عوامل عدة في الحد من نجاح فرصة تعزيز تقدير مادة وإرث ثقافي فلسطينية متميز(5)، ومن بين هذه العوامل: عدم وجود بلدية خاضعة للسيطرة الفلسطينية الرسمية، فضلاً عن التنسيق السيء والجهود التنافسية التي تبذلها كل من السلطة الفلسطينية والأوقاف المحلية والأردنية(6) دون أن ننسى الصعود الواضح للحركة الإسلامية في إسرائيل- وتعرف باسم الحركة الإسلامية في أراضي الـ 48-، وبالتالي، يقتصر النشاط الآثاري الفلسطيني في القدس على المسح والدراسة ومناقشة الصروح المعمارية الموجودة فوق الأرض أكثر من أعمال الحفر والتنقيب تحت الأرض في المواقع الأثرية.

……

تعتمد مقاربتي في هذا العمل على تقديم وتحليل آثار المدينة من حيث تاريخ الاستكشاف، بدلاً من فحص البقايا الأثرية وفقاً للتحقيب الزمني، وتاريخ توطن المدينة تسلسلياً: أفقياً تبعاً للمنطقة أو الموقع، وعمودياً تبعاً للطبقات والسويات- كما يقوم بذلك معظم علماء الآثار-. كما تبرز دراستي جهود علماء الآثار الذين استكشفوا الثقافة المادية للمدينة: مدارسهم وتدريبهم, وسياقاتهم الشخصية والثقافية والدينية والمهنية والمؤسساتية والقومية. بدلاً من افتراض أن الموضوعات المعروضة والبنى، وبشكل أكثر عمومية، الثقافة المادية لها طبيعة حقيقية ثابتة وجوهرية غير قابلة للجدل، يمكن عرضها وفهمها بطريقة متجانسة. وأزعم-هنا- أن معنى وتمايز اللقى والمواقع الأثرية يصاغ ويتشكل وفقاً للشخصية المميزة والفريدة للباحث الآثاري وسياقات التغير الاجتماعي الثقافي والسياسي الثابت. وبالتالي، سوف أستعرض تاريخ الحفريات في مستويات تراكمية وحقب وفترات ونماذج معرفية حصلت فيها أحدث الإنجازات بناء على إنجازات أقدم منها تعتمد عليها، بدلاً من سرد قصة الاستكشاف الأثري للقدس بطريقة تدريجية التي ينتج عنها رواية تنمو فيها المعرفة و المهنية باطراد، وفي الواقع, لا تحرر، تلك الإنجازات، نفسها تماماً من المكوّنات التي لا تنفصل عن العلم والإيديولوجيا.

ثبت أنه من الصعوبة بمكان أن يقوم التحفيز المتأصل لعلم الآثار لإظهار البينات المادية والملموسة، يهدف إلى إنتاج تحليل علمي للاكتشافات تقديم استعراض غير متحيز للبيانات والنتائج. فالأدلة الأثرية، بحد ذاتها، جزئية على الدوام وغير نقية، وتعتمد معرفتنا في المقام الأول -بغض النظر عن كيفية دقة وشمولية تحقيقاتنا- على الاستقراء والتأويل والخيال(7). وعلاوة على ذلك، ترتبط طموحاتنا، في حالة القدس، لتحسين معرفتنا عن تطور ثقافة المدينة، على الدوام باستيطان المدينة وامتلاك الأرض: للاستحواذ- قانونياً وذهنياً-ليس على ما هو مرئي وملموس من الأرض, بل وربما الأهم من ذلك، على الجذور الخفية المدفونة تحت الأرض، مجازاً وفعلياً على حد سواء. وترتبط المعرفة والتقدم والفضول العلميين باستمرار في ممارسة السلطة والسيادة اجتماعياً ودينياً وسياسياً. واعتمدت لتنقيبات الأثرية والتأويلات منذ نشأتها، في القدس، كما هو الحال في أماكن أخرى، على تطبيق العلم والممارسات الإقصائية. واحتفظ هذا الترابط بين العلم والسلطة والإيديولوجيا -الذي حدّد شكل المجال وعلاقته بالكيانات السياسية والدينية والقومية المختلفة- على تقدمه، بدلاً من التراجع بمرور الوقت، وفي الواقع, وصل إلى آفاق جديدة في الصراع المتصاعد بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا يزال من الصعوبة بمكان السيطرة على فئات العلم والإيديولوجيا، ومما يزيد من ذلك عندما -كما هو الحال هنا- التراكب المتبادل. وسوف أسمح لنفسي، بعيداً عن أي استهلال تأملي في المؤلفات الضخمة المتعلقة بهذا الموضوع، أن اصف استخدامي لمصطلح “العلوم” لوصف الممارسة أو الخطاب الذي يوضح البحث عن الموضوعية من خلال إخضاع نفسه للمراجعة والتصحيح والتحقق أو التحقق من الصحة أو التزوير.  تتفهم المزاعم العلمية أسباب زوالها، كما يجادل ماكس ويبر في “العلم كمهنة”(8). وتسعى، من ناحية أخرى، الإيديولوجيا إلى المصداقية لجهة تمثلها لباس العالم، لكن مزاعمها الحقيقة الخاصة بها تستند إلى استراتيجيات الاهتمام أكثر منها إلى استراتيجيات التحليل الموضوعي, وهذه فجوة يمكن أن تكون مقصودة أو غير مقصودة, واعية أو غير واعية.

…….

يتم تأطير استفساري تحقيبياً من خلال أربع مراحل, بدءّ من علم الآثار الاستعماري  ما بين 1850-1851 و1948، وصولاً إلى مرحلة علم الآثار القومي (النيو كولونيالي) من 1948 حتى1967، ويندرج فهمي للعقود ما بين 1967 و 1996 ضمن إطار الازدواجية بين علم الآثار والاحتلال، يليها فترة علم آثار الاحتلال وهي الفترة التي تمتد حتى الوقت الحاضر. ويبدأ الإطار التاريخي لـ علم الآثار الكولونيالي  مع أعمال التنقيب الأولى في مدينة القدس على يد جامع العملات الفرنسي فيليكس دو سولسي في الفترة 1850-1851، وينتهي مع قيام إسرائيل في العام 1948، وتتميز هذه الفترة من التنقيب الأثري بالحكم الاستعماري لفلسطين، والانتقال من العقود القليلة الأخيرة من الحكم العثماني إلى الانتداب البريطاني الكامل (الإدارة المدنية البريطانية في فلسطين بين 1920 و1948). أجريت معظم الحملات الاستكشافية، طوال هذه الفترة، في القدس على يد رجال غربيين متعلمين ومميزين, وبدون أي مشاركة من السكان الأصليين، وخلال هذه الفترة ومن سياقها وُلد علم الآثار الكتابي وصورة المستكشف الذي يحمل “المعول بيد والكتاب المقدس باليد الأخرى”. يصف نيل آشر سيلبرمان العلاقة بين المعتقد الديني والطموح السياسي في حيز عمليات التنقيب في الحقبة العثمانية الأخيرة بأنها علاقة ” تنقيب بحثاً عن إله ووطن”, وهي علاقة مزج استمرت تصوغ العمل الأثري خلال فترة الانتداب، على الرغم من تميزه بأكثر الممارسات تنظيماً ومهنية. وخلال الفترة ما بين 1948 و1967، وهي الفترة التي شهدت ظهور علم الآثار القومي (النيوكولونيالي) شهدت أيضاً انقسام المدينة إلى قدس شرقية تحت الحكم الأردني وقدس غربية تسيطر عليها إسرائيل(9). لم تتغير أحكام وإجراءات علم الآثار خلال هذه السنوات إلّا قليلاً، على الرغم من التحول السياسي والإداري، وبقي قسم الآثار في الأردن في يد علماء الآثار البريطانيين، كما عملت الإدارة الإسرائيلية للآثار والمتاحف بقيادة وتوجيه علماء آثار يهود. واستمر حقل علم الآثار الكتابي منصباً في تركيزه على الاستكشافات، مع زاوية الرؤية الأصلية، الكاثوليكية والبروتستانتية شبه الحصرية تقريباً، والتي وقفت رسمياً مع الجانب الإسرائيلي بتبنيها وجهات نظر واهتمامات يهودية. وتابع علم الآثار عمله باعتباره مؤسسة غربية سواء في شكل نموذجه أم في أسس عمله، على الرغم من أن  إسرائيل والأردن يريان أنفسهما مالكين أصليين للأرض وأصحاب حق في الحفر، واستمر الأفراد المتخصصون في الخارج هم من يقودوا العمل الميداني والبحوث بالدرجة الأولى.

يبدأ علم آثار الاحتلال في العام 1967 عندما استولت إسرائيل على القدس الشرقية ومدّدت حدود بلدية المدينة إلى المناطق القريبة منها، وإلى قرى فلسطينية أخرى. وأدارت ونفذت دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية (هيئة آثار إسرائيل اعتباراً من العام 1990) جميع عمليات التنقيب والمسوحات الأثرية في المدينة منذ ذلك الحين. وتركزت غالبية المشاريع الميدانية على المدينة القديمة ومحيطها المباشر الذي يقع داخل القطاع المحتل من المدينة، وترافقت المشاريع الأثرية الضخمة في المدينة مع سياسات الاحتلال الإسرائيلي، التي حرضت على إنشاء المستوطنات اليهودية وهدم منازل الفلسطينيين وبناء المنتزهات والمؤسسات القومية [الإسرائيلية]، وأظهرت ناديا أبو الحاج في كتابها “حقائق على الأرض”  كيف كان يتم تسليط الضوء على الطبقات والاكتشافات ذات الصلة، في الغالب، بالرواية اليهودية\ الإسرائيلية للمدينة، ولاسيما في القدس الشرقية، وكيف يقوم علماء الآثار بإنتاج اكتشافات غالباً ما يتم تقديمها على أنها دليل ملموس على حق إسرائيل في العودة إلى وطن الأجداد. وكان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد وصل إلى آفاق جديدة مما عزز من صعود الحركات الدينية والقومية المتطرفة من كلا الجانبين، رغم الجهود المتكررة من قبل المجتمع الدولي لتعزيز مفاوضات السلام في المنطقة (اتفاقيات أوسلو 1993 و1995 وقمة كامب ديفيد 2000) خلال الفترة التي أعقبت فوز بنيامين نتنياهو بانتخابات العام 1996. وظل الجزء الأكبر من مفاوضات الوضع النهائي للقدس على الطاولة، ولكن استمر تنسيق الاستثمار في المستوطنات اليهودية وهدم منازل الفلسطينيين والمواقع الأثرية وتطوير السياحة في القدس الشرقية بما يشير إلى تمسك إسرائيل بسياستها الاحتلالية.

يتم مطابقة علم آثار الاحتلال منذ العام 1996 وحتى الوقت الحالي، مع إنشاء الهيئة الإسرائيلية للمنتزهات والطبيعة وهيئة آثار إسرائيل ومؤسسة إلعاد (وتعرف بمؤسسة “عير دافيد”)  والمنظمات الإسرائيلية الاستيطانية غير الحكومية والتي تتعاون وتنسق بشكل وثيق لتحديد المواقع الأثرية في القدس الشرقية. وتضاءلت على نحو متزايد قدرة اليونيسكو على مواجهة احتكار إسرائيل لقرارات التراث الثقافي في سياق المناخ السياسي المتقلب. وظهر الفلسطينيون كمشاهدين سلبيين رغم انخراطهم في مسائل التراث الثقافي، وظلت مناطق قليلة متاحة للتنقيب مع توسع المناطق السكانية والأبنية في البلدة القديمة ومحيطها المباشر. وبدلاً من خلق “الحقائق على الأرض” حدث تحول بإنتاج “الحقائق على الأرض”. في معظم الأنشطة وكانت الحفريات الواسعة لإنشاء الأنفاق التي أجريت تحت رعاية سلطة الآثار الإسرائيلية من بين أكثر الأعمال إثارة للجدل لأنها ساهمت في تحوّل المشهد التاريخي في القدس، فضلاً عن الأبنية تحت المصلى المرواني بمبادرة من الحركة الإسلامية في إسرائيل (الحركة الإسلامية في أراضي الـ 48). وعلى الرغم من إصرار إسرائيل بأن جميع الحفريات التي تم إجراؤها في القدس الشرقية منذ العام 1967 هي “حفريات إنقاذ أو نجدة”- وتقول أنها تتم فقط لحماية أو إنقاذ موقع مهدد بالتخريب بسبب الأشغال المتنامية- أصبح من الواضح جداً أن جميع جهود التنقيب، تقريباً، في الحوض التاريخي مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بسياسة الاحتلال الإسرائيلية، واتخذ العمل السياسي للاحتلال والملكية المزعومة أبعاداً جديدةً تتجاوز سطح الواقع الحالي لمدينة مزدحمة العمران وكثيفة السكان.

……..

انتظمت الفصول التسعة لهذا لكتاب على خلفية هذا الإطار، في ثلاثة أجزاء، كُرّس كل جزء إلى فك تشابكات التعقيد حول أصل المدينة المتنازع عليها عالمياً وعلى تراثها -المواجهة بين العلم والدين والعقيدة وعلم الآثار. ويوضح الجزء الأول الخلفية المادية والتاريخية للدراسة، حيث يقدم الفصل الأول وصفاً للمشهد الطبيعي، يلخص الخصائص الطوبوغرافية والجغرافية للحوض التاريخي، ويرسم حدود المدينة المتغيرة باستمرار وكذلك الحواجز والجدران التي تعود للعصر البرونزي وحتى الوقت الحاضر، ويظهر الفصل الثاني استطلاعات عملية مأسسة التنقيب الأثري في المدينة، وتوضيح التداخل المستمر بين علم الآثار والعلوم والتكنولوجيا من خلال تسليط الضوء على العديد من الحفريات والمسوحات الرئيسية، وبعض الأفراد والمؤسسات والهيئات الحكومية الأكثر اسطورية الذين أداروا العمل في هذا المجال.

ويتعمق الجزء الثاني في قضايا التراث متعدد الأوجه للمدينة، استناداً على خلفية المعلومات المقدمة في الجزء الأول، لاسيما ازدياد هذه القضايا، من بين أمور أخرى، من خلال الدعاوى الدولية الأخيرة التي تشكك في ملكية الآثار حول العالم. وقد يساهم تزايد الوعي لمضار النشاط الأثري على المناظر الطبيعية والحضرية، في الدعوة إلى القيام بأعمال التنقيب إجراءاته والترميم وفقاً للمعايير الدولية المتعلقة بالمبادئ الثقافية والعلمية والإثنية، لاسيما ازدياد الاهتمام بهذا الأمر في الأوساط الأكاديمية في أمريكا الشمالية وأوروبا، نتيجة الدمار الهائل الذي تسببت فيه الحربين العالميتين الأولى والثانية. تأخرت إضافة البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي لليونيسكو حتى العام 1981، على الرغم من الاعتراف بأهمية الإرث الثقافي للقدس في سياق التراث العالمي منذ أمد طويل من بداية الاستكشاف الأثري. وعلى الرغم من أن الانخراط الدولي في إدارة التراث الثقافي للقدس، إلّا أن القوات الإسرائيلية واصلت العمل بطريقة مستقلة تماماً. ويبدو أن سياسات التدمير والاحتفاظ تعكس  السياسية المحلية الندية المتنافسة  أكثر ما تعكس موروثات التراث العالمي.

يبحث الفصل الثالث في الأدوار التي لعبتها هيئة آثار إسرائيل، ومؤسسة الوقف ومنظمة اليونيسكو- بالإضافة إلى العديد من المنظمات الإسرائيلية والفلسطينية والدولية- في تشكيل تصورات التراث الثقافي وبرامج الحفظ. ويوضح أيضاً نظام الحكم الإداري المعقد للتراث الثقافي للمدينة في سياق نهجين مختلفين: التنقيب والتدخل المتطفل المحتمل في حالة المواقع تحت الأرض, والعمل السطحي الترميمي إلى حد كبير الذي ينطوي عليه التراث المبني، سواء كان مباني محلية أم صروح.

ويستعرض الفصل الرابع عرض المواقع الأثرية والتحف كوسيلة فعالة لنشر العمل الاحترافي والعلمي للجمهور الأوسع، ويتحرى الطرق المختلفة للعرض التي تعكس أنماط السجالات الدينية والإيديولوجية. تم دمج المواقع والمعالم الأثرية -بعضها داخل المدينة القديمة، وبعضها يقع في المنتزهات الوطنية المحددة في القدس الغربية- في المشهد الحضري العمراني للمدينةـ، وبالتالي، باتت تشكل جزءً حيوياً من المدينة المعاصرة، ويمكن مشاهدة العديد من القطع الأثرية ذات الأصل المقدسي الواضح في سياق العديد من المعروضات الدائمة أو الدوارة المعروضة في المتحف الإسلامي للحرم الشريف، ومتحف الآثار الفلسطيني، ومتحف إسرائيل، ومتحف أرض الكتاب المقدس ومتحف برج داود.

يتعرض الفصل الخامس إلى كيفية مساهمة التاريخ الحديث للمدينة وتقسيماتها الجغرافية والثقافية في تعقيد النظم التعليمية العاملة في مجال علم الآثار والتي تشمل المؤسسات الأجنبية العديدة في المدينة المكرسة لدراسة وبحوث علم الآثار مثل المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار École biblique et archéologique français؛ ومعهد وليام فوكسويل أولبرايت؛ والمعهد الألماني البروتستانتي لآثار الأرض المقدسة Deutsches Evangelisches Institut für Altertumswis¬senschaft des Heiligen Landes ؛ ومعهد كينيون؛ ومدرسة الفرنسيسكان التوراتية Studium Biblicum Franciscanum ؛ وهذه جميعها أنشأت في مطلع القرن العشرين وما زالت مراكز تعليمية نشطة حتى يومنا هذا. وأول المؤسسات اليهودية في المدينة المخصصة لمجال الآثار، كانت الجمعية العبرية لاستكشاف أرض إسرائيل وآثارها Hebrew Society for the Exploration of Eretz-Israel and Its Antiquities  والتي صار اسمها منذ العام 1948، جمعية استكشاف إسرائيل Israel Exploration Society ، وكذلك معهد الآثار في الجامعة العبرية Institute of Archaeology at the Hebrew University ، وكلاهما لا يزالان يشتركان في العمل الميداني والبحث والتعليم في هذا المجال. ويمثل معهد الآثار بجامعة القدس Al-Quds University’s Institute of Archaeology ومركز دراسات القدس Center for Jerusalem Studies ووحدة الدراسات الأثرية في القدس Jerusalem Archaeological Studies Unit من المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية الرائدة المكرسة للتعلم والتدريس في هذا المجال. مناهج معهد ياد إسحاق بن تسفي Yad Izhak Ben-Zvi Institute؛ بالإضافة إلى أقسام التعليم في هيئة آثار إسرائيل، ومتحف إسرائيل، ومتحف أرض الكتاب المقدس، ومتحف برج داوود، وميغاليم Megalim (المعروف أيضاً باسم معهد مدينة داوود لدراسات القدس City of David Institute for Jerusalem Studies) ، يتم استثمارها جميعها، بشكل أساسي في نشر المعرفة بين أوسع جمهور يهودي وإسرائيلي. ومنذ أن أصبح العمل الميداني والأنشطة الأخرى ذات الصلة في القدس اعتباراً من العام 1967 مجالاً حصرياً تقريباً لعلماء الآثار الإسرائيليين، أصبح الخبراء الإسرائيليون مسؤولون تقريباً عن تقديم أهم المساهمات في التثقيف الأثري والمعرفة العامة والرأي.

يركز الفصل السادس على الأخلاقيات الأثرية، وتحري التدقيق في الأساليب والسياسات الحالية للتنقيب والتوثيق والحفظ؛ وفحص قوانين وممارسات تجارة الآثار وسوق المنتجات المقلدة والمزورة المرتبطة بها، وأخيراً، تحليل الخلافات حول حفر المدافن القديمة. ومنذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وضعت الجمعيات العديدة مدونات قواعد السلوك التي تصوغ المعايير العلمية والأخلاقية للبحث في الآثار. وتعرضت العديد من المشاريع الأثرية في القدس إلى انتقادات واسعة لعدم اتباعها لهذه الإرشادات والمبادئ التوجيهية. من بينها الحفريات في مدينة داود / سلوان، التي استؤنفت في أوائل التسعينيات، وكان هذا الحدث المروع قد تعرض لعدة انتقادات بسبب أساليبه القديمة، بما في ذلك حفر الأنفاق، وما نتج عنها من زعزعة استقرار البناء الحديث وإقصاء وحتى مضايقة السكان الفلسطينيين في الحي. وتتعلق المسائل الأخلاقية، أيضاً، بالجوانب التجارية للقطع الأثرية. ووفقاً لقانون تم تطبيقه في العام 1978، تعتبر تجارة الآثار في إسرائيل قانونية، وهو وضع يشجع، وفقاً للبعض، على التجريف غير القانوني للآثار ونهبها. أثر هذا النشاط أيضاً على السوق المحلية في المنتجات المقلدة والمزورة، والتي تمثلت أهم فصولها في القصة الأثرية سيئة السمعة عن تابوت عظام “يعقوب (البار)، شقيق يسوع”. لا تعزز ازدهار تجارة الآثار، الذي تحفزه الادعاءات المثيرة للاكتشافات والتحف اليهودية والمسيحية، صناعة السياحة فحسب، بل تظهر أيضاً عواقب إيديولوجية كبيرة. وأخيراً، هناك مبادرات أخرى تثير مخاوف أخلاقية تتمثل في التنقيب عن الرفات البشرية والتدنيس المحتمل وإعادة دفن الرفات البشرية في القدس، مما أدى إلى مناقشات ساخنة واحتجاجات متكررة وأعمال عنف عرضية. ووصلت الأعمال العدائية بين علماء الآثار والجماعات اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة، التي حرضت عليها أعمال التنقيب عن المقابر اليهودية من العصر الروماني في حي التلة الفرنسية بالقدس الحديثة، إلى ذروتها في العام 1992. وأصدرت الحكومة الإسرائيلية، بعد هذه الاشتباكات، توجيهات قانونية جديدة، تقييد بشدة الدراسة العلمية لعظام الإنسان. ووافقت السلطات، في غضون ذلك في العام 2011، على بناء متحف التسامح من قبل مركز سيمون فيزنتال على رض المقبرة الإسلامية التاريخية “مأمن الله”. تعرض المشروع لإدانات واسعة لإنكاره الأثر الديني والثقافي والتاريخي لموقع ذي أهمية للمسلمين.

بناءً على المناقشات الواردة في الجزء الثاني، ينتقل الجزء الثالث، بعد ذلك، إلى تقديم نظرة أكثر تفصيلاً لثلاثة مواقع مثيرة للجدل للغاية -مدينة داود/سلوان، وكنيسة القيامة، وجبل الهيكل/الحرم الشريف -لاستكشاف مدى تأثير المعتقدات الدينية والخطابات الإيديولوجية على التنقيب والتفسير الأثريين، ويقدم الفصل السابع تقارير عن الحفريات المبكرة والحديثة والحالية في مدينة داود/سلوان تفند مزاعم الحياد العلمي لهذه الحفريات. ويعتمد جزء من المناقشة على نتائج العمل الميداني من وجهة نظر مهنية، وتقويم الخطاب الأكاديمي حول الثقافة المادية وكذلك التقويمات الطوبولوجية والتحقيبية ذات الصلة. كما يدرس  الطريقة التي ساهمت بها المسوحات والحفريات التي أجريت في المنطقة على مدى أكثر من 150 عاماً بمعرفتنا عن القدس في العصرين البرونزي والحديدي، وكيف تغيرت المفاهيم بمرور الوقت، ولماذا أدت نفس الأدلة المادية إلى تفسيرات متنوعة وأحياناً متعارضة. وتم تخصيص الجزء الأكبر من هذا الفصل لتحليل متعمق للسبل التي أدت إلى تعرض المقاربات الأثرية للمخاطر بسبب الأجندات الدينية والسياسية. ويتابع هذا الفصل استعراض وتقويم الأنشطة الأخيرة لمنظمة إلعاد -وانخراطها في العمل الميداني، والبحث العلمي، وإدارة الموقع، والتعليم- بشكل مستقل، وأيضاً في ضوء الانتقادات الأخيرة التي أطلقتها منظمة غير حكومية إسرائيلية أخرى، عمق شبيه[עמק שווה] (وتترجم بمعنى “وادي المساواة”، في إشارة إلى سفر التكوين 14:17. 17 فَخَرَجَ مَلِكُ سَدُومَ لِاسْتِقْبَالِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ كَسْرَةِ كَدَرْلَعَوْمَرَ وَالْمُلُوكِ الَّذِينَ مَعَهُ الَى عُمْقِ شَوَى (الَّذِي هُوَ عُمْقُ الْمَلِكِ).). ويتم، أخيراً، فحص علاقة كلا المؤسستين مع الجمهور الإسرائيلي والفلسطيني وتأثيرهما على الآراء والسياسات المحلية والدولية.

يستعرض الفصل الثامن تحولات الموقع الرئيسية والتحريات الآثارية التي نفذت في وقرب كنيسة القيامة واستكشاف تأثير الكنائس الشرقية والغربية على تاريخ الموقع منذ إنشائه على يد قسطنطين الكبير في العصر البيزنطي (القرن الرابع الميلادي) وحتى الوقت الحاضر. وحددت دراسة تفصيلية للبقايا الأثرية والمعمارية المحفوظة تحت الأرض وفوقها تسلسل البناء الرئيسي، وألقت الضوء على التفسيرات والخلافات العلمية ذات الصلة. وتتعلق هذه المسألة بقضية أصالة موقع الكنيسة. وتميز بشكل تقليدي مكان صلب ودفن المسيح. ومقارنة تمييز التقليد الكاثوليكي لتعريف كنيسة القيامة كموقع دفن المسيح بالتقليد البروتستانتي الأكثر تهميشاً، أي ما يعرف بموقع بستان قبر المسيح. ويعطى بعض الاهتمام، أيضاً، إلى الدور المتنامي الذي قامت به الطوائف المسيحية المختلفة في كنيسة القيامة وفي المدينة. والتصعيدات الأخيرة والحالية تعتمد إلى حد كبير على السيطرة المسيطرة على الكنيسة بين الروم الأرثوذكس واللاتين (الروم الكاثوليك) والأرمن والقبط والسريان اليعاقبة والإثيوبيين. وهذا التقسيم يعود بجذوره إلى اتفاقية طويلة الأمد أكدها فرمان عثماني يعود للعام 1852م يثبت الواضع الراهن للأماكن المقدسة المسيحية. ويظهر الفصل أيضاً أن تورط  أعضاء من الطوائف الدينية المختلفة في الحوادث المتكررة من المواجهات اللفظية والجسدية قد يتطلب دخل الشرطة وينتج عنه تغطية إعلامية محلية وعالمية. على الرغم من أن الطوائف المسيحية في القدس لا تمثل سوى أقلية صغيرة في المدينة، فقد تم تعريف دورها باعتباره يمتلك حساسية دينية سياسية، وبالتالي تم اعتباره دوراً هاماً في سياق الرأي العام العالمي.

يستعرض الفصل التاسع جميع الحفريات والمسوحات التي أجريت قرب وتحت جبل الهيكل\تلة الحرم الشريف التي بناها في الأصل الملك هيرودوس (القرن الأول ق.م) لدعم الهيكل اليهودي الثاني وتحول إلى واحد من أهم المقدسات الإسلامية خلال الفترة الأموية (القرن السابع الميلادي). ويقوم الفصل بتقويم كل من الافتراضات العلمية والمزاعم السياسية ذات الصلة مع هذا المبنى المعماري وصروحه الملحقة. الحرم الذي يتربع على قمته قبة الصخرة والمسجد الأقصى، الذي يكن له المسلمون تبجيلاً منذ منتصف القرن السابع، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن، انبهر الرحالة والمستكشفون بعلاقته المعمارية بالهيكل اليهودي السابق له. أدت الحفريات والمسوحات للموقع ومحيطه إلى الاضطراب والتوتر السياسي والعنف الجسدي، وقد أدى افتتاح أنفاق الحائط الغربي في العام 1996 إلى حدوث مواجهات مسلحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أسفرت عن أكثر من 100 ضحية. ويُنظر إلى النشاطات الأخرى لهيئة آثار إسرائيل بما في ذلك مشاريع التنقيب والترميم المطلة على الركن الجنوبي الغربي من الحرم على أنه يقصد منها تقويض هذا المجمع الإسلامي سياسياً ودينياً وبنياناً. ونشطت العديد من المظاهرات المحلية والاحتجاجات الإقليمية فضلاً عن محاولات اليونيسكو لوقف هذه الأنشطة، بائت جميعها بالفشل وأثبتت عدم فعاليتها، واستمرت التحقيقات الآثارية دون إبطاء يذكر.

إن القيام برحلة آثارية لعلم الآثار في القدس في إطار فصول الكتاب هذا هي محاولة غير تقليدية إلى حد ما للتخلص وإظهار الطبقات المختلفة من الاستكشاف والتحيز، أكثر منه محاولة إظهار لرواسب الثقافية في طبقات المدينة الأثرية، كما أنها، أي الرحلة، وسيلة للكشف عن الصراع المتزايد للمعرفة والعلوم والتخصص والدين والعقيدة والسياسة.

…..

الجزء الأول

مشهد المدينة المكاني والتاريخ

يتناول الجزء الأول من هذه الدراسة مساهمة علم الآثار في الفهم المتطور لتاريخ القدس ومكوناتها الملموسة وغير الملموسة. وسوف يعتمد الجزءان الثاني والثالث، بتركيزهما الأحدث والمعاصر، على هذا الأساس. مع احترام الاهتمامات الأساسية  لعلم الآثار، لا سيما تجاوره مع التربة والحجر والنص، يجد “مشهد المدينة المكاني والتاريخ” أيضاً جذور التشابك العنيد للواقع المادي، والأحداث الواقعية، والتراث المكتوب. يسلط  هذا الفصل الضوء على التفاعل المستمر بين الممارسة الأثرية والأيديولوجية، باعتبارهما مزيج يزداد قوة في سياق إضفاء الطابع المؤسسي المتطور للنظام.

الفصل الأول

الحدود والحواجز والجدران

تولد المناظر الطبيعية الفريدة في القدس تفاعلاً حيوياً بين الميزات الطبيعية والعمرانية، حيث تتوافق الاستمرارية والتقطعات مع التعقيد والتقلبات التي ميزت معظم تاريخ المدينة. تتناقض نعومة معالمها الجبلية وتناغم الألوان اللطيفة مع حدودها، والتي تعمل على تحديد المباني والأحياء والأشخاص والأمم وفصلهم عنها. فتفصل أسوار المدينة العثمانية (انظر الشكل 2) القديم عن الجديد. في حين يفصل الجدار (انظر الشكل 3)، الإسرائيليون عن الفلسطينيين(1). يعمل الأول كتذكير مرئي بالماضي، والثاني كتعبير ملموس عن الصراع السياسي الحالي.

يسعى هذا الفصل إلى فحص الحقائق المادية للحاضر وفهمها بشكل أفضل: كيف تعكس هذه الحقائق الماضي، وكيف تحفز المادة القديمة الذاكرة والمعرفة الواعية والإدراك اللاواعي. إن تاريخ القدس، كما يتجلى في أشكالها المادية وأزمنتها المتعددة، يبرز فترات الازدهار والانحدار، من الخلق والدمار.

الشكل 2. مقطع من سور المدينة العثمانية جنوب القلعة. صورة كاثرينا غالور.

الجغرافيا والطوبوغرافيا

ظلت السمات الطبوغرافية لمدينة القدس القديمة ثابتة نسبياً منذ العصور القديمة (انظر الشكل 4). بخلاف الوادي الأوسط (من وقت مؤرخ القرن الأول يوسيفوس المعروف أيضًا باسم الواد Tyropoeon، والذي تم توطنه وتطويره إلى حد كبير، وحافظت معظم ارتفاعات المدينة ونتوءاتها وانحداراتها على نسبها التقريبية منذ ذلك الوقت الذي تم فيه استيطان المدينة لأول مرة. وفي المقابل، تغير النسيج الحضري وحدوده باستمرار، متكيفًا مع الظروف الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتغيرة باستمرار(2).

تقع إسرائيل/فلسطين على الشريط الضيق المعروف باسم الهلال الخصيب، في الطرف الجنوبي من ساحل بلاد الشام. في وسطها، تمثل تلال يهوذا الخط الفاصل بين حوض تصريف البحر الأبيض المتوسط ​​وحوض وادي الأردن(3). في هذا السياق، تنتصب القدس على نتوء صخري، محاطاً من كلا الجانبين بالوديان التي تلتقي بالقرب من حدها الجنوبي بنتوء يستمر حتى البحر الميت. في العصور القديمة، غالباً ما كانت المستوطنة تعمل كعاصمة للمنطقة الأكبر(4). جغرافيّاً، كان هذا أمراً مثيراً للدهشة إلى حد ما، حيث لم يكن من السهل الوصول إليها، ولم تكن هناك خطوط اتصال بسيطة بين المنطقة الساحلية والهضاب الداخلية والمكان الذي سيشهد بناء المدينة في نهاية الأمر.

الشكل 3. الجدار الفاصل الذي يفصل بين حيين من أحياء القدس، التلة الفرنسية (معظمهم من السكان اليهود)
عن العيسوية (مع سكان فلسطينيين فقط). هنا ما وراء الجدار مبان مرئية في العيسوية. صورة كاثرينا غالور.

امتدت القدس القديمة على عدة تلال أو روابٍ (انظر الشكل 4)، محاطة بجبال مرتفعة قليلاً. من الشمال إلى الجنوب، وتقسم البلدة القديمة بالوادي الأوسط، الذي يفصل ما يسمى التلة الغربية، أو المدينة العليا (765 متراً) -التي تحتلها الآن الأحياء الأرمينية واليهودية وجبل صهيون جنوباً (770 متراً) -من التلة الشرقية، أو المدينة السفلى. وتشمل الأخيرة منطقة جبل الهيكل، أو الحرم الشريف (745 متراً)، وجنوبها (التل الجنوبي الشرقي)، قرية سلوان الحديثة (660 متراً)، والتي يشار إليها شعبياً باسم مدينة داود(5). تم تحديد شكل المدينة القديمة من الشرق والجنوب والغرب من خلال الأخاديد والوديان العميقة. الحد الشرقي يتميز بوادي قدرون الذي يفصله عن سلسلة جبال الزيتون. حدودها الغربية هي وادي جهنم Hinnom، الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب، متاخماً لجبل صهيون [ويعرف أيضاً بجبل النبي داود]، ثم يتجه شرقاً على طول الحدود الجنوبية للمدينة القديمة حتى تقاربها مع وادي قدرون. اليوم، ليس للحدود الشمالية للمدينة ترسيم طبوغرافي واضح المعالم. في الماضي، كانت السمة المورفولوجية الوحيدة التي تفصل المدينة عن التلال الشمالية هي الوادي العرضي (المملوء الآن). امتدت حدود المدينة، منذ أواخر الفترة الهلنستية فصاعداً، إلى ما وراء هذه الميزة الطبيعية. وخلال الفترات المبكرة من عمر المدينة، اعتمد السكان حصرياً على نبعها الدائم الوحيد، نبع جيحون، الواقع على المنحدرات الشرقية السفلى للتل الجنوبي الشرقي. ولم تتمكن المدينة من التوسع في اتجاهات أخرى، إلّا عندما تم تحقيق قدر أكبر من الكفاءة في استغلال مياه الأمطار وتحويل مصادر الينابيع البعيدة.

حدود المدينة القديمة

يمكن تتبع حدود المدينة المتغيرة بدقة نسبياً لمعظم الفترات، حيث تم مسح العديد من الجدران القديمة وحفرها ودراستها. ويمكن أيضاً تحديد المعلومات المتعلقة بالتنمية الحضرية وحدود المدينة من خلال تحديد موقع ومدى مقبرة القدس(6). وتعكس المخططات الواردة في (الشكل 5) الآراء الأكثر شيوعاً حول امتداد المدينة خلال فترات مختلفة من تاريخها. تتراوح تقديرات عدد السكان، بناءً على الأدلة التاريخية والأثرية، من حوالي ثمانمائة شخص خلال العصر البرونزي (3300-1200 ق.م) إلى ما يقرب من ثمانين ألفاً في أواخر العصر الهلنستي (منتصف القرن الأول ق.م)(7). وكانت أقدم المستوطنات الدائمة، من العصر البرونزي حتى بداية العصر الحديدي (3300 – 960 ق.م)، تقع خارج أسوار مدينة القدس القديمة على التل الجنوبي الشرقي، في منطقة سلوان الحالية. ومع ذلك، لم يتم تشييد أقدم تحصينات المدينة حتى حوالي عام 1850 ق.م(8).

الشكل 4. خريطة طبوغرافية للقدس.
رسم مستعاد، عن الأصل فنسنت وستيف، القدس، 1 لوحة 1.

ومن المعتقد أن المدينة لم تمتد شمالاً لتطويق جبل موريّة،(الموقع التقليدي لمكان التضحية بإسحاق، كما هو مذكور في سفر التكوين)(9) إلّا بعد بناء معبد الملك سليمان في القرن العاشر ق.م. امتدت المستوطنة إلى التلة الغربية حتى نهاية القرن الثامن ق.م، مما يشير إلى تحول التركيبة السكانية، الذي يرتبط عادةً بتدمير العديد من المستوطنات في شمال مملكة إسرائيل من قبل الآشوريين وإعادة توطين اللاجئين في جنوب مملكة يهوذا، والتي استقر معظمها في القدس(10). وطوال العصور البابلية والفارسية وأوائل الحقبة الهلنستية لم تمتد إلى ما وراء سلسلة التلال الجبلية الشرقية. وامتدت لمستونة مرة أخرى باتجاه التلة الغربية في حدود القرن الثاني ق.م، والتي ظلت بعد ذلك مأهولة بشكل مستمر. وشهدت المدينة نمواً كبيراً خلال العقود التي سبقت تدمير الرومان للمعبد الهيرودي في العام 70 ق.م، وعلى الرغم من مناقشة مدى التوسع شمالاً. يرى البعض أن خط التحصين الشمالي هو المكان الذي يقع فيه الجدار العثماني الحالي. ووفقاً لآخرين، كان يقع في أقصى الشمال بشكل ملحوظ(11).

ومنذ العام 70 ميلادي فصاعداً، شكلت المنطقة المحاطة بالمدينة القديمة قلب مدينة القدس، مع امتدادات باتجاه الجنوب (خلال الفترات الرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة). كان امتداد القدس خلال أواخر العصر الروماني والفاطمي والصليبي والأيوبي والمملوكي يتوافق تقريباً مع أسوار المدينة القديمة الحالية التي بنيت خلال الحكم العثماني في القرن السادس عشر.

الحدود الحديثة والحالية

يعود التقسيم الإثني والديني للمدينة القديمة، كما ظهر في الأصل في خرائط القرن التاسع عشر، إلى الفترة الصليبية، عندما استوعبت القدس مجموعات سكانية غير متجانسة من دول أوروبية وشرقية مختلفة، استقروا في مجموعات تحددها اللغات والثقافية والدينية(12). وعاش، منذ ذلك الحين، الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك في المنطقة المحيطة بكنيسة القيامة في الشمال الغربي، وقطنت الجالية الأرمنية بالقرب من كاتدرائية القديس  يعقوب في الجنوب الغربي. حدثت التحولات السكانية بعد الفتح الأيوبي في العام 1187، عندما عاد المسلمون للسكن في المدينة، ثم عادوا للسكن مرة ​​أخرى في العصر المملوكي، مع تزايد أعداد الحجاج القادمين من جميع أنحاء العالم الإسلامي(13). ومنذ القرن الثاني عشر، كان معظم المسلمين يتطلعون إلى الاستقرار في المناطق المتاخمة للأسوار الشمالية والغربية للحرم. وفي منتصف القرن الثاني عشر، بدأ اليهود في الاستقرار في الجزء الجنوبي من المدينة، إلى الغرب من منطقة صغيرة تسكنها جالية إسلامية من أصل شمال أفريقية.

حدثت تغييرات ديموغرافية طفيفة فقط خلال القرون الأولى من الحكم العثماني، والتي أسست منذ البداية نظاماً إدارياً جديداً يدعى شبكة الحارة “الأحياء” (انظر الشكل 6)(15). ويحتوي دليل إرشادي للحجاج المسيحيين يعود لأواخر القرن التاسع عشر مكتوب باللغة العربية على خارطة لتقسيم الحارات إلى أحياء وشوارع، وهو تكوين يعكس التنظيم المكاني المألوف للمدينة لدى السكان المحليين في ذلك الوقت(16). يستند التقسيم الحالي للمدينة القديمة إلى أربعة أحياء إثنية دينية وفقاً لخرائط استقصائية للمدينة تعود  للقرن التاسع عشر رسمها رحّالة أوروبيون وضباط جيش ومهندسون معماريون، وهي النسخة التي اعتمد عليها غالبية الحجاج والزوار منذ ذلك الحين.

الشكل 5. خرائط توضح المناطق المستقرة طوال الفترة قيد المناقشة.
أعيد رسمه بواسطة فرانز ليمان، المصدر، بروش ، “توسع القدس ، ’12-15

تم تسمية ثلاثة من أحياء المدينة الأربعة باسم الجماعات الدينية الرئيسية التي عاشت في القدس منذ العصور القديمة -مسلمة ومسيحية ويهودية. وتم تعريف الحي الرابع إثنياً من خلال لغته وثقافته، أي الحي الأرمني، على الرغم من كونه مسيحياً، (انظر الشكل 7)(18). تشمل التركيزات الإضافية للمجموعات العرقية أو الدينية الجيب السرياني القريب من الحي الأرمني، وحاة المغاربة داخل الحي الإسلامي، ومنطقة بروتستانتية منفصلة بالقرب من الحي اليهودي.

تتراوح التقديرات السكانية للقدس في سبعينيات القرن التاسع عشر بين 14000 و 22000 نسمة(20). وفقاً لتعداد السكان العثماني للعام 1905، وكان يعيش في المدينة 32400 مواطن عثماني، منهم 13400 يهودي و11000 مسلم و8000 مسيحي. تشمل أعداد السكان الذين يعيشون خارج حدود البلدة القديمة، وهي لا تعكس الأفراد ذوي الجنسية الأجنبية الذين يعيشون في القدس في ذلك الوقت، الأمر الذي من شأنه، وفقاً لمعظم العلماء، أن يزيد من نسبة السكان اليهود والمسيحيين(22). ومن الواضح أن عدم تجانس السكان، بغض النظر عن دقة الأرقام، والاختلافات الإثنية الدينية، بالإضافة إلى نظام الملل (سياسة العثمانيين التي منحت الحكم الذاتي لبعض المجتمعات غير المسلمة)، هو ما أدى إلى الإنشاء الرسمي للجيوب الدينية والإثنية للمدينة(23). وعلى هذا النحو، لم يكن التنظيم المكاني للقدس مختلفاً تماماً عن التنظيم المكاني في العديد من المدن الأخرى في الشرق الأوسط، والتي تم تعريف سكانها بالشكل الاكر شيوعاً, أي الدين والثقافة والمجتمع(24). تنبثق الحدود المادية لأحياء القدس بشكل أساسي من شبكة الشوارع أو المباني العامة أو الساحات الصغيرة. تم تحديد اختيار مكان الإقامة في سياق المدينة في الغالب من خلال موقع الأماكن المقدسة وأماكن العبادة، والانتماء الديني، والميول الثقافية، وتوافر الأرض، والاعتبارات السياسية. على عكس بعض مدن الشرق الأوسط، في القدس العثمانية، كان لكل حي وجيب مزيج مماثل من السكان من مختلف المجموعات الاجتماعية والاقتصادية(25).

تأسست الضواحي الأولى للمدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما بدأت مجموعات دينية وعرقية مختلفة في بناء المعاهد والممتلكات والمنازل الخاصة خارج البلدة القديمة. الأرقام الدقيقة غير متوفرة لهذه الفترة، لكن من المعروف أنه مع بداية الانتداب البريطاني، كانت المساحة المأهولة بالسكان في المدينة الجديدة، كما أصبحت تُعرف، أكبر بأربعة أضعاف من مساحة المدينة القديمة(26). وكانت الجماعات المسيحية المختلفة أول من استقر خارج الأسوار، والتي تنافست، بدعم من الحكومات الأوروبية في الغالب، في إقامة مجمعات سكنية كبيرة ومثيرة للإعجاب، بما في ذلك الأديرة والكنائس والمستشفيات وبيوت الحجاج والمدارس(27). وتم التخلي عن نظام الحارات العثماني في فترة الانتداب، على الرغم من استمرار تقسيم المدينة القديمة إلى أربعة أحياء رئيسية.

الشكل 6. المدينة القديمة مقسمة إلى أحياء “حارات”، القرن التاسع عشر
. أعيد رسمها فرانز ليمان عن الأصل ( أرنون) ، “أحياء القدس من العهد العثماني” ، 14.

ومع ذلك، لم تكن أي من هؤلاء مأهولة بشكل حصري ومتجانس من قبل مجموعة دينية واحدة فقط، لم تكن الحدود محددة بوضوح، في معظم الأحيان،

وظهرت المدينة القديمة تدريجياً على أنها أكبر بقليل من حي فقير أقدم، على الرغم من المعالم التاريخية العديدة وأهميتها للطوائف الإثنية والدينية المختلفة، خلال فترة الانتداب. في 29 تشرين الثاني\ نوفمبر1947، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على خطة تقسيم الانتداب البريطاني لفلسطين إلى كيانين: دولة يهودية ودولة عربية(28). ووفقاً لهذه الخطة، كان من المقرر أن تقع القدس تحت السيطرة الدولية. لم يتم وضع اقتراح الأمم المتحدة بشأن القدس، مع إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 أيار\مايو 1948، وبعد انتهاء معركة القدس (كانون أول\ديسمبر 1947 إلى 18 تموز\يوليو 1948)، منحت اتفاقيات الهدنة في العام 1949 سيطرة المملكة الهاشمية على شرق الأردن (التي أصبحت بعد فترة وجيزة المملكة الأردنية الهاشمية) على القدس الشرقية، بما في ذلك البلدة القديمة، واحتلت إسرائيل القدس الغربية وأعلنتها عاصمة للدولة (انظر شكل 8)(29). وبحلول نهاية العام، تم إجلاء جميع السكان العرب من غرب المدينة بشكل كامل، والذين بلغ عددهم قبل العام 1948 حوالي ثمانية وعشرين ألفاً، وتم استيطان معظم منازلهم على يد إسرائيليين(30).  كما طُرد حوالي ألفي ساكن يهودي من البلدة القديمة ولم يعد يحق لهم زيارة أماكنهم المقدسة، والتي تم تدنيس العديد منها(31). وعلى النقيض من ذلك، ظل الوصول إلى الأماكن المقدسة المسيحية متاحاً(32) .وتم تحويل حائط المبكى إلى موقع إسلامي حصري، حيث يقال إن محمداً ربط فرسه المجنح “البراق” هناك، قبل صعوده إلى السماء(33). وفي حزيران / يونيو 1967، استولى الجيش الإسرائيلي على البلدة القديمة ووسّع قانونه وسلطته القضائية لتشمل القدس الشرقية والمنطقة المحيطة بها، ودمجها في بلدية القدس(34). وصار الوصول إلى الأماكن المقدسة اليهودية والمسيحية داخل البلدة القديمة متاحاً، على الرغم من احتفاظ الأوقاف الإسلامية بسلطتها الإدارية على منصة الحرم الشريف، فتمت مصادرة معظم ممتلكاتها داخل البلدة القديمة وخارجها(35). وهدمت حارة المغاربة، الواقعة بالقرب من الحائط الغربي، لإنشاء ساحة مفتوحة مواجهة للجدار، وطرد السكان العرب في كل من حارة المغاربة والحي اليهودي(36). تم تنفيذ مبادرات إعادة ترميم حضرية رئيسية أخرى في الحي اليهودي، مما أدى إلى تغيير تركيبتها الدينية الاقتصادية والاجتماعية بالكامل والشكل المعماري وتحويلها إلى منطقة منفصلة عن باقي المدينة القديمة(37). وتم تحويل المنطقة الأقل كثافة والتي تمتد بين المدينة القديمة والحدود الشرقية للبلدية إلى حدائق وطنية(38). وعلى مدار العقد التالي، بدأ الفلسطينيون من الضفة الغربية بالانتقال إلى القدس، مما أدى إلى زيادة السكان العرب بأكثر من 100%. وكإجراء مضاد، تم إنشاء سبع مناطق يهودية، يُشار إليها عادةً باسم “الأحياء الدائرية”، أنشأت حول الأطراف الشرقية للمدينة لمنع القدس الشرقية من أن تصبح جزءً من كتلة فلسطينية حضرية تمتد من بيت لحم إلى رام الله. ومنذ ذلك الحين، خصصت الحكومة الإسرائيلية مناطق إضافية داخل القدس الشرقية لبناء مناطق سكنية لليهود، واستقر بعض اليهود الإسرائيليين داخل الأحياء العربية(39). ومنذ العام 1967، عندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية -إلى جانب الضفة الغربية وسيناء ومرتفعات الجولان – اعتبرت المدينة بأكملها عاصمة للدولة اليهودية. ولم يتغير هذا الوضع حتى الثلاثين من تموز\يوليو 1980، عندما أقر الكنيست مشروع قانون رسمي لإضفاء الطابع الرسمي على ضم القدس الشرقية العربية. وهو ما يسمى بقانون القدس، كإضافة لقوانينه الأساسية، فأعلنت القدس بموجبه عاصمة “كاملة وموحدة” لإسرائيل(40). ورداً على ذلك، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار رقم 478، الذي ينص على أن “سن” القانون الأساسي “القانون” من قبل إسرائيل يشكل انتهاكًا للقانون الدولي”، ويؤكد أن “جميع الإجراءات والقرارات التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، الدولة المحتلة، والتي غيرت أو زعمت تغيير طابع ووضع مدينة القدس الشريف، ولا سيما “القانون الأساسي” الأخير بشأن القدس، باطل ولاغٍ ويجب إلغاؤه على الفور”. وأكد القرار علاوة على ذلك، أن “هذا الإجراء يشكل عقبة خطيرة أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط”. وبعبارة أخرى، وفقاً للقانون الدولي، فإن احتلال إسرائيل للقدس الشرقية غير قانوني(42).

الشكل 7. مخطط للمدينة القديمة يضم الأحياء الأربعة. رسم فرانشيسكا ليمان

أدرجت القدس القديمة واسوارها في قائمة التراث العالمي في العام 1981، على الرغم من عدم ارتباطها رسمياً بالانقسام السياسي. وطلبت المملكة الأردنية، في العام 1982، إضافتها إلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر(43). واقترحت إسرائيل، في العام 2000، توسيع المنطقة المعترف بها من قبل اليونسكو كتراث محمي لتشمل جبل صهيون بالإضافة إلى تلك الأماكن والمعالم الأثرية التي تحمل شهادة فريدة على التقاليد الثقافية لليهودية والمسيحية والإسلام، وهي المنطقة التي يشار إليه أحيانًا باسم الحوض التاريخي. وأحدث مبادرة لفصل سكان القدس هي الجدار الفاصل (انظر الشكل 9)، الذي بني في القدس الشرقية وحولها. يعد قسم القدس (بطول 202 كيلومترًا) جزءً من جدار أطول بكثير (عند اكتماله، بطول 708 كيلومترات تقريباً) يمر عبر الضفة الغربية. يتم بناؤه بالتناوب كجدار خرساني وسور متصل بسلسلة، ويتم تحديد مساره فيما يتعلق بالحدود البلدية للقدس وكذلك فيما يتعلق بالمستوطنات المحيطة بالمدينة(44).

الشكل 8. القدس المقسمة ، 1949-1967. رسم فرانشيسكا ليمان

بحجز الجدار خلفه مناطق منفصلة مكتظة بالسكان باستثناء سكان فلسطينيون (يسكنون حوالي سبعين ألف فرد) من أحياء ذات أغلبية يهودية، ويعكس هذا التطلعات الإسرائيلية لتوسيع أراضي بلدية القدس، وفي الوقت نفسه الحفاظ على أغلبية يهودية في المدينة. إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نوقشت كثيراً على السكان المحليين، فإن بناء هذا الجدار يقيد وصول الفلسطينيين، المسيحيين والمسلمين، إلى التراث الثقافي والأماكن المقدسة. وهكذا، حددت حواجز وجدران القدس، بخصائصها الطبيعية والبنائية، مساحاتها ومبانيها وشعبها مادياً ورمزياً. على الجانب الإيجابي، فقد ساهمت هذه الحواجز والجدران في التطويق والتوحيد والحماية؛ وعززت، من الناحية السلبية، العزلة والعزل والمواجهة. أما بالنسبة للمستكشف، فهي تعمل كعلامات هامة ملموسة ومؤسسة علمياً  للزمان والمكان في آنٍ واحد، بل تبدو مرنة ومراوغة، لأنها تؤدي أدواراً مختلفة في العديد من الروايات التي تربط الماضي بالحاضر. في هذه الدراسة، سوف تسعد الحواجز والجدران في تأطير تاريخ القدس من البحث الأثري، بالإضافة إلى أراضي المدينة المأهولة بالسكان والمستقرة والمطالبة والمتنازع عليها.

الشكل 9. خريطة القدس مع الحدود البلدية، والخط الأخضر، والتكوينات اليهودية
والفلسطينية، والجدار الفاصل. رسم فرانشيسكا ليمان عن الأصل عير عميم: القدس الكبرى 2013

هوامش المقدمة:

للحصول على آراء مختلفة بشأن الحدود الدقيقة للحوض التاريخي (أو المقدس) انظر، R. Lapidoth, The Historic Basin of Jerusalem: Problems and Possible Solutions (Jerusalem: Jerusalem Institute for Israel Studies, 2010), 16. وعن الطرق التي ترى كيف أصبح هذا المفهوم محورياً في تخطيط السياسات والمصالح السياسية، انظر، W. Pullan and M. Sternberg, “The Making of Jerusalem’s ‘Holy Basin,’ ” Planning Perspectives 27, no. 2 (2012): 225–48.

يعتبر الإطار الإداري لسكان القدس الشرقية على درجة عالية من التعقيد، على النقيض من مفهوم الاستمرارية القانونية بين العمل الميداني الأثري في القدس الشرقية والغربية، وفي حين تحتفظ الحكومة الإسرائيلية بالتمييز الإداري بين المواطنين الإسرائيليين وغير المواطنين في القدس الشرقية، فإن بلدية القدس لا تفعل ذلك.

تركز [ناديا] أبو الحاج بشكل أساسي على العقدين الأولين الذين تلى العام 1967 من العمل الميداني. انظر، N. Abu El-Haj, Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society (Chicago: University of Chicago Press, 2001), 2, 8, 16, 19, 45, 74; T. Oestigaard, Political Archaeology and Holy Nationalism: Archaeological Battles over the Bible and Land in Israel and Palestine from 1967–2000, Gotarc Series C, no. 67 (Gothenburg, Sweden: Gothenburg University Press, 2007); and N. Masalha, The Zionist Bible: Biblical Precedent, Colonialism, and the Erasure of Memory (London: Routledge, 2013). ارتبطت اتجاهات مماثلة لجهود الاستعمار وبناء الدولة بالعمل الأثري في الأردن. انظر، E. D. Corbett, Competitive Archaeology in Jordan: Narrating Identity from the Ottomans to the Hashemites (Austin, University of Texas Press, 2014).

وفقًا لسليجمان، تتعارض المعايير المهنية المُحسَّنة مؤخراً مع الحجة القائلة بأن علم الآثار الإسرائيلي “تحركه أجندات استعمارية وقومية وإقصائية”. انظر، J. Seligman, “The Archaeology of Jerusalem—Between Post-Modernism and Delegitimization,” Public Archaeology 12, no. 3 (2013): 181–99.

حول الهياكل السياسية والإدارية للسلطة الفلسطينية والأوقاف المحلية والأردنية، انظر، M. Dumper, “The Palestinian Waqfs and the Struggle over Jerusalem, 1967–2000,” Annuaire Droit et Religions 3 (2008/09): 199–221; M. Dumper, “The Role of Awqaf in Protecting the Islamic Heritage of Jerusalem, 1967–2010,” in Hamam Al Ayn / Hamam Al Hana’: Essays and Memories in Celebration of a Historic Public Bath House in Jerusalem’s Old Arab City. Al-Quds University, Jerusalem, ed. D. Emtiaz (Jerusalem: Al-Quds University, 2011); and C. Larkin and M. Dumper, “In Defense of Al-Aqsa: The Islamic Movement inside Israel and the Battle for Jerusalem,” Middle East Journal 66 (2012): 31–52.

الأوقاف Waqfs صيغة الجمع للاسم الأكثر شيوعاً في اللغة الإنجليزية، على الرغم من استخدام الأوقاف أيضاً، وهي الصيغة العربية لصيغة الجمع.

إن الأدبيات المتعلقة بذاتية التأويل الأثري واسعة للغاية بحيث لا يمكن مراجعتها هنا. وهي تستند إلى الحركة ما بعد العملياتية post-processual في منهج علم الآثار، التي نشأت في إنجلترا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والتي ارتبطت في الغالب بـ “إيان هودر”. ومن اجل أحدث ما نشر عن ها الموضوع، انظر،I. Hodder, Entangled: An Archaeology of the Relationships between Humans and Things (Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2012)

“العلم كمهنة” نُشر في الأصل بعنوانWissenschaft als Beruf,” Gesammelte Aufsätze zur Wissenschaftslehre (Tübingen 1922), 524–55

الاسم الرسمي للأردن (منذ العام 1949) هو المملكة الأردنية الهاشمية. وكانت تعرف بين عامي 1946 و 1949، باسم المملكة الهاشمية في شرق الأردن.

…..

هوامش الفصل الأول:

1-بدأ بناء الجدار الفاصل (المشار إليه أيضاً بالجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية، والجدار الأمني​​، وجدار الفصل، وجدار الفصل العنصري، وجدار الأبارتيد) في العام 2000، خلال الانتفاضة الثانية. وتعتبره إسرائيل آلية دفاع ضد الإرهاب بينما يعتبره الفلسطينيون أداة أخرى للفصل العنصري أو كتعبير عن سياسات الفصل العنصري الأبارتيد. لا تميز معظم المصادر بين اسم قطاع القدس والأجزاء الأخرى من الجدار الأطول. ويشير البعض إلى قسم القدس الشرقية باسم غلاف القدس. تشير إليه محكمة العدل الدولية باسم “الجدار”، انظر، (www.icj-cij.org/docket/index.php؟pr=71&code=mwp&p1=3&p2=4&p3=6)؛ ويشار إليه بالعبرية باسم شومات ها هافرادا כעמט היא-הפרדה بمعنى جدار الفصل، وفي العربية يطلق عليه في الغلب “جدار”.

من أجل وصف أكثر تفصيلاً قليلاً لتضاريس مدينة القدس القديمة ، انظر K. Galor و H. Bloedhorn، The Archaeology of Jerusalem: From the Origins to the Ottomans (New Haven، CT: Yale University Press، 2013)، 10-15 …

3- فيما يتعلق بموقع القدس، انظر، J. Simons, Jerusalem in the Old Testament: Researches and Theories (Leiden: Brill, 1952), 6–26; and W. H. Mare, The Archaeology of the Jerusalem Area (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1987), 21–23.

4- عن دور القدس كعاصمة، من العصور القديمة حتى الوقت الحاضر، انظر، C.F. Emmett، “The Capital Cities of Jerusalem،” The Geographical Review 86 (1996): 233–58.

انظر، G. Dalman, Jerusalem und sein Gelände (Gütersloh, Germany: Bertelsmann, 1930), 21–151.

فيما يتعلق بحجم القدس عبر التاريخ، انظر، K. J. Asali, Jerusalem in His­tory: From 3,000 B.C. to the Present Day, rev. ed. (London: Kegan Paul International, 1997), 204; and F. E. Peters, Jerusalem: The Holy City in the Eyes of Chroniclers, Visitors, Pilgrims, and Prophets from the Days of Abraham to the Beginnings of Modern Times (Princeton: Princeton University Press, 1985), 408, 564–65.

7- في المدافن الوثنية واليهودية، كان الفصل بين “مدينة الأحياء” و “مدينة الموتى” -المقبرة- واضحاً بدقة. ولكن التغيرات حدثت خلال الفترات البيزنطية والإسلامية المبكرة. انظر، G. Avni, “The Urban Limits of Roman and Byz­antine Jerusalem: A View from the Necropoleis,” Journal of Roman Archaeology 18 (2005): 373–96.

8- انظر، Galor and Bloedhorn, Archaeology of Jerusalem, 14–17 وللحصول على نسخ مختلفة من الخرائط التي تصور القدس خلال الفترات قيد المناقشة، انظر، D. H. K. Amiran, A. Shachar, and Kimhi, Atlas of Jerusalem (Jerusalem: Massada, 1973); D. Bahat, The Illus­trated Atlas of Jerusalem (London: Simon and Schuster, 1990); and M. Ben-Dov, Historical Atlas of Jerusalem (New York: Continuum, 2002).

9- وفقاً لـ E. A. Knauf, “Jerusalem in the Late Bronze and Early Iron Ages. A Pro­posal,” Tel Aviv 27 (2000): 75–90, ، ربما تم تضمين جبل موريا في سور المدينة في وقت مبكر من العصر البرونزي الوسيط.

10- دمر البابليون القدس في عهد الملك نبوخذ نصر الثاني في العام 586 ق.م.

تمت مناقشة تفسير سوكنيك-ماير وآثاره على مدى الفترة الهيرودية في القدس من قبل Galor and Bloedhorn, Archaeology of Jerusa­lem, 52–55.

12- انظر، A. Boas, Jerusalem in the Time of the Crusades: Society, Landscape, and Art in the Holy City under Frankish Rule (London: Routledge, 2001), 35–40, 83–93.

13- انظر، D. Gold, The Fight for Jerusalem: Radical Islam, the West, and the Future of the Holy City (Washington, DC: Regnery Publishing, 2009), 111; and A. Arnon, “The Quarters of Jerusalem in the Ottoman Period,” Middle Eastern Studies 28 (1992): 5.

14- للمزيد، انظر، Arnon, “The Quarters of Jerusalem,” 7.

15- استخدم مجير الدين هذا المصطلح لأول مرة في العام 1495، أي قبل الغزو العثماني بحولي عشرين عاماً لوصف الأحياء والشوارع المختلفة التي سميت باسم جماعات وجاليات معينة استقرت في المدينة.

16- انظر، Arnon, “The Quarters of Jerusalem,” 13.

17- انظر، Arnon, “The Quarters of Jerusalem,” 5.

18- انظر، R. Kark and M. Oren-Nordheim, Jerusalem and Its Environs: Quarters, Neighbor­hoods, Villages, 1880–1948 (Detroit: Wayne State University Press, 2001), 45.

19- انظر، Y. Ben-Arieh, “The Growth of Jerusalem in the Nineteenth Century,” Annals of the Association of American Geographers 65 (1975): 252.

20- انظر، A. Schölch, “Jerusalem in the 19th Century (1831–1917),” in Jerusalem in History (New York: Olive Branch Press, 1990), 254

21-  انظر، J. McCarthy, The Population of Palestine: Population History and Statistics of the Late Ottoman Period and the Mandate (New York: Columbia University Press, 1990); and R. A. Davis, “Ottoman Jerusalem,” in Jerusalem: 1948: The Arab Neighborhoods and Their Fate in the War, ed. S. Tamari, 30–67 (Jerusalem: Institute of Jerusalem Studies and Badil Resource Center, 1999), 11.

22- انظر، See U. O. Schmelz, “Notes on the Demography of Jews, Muslims and Christians in Jerusalem,” Middle East Review 13 (1981): 17; R. Kark and S. Landman, “The Establishment of Muslim Neighbourhoods in Jerusalem, Outside the Old City, during the Late Ottoman Period,” Palestine Exploration Quarterly 112 (1980): 131; Y. Ben-Arieh, Jerusalem in the 19th Century: Emergence of the New City (New York: St. Martin’s Press, 1986), 241, 354, and 366; and Y. Ben-Arieh, Jerusalem in the 19th Century: The Old City (New York: St. Martin’s Press, 1984), 354–55.

23-  سمح نظام الملة العثماني للطوائف الدينية المختلفة بالحكم وفقاً لأحكامها الدينية، بما في ذلك قوانين الشريعة الإسلامية والقانون الكنسي المسيحي والهالاخاه اليهودية.

24- انظر، B. Slae، R. Kark، and N. Shoval، “Post-War Reconstruction and Conservation of the Historic Jewish Quarter in Jerusalem، 1967–1975،” Planning Perspectives 27 (2012): 380.

25- انظر، Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and Its Environs, 45.

26- انظر، Davis, “Ottoman Jerusalem,” 17; Ben-Arieh, New City, 241 and 354; and Kark and Landman, “Establishment of Muslim Neighbourhoods,” 131.

27- انظر، Arnon, “Quarters of Jerusalem,” 26.

28- ظلت الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن تحت الحكم البريطاني المباشر حتى العام 1948 وعرفت باسم فلسطين، بينما أصبحت الأرض الواقعة شرق الأردن منطقة شبه مستقلة عفت باسم شرق الأردن، تحت حكم الاسرة الهاشمية التي نالت استقلالها في العام 1946.

29- في السادس من آب\ أغسطس 1953 أعلن البرلمان الأردني القدس عاصمة بديلة المملكة، ربما في محاولة لإرضاء الأقلية الفلسطينية الكبرة في الأردن، وأعلن البرلمان عن خططه للاجتماع في القدس من حين لآخر، ولكنه لم يجتمع في الواقع سوى مرة واحدة هناك. انظر, Emmett, “Capital Cities of Jerusalem,” 237.

30-  انظر،  N. Krystall, “The De-Arabization of West Jerusalem 1947–50,” Journal of Pales­tine Studies 27, no. 2 (1998); and M. Dumper, The Politics of Jerusalem Since 1967 (New York: Columbia University Press and the Institute for Palestine Studies), 67.

31- انظر، B. Slae, R. Kark, and N. Shoval, “Post-War Reconstruction and Conservation of the Historic Jewish Quarter in Jerusalem, 1967–1975,” Planning Perspectives 27 (2012): 380.

32- حول كيفية قيام الأردن بإعادة تشكيل هوية وطنية بعد العام 1948، وعن الدور الذي لعبنه الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية في هذا السياق، انظر، K. Katz, Jordanian Jerusalem: Holy Places and National Spaces (Gainesville: University Press of Florida, 2005), 121.

33- S. Ricca, Reinventing Jerusalem: Israel’s Reconstruction of the Jewish Quarter after 1967 (London: I. B. Tauris, 2007), 21–22; and N. al-Jubeh, “Bab al-Magharibah: Joha’s Nail in the Haram al-Sharif,” Jerusalem Quarterly File 18 (2003): 17–24.

34- تغيرت حدود بلدية القدس عدة مرات في التاريخ الحديث، لمزيد من التحريات التفصيلية حول التغييرات المتكررة، انظر، S. Dellapergola, “Jerusalem’s Population, 1995–2020: Demography, Multiculturalism and Urban Policies,” European Journal of Population / Revue Européenne de Démographie 17 (2001): 168–69.

35- حول تدمير ومصادرة ممتلكات الوقف من قبل دولة إسرائيل، انظر، Dumper, “The Palestinian Waqf,” 208–10.

36- تتراوح تقديرات عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم بين 600 و1000، بالإضافة إلى حوالي 125 منزلاً وتم تدمير مسجدي البراق والأفضلية، انظر، N. Abu El-Haj, “Translating Truths: Nationalism, the Practice of Ar­chaeology, and the Remaking of Past and Present in Contemporary Jerusalem,” American Ethnologist 25 (1998): 175; M. Dumper, “Israeli Settlement in the Old City of Jerusalem,” Journal of Palestine Studies 21, vol. 4 (1992): 33–34; T. Abowd, “The Moroccan Quarter: A History of the Present,” Jerusalem Quarterly File 7 (2000).”

37- طيقا لأبو الحاج، هذا الاختلاط الملحوظ بين الاحياء اليهودية والأحياء الأخرى في البلدة القديمة، فضلاً عن الحدود الواضحة التي تفصل بين الأحياء المختلفة، غنما ظهر في فترة متأخرة نسبياً، انظر، Abu El-Haj, “Translating Truths,” 180.

38- حول التداعيات السياسية لإعلان هذه المناطق كمنتزهات وطنية، انظر، Y. Miz­rachi, Between Holiness and Propaganda: Archaeology and Political Claims over the Old City of Jerusalem (Jerusalem: Emek Shaveh, 2011); and R. Greenberg, “Towards an Inclusive Archaeology in Jerusalem: The Case of Silwan/The City of David,” Public Archaeology 8 (2009): 42.

39- للحصول على لمحة عامّة عن التغيرات الديموغرافية الأخيرة في القدس، انظر، Del­lapergola, “Jerusalem’s Population.” On the policies regarding the demographic balance and the redrawing of municipal boundaries, see M. Benvenisti, City of Stone: The Hidden History of Jerusalem (Berkeley: University of California Press, 1996), 50–68.

40- للحصول على قائمة بجميع القوانين بما في ذلك التعاريف، انظر، www.knesset.gov.il/ description/eng/eng_mimshal_yesod1.htm  (English version); and http://main.knesset.gov. il/Activity/Legislation/Pages/BasicLaws.aspx (Hebrew version).

41- ويحتفظ المجتمع الدولي بسفاراته في تل أبيب، بما في ذلك الولايات المتحدة.

42- أدانت هيئات دولية مثل الأمم المتحدة القانون الأساسي الإسرائيلي المتعلق بالقدس باعتباره انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة، وبالتالي اعتبرت أن الإعلان عن  المدينة كعاصمة لإسرائيل مخالف للقانون الدولي. على عكس اتفاقية المعاهدة، لا يُكتب القانون الدولي العرفي عادةً. وأكدت محكمة العدل الدولية (الفرع القضائي الأساسي للأمم المتحدة) في رأيها الاستشاري للعام 2004 بشأن شرعية الجدار الفاصل، أن الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب العام 1967 ، بما في ذلك القدس الشرقية، هي أراضٍ محتلة. حول تعقيد القانون الدولي وأهميته المتنازع عليها، انظر، E. Cotran, “The Jerusalem Question in International Law: The Way to a Solution,” Islamic Studies 40 (2001); and Weiner, “The NGOs, Demolition of Illegal Building in Jerusalem, and International Law,” Jewish Political Studies Review 17, no. 1–2 (2005).

43- أيدت اللجنة في دورتها الخامسة والعشرين (هلسنكي، 2001) توصية الدورة الخامسة والعشرين لمكتبها (باريس، حزيران / يونيو 2001) “بإرجاء مواصلة النظر في اقتراح الترشيح هذا إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الوضع. لمدينة القدس بما يتوافق مع القانون الدولي ، أو حتى تقدم الأطراف المعنية ترشيحاً مشتركاً “(القدس ، قائمة اليونسكو للتراث العالمي http://whc.unesco. org/en/tentativelists/1483)

44- تم بناء الأجزاء الأولى من الجدار في عام 2000. حول كيفية تأثير تقسيم القدس على الانقسامات العرقية والدينية واللغوية للسكان، انظر، M. Dumper, “A False Dichotomy? The Binationalism Debate and the Future of Divided Jerusalem,” International Affairs 87 (2011). وحول الغرض السياسي للجدار في القدس، مقابل دوره الدفاعي أو الأمني الذي تؤكد عليه الحكومة الإسرائيلية ، انظر، M. Klein, “Jerusalem as an Israeli Problem—A Review of Forty Years of Israeli Rule over Arab Jerusalem,” Israel Studies 13, no. 2 (2008): 66; and Ir Amim’s statements regard­ing the “separation barrier”: www.ir-amim.org.il/en/issue/separation-barrier. See also I. Kershner, The Seam of the Israeli-Palestinian Conflict (New York: St. Martin’s Press, 2005); and F. Chiodelli, Shaping Jerusalem: Spatial Planning, Politics and the Conflict (New York: Routledge, 2017).

الفصل الثاني

إضفاء الطابع المؤسسي

تركز تواريخ الاستكشافات عادةً على المستكشفين أو مدير بعثة التنقيب، بالإضافة إلى القطع الأثرية أو المواقع التي يكتشفونها. ونادراً ما يؤكدون على الإعداد المؤسسي الذي سرعان ما يظهر كعامل ضروري لمعظم المساعي الأثرية. وسوف ننظر هنا في التفاعل المتبادل بين علماء الآثار والاكتشافات والمؤسسات، وكيف تطور هذا التفاعل مع مرور الوقت، والأهم من ذلك، كيف أنتج  هؤلاء المختصون في سياق مهامهم الإدارية ما أدعوه التفاعل غير المنفصل للعلم والمعرفة والأيديولوجيا معاً .

البعثات الاستكشافية المبكرة

كان المناخ السياسي في الشرق الأدنى، في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، مناخاً يشوبه التنافس الكبير والمواجهة بين مختلف الدول الأوروبية. في فلسطين، وكان جزء كبير من هذا الصراع التنافسي قائماً على خلفيات دينية تقليدية. فزادت، خلال هذه الفترة، زيارة المقاطعات الفلسطينية التابعة للإمبراطورية العثمانية، شهدت “تدفق غير مسبوق للتجار والمستكشفين والمبشرين والمغامرين والعسكريين الغربيين”(1). وعملت، في غضون ذلك، خمس مدارس أجنبية للآثار في القدس، قبل الحرب العالمية الأولى, وهي: الفرنسية والأمريكية والألمانية والبريطانية والإيطالية، ولم يمنع هذا من أن تكون السيطرة، من بين هذه المدارس، للبريطانيين، في فلسطين عموماً، والقدس خصوصاً(2). فتأسس، في العام 1865، صندوق استكشاف فلسطين Palestine Exploration Fund (PEF) في لندن، وتبعته في العام 1870 جمعية استكشاف فلسطين الأمريكية American Palestine Exploration Society ، ثم الجمعية الألمانية لاستكشاف فلسطين Deutscher Palästina-Verein في العام 1878، والمدرسة الأمريكية للبحوث الشرقية American Schools of Oriental Research (ASOR) في العام 1900(3). لم يرحب السكان المحليون دائماً بالوجود الأجنبي وأنشطتهم الأثرية. ومنعت الجالية اليهودية، في العام 1863، من إتمام عملية الحفر الأولى (التي بدأت في 1850-1851) في مقبرة قديمة شمال المدينة القديمة. وأظهر المسلون مقاومة مماثلة لأعمال التنقيب في الحرم وحوله، وحتى بالقرب منه. واستمر الأمر على هذه الحال حتى بداية القرن العشرين، عندما أبدى بعض السكان المحليين اهتماماً بالمشاركة في المساعي الأثرية(4).

لم تبد الحكومة العثمانية اهتماماً لهذه الأعمال في بادئ الأمر، وكان تدخلها، واعتمد النشاط الأثري، في الكثير من الحالات، على العلاقات الدبلوماسية بين الحكام المحليين والدبلوماسيين الأجانب والسلطات الدينية في كل من القدس والقسطنطينية. ومع ازدياد النشاط الآثاري، لم تتأخر الحكومة العثمانية في تعيين مفوضاً رسمياً للإشراف على الحفريات، أواخر القرن التاسع عشر فقط، وأصدرت مرسوماً يقضي باعتبار جميع اللقى التي تم الكشف من ممتلكات الدولة(5). وطُلب من البعثات الحصول على فرمان من السلطان في القسطنطينية(6). ورغم التدابير والإجراءات العثمانية، لم يتم تعريف هذه الوثائق والمبادئ القانونية بشكل جيد، كما مُنحت سلطات محدودة، وتجاهلها البعض في كثير من الأحيان، وكان من السهل التلاعب بمسؤولي الحكومة المحلية بالرشاوي(7).

بين الأنشطة الإرسالية والعلمية

عُرض على إدوارد روبنسون، في العام 1837، وهو أحد المراجع الكتابية الرائدة في أمريكا، منصب أستاذ الأدب الكتابي في مدرسة الاتحاد اللاهوتية الجديدة في مدينة نيويورك Union Theological Seminary in New York City (8). وأطلق عليه البعض لقب ” أب علم الآثار الكتابي” و “مؤسس علم الدراسات الفلسطينية الحديث” نظراً لخبرته في هذا المجال (9). سافر روبنسون إلى فلسطين في العام 1838 رفقة القس إيلي سميث، واضعاً نصب عينيه التفريق بين الحقيقة والخيال وفصل القديم عن الحديث، فدرس أسوار القدس وبواباتها وإمدادات المياه والتضاريس. أمّا بخصوص منطقة الحرم، فقد اضطر إلى حصر تحقيقاته في السمات الخارجية له، مع أنه كان لديه القدرة على إبداء ملاحظة مهمة حوله. ومن جملة ملاحظاته، تسجيله لقوس [حجري واسع] بارز بالقرب من الطرف الجنوبي للجدار الغربي للحرم، والذي لا يزال يعرف حتى اليوم بـ “قوس روبنسون”. كما سمحت معرفته بكتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس (من القرن الأول) بربط القوس بمجمع جبل الهيكل الذي أعاد بناءه الملك هيرودوس الكبير. وكانت هذه، في الواقع، واحدة من العديد من الملاحظات التي أدت إلى استنتاج روبنسون بأن جدار للحرم ككل بُني في الأصل في القرن الأول ق.م. أمّا على صعيد إنجازاته العلمية، فقد كان روبنسون أول أمريكي يحصل على الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية الملكية Royal Geographical Society في لندن في العام 1842. وأشاد بإنجازاته العديد من العلماء والجغرافيون وعلماء الكتاب المقدس ورجال الدين، وتجاوز عمله بمراحل كثيرة “الأهداف التبشيرية ومعركة نيو إنجلاند لإثبات صحة الكتاب المقدس”. وأسس عمله في البحث عن الماضي “مشروعاً علمياً ودينياً وسياسياً جديداً، بالكامل، في الأرض المقدسة”(10). فوُلدَ، للتو، مجال علم الآثار الكتابي.

أول عملية تنقيب في القدس

تعود أصول فيليكس دو سولسي إلى عائلة فلمنكية نبيلة من مدينة ليل الفرنسية(11). عُيّنَ، بعد عمله في الجيش، أميناً لمتحف الفنون Musée d’artilleries في باريس. كان، دو سولسي، مستشرقًا وخبير نقود وعالم آثار، ونشر العديد من الرسائل العلمية. وأجرى أول تنقيب أثري في القدس -في الواقع، في كل الأراضي المقدسة، في الأعوام 1850-1851. وسافر مرتين إلى القدس للتنقيب عن مبنى عرَّفه خطأً بأنه موقع دفن ملوك يهوذا العبريين؛ ولا يزال الموضع يُعرف حتى اليوم باسم قبر الملوك. اكتشف في البداية تابوتاً يعتقد أنه كان للملك داود. وزعم، خلال زيارته الثانية في العام 1863، أنه اكتشف تابوتاً عليه نقش عبراني يتضمن كلمة ملكة، والتي حددها على أنها تخص زوجة الملك صدقيا. ومنذ ذلك الحين، تم الاعتراف بالمقبرة على أنها تنتمي إلى ملكة بلاد ما بين النهرين هيلينا من حدياب، التي تحولت إلى اليهودية وعاشت في القرن الأول الميلادي(12). اضطر دو سولسي إلى تعليق أعمال الحفر والهرب من البلاد عندما اشتبهت الجالية اليهودية في القدس بقيامه بتدنيس مدافنهم. تم إرسال التابوت الحجري والتحف الأخرى إلى فرنسا وعرضها في متحف اللوفر. لم يتم تقويم حفريات دو سولسي والتوثيق المرتبط بها  بدرجة عالية من حيث قيمتها العلمية، بعكس عمله القوي كخبير نقود.

جهود الإغاثة المائية

كانت حملة مسح الذخائر في القدس Ordnance Survey of Jerusalem أول رحلة رسمية إلى القدس، وكانت بتمويل من أنجيلا جورجينا -البارونة بورديت- كوتس فيما بعد، التي كان لها هدف خيري يتمثل في تزويد سكان القدس بنظام جديد للمياه. ويبدو أن البارونة بورديت -كوتس اهتمت شخصياً بتاريخ المدينة، فأمرت بإجراء مسح كامل ودقيق للمدينة القديمة، وقام بهذه المهمة دين  ستانلي من وستمنستر، الذي قدّم التماساً  لكل من اللورد دي جراي واللورد ريبون، وزير الدولة البريطاني لشؤون الحرب. وهكذا، ومن أجل الوصول إلى حل مشاكل الملاريا المتكررة، والدوسنتاريا، والكوليرا، أشركت جمعية الإغاثة المائية  Water Relief Society في القدس  دائرة المهندسين الملكيين Royal Engineers لمسح الخصائص الطبوغرافية للمدينة وأنظمة المياه الموجودة، باستخدام أحدث المعدات وأكثرها كفاءة(13). وعينت دائرة المهندسين الملكيين، في العام 1864، النقيب “السير” تشارلز ويليام ويلسون للمهمة(14)، فكان، بذلك، أول مستكشف غربي في الأرض المقدسة لم يأت بدافع واهتمام شخصي بالماضي الكتابي، بل جاء في مهمّة محدّدة واضحة الملامح تمثّل حكومته. وتظهر خريطته التفصيلية للقدس (مقياس 1: 2500) جميع الشوارع والمباني الهامة. وظهرت العلامات في زوايا أسوار المدينة وبواباتها ومختلف المباني العامة. وتضمنت خريطة أصغر (بمقياس 1: 10000) لمحيط المدينة ميزات طبوغرافية ومبانٍ موجودة خارج المدينة القديمة (انظر الشكل 10). أنتج ويلسون أيضاً مخططات لمجمع القلعة وكنيسة القيامة.

الشكل10 تفاصيل من مسح ويلسون للقدس 1864-1865
تظهر المدينة القديمة والمناطق المحيطة بها، وكذلك صهاريج المياه
باللون الأزرق( PEF-M-OSJ 1864-5 PLAN1)
المصدر: صندوق استكشاف فلسطين

والأهم من ذلك، أنه كان أول من قام بالتحقيق بعناية وتوثيق المعالم الخفية للحرم تحت الأرض، بما في ذلك العديد من الصهاريج والقنوات المائية. واكتشف فوق الأرض، على الجدار الغربي للحرم، امتداداً محفوظاً جيداً لقوس ضخم، يشبه في الحجم قوس روبنسون ويماثله. لا يزال يُعرف اليوم باسم قوس ويلسون، وتم تحديد هذا العنصر كمدخل آخر يؤدي إلى جبل الهيكل الهيرودي. انضم ويلسون إلى صندوق استكشاف فلسطين في العام 1867 وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة من العام 1901 حتى وفاته في العام 1905 (15). ومن المفارقات، أن عمل هيئة مسح الذخائر وجمعية الإغاثة المائية لم يخفف من مشكلة إمدادات المساه في القدس، على الرغم من أنهما زودتا العالم الغربي بأول خريطة دقيقة للقدس، بما في ذلك خطط بعض أكثر المدن آثار تاريخية مهمة(16).

التحقيقات المبكرة

كان صدى نجاح العمل التاريخي المهم الذي قامت به حملة مسح الذخائر في القدس هو الدافع الذي أدى إلى تأسيس صندوق استكشاف فلسطين في العام 1865. وذكرت النشرة الأصلية للصندوق، أن القدس كانت هدفاً رئيسياً لعمليات الحفر “ما هو فوق سطح الأرض والذي سوف يُعرف بدقة [فقط] عند اكتمال مسح [الذخيرة] الحالي؛ ولكن لم يتم اكتشاف أي شيء تقريباً تحت السطح.. ليس من قبيل المبالغة أن نتوقع أن كل قدم في عمق (الستين قدماً [تقريباً ثمانية عشر مترا] من القمامة) التي تقف عليها المدينة، سوف تقدم مواد شيقة وهامة لعالم الآثار أو المسكوكات.”(17)

تابع الملازم تشارلز وارن عمل ويلسون في القدس بين عامي 1867 و 1870، بصفته المسؤول التالي لمسح الذخائر(18). وساعده الرقيب هنري بيرتلز والعديد من خبراء المتفجرات من فرق الخيّالة، بالإضافة إلى المصور العريف هنري فيليبس (انظر الشكل 11). ودعم مساعيه الدكتور توماس شابلن، والقس الدكتور جوزيف باركلي، وقنصل القدس، نويل مور(19).

الشكل11 فريق مسح القدس في العام 1867، ويضم الملازم تشارلز وارن
، القس د. جوزيف باركلي، العريف هنري فيليبس (جالساً من اليسار إلى اليمين)،
السيد. فريدريك دبليو إيتون (مستلق)، وجيريوس دراغومان من القنصلية البريطانية (واقفاً).
تصوير إتش فيليبس. بإذن من صندوق استكشاف فلسطين.

قام وران، بإذن من الجنرال العثماني عزت باشا للتنقيب في المنطقة المحيطة بالجدران الاستنادية للحرم، فعمل، في البداية، جولة تفتيشية للمنطقة المقابلة للجدار الجنوبي. غير أن هذا النشاط عطّل الصلاة اليومية في المسجد الأقصى، فاضطر الباشا إلى وقف العمل لإخماد الاضطرابات. ثم بدأ وارن في غرس المجسات في الحي المسيحي، بهدف تحديد ما إذا كان موقع كنيسة القيامة يقع داخل أو خارج أسوار المدينة في زمن يسوع. وتوقف عمله، من جديد، وهذه المرة من قبل جنود الحامية العثمانية. وكان عمل وارين جنوب شرق التل، خارج حدود المدينة القديمة، يهدف إلى إنشاء الامتداد الجنوبي للقدس في العصور التوراتية. فقام بالتحري عن قناة قديمة تحت الأرض مرتبطة بالعمود الذي سمي لاحقاً باسمه. تم تحديد هذه الميزة الرأسية، لأكثر من قرن، على أنها المسار الذي اختاره الملك داود لغزو المدينة من اليبوسيين.

عملت جهود ويلسون ووارن على زيادة الاهتمام العام ودعم عمل المؤسسة بشكل عام، باعتبارها أولى الحملات الاستكشافية الرئيسية لصندوق استكشاف فلسطين، بالإضافة إلى المعلومات المحددة التي قدمتها حول القدس، ونتيجة لذلك، تمكن الصندوق من بدء وتمويل عملية مسح أكثر طموحاً، وهو المسح الكبير لفلسطين الغربية(20). كان عدد قليل من الأفراد المرتبطين بالعقود الأولى من التنقيب عن الآثار في القدس يحملون جنسية غير بريطانيّة. ومن هؤلاء تشارلز كليرمون غانو، وكونراد شيك، وهيرمان غوث. وأجرى كليرمون غانو، أثناء عمله كسكرتير في القنصلية الفرنسية في القدس بين عامي 1865 و 1872، تحقيقات أثرية مكثفة في القدس والمناطق المحيطة بها(21). وعمل، في العام 1873، في مهمة رسمية لصالح صندوق استكشاف فلسطين. وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من الحصول على تصريح حفر، إلا أنه تمكن من القيام بعمله. ونشر توثيقه بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً(22).

استقر شيك، وهو مبشر بروتستانتي من ألمانيا ومهندس معماري وعالم آثار هاوٍ، في القدس في منتصف القرن التاسع عشر. أجرى شيك دراسات مكثفة عن القدس القديمة وبنى نماذج عديدة للمدينة ونشر خلال إقامته في القدس، وحتى وفاته في العام 1901، أكثر من مائة تقرير في صفحات النشرة الفصلية لصندوق استكشاف فلسطين وكذلك في صحيفة الجمعية الألمانية لاستكشاف فلسطين (23). ونشط في القدس عالم ألماني آخر هو هيرمان غوث، في الوقت عينه تقريباً، حيث قام بأعمال التنقيب بتكليف من الجمعية الألمانية لاستكشاف فلسطين، التي تأسست عام 1877 وفقاً للنموذج البريطاني(24).

قام فريدريك جونز بليس وأرشيبالد كامبل ديكي بآخر إجراء المساعي الرسمية الأثرية الحصرية في القدس لصندوق استكشاف فلسطين في فترة الحكم العثماني(25). وانخرط فريدريك جونز بليس، بعد التدريب تحت قيادة فلندرز بتري في مصر، في صندوق استكشاف فلسطين، حيث قاد حملة استكشافية في القدس خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، لاستكشاف المنطقة الواقعة جنوب البلدة القديمة، بما في ذلك جبل صهيون من جهة الغرب ومدينة داود من جهة الشرق. قام بذلك بفرده في بادىء الأمر، ثم استكمل العمل بمساعدة المهندس المعماري أرشيبالد ديكي، وتم الكشف عن العديد من أجزاء الجدران والأبراج والبوابات. ونشرت نتائج أعمالهما دونما إبطاء(26).

المشاريع العثمانية الأخيرة

شهدت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني الحلقة المؤسفة من البحث عن الكنز الذي حظي بدعاية كبيرة وانتقادات شديدة في وسائل الإعلام المحلية والدولية. ففي العام 1909، بدأ  الرحلة الشهيرة لـ مونتاغو براونسلو باركر، ابن إيرل مورلي البالغ من العمر ثلاثين عاماً والذي جاء من خلفية عسكرية، بعد الحصول على تعاون السلطات العثمانية في القسطنطينية، وكان هدفه البحث عن كنوز هيكل الملك سليمان(27). ونصحه فالتر. إتش. جوفيليوس (الذي أرسل له برقيات من أوروبا تحتوي على تعليمات من عراف أيرلندي). وبعد محاولة باركر الفاشلة للكشف عن ممر سري على منحدر أوفيل، عاد في العام التالي للتنقيب تحت الركن الجنوبي الشرقي لمنصة الحرم. ودفعت الشكوك التي أثيرت بين الباحثين في المؤسسات الأثرية الأمريكية والأوروبية في القدس باركر إلى دعوة لويس هيوغ فينسنت من المدرسة التوراتية والأرشيف الفرنسي لتوثيق النتائج خلال رحلته(28). ولكن المشروع توقف إثر احتجاجات أهل المدينة، وأجبرته الجالية اليهودية وتهديدات سكانها المسلمين، في نهاية المطاف، على وقف مشروعه الذي أثار حوله الكثير من اللغط وهرب من البلاد ناجياً بنفسه من مخاطر قد بتعرض لها لو بقي هناك. ولحسن الحظ، كان مشروع التنقيب الأخير في العهد العثماني أقل فضيحة، وأُطلق برعاية البارون إدموند دي روتشيلد، بدافع رغبته في الكشف عن قبر ملوك يهوذا. وبدأ ريموند ويل الحفر في جنوب شرق التل في العام 1913 (انظر الشكل 12)(29). كان الاكتشاف الأكثر أهمية لويل هو نقش ثيودوتوس الشهير، مما يشير إلى وجود كنيس يهودي قديم كان مستخدماً في زمن المعبد الهيرودي(30).

الشكل12 حفريات ويل في سيلوان 1913-1914. المصدر: المدرسة التوراتية École biblique

مبادرات الانتداب البريطاني

خضع النشاط الأثري لتغيير جذري بعد الغزو البريطاني لفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى. في البداية، لتجنب إلحاق الضرر بالأماكن المقدسة والآثار، تأخر الاستيلاء على القدس إلى حد ما(31). وأدى هذا الوعي بالإرث المادي للمدينة إلى إنشاء جمعية دعم للقدس Pro-Jerusalem Soci­ety وميثاقها الذي ينص على “حماية وحفظ آثار منطقة القدس، بموافقة الحكومة”(32). وهكذا تحولت القدس، لا سيما مع إنشاء دائرة الآثار في فلسطين الانتدابية Department of Antiquities of Mandatory Palestine (DAP)، إلى واحدة من أكثر مراكز التنقيب والبحث الأثري ديناميكية في العالم. وتم وضع أسس الكثير من التحقيقات الأثرية العلمية الحديثة في المدينة خلال فترة الانتداب البريطاني. وتمكن مدير دائرة الآثار في فلسطين (التي تم إنشاؤها حديثاً) من فرض معايير مهنية وتنظيم النشاط المنطقي القديم من خلال إصدار تعاليم أكثر صرامة(33) باتباع نموذج المؤسسات المماثلة في المستعمرات البريطانية الأخرى وإنشاء قانون الآثار في العام 1928. واحتلت المدرسة البريطانية للآثار ودائرة آثار فلسطين، حتى العام 1930، ذات المبنى، على الرغم من أنهما كانتا مديريات منفصلة عن بعضهما البعض في العام 1926. وتم تعيين مدير لدائرة آثار فلسطين ومجلسها الاستشاري من قبل المفوض السامي من مدارس الآثار البريطانية والفرنسية والأمريكية والإيطالية في القدس. بالإضافة إلى ذلك، تم تعيين فلسطينيين واثنين من اليهود لتمثيل الجاليتين المسلمة واليهودية(34). كان للقسم خمس وحدات فرعية: المفتشون، ومكتب تسجيلات ومكتبة، ومختبر ترميم، واستوديو للتصوير، ومتحف فلسطين للآثار. وهذا الأخير، الذي تم تمويله بمنحة بقيمة 2 مليون دولار، تم تحويله إلى متحف اختصاصي في العام 1938(35). وكان الغرض الرئيسي منه جمع وعرض آثار البلاد لصالح مواطنيها، ويعدّ هذا تغييراً عما سبق من ممارسات تمثلت في نقل أهم القطع الأثرية في المنطقة إلى دول أخرى(36).

ارتدى جون غارستانغ قبعتين خلال إقامته في القدس: الأولى كمدير لدائرة آثار فلسطين (1920-1926) والأخرى كرئيس للمدرسة البريطانية للآثار (1919-1926). واكتسب أداءه أهمية في صياغة قانون الآثار، وعلى الرغم من أنه لم يقم بالتنقيب في القدس، لكنه عمل على حثّ المؤسسة على استئناف العمل الأثري في المدينة والتعاون مع علماء من دول أخرى (انظر الشكل 13)(37).

الشكل13 جون غارستانغ، مدير المدرسة البريطانية للآثار في القدس، يظهر وهو يصور لقى أثرية
تم الكشف عنها (PEF-GAR-JER-PN21-2). المصدر: صندوق استكشاف فلسطين.

غالباً ما يُشار إلى الفترة بين الحربين العالميتين (1918-1939) بالعصر الذهبي للتنقيب عن الآثار في الأرض المقدسة(38). حيث تم إجراء ما مجموعه 140 عملية حفر في القدس وحدها، ستة وسبعين منها من قبل موظفي دائرة آثار فلسطين، بما في ذلك علماء آثار بريطانيين ومحليين(39). وكانت العديد من الحفريات عبارة عن عمليات إنقاذ، أجريت بعد اكتشافات تمت عن طريق الصدفة للآثار أثناء عمليات التطوير(40).

ونفذ ألكسندر ستيوارت ماكاليستر وجون غارو دنكان، بين عامي 1923 و 1925، أولى البعثات الرسمية للانتداب البريطاني على التل الجنوبي الشرقي بإشراف صندوق استكشاف فلسطين(41). وتم الكشف عن العديد من المباني بالإضافة إلى جدار دعم ضخم، عُرف فيما بعد باسم هيكل الحجر المدرج. ويبدو أن أعمال التنقيب التي قاما بها تثبت، بشكل عام، أن هذه المنطقة تتجاوب مع الوصف التوراتي لصهيون وأنها محاطة بجدار. وبعد ذلك بعامين، في العام 1927، واصل جون دبليو كراوفوت وجيرالد إم فيتزجيرالد العمل في نفس الموقع واكتشفا بوابة ضخمة(42).

تحول تركيز الحملة الاستكشافية الرئيسية التالية إلى القلعة، بالقرب من بوابة يافا الحديثة. وابتداءً من العام 1934، كان على رأس الحملة سيدريك. إن. جونز بإشراف دائرة آثار فلسطين, وعلى الرغم من التخطيط للمشروع كعملية إنقاذ، فقد كشفت عمليات سبر الزاوية الشمالية الغربية عن نظام تحصينات قديم (يُفترض أنه مرتبط بقصر الملك هيرود)، واستمر العمل لمدة خمس سنوات أخرى(43). ثم أجريت حفريات هامة أخرى بإشراف دائرة آثار فلسطين بواسطة جون إيليف من جمعية الشبان المسيحية، وديمتري برامكي بالقرب مما يسمى بالجدار الثالث، وروبرت هاملتون عند باب العامود وعلى طول الجدار الشمالي للمدينة القديمة(44).

شاركت دائرة آثار فلسطين أيضاً في إدارة الأماكن المقدسة في المدينة. وأقيمت علاقات عمل وثيقة مع مسؤولي الأوقاف الإسلامية والجاليات المسيحية. تمكن المفتشون من الوصول إلى الحرم وكان لهم الحق في قياس وتوثيق جميع معالمه الرئيسية. كان أبرزها مسح إرنست تايثام ريتشموند لقبة الصخرة والمسح الأثري وحفر المسجد الأقصى لروبرت هاملتون(45). وأجريت ترميمات في كنيسة القيامة، والأهم من ذلك استبدال قبة كنيسة القيامة “الكاثوليكون” وإزالة عتبات المدخل الصليبي، وأجرى ويليام هارفي دراسات معمارية تفصيلية وإصلاحات هيكلية للمجمع بأكمله(46).

قامت مجموعة من المثقفين اليهود المحليين، في العام 1914، بتأسيس جمعية مستقلة باسم جمعية استصلاح  العاديات Society for the Reclamation of Antiquities ، والتي أعيد تسميتها بـ الجمعية اليهودية لاستكشاف فلسطين Jewish Palestine Explora­tion Society (JPES) في العام 1920(47). وكان الغرض منها تطوير البحوث التاريخية والجغرافية والأثرية المتعلقة بأرض إسرائيل(48). وكانت مسؤولة، خلال الانتداب، عن أول حفريات أثرية تقوم بها منظمة يهودية محلية، بما في ذلك قبر أبشالوم والجدار الثالث في القدس. وأنشأت الجامعة العبرية في القدس في العام 1935 قسماً للآثار بهدف دعم التدريب المهني لعلماء الآثار اليهود(49). وتأسست الجمعية الشرقية الفلسطينية Palestine Oriental Society (POS) في العام 1920 من أجل توفير بيئة مناسبة لعدد قليل من العلماء المسيحيين والمسلمين المهتمين بالفولكلور والعادات في البلاد. ومع ذلك، لم يشمل اهتمامهم العمل الميداني الأثري(50).

قسمين من الآثار

طرأ تعديل على الإطار الرسمي للنشاط الأثري مع الواقع الجديد، بعد الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948، حيث سيطرت إسرائيل على القدس الغربية في حين سيطرت المملكة الهاشمية في شرق الأردن على القدس الشرقية، بما في ذلك البلدة القديمة. واستمرت دائرة الآثار في الأردن، حتى العام 1956، برئاسة عالم الآثار البريطاني جيرالد لانكستر هاردينغ، الذي كان مقره في عمان. وكان ممثّله في القدس الشرقية (التي خضعت للحكم الأردني منذ العام 1948)، يوسف سعد الذي كان أيضاً محافظاً على متحف آثار فلسطين، المعروف أيضاً باسم متحف روكفلر. حل سعيد الدّرة  محل لانكستر هاردينغ، في إدارة دائرة الآثار الأردنية بين عامي 1956 و 1959، وتبعه عوني الدجاني بين عامي 1956 و 1968(51). وحتى العام 1948، حُفظت جميع الوثائق المتعلقة بعلم الآثار في المنطقة، بما في ذلك القطع الأثرية والملفات والخرائط والخطط محفوظة في متحف روكفلر في القدس. ووفقاً لقرارات الأمم المتحدة التي اتخذت قبل حرب العام 1948، كان من المقرر وضع إدارة المتحف ومقتنياته تحت إشراف لجنة دولية، غير أن هذه الخطة واجهت صعوبات جمّة في تنفيذها، وبحلول العام 1966 تم حلّ اللجنة رسمياً بتأميم مجموعة المتاحف من قبل الأردن(52). بقي أن نشير إلى طبيعة العمل الضعيفة التي سيطرت، في تلك الفترة، على العلاقة بين دائرة الآثار في الأردن والوقف الإسلامي(53).

قادت عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينون المشروع الأثري الرئيسي في المدينة القديمة خلال فترة الحكم الأردني التي استمرت ثمانية عشر عاماً. وعملت كينون، بعد الانتهاء من أعمال التنقيب الأولى في فلسطين في أريحا في العام 1957، في القدس بين عامي 1961 و 1967(54). وشقت الخنادق في المناطق القريبة من البلدة القديمة  الخالية من العمران، بما في ذلك التلة الجنوبية الشرقية والمنطقة الواقعة شمال سور المدينة العثمانية، وكذلك داخل البلدة القديمة، في الحي الأرمني وفي المرستان بالقرب من كنيسة القيامة. وكان الهدف الأساسي لكينيون إنشاء تسلسلات طبقية واضحة، كانت النتائج محدودة وثانوية فيما يتعلق بالكشف عن مجمعات معمارية(55).

خضعت آثار القدس الغربية لبعض التغييرات الشكلية، باعتبارها جزء من الأراضي المعترف بها رسمياً الآن لدولة إسرائيل، فتم إنشاء دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية الجديدة Israel Department of Antiquities and Museums (IDAM) في 26 تموز\يوليو 1948. وتبعت هذه الدائرة المتواضعة إدارة الأشغال العامة التابعة لوزارة العمل والبناء. وفي آب\ أغسطس 1955، انتقلت المسؤولية إلى وزارة التربية والتعليم والثقافة. وعٌيّن شموئيل ييفين أول مدير لها، ثم تلاه أبراهام بيران في العام 1961. استندت جميع الأنشطة إلى قوانين الانتداب البريطاني لإدارة الآثار. وكانت الدائرة تسيطر على جميع الآثار ومسؤولة عن إدارة المتاحف الصغيرة. وعملت على تسهيل عمليات تخزين وترتيب مجموعة الآثار الحكومية واحتفظت بمكتبة أثرية وأرشيف أبحاث إلى جانب عملها في التفتيش على المواقع الأثرية وتسجيلها وإجراء الحفريات والمسوحات. وعُيِّن علماء الآثار عمانوئيل بن دور وبنيامين ميسلر (مزار) على الفور ضباط آثار مسؤولين عن منطقة القدس (باستثناء القدس الشرقية طبعاً). وانضم إليهما في العام 1950، ضابط ثالث هو شموئيل ييفين(56). وخلال هذه الفترة تطور مفهوم البحث الأثري، مما أدى إلى إنشاء إطار يتحكم بكفاءة في المستوى العلمي واحترافية العمل الميداني الأثري. كان مايكل آفي يونا أول من شغل منصب السكرتير العلمي ومفتش الآثار في القدس. وحلّت روث أميران محلّه في العام 1951 (57). وأجرين في الفترة ما بين عامي 1949 و 1967 ثمانية وثمانين عملية حفر، معظمها لمجمعات دفن، في القدس الغربية، الغالبية العظمى منها حفريات إنقاذ مرتبطة بمشاريع التنمية الحضرية الضخمة لبناء الطرق والمساكن، علماً أنه لم يتم استثمار سوى القليل جداً في الحفظ والصيانة نظراً لقيود الميزانية، ودُمّرت العديد من الآثار مع استمرار مشاريع البناء(58).

السيطرة الحقوقية الإسرائيلية على القدس

أعلنت إسرائيل، في الثلاثين من آب\أغسطس 1967، بعد سيطرتها القدس الشرقية، أن البلدة القديمة ومحيطها مواقع أثرية محمية وفقاً لأحكام قانون الآثار(59). ووسعت دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية سيطرتها على النشاط الأثري والإشراف على المناطق المحتلة حديثاً. وعلى الرغم من أن اتفاقية لاهاي، التي وقعت عليها إسرائيل، حظرت صراحة إزالة الممتلكات الثقافية من المناطق المحتلة عسكرياً، إلا أنه تم الشروع، عقب السيطرة على المدينة مباشرة، في العديد من الحفريات(60). وفي الحادي والثلاثين من كانون الثاني\يناير 1978، أقرّ الكنيست قانون الآثار، الذي حلّ رسمياً محل مراسيم الانتداب. استبدل أبراهام إيتان، الذي عٌيّن مديراً لدائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية في العام 1974، في العام 1988 بجنرال من الجيش هو أمير دروري، الذي شرع في تحويل الدائرة إلى سلطة حكومية مستقلة، وتم الانتهاء من إقرار قانون جديد، عرف باسم قانون العاديات القديمة Antiquities Au­thority Law ،وظهرت إلى النور هيئة الآثار الإسرائيلية Israel Antiquities Authority في الفاتح من أيلول\سبتمبر 1989 وعُيّن أمير دروري أول مدير لها، وأشرفت على العديد من التغييرات الهامة في إدارة وقيادة جميع أعمال التنقيب والبحث الأثرية، مما أثّر بشكل أولي على إجراءات التفتيش والتنقيب الأثريين، والحفاظ على الموقع واللقى الأثرية. علاوة على ذلك، تم وضع السلطة النهائية لإدارة الآثار بأيدي أفراد إداريين لديهم خبرة محدودة في مجال علم الآثار. استبدل دروري، في العام 2000، بجنرال آخر من الجيش، هو شوكا دورفمان، الذي شغل منصب المدير حتى العام 2014(61). ومنذ ذلك الحين، أدار هيئة الآثار الإسرائيلية نائب مدير الشاباك السابق (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي) وعضو الكنيست يسرائيل حسون، وكان حسون يملك قدرات محدودة في مجال مهنته في ذات الوقت الذي عبّر فيه عن انهماكه في مجال علم الآثار(62). وكُلف عالم الآثار جدعون آفني،  كرئيس للحفريات والمسوحات بين عامي 2000 و 2011 ، بمهمة الإشراف على تطوير دائرة القدس الجديدة، بما في ذلك الإشراف على حوالي ثمانية وعشرين موظفاً تحت إمرته (63). ووُزعت جهود هذه الوحدة إقليمياً بين القدس الغربية والقدس الشرقية والبلدة القديمة وتلال يهودا الواقعة داخل الخط الأخضر (يشار إليها أيضاً باسم “حدود ما قبل عام 1967”)(64).

كان للنمو الحضري الكبير والبناء بعد حرب 1967، والتوسع في المناطق التي لم تكن مأهولة في السابق، تأثير لا يمكن إغفاله على المشهد الأثري. ولدرء مخاطر الدمار الوشيك الناجم عن هذا التطور، أجرت سلطة الآثار الإسرائيلية مسحاً شاملاً لنحو أربعين مكاناً في المدينة القديمة ومحيطها، ووثقت حوالي تسعمائة موقع(65). واستكملت هذه المبادرة غير التدخلية بالعديد من الحفريات المتواضعة الحجم وحفريات أخرى عديدة واسعة النطاق، وصنفت إدارة الآثار الإسرائيلية معظم الأنشطة الأثرية في المدينة على أنها عمليات إنقاذ، نظراً لأن العديد من هذه الأنشطة كانت في الأصل استجابة للتطور الحديث وقليل منها فقط مرتبط بمشاريع الحفاظ أو الحفاظ على الهياكل القائمة.

أجريت الحفريات بعد انتهاء حرب 1967 مباشرة، وقبل الشروع بعمليات التطوير الحضري في الأحياء المنشأة حديثاً في جفعات هاميفتار والتلة الفرنسية وجبل المشارف[سكوبس] وراموت وتالبيوت الشرقية وهار نوف وجيلوه، وبعد ذلك في أحياء عميق رفائيم ومالحة وبسغات زئيف. وتشمل المواقع الموجودة بالقرب من المدينة القديمة حقل الدم والجسمانية ومأمن الله وبوابة مندلباوم، ومن بين تلك الواقعة داخل البلدة القديمة والمجاورة لها القلعة والحديقة الأرمنية وباب العامود وباب الساهرة [باب هيرود] ودرج العين في [كنيس] أوهيل يتسحاق وكنيسة القيامة. أما من حيث الحجم، فقد نُفذت أكثر المشاريع طموحاً في الحي اليهودي، بالقرب من الحرم القدسي/الحرم الشريف، وأخيراً في مدينة داوود / سلوان(65).

وأجريت منذ العام 1967، أعداد محدودة من الحفريات والمسوحات بإشراف مؤسسات أجنبية. ومن أبرزها، عمل المدرسة التوراتية  École biblique في كنيسة القديس يوحنا ونشاط المعهد الإنجيلي الألماني للدراسات الكلاسيكية Deutsches Evangelisches Institut für Altertumswissenschaft داخل كنيسة الفادي اللوثرية Lutheran Church of the Redeemer (67). وحفريات جامعة نورث كارولينا في شارلوت University of North Carolina at Charlotte وجامعة الأرض المقدسة University of the Holy Land في جبل صهيون، وتمثل المشروع الأثري الوحيد الذي لم يقم على قاعدة تداعيات مشاريع الحفاظ أو التطوير(68).

أُجري مسحين هامين للآثار المملوكية والعثمانية بإشراف المدرسة البريطانية للآثار -ولم تكن مبادرات من طبيعة تدخلية وبالتالي لم تتطلب (أو اختارت عدم طلب) موافقة أو تراخيص من السلطات الإسرائيلية -. قام الباحث البريطاني مايكل هاميلتون بورغوين بإدارة مسح العمارة المملوكية في القدس ابتداءً من العام 1968(69). كما أجرى علماء آثار فلسطينيون مسحين آخرين في البلدة القديمة، فقاد محمود الهواري دراسة جميع الآثار الأيوبية، وقام يوسف النتشة، بدراسة أحد المعالم الأثرية العثمانية(70).

قبل حل دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية وإنشاء هيئة آثار إسرائيل في العام 1990، تم حفر وتوثيق حوالي 245 موقعاً. ومنذ ذلك الحين، أجري  210 أعمال حفر إضافية(71). وبذلك يصل العدد الإجمالي للحفريات المسجلة رسمياً، والموثقة، منذ بداية التنقيب الأثري في منتصف القرن التاسع عشر إلى ما يقرب من 1200 (72). بالإضافة إلى نحو 500 عملية حفر غير قانونية أو غير موثقة قام بها هواة أو لصوص يمولون سوق الآثار.

ازدهرت الاستكشافات الأثرية مع تحرك القدس عبر الحقائق السياسية المتغيرة، وتطورت هذه الاستكشافات، من حيث السرعة والحجم، عبر العديد من المساعي ذات الدوافع الفردية إلى عدد لا يحصى من التعهدات المؤسسية والحكومية. وأنجز الكثير في ظل الحكم الاستعماري. وقامت السلطات العثمانية بالخطوات الأولية المتواضعة نحو تنظيم العمل الميداني والاكتشافات، ويّنظر إلى جهد البريطانيين من نواحي المعايير الإدارية المهنية كأحد أكثر المساهمات إثارة للإعجاب وديمومة، من خلال فرضهم بروتوكول منظم يزداد تنظيماً مع الوقت وكذلك فرضهم إطار علمي على العدد المتزايد من البعثات الاستكشافية. قد يكون التقدم والنجاح الملحوظين لعلم الآثار الكتابي في ظل الحكم البريطاني يرجع في جزء كبير منه إلى حقيقة اندماج التطلعات الثقافية والدينية للمستكشفين والمؤسسات الغربية، للمرة الأولى، التي يغلب عليها الطابع الغربي والتوقعات الأيديولوجية للحكومة.

شكّلت القواعد الأردنية والإسرائيلية حقبة من التطلعات القومية المختلفة، في ظل الواقع الجديد للمدينة المقسمة بين عامي 1948 و 1967. على الرغم من احتكام إطار العمل الميداني البنيوي والعلمي لنموذج الاستكشاف البريطاني. فنفذت الابتكارات المنهجية بنجاح، وزادت معدلات العمل الاحترافي، واستمر الاهتمام الكتابي، إلى حد كبير من منظور مسيحي في الجانب الأردني ومن منظور يهودي على الجانب الإسرائيلي.

حدثت المشاريع الميدانية الأكثر شمولاً واتساعاً في القدس منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية في عام 1967، إلى حد بعيد. وارتبط بعضها بجهود التنمية الجديدة، ولكن معظمها كان مدفوعاً بالرغبة في الاستكشاف والفهم بشكل أفضل، وكذلك لعرض الجذور القومية والدينية لآثار المدينة.  استطاعت الحكومة الإسرائيلية أن تتحايل على القانون الدولي، من خلال تعريف جميع الحفريات في القطاع المحتل من المدينة بأنها أعمال إنقاذ، حيث تعتبر جميع الحفريات في القدس الشرقية غير قانونية. ولهذا السبب، وأكثر من أي سياق سياسي سابق للاستعمار، يتم إدارة النشاط الأثري في المدينة الواقعة تحت الاحتلال والتحكم به – باستثناء بعض الحالات- من قبل دولة واحدة هي: دولة إسرائيل اليهودية، وهذا تصعيد لا يعكس بأي حال من الأحوال الإطار الدستوري الراديكالي، الذي يتم فيه دمج الدولة والدين. وبصرف النظر عن الآثار القانونية، أخذ علم الآثار الإسرائيلي هذا المجال إلى  مطارح جديدة من الإتقان والإدارة والتميز العلمي، استناداً إلى التقدم المهني الذي تم إحرازه في العقود السابقة. وهكذا يمكن للمرء أن يجادل بأن قصة نجاح الاستكشاف الأثري في القدس هي قصة زيادة الاحتراف، في أفضل حالاتها عندما تتلاقى حماسة المستكشفين مع إيديولوجية الدولة.

هوامش الفصل الثاني

ا- انظر، N. A. Silberman, “Power, Politics, and the Past: The Social Construction of Antiquity in the Holy Land,” in The Archaeology of Society in the Holy Land, ed. by T. E. Levy (London and Washington: Leicester University Press, 1990), 12; N. A. Silberman, Digging for God and Country: Exploration, Archeology and the Secret Struggle for the Holy Land, 1799–1917 (New York: Knopf, 1982), 10–27.

2- انظر، A. Glock, “Archaeology as Cultural Survival: The Future of the Palestinian Past,” Jour­nal of Palestine Studies 23, no. 3 (1994): 73.

3- انظر، Silberman, “Power, Politics, and the Past,” 12.

4- انظر، Silberman, “Power, Politics, and the Past,” 17.

5- تم شحن قطعتين أثريتين هامتين عثر عليهما في القدس خلال الفترة العثمانية إلى القسطنطينية، وهما “فسيفساء أورفيوس” و “نقش سلوام” ويعدّان الآن من القطع الأثرية الثمينة في متحف إسطنبول الأثري.

6- انظر، Glock, “Archaeology as Cultural Survival,” 73.

7- عندما تلقى وارن فرماناً من القسطنطينية، قرر عدم نشر مضمونه واستمر في التنقيب في المدينة لعله يتمكن من استكمال البحث عن الكنز (Silberman, God and Country, 92)، عرض باركر على عضوين رفيعي المستوى في حكومة تركيا الفتاة 50% من أي كنز قد يجده مقابل ثقتهما الرسمية ودعمهم (182) كما دفع 25 ألف دولار للمسؤول المحلي عزمي باشا الذي رتب رشوة الشيخ خليل الوصي الوراثي على قبة الصخرة من أجل التنقيب داخل الحرم (186).

8- معظم معرفتنا عن حياة روبنسون وإنجازاته المهنية نعثر عليها فيما كتبه روزويل. دي. هيتشكوك، رئيس معهد اللاهوت الاتحادي، فكتابه Edward Robinson، نشر بعد وقت قصير من وفاة روبنسون. من أجل ملخص وتعليق على مساهمات روبنسون في مجال علم الآثار التوراتي، انظر، Silberman, God and Country,37-47.

9- انظر، J. B. Pritchard, Archaeology and Old Testament (Princeton: Princeton University Press, 1958), 57–58.

10- انظر، Silberman, God and Country, 47.

11- عن رحلات دو سولسي، انظر كتابه Voyage autour de la mer Morte ، وكذلك Voyage en Terre Sainte ، للحصول على ملخص عن حياته واستكشافاته في فلسطين، انظر، Silberman, God and Country, 63–72; and V. Lemire, La soif de Jérusalem: Essai d’hydrohistoire (1840–1948) (Paris: Publications de la Sorbonne, 2011), 31, 38–45.

12- انظر، L. Y. Rahmani, “Ancient Jerusalem’s Funerary Customs and Tombs: Part Four,” The Biblical Archaeologist 45 (1982): 112.

13- انظر، S. Gibson, “British Archaeological Work in Jerusalem between 1865 and 1967: An Assessment.” In Galor and Avni, Unearthing Jerusalem, 26–29.

14- انظر، Silberman, God and Country, 79–88.

15- فيما يتعلق بعمله في القدس، ساعد ويلسون فريق من خبراء المتفجرات وعمال المناجم، بالإضافة إل المصوّر جيمس ماكدونالد. آر. إي. الذي عمل تسجيلاً مصوراً بالغ الأهمية لمباني المدينة. Gibson, “British Archaeological Work,” 26.

16- تم نشر تقريراً كاملاً عن عمله في Ordnance Survey of Jerusalem.

17- انظر، Gibson, “British Archaeological Work,” 37.

18- عن وارن وعمله في القدس، انظر، see Silberman, God and Country, 89–99.

19- انظر، Gibson, “British Archaeological Work,” 40–41.

20-  قام أمين الخزانة في صندوق استكشاف فلسطين والتر موريسون، بعد الانتهاء من عملهم، بتحرير كتاب مع فصول من تأليف ويلسون ووارن بعنوان The Recovery of Jerusalem، تلاه سرد مشهور لعمل وارن في القدس بعنوان Underground Jerusalem، انظر،C. W. Wilson and C. Warren, The Recovery of Jerusalem: A Narrative of Exploration and Dis­covery in the Holy Land (London: R. Bentley, 1871); and C. Warren, Underground Jerusalem (London: Palestine Exploration Fund, 1876).

21- انظر، C. Clermont-Ganneau, “Une stèle du Temple de Jérusalem,” Revue Archéologique 2, no. 23 (1872).

22- انظر، C. Clermont-Ganneau, Archaeological Researches in Palestine during the Years 1873–1874, vols. 1–2 (London: Palestine Exploration Fund, 1899–96 [sic]); C. Clermont- Ganneau, Recueil d’archéologie orientale, vols. 1–8 (Paris: Leroux, 1888–1924); and C. Clermont-Ganneau, Études d’archéologie orientale, vol. 2 (Paris: Vieweg, 1880).

23- من بين منشورته العديدة انظر على وجه الخصوص، Beit el Makdas oder der alte Tempelplatz zu Jerusalem, wie er jetzt ist (Jerusalem: Selbstverlag des Verfassers, 1887); “Re­cent Discoveries in Jerusalem,” Palestine Exploration Quarterly 21 (1889), 62–63; and Die Stiftshütte, der Tempelplatz der Jetztzeit (Berlin: Weidmann, 1896).

24- انظر، H. Guthe, Ausgrabungen bei Jerusalem (Leipzig: K. Baedeker, 1883).

25 للحصول على وصف للتنقيب، انظر، Silberman, God and Country, 147–70.

26- انظر، F. J. Bliss and A. C. Dickie, Excavations at Jerusalem, 1894–1897 (London: Palestine Exploration Fund, 1898).

27- من أجل تفصيلي لبعثة باركر، انظر Silberman, God and Country, 180–88; and Silberman, “In Search of Solomon’s Lost Treasures, Biblical Archaeology Re­view 6.4 (1980).، وبعد هروب باركر من القدس نشرت فصلية صندوق استكشاف فلسطين نقداً للبعثة لكل من دالمان(“Temple Treasure”) و وارن(“Recent Exca­vations”)

28- كرس فنسنت الكثير من حياته المهنية لدراسة القدس القديمة. انظر، L.-H. Vincent and F.-M. Abel, Jérusalem nouvelle: Recherches de topographie, d’archéologie et d’histoire, II, 1–4 (Paris: J. Gabalda, 1914–26); and L.-H.Vincent and M.-A. Steve, Jérusalem de l’Ancien Testament: Recherches d’archéologie et d’histoire, I–III (Paris: J. Gabalda, 1954–56). For Vincent’s work for the Parker expedition, see his Jérusalem sous terre: Les récentes fouilles d’Ophel (London: H. Cox, 1911), “Les récentes fouilles d’Ophel” [1], Revue Biblique 20 (1911), and “Les récentes fouilles d’Ophel” [2], Revue Biblique 21 (1912). L.-H. Vincent and F.-M. Abel, Jérusalem nouvelle: Recherches de topographie, d’archéologie et d’histoire, II, 1–4 (Paris: J. Gabalda, 1914–26); and L.-H.Vincent and M.-A. Steve, Jérusalem de l’Ancien Testament: Recherches d’archéologie et d’histoire, I–III (Paris: J. Gabalda, 1954–56).  من أجل مراجعة عمل فنسنت لبعثة باركر، راجع كتابه، Jérusalem sous terre: Les récentes fouilles d’Ophel (London: H. Cox, 1911), “Les récentes fouilles d’Ophel” [1], Revue Biblique 20 (1911), and “Les récentes fouilles d’Ophel” [2], Revue Biblique 21 (1912).

29- انظر، R. Weill, La cité de David: compte rendu des fouilles exécutées à Jérusalem, sur le site de la ville primitive, campagne de 1913–1914 (Paris: P. Geuthner, 1920); and La cité de David: compte rendu des fouilles exécutées à Jérusalem, sur le site de la ville primitive, II, campagne de 1923–1924 (Paris: P. Geuthner, 1947).

30- انظر، J. S. Kloppenborg Verbin, “Dating Theodotos (‘CIJ’ II 1404),” Journal of Jewish Studies 51 (2000).

31- انظر، S. Gibson, “British Archaeological Institutions in Mandatory Palestine, 1917–1948,” Palestine Exploration Quarterly 131, no. 2 (1999): 135; and Gibson, “British Archaeological Work,” 48.

32- انظر، Gibson, “British Archaeological Work,” 48; and C. R. Ashbee, Jerusalem 19181920: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the Period of the British Military Ad­ministration (London: The Council of the Pro-Jerusalem Society, 1921), 15–18.

33- انظر، See Silberman, “Power, Politics, and the Past,” 15.

34- يبدو أن قرار اختيار ممثلين عن المسلمين واليهود فقط من الجاليات المحلية كان دفوعاً بالرغبة في لتعويض عن التمثيل المسيحي الحصري للمهنيين من الجانب البريطاني والأمريكي والأوروبي.

35- انظر، Glock, “Archaeology as Cultural Survival,” 75.

36- انظر، J. Seligman, “The Departments of Antiquities and the Israel Antiquities Authority (1918–2006): The Jerusalem Experience,” in Galor and Avni, Unearthing Jerusalem, 126.

37- انظر، Gibson, “British Archaeological Work,” 48–49.

38 انظر، Silberman, “Power, Politics and the Past,” 15.

39- انظر، Seligman, “Departments of Antiquities,” 127.

40- كشفت تلك الحفريات الإنقاذية عن مئات المقابر القديمة. انظر، (Seligman, “Depart­ments of Antiquities” 127).

41- انظر، R. A. S. Macalister and J. G.Duncan, Excavations of the Hill of Ophel, Jerusalem, 1923– 1925: Being the Joint Expedition of the Palestine Exploration Fund and the “Daily Telegraph,” Annual of the Palestine Exploration Fund 4 (London: Palestine Exploration Fund, 1926).

42- انظر، J. W. Crowfoot, “Excavations on Ophel, 1928,” Palestine Exploration Quarterly 61 (1929); and “Ophel Again,” Palestine Exploration Quarterly 77 (1945); and J. W. Crowfoot and G. M. Fitzgerald, Excavations in the Tyropoeon Valley, Jerusalem, 1927 (London: Pal­estine Exploration Fund, 1929).   يعتقد عموماً أن البواية تعود للعصر الهلنستي لكن جيبسون ربطها بالعصر البرونزي الوسيط  (“British Archaeological Work,” 49).

43- انظر، C. N. Johns, “Excavations at the Citadel, Jerusalem, Interim Report, 1935,” Quar­terly of the Department of Antiquities of Palestine 5 (1936)”; and C. N. Johns, “The Citadel, Jerusalem: A Summary of Work since 1934,” Quarterly of the Department of Antiquities of Palestine 14 (1950).”

44- يذكر يوسيفوس فلافيوس أثناء وصفه تحصينات القدس ثلاثة جدران: الجدار الأول الذي بناه أحد الملوك الحشمونيين حوالي 130 ق.م، على غرار سور المدينة الذي يعود للعصر الحديدي، والجدار الثاني الذي كان موجوداً في عهد الملك هيرودوس العظيم، بين 37 و 4 ق.م (وربما يكون هو الذي بناه)، والجدار الثالث ويقع أقصى مال المدينة، بناه هيرود اغريبا الأول بين 41 و44 ميلادي.

45- انظر، E. T. Richmond, The Dome of the Rock in Jerusalem. A Description of Its Structure and Decoration (Oxford, 1924); and R. W. Hamilton, The Structural History of the Aqsa Mosque: A Record of Archaeological Gleanings from the Repairs of 1938–1942 (Jerusalem: De­partment of Antiquities of Palestine, 1949).

46- انظر، W. Harvey, Church of the Holy Sepulchre, Jerusalem; Structural Survey, Final Report, William Harvey, with an Introduction by E. T. Richmond (London: Oxford University Press, 1935).

47- انظر، R. Reich, “The Israel Exploration Society (IES),” In Galor and Avni, Unearthing Je­rusalem 119.

48  انظر، In “Producing (Arti) Facts: Archaeology and Power during the British Mandate of Palestine,” Israel Studies 7.2 (2002) تناقش أبو الحاج الدوافع والمضامين السياسية والإيديولوجية التي تركز على الماضي اليهودي للمنطقة لاسيما خلال فترة الانتداب.

49- انظر، Silberman, “Power, Politics, and the Past,” 18.

50- انظر، Silberman, “Power, Politics, and the Past,” 18.

51- للبحث في الخلفية التاريخية لدائرة الآثار في الأردن. انظر، http:// doa.gov.jo/en/inside.php?src=sublinks&SlID=5003&MlID=1.

52- انظر، R. Kletter, Just Past? The Making of Israeli Archaeology (London: Equinox, 2005), 190–92; and Seligman, “Departments of Antiquities,” 131–35.

53- انظر، G. Avni and J. Seligman, Temple Mount 1917–2001. Documentation, Research, and Inspection of Antiquities (Jerusalem: Israel Antiquities Authority, 2001), 22.

54- لم يكن الأردن يبدي اهتماماً لموضوع علم الآثار الكتابي في سياق بناء الهوية حول الأماكن المقدسة التي تم التنقيب عنها حديثاً، إلّا في مستهل تسعينيات القرن الماضي حيث عاد الموضوع للواجهة من جديد. انظر Katz, Jordanian Jerusalem, 15، ونشرت كينون نسختين رائعتين من نتائج حفرياتها في القدس Digging Up Jerusalem (London: Praeger, 1974) and Jerusalem: Excavating 3000 Years of History (London: Thames & Hudson, 1967) وتم نشر خمس  مجلدات من التقرير النهائي منذ ذلك الحين. انظر،  A. D. Tushing­ham and M. L. Steinger, Excavations in Jerusalem, 1961–1967, vol. 4 (Ontario: Royal Ontario Museum, 1985); H. J. Franken and M. L. Steiner, Excavations at Jerusalem, 1961–1967, vol. 2, The Iron Age Extramural Quarter on the South-East Hill, British Academy Monographs in Archaeology (Oxford: Oxford University Press, 1990); M. L. Steiner, Excavations by Kathleen M. Kenyon in Jerusalem 1961–1967, vol. 3, The Settlement in the Bronze and Iron Ages (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 2001); I. Eshel and K. Prag, Excavations by K. M. Kenyon in Jerusalem, vol. 4, The Iron Age Cave Deposits, British Academy Monographs in Archaeology (London: Council for British Research in the Levant, 1995); and K. Prag, Excavations by K. M. Kenyon in Jerusalem, 1961–1967, vol. 5, Discoveries in Hellenistic to Ottoman Jerusalem, Levant Supplementary Series 7 (London: Council for British Research in the Levant, 2008).

55- على الرغم من كون فلندرز بتري كان قد أدخل أساليب التحليل والتنقيب الطبقي في المنطقة من عشرينيات القرن الماضي إلا أن التقنيات الستراتيغرافية الصارمة وأنواع الفخار لتأريخ الطبقات الأثرية في القدس عادة ما تربط باسم كينون. انظر، Silberman, God and Country, 176–79.

56- انظر، Kletter, Just Past? 124.

57- انظر، See M. Avi-Yonah, “Excavations at Sheikh Bader,” Bulletin of the Jewish Palestine Exploration Society 15 (1949/50); and Seligman, “Departments of Antiquities,” 133.

58- تعتبر مقابر السنهندرين وقبر جاسون من بين مجمعات الدفن الأكثر أهمية التي تم اكتشافها خلال هذا الإطار الزمني. انظر، Seligman, “Departments of An­tiquities,” 133.

59- تمت صياغة هذا الشرط في الجريدة الرسمية Official Gazette (the official journal of the United States Patent and Trademark Office) number 1390, 30.8.1967.

60- ويشير سيلبرمان إلى أن  البعض اعتبر هذه الحفريات أنها تذهب إلى ابعد من الوظيفة المشروعة والمسموح بها لحماية المواقع الأثرية المهددة بالانقراض. انظر، Silberman, “Power, Politics, and the Past,” 18–19.

61- عمل عوزي دهاري مدير مؤقت

62- الشاباك وكالة أمنية إسرائيلية على غرار MI5 البريطانية أو مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي، وكان تعيين يسرائيل حسون مديراً لهيئة الآثار الإسرائيلية مثيراً للجدل بسبب علاقاته مع إلعاد ز انظر، N. Hasson, “Israel Antiquities Authority Taps Politician with Ties to Rightist NGO,” Ha’aretz, October 29, 2014.

63- حل سيليجمان محل آفني في العام 2011، وعمل منذ ذلك الحين مديراً للحفريات والمسوحات والبحوث والمختبرات والمنشورات العلمية

64- انظر، للحصول على لمحة عن تاريخ دائرة الآثارIDAM و هيئة الآثار IAA بين عامي 1967 و2006 . انظر، Seligman, “Departments of Antiquities,” 135–46.

65- نشرت الدراسة الاستقصائية في ثلاث مجلدات انظر، A. Kloner, Survey of Jerusalem, the Southern Sector (Jerusalem: Israel Antiquities Authority—Archaeological Survey of Israel, 2000); Survey of Jerusalem, the Northeastern Sector (Jerusalem: Israel Antiquities Author­ity—Archaeological Survey of Israel, 2001); and Survey of Jerusalem, the Northwestern Sec­tor: Introduction and Indices (Jerusalem: Israel Antiquities Authority—Archaeological Sur­vey of Israel, 2003).

66- من أجل خلاصة أكثر شمولاً عن الحفريات التي أجريت في القدس منذ العام 1967. انظر، Seligman, “Departments of Antiquities,” 135–45.. نشرت معظم أعمال التنقيب في تقارير نشرتها هيئة الآثار في أعداد ومجلدات من سلسلة Atiqot و Hadashot Arkheologiyot

67- عن حفريات المدرسة التوراتية École biblique .انظر، J.-B. Humbert, “Saint John Prodromos Res­toration Project Jerusalem, Greek Orthodox Patriarchate property, Jerusalem,” Cabinet d’architects des monuments historiques, Michel Goutal (Paris) Excavation of the École bib­lique et archéologique française de Jérusalem (2011)، وبخصوص حفريات المعهد البروتستانتي الألماني. انظر، D. Vieweger and G. Förder-Hoff, The Archaeological Park under the Church of the Redeemer in Jerusalem (Jerusalem: German Protestant Institute of Archaeology, 2013).

68- انظر، S. Gibson and J. Taylor, “New Excavations on Mount Zion in Jerusalem and an Inscribed Stone Cup/Mug from the Second Temple Period,” in New Studies in the Archaeol­ogy of Jerusalem and Its Region, collected papers, vol. 4, ed. by D. Amit, O. Peleg-Barkat, and D. Stiebel (Jerusalem: Israel Antiquities Authority and Institute of Archaeology, Hebrew University of Jerusalem, 2010).

69- انظر، M. H. Burgoyne, Mamluk Jerusalem: An Architectural Study (London: World of Is­lam Festival Trust, 1987).

70- انظر، M. K. Hawari, Ayyubid Jerusalem (1187–1250): An Architectural and Archaeological Study (Oxford: British Archaeological Reports, 2007); Y. Natsheh, “The Architecture of Ot­toman Jerusalem,” in Auld and Hillenbrand, Ottoman Jerusalem, 583–655; and Y. Natsheh “Catalogue of Buildings,” in Auld and Hillenbrand, Ottoman Jerusalem, 657–1085.

71- وفقاً لسليجمان فقد تم حفر ما يقرب من اثني عشر ألف موقع في المدينة منذ بداية التنقيب الأثري في منتصف القرن التاسع عشر. ووفقاً لغالور وآفني، لا يعكس هذا الرقم سوى البعثات الاستكشافية الرسمية، وعدد الحفريات غير القانونية أو غير الموثقة حوالي خمسمائة. انظر، Seligman, “Departments of Antiquities,” 145; and G. Avni and K. Galor, “Unearthing Jerusalem: 150 Years of Archaeological Research,” in Galor and Avni, Unearthing Jerusalem,” x.

72- انظر، Seligman, “Departments of Antiquities,” 145

73- يشير مصطلح “غير قانوني” في هذا السياق إلى الحفريات التي أجريت دون موافقة حكومية رسمية. وبالنظر إلى الطبيعة المتنازع عليها للضم الإسرائيلي للمدينة القديمة والقدس الشرقية، فإن شرعية الحفريات منازع عليها دولياً. وبخصوص القانون الإسرائيلي والأجنبي من حيث علاقته بالنشاط الأثري والحفاظ على تراثه، انظر، S. Berkovitz, The Temple Mount and the Western Wall in Israeli Law, The Jeru­salem Institute for Israel Studies Series 90 (Jerusalem: JIIS and the Jerusalem Foundation, 2001); S. Berkovitz, The Wars of the Holy Places: The Struggle over Jerusalem and the Holy Sites in Israel, Judea, Samaria and the Gaza District (Jerusalem: Hed Arzi Publishing House and the Jerusalem Institute for Israel Studies, 2001); and G. Avni and K. Galor, “Unearthing Jerusalem,” .
 

74- انظر، تركزت جهود التراث الثقافي في ظل الحكم الأردني في الغالب على التراث الإسلامي. ولكن فيما يتعلق بالعمل الميداني، كانت أعمال التنقيب التي قامت بها كاثلين كينيون هي الحفريات الوحيدة التي أجريت خلال هذه الفترة، وبالتالي شكلت التركيز على الماضي التوراتي.

الفصل الثالث

الجزء الثاني

التراث الثقافي

يعتبر تراث القدس مزيجاً ثقافياً تم دمجه مؤخراً في خطاب يتمحور حول من يملك الماضي. وفي واقع الأمر، يدور جوهر هذا الجزء، حيث يلتقي العلم مع الإيديولوجيا، حول التساؤل عن ملكية الآثار وتحديد المعايير الدولية للمبادئ الثقافية والعلمية، والعرقية، ودراسة السبل التي تؤدي إلى إمكانية تطبيق هذه المبادئ وتوجيهها لمختلف الإداريين الدينيين والسياسيين. يرتبط هذا التحقيق في فهم كيفية اتخاذ القرارات بشأن مكان الكشف، وما الذي يجب الحفاظ عليه، وكيفية عرض اللقى والبقايا الأثرية القادرة على رواية قصتها. ويستطلع النقاش حول التراث الثقافي الأطراف التي تنتج المعرفة وكيف تُنشر المعلومات وكيف تُعرض وتُستهلك في الأماكن التعليمية وفي أماكن العرض العامة مثل المعالم والمواقع والحدائق والمتاحف. إن التراث الذي على المحك له صلة باليهود والمسيحيين والمسلمين، وله صلة أيضاً، لاسيما في الفترة الحديثة/ بالإسرائيليين والفلسطينيين، الذين لا يمثل أيا منهم  مجموعات متجانسة أو أصحاب مصالح متجانسة.

الفصل الثالث: من الدمار إلى الحفظ

عندما زار ثيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية الحديثة، مدينة القدس في العام 1898، أعلن أن ما صدّه عن المدينة  “مخزون عفن عمره ألفي سنة من الوحشية، والتعصب، والقسوة” يفوح  “من الأزقة ذات الكريهة” للبلدة القديمة. وتعهد بأن أول ما سوف يفعله الصهاينة سوف يكون هدم معظم المدينة، حالما يسيطرون عليها، وسوف يبنون، مكانها، وحول الأماكن المقدسة “مدينة جديدة متجددة الهواء ومريحة وقنوات صرف صحي جيدة،”(1). ودعا دافيد بن غورن (مؤسس دولة إسرائيل وأول رئيس وزراء للبلاد، ولاحقاً عضو الكنيست) إلى ما يشبه هذا القول، عندما استولت إسرائيل على القدس الشرقية والبلدة القديمة في العام 1967، عندما طلب بهدم جدران المدينة، لأنها غير يهودية، وهي تهدد، بالتالي، التواصل البصري للسيطرة الإسرائيلية(2). ورغم عدم تحقيق رغبتيهما، إلا إن هذا لايعني أن المدينة بقيت سليمة، إذ تعرّضت أجزاء واسعة من الموروثات الثقافي للدمار المتعمد، في أعقاب قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين في العام 1947. علماً أن العديد من الكنس وغيرها من المؤسسات اليهودية، لاسيما في الحي اليهودي [حارة اليهود]، هُجرت أو أُهملت أو هُدمت خلال فترة الحكم الأردني للبلدة القديمة، والقدس الشرقية بين عامي 1948 و1967(3) وبعد حرب 1967 مباشرة، وفي الساعات القليلة التي تلت الهدنة، أجلت السلطات الإسرائيلية سكان حي المغاربة الذي يقع قرب الحائط الغربي، وقامت بهدم وتجريف المنطقة التاريخية وإفساح المكان لإنشاء ساحة واسعة مفتوحة ستُضم لحارة اليهود(4). كما حصل بعض الدمار الإضافي في أمكان متفرقة في حارة اليهود (الحي اليهودي). وما حصل هنا، في واقع الأمر، أن البلدية استبدلت الأزقة والمباني التي تعود للقرون الوسطى، بمناظر مدينة جديدة تماماً، بدل الحفاظ على الطابع الأصلي للحارة، مما أدى إلى فصل متعمد -إثني وديني وثقافي ومعماري- بين المنطقة التي تم تجديدها وبين الأحياء الأخرى من البلدة القديمة(5). وتواصلت الحملات الرامية إلى تدمير المعالم التاريخية الهامة منذ احتلال القدس الشرقية في العام 1967. فحاولت، على سبيل المثال، جماعة أمناء جبل الهيكل Temple Mount Faithful والجماعات المتطرفة الأخرى في عديد من المرات تدمير الأضرحة الإسلامية المقدسة، واستعادة السيطرة اليهودية على المنطقة كخطوة أولى نحو إعادة بناء الهيكل في موقع المسجد، أي قبة الصخرة(6). وشهدت المواقف الفردية والعامة والمؤسسية، على مدار القرن الماضي، تغيرات وتطورات مهمة على صعيد البنية المفاهيمية والعملية تجاه نماذج ومشاكل التراث الثقافي والحفاظ عليه. ورغم التقدم الملحوظ في الخطاب العام والأكاديمي، حول التراث الثقافي، لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، مازال التقييد يعتري تنفيذ سياسات تقدمية في إسرائيل، لاسيما في الحوض التاريخي للقدس، ومازال تنفيذ مثل هذه السياسات يعاني ،أيضاً، من إعاقات عدة نتيجة الصراع السياسي(7)

ولعل أهم الدلالات التي تؤشر لهذا التقدم في تنفيذ تلك السياسات “التقديمة” من عدمه، فيما يتعلق في الاحتفاء بالإرث المعماري المتنوع في القدس يتمثل في أنه أحد أهم مشاريع الصيانة الحالية لهيئة الآثار الإسرائيلية، والتي تلفت نظرنا من جديد نحو أسوار المدينة، فبعد خمسين عاماً بالضبط من اقتراح هدمها كما جاء على لسان بن غوريون، حددت سلطة الآثار الإسرائيلية التحصينات العثمانية باعتبارها أحد “أصول التراث الثقافي الأكثر أهمية في المدينة”(8). وأُطلق مشروع الحفاظ على أسوار مدينة القدس في العام 2007 بهدف استخدام الأسوار العثمانية لتسليط الضوء على التاريخ الحديث لدولة إسرائيل، فضلاً عن الحفاظ على البناء الأصلي الذي يعود للقرن السادس عشر وتثبيته. من الجدير ذكره الإشارة إلى تعرض بعض الأحجار المحيطة ببوابة صهيون [ باب النبي داود أو باب حارة اليهود] للضرر، أثناء محاولة الهاغاناه (منظمة يهودية شبه عسكرية كانت نشطة في فترة الانتداب البريطاني، أصبحت فيما بعد أساس الجيش الإسرائيلي) اقتحام الحي اليهودي [حارة اليهود] في أيار \مايو 1948  (انظر الشكل 14). وأصبحت البوابة المرشقة بطلقات الأسلحة الرشاشة إحدى السمات المميزة لـ “القدس الموحدة” بعد حرب 1967، وهو ما قررت سلطة الآثار الإسرائيلية الحفاظ عليه، أي الرمز، ووصفه بـ “الحدث الوحيد الأكثر أهمية الذي ترك بصمته على واجهة البوابة في عامها الـ468(9). بعبارة أخرى، سواء اعتبرت أسوار المدينة العثمانية عقبة أمام بناء مدينة يهودية جديدة، أم عقبة توحيد المدينة باسم “القدس الموحدة” أو حتى وسيلة لإحياء ذكرى الرواية الإسرائيلية لـ “فتح” المدينة القديمة، فقد  لعبت على  الدوام دوراً عاماً في الخطاب الإيديولوجي حول القدس اليهودية.

الشكل 14. بوابة صهيون ويظهر عليها آثار الرصاص. تصوير كاثرينا غالور.

واحتلت الفكرة القائلة باعتبار البقايا المادية للماضي، سواء كانت سليمة أو متضررة أو حتى مدمرة إلى حد كبير، تراثاً بشرياً مشتركاً وحمايتها من الاستغلال من قبل الدول القومية، مكانة ذات أهمية متزايدة في المناقشات الأكاديمية والعامة حول التراث الثقافي(10). وتبدو مهمة الحفاظ على الموروثات المادية وغير المادية للأمم أو الشعوب دون تعزيز الحماس الديني، أو دعم الخطاب الأيديولوجي، أو تأييد الأجندات الوطنية، مهمة معقدة وصعبة بشكل خاص لمدينة متنازع عليها مثل مدينة القدس.

الاتفاقيات والمبادئ التوجيهية والمواثيق الدولية

حُدد مفهوم حماية الممتلكات الثقافية من آثار الحرب لأول مرة في اتفاقيات لاهاي لعامي 1899 و1907 وفي معاهدة واشنطن للعام 1935(11). وبسبب زيادة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالممتلكات والمباني الثقافية خلال الحرب العالمية الثانية باتت الضرورة الملحة تتعلق في الحاجة إلى وضع مبادئ وإرشادات توجيهية وقوانين أكثر فعالية لحماية التراث الثقافي، لا سيما في المناطق التي عانت من أضرار جسيمة في زمن الحرب. وعبّرت ديباجة اتفاقية لاهاي للعام1954 عن هذه الضرورة حين استخدمت لأول مرة مفهوم التراث الإنساني المشترك، كمعنى مطابق للمقصود بـ الممتلكات الثقافية(12)، وأعقبها اتفاقية اليونيسكو في العام 1970 بعنوان” حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية”(13).

 ونصت اتفاقية التراث العالمي للعام 1972، بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي، على التزام الدول -أو الأطراف التي تعمل كدول- تقديم تقارير منتظمة إلى لجنة التراث العالمي بشأن الحفاظ على ممتلكات التراث العالمي الخاصة بها. وكانت هذه الاتفاقية واحدة من أنجح مساعي اليونسكو، وانعكس ذلك بتوقيع 167 دولة عليها. غطت معاهدات حماية التراث الثقافي في زمن السلم والحرب، وتخطت الحدود الوطنية للدول، ووضعت قواعد للتراث الطبيعي والثقافي. وكانت مهمتها الأساسية “تحديد التراث العالمي والحفاظ عليه من خلال وضع قائمة بالمواقع التي ينبغي الحفاظ على قيمها البارزة للبشرية جمعاء وضمان حمايتها من خلال تعاون أوثق بين الأمم”(14). وأعقب اتفاقية التراث العالمي للعام 1972 المصادقة، في العام 1995، على اتفاقية الممتلكات الثقافية المسروقة والمصدرة بطرق غير مشروعة التي أقرها المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص (UNIDROIT). وأخيراً حُررت اتفاقية اليونسكو للعام 2001 بخصوص حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه. وتتفق هذه المبادرات، مجتمعة، على تأكيد القناعة بعدم اعتبار  التراث الثقافي هبة محلية أو إثنية أو قومية محضة، بل، ينبغي النظر إليه، والتعامل معه، على أنه ملكية ثقافية للبشرية، وبالتالي ينبغي خدمته مسبقاً. ونشر المجلس الدولي للآثار والمواقع الأثرية (ICOMOS) وهو منظمة غير حكومية، ميثاقه الخاص بحماية وإدارة التراث الأثري، في العام 1990، عرض فيه بعض الإرشادات اللازمة لإدارة التراث الثقافي بتنوّعه وأشكاله كافة(15). ويمثل هذا إجماعاً توصل إليه الأكاديميون والمهنيون في مجال الحفاظ على الثقافة برغم عدم تمتع الميثاق بوضعية معاهدة دولية، كما ينص الميثاق صراحةً على أنه “يجب أن يستند التشريع إلى مفهوم التراث الأثري باعتباره تراثًا للبشرية ومجموعات الشعوب، ولا يقتصر على أي فرد أو أمة”(16). ولاشك أن جميع ما سبق له آثار معينة على مدينة القدس، ولكن، لا يبدو، في الحقيقة، لمثل هذه الإرشادات والاتفاقيات الدولية تأثيراً على واقع العمل الميداني الأثري والحفاظ عليه، وإن كان لها بعض التأثير على الخطاب الأكاديمي العام.

التراث الثقافي في القدس

عكس، مع مرور الوقت، تطور وتغير التصورات حول ما يشكل التراث الثقافي للقدس وتبنيها لوجهات نظر مختلفة وأحيانًا متعارضة، العديد من المجموعات الثقافية والإثنية والدينية والوطنية التي تدعي ملكية ماضي المدينة وحاضرها. وأُنشأ العديد من الهيئات الإدارية المحلية والدولية -سواء غير حكومية أو حكومية، تمثل مختلف الجماعات الدينية والعلمانية والسياسية وغير السياسية -لضمان الحفاظ على تراث المدينة. ويمكن تصنيف الكثير من التراث الثقافي في المدينة على أنه تراث ثقافي علماني(17)، على الرغم من أن بعض المعالم والمواقع الأكثر أهمية في القدس لها مكانة مقدسة، وهي سمة، أي القدسية، تزداد أهميتها بمرور الوقت. ولو وضعنا أماكن العبادة والأماكن المقدسة والآثار المقدسة والتحف المقدسة جانباً، فالمقصود بالجانب العلماني للمدينة هو المباني والأشياء والتقاليد -في كل من المجالين الخاص والعام للمدينة- التي ليس لها سمات دينية أو روحية، بما في ذلك المساكن والمنشآت الصناعية والأدوات والأسلحة أو مختلف التذكارات الأدبية والفنية، مثل الأغاني والقصائد الشعرية والصور.

ودفع التقدير المتزايد للآثار، خلال القرن التاسع عشر، السلطات العثمانية إلى صياغة المبادئ القانونية الأولى لحماية التراث الثقافي للمنطقة. وكرّس القانون العثماني للعام 1884 اعتبار جميع القطع الأثرية في الإمبراطورية تراثاً وطنياً، وحاول تنظيم الوصول العلمي إلى الآثار والمواقع من خلال تقديم تصاريح التنقيب. ولم يعد بالإمكان خروج القطع الأثرية من أراضي الإمبراطورية، وأصبحت، تلقائياً، ملكاً لـ المتحف الإمبراطوري (Müze-i Hümayun) في القسطنطينية، مما يدل على الشكل القانوني الأكثر رسوخاً للإمبريالية الثقافية(18). وظهر إطار أكثر صرامة على التنقيب وتصدير والآثار، في العام 1918، نتيجة ما يعرف بـ إعلان الآثار الانتدابي البريطاني British Mandate Antiquities Proclamation  الذي أيد أهمية التراث الثقافي للمنطقة. ومنح قانون الآثار، استناداً إلى قانون الآثار العثماني، ملكية التراث الثقافي المنقولة وغير المنقولة للحكومة المدنية في فلسطين، وهكذا صارت حماية التراث الثقافي في المنطقة ومراقبته تدار، لأول مرة، محلياً وليس من عاصمة إمبراطورية(19).

على الرغم من محافظة القدس الشرقية على أهميتها الدينية في ظل الحكم الهاشمي، إلا أنها توقفت مؤقتاً عن كونها عاصمة(20). بغض النظر عن استثمار الأردن في صورة القدس كنقطة جذب للحجاج والسياح المسيحيين والمسلمين، وعانت المدينة اقتصادياً بسبب فقدانها الوصول المباشر إلى الساحل ،وبالتالي، لم يكن ترميم الآثار القديمة ذات الأهمية التاريخية والدينية مصدر اهتمام رئيسي، بصرف النظر عن ترميم قبة الصخرة في الفترة من 1952 إلى 1964(21). وبعد هذه الفترة من الإغفال النسبي، عادت المدينة إلى واجهة الأحداث، حيث تعرضت لأضرار جسيمة خلال الصراع العسكري في العام 1967، وخاصة حارة اليهود في البلدة  القديمة. وترافقت السيطرة الإسرائيلية على المدينة مع تحوّلٍ جذري في تاريخ التنقيب عن الآثار والحفاظ عليها، فصار مجال التراث الثقافي ساحة معركة بين اليهود والعرب، بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ونُفذت مشاريع حفر وترميم ضخمة في القدس منذ إنشاء دولة إسرائيل. كانت البداية في القدس الغربية، منذ العام 1948 ، ثم في القدس الشرقية، مع التركيز على الحوض التاريخي، منذ العام 1967. وتعاملت أطر العمل الإدارية، على النحو المحدد في القانون الإسرائيلي الذي أقرته هيئة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية Israel Nature and Parks Authority (INPA) وهيئة الآثار الإسرائيلية (وقبل عام 1990 IDAM)، مع النشاط الأثري والحفاظ على التراث الثقافي في القدس الشرقية والغربية كوحدة واحدة، بما يخدم، بالتالي، المفهوم السياسي للمدينة الكبرى والموحدة. أمّا من وجهة نظر دولية، وهو ما يتوافق مع المنظور الفلسطيني، فقد اعتبرت جميع الأعمال الآثارية في القطاع المحتل من المدينة بعد العام 1967 غير قانونية. وتصدت إسرائيل للضغوط الدولية وإدانة مشاريع التنقيب الضخمة في المناطق المحتلة من المدينة من خلال تأطير هذه المشاريع كعمليات إنقاذ. ولعل أكثر ما يستحق مصطلح عمليات الإنقاذ هو عمليات الترميم الهاشمية لمختلف الأماكن المقدسة في الحرم الشريف، بما في ذلك منبر صلاح الدين، بعد إحراق المسجد الأقصى في العام 1969، وترميمات إضافية لقبة المسجد الأقصى بين عامي 1992 و1994. وحتى العام 1978، ظل قانون الآثار الصادر في العام 1928 مرجعاً قانونياً أساسياً للتراث الثقافي، من الناحية البنيوية، بالإضافة إلى معظم التشريعات العامة التي أقرت خلال فترة الانتداب، عندما استُبدل بقانون الآثار الإسرائيلي(22). وفرضت الحقائق الجديدة للنمو الحضري والعمراني السريع، بالإضافة إلى أنشطة التنقيب الضخمة طرح بنية محدثة للإشراف على التراث الأثري، رغم التبني الإسرائيلي للعديد من الإجراءات الشكلية التي تنظم العمل الميداني التي كانت سائدة في ظل الحكم البريطاني. وظهرت قواعد عمل جديدة تتعلق باكتشاف الآثار والتعامل معها علمياً وتجارياً.

ومن الجدير ذكره، في هذا الصدد، التضحية بمعظم اللقى الأثرية العديدة التي عثر عليها أثناء المسوحات والحفريات الإسرائيلية المتواصلة في القدس الغربية، لصالح مشاريع التنمية الحضرية(23) رغم حفظ بعضها في مواقعه الأصلية أو في متاحف قريبة. ولا تعد هذه الصعوبة في الحفاظ على جميع الآثار أو معظمها مفاجئة أو غير عادية بالنظر إلى النمو الحضري السريع والمذهل للمدينة، ويبدو أن تكلفة الحفاظ عليها كانت باهظة وغير واقعية. وفي المقابل، تم التعامل مع مسألة الحفاظ على البقايا الأثرية في القدس الشرقية، وتحديداً في الحوض التاريخي، بشكل مختلف، وكانت الحكومة الإسرائيلية أكثر سخاءً في تخصيص الأموال البلدية والوطنية لعرض وحفظ الآثار(24). وأنشأت العديد من المتاحف والمتنزهات التي كانت تتوسع فوق وتحت سطح الأرض.

الإدارة الإسرائيلية

استندت السياسات الحكومية المتعلقة بمسائل التراث الثقافي، منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، إلى مفهومين تشريعيين: قانون حماية الأماكن المقدسة للعام 1967 وقانون الآثار للعام 1978. ويضمن القانون الأول، بموجب المادة 1، حماية الأماكن المقدسة “من التدنيس وأي انتهاك آخر وكل ما من شأنه أن ينتهك حرية وصول أفراد الديانات المختلفة إلى الأماكن المقدسة لهم أو لديهم مشاعرهم تجاه تلك الأماكن” واعترفت إسرائيل رسمياً بالوضع العثماني الراهن للأماكن المقدسة المسيحية وأجرت بعض التعديلات الطفيفة، فقط، على ترتيب الوضع الراهن الإلزامي فيما يتعلق بجبل الهيكل/ الحرم الشريف(25). أقرّ مرسوم الأماكن المقدسة في فلسطين لسنة، 1924 في عهد الانتداب البريطاني، بوجوب استبعاد جميع القضايا المتعلقة بالمصلين وأعضاء الطوائف الدينية والأماكن المقدسة من المحاكم المدنية، وبالتالي يمكن للمفوض السامي البريطاني أن ينقضها(26). وبعد السيطرة الإسرائيلية، في العام 1967، أحيل قانون حماية الأماكن المقدسة إلى وزير الشؤون الدينية الإسرائيلي، ولكن بعد حلّ وزارة الشؤون الدينية في العام 2004، أصبحت سلطة القرارات المتعلقة بالأماكن المقدسة في يد رئيس الوزراء(27). واستبعدت القضايا المتعلقة بالتراث الثقافي تدريجياً عن الأطر القانونية وصار التعامل معها بيد السلطات السياسية على نحو متزايد.

يلعب قانون الآثار لعام 1978 أيضاً دوراً رئيسياً في تحديد وحماية التراث الثقافي في إسرائيل. استناداً إلى الحكم الإلزامي لحماية الآثار الأصلية والمحافظة عليها -المعرَّفة بأنها “أي شيء صنعه الإنسان قبل العام 1700 م، أو أي بقايا حيوانية أو نباتية تعود لما قبل العام 1300 م” -وينص قانون الآثار على ملكية الدولة للمواقع الأثرية والآثار والتحف. ومن ثم، يمنح القانون لهيئة الآثار، كمؤسسة حكومية، سلطة التنقيب عن الاكتشافات الأثرية وحفظها ودراستها ونشرها. وتشمل هذه المسؤولية قرارات السياسة العامة الرئيسية المتعلقة بالتنمية والتخطيط العمراني حول مواقع التراث(28). ومن بين الجوانب الأكثر إشكالية لهذا القانون عدم توفيره الحماية القانونية للآثار التي تعود إلى ما بعد العام 1700 م، وبالتالي ترك ثلاثة قرون من التراث دون حماية(29). ولم يتم توثيق هذا التاريخ الحديث إلا مؤخراً. واحتفظت العديد من الحفريات الواسعة التي أجريت مباشرة بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، بتركيزها الأساسي على بقايا ما يسمى بفترتي الهيكل الأول والثاني، بما في ذلك تلك الموجودة في سلوان (حفريات مدينة داود) وفي الحي اليهودي وحول الزاوية الجنوبية الغربية للحرم الشريف (الحفريات الجنوبية في جبل الهيكل)(30). من ناحية أخرى، كانت الحفريات التي أجريت منذ منتصف التسعينيات تقريباً، أكثر دقة في كشف وتسجيل جميع طبقات البناء والودائع بشكل متساوٍ، وبالتالي تحقيق العدالة للمسؤول فئة العمل المنقذ. ومن الأمثلة على ذلك المبادرات الأخيرة التي نفذت في أنفاق الحائط الغربي وبالقرب من البوابة الجديدة، والتي تظهر أدلة على دمار حربي 1948 و 1967(31). ومع ذلك، لا تعكس ممارسات الحفظ والعرض هذا التطور المهني؛ فاستمرت الحفريات على العمل لإبراز الثقافة المادية وثيقة الصلة بالأصل اليهودي للمدينة. ويظهر بيان مهمة هيئة الآثار كيف يتم استثمار جهود  كبيرة في الحفاظ على الآثار وعرضها. يهدف قسم الحفظ ( مينهال شيمور\מינהל שימור) إلى حماية الأصول الثقافية والتراث العمراني في إسرائيل “من وجهة نظر وطنية”. ووفقاً للتعريف الرسمي “هذا التراث” ،”عبارة عن فسيفساء من الثقافات التي كانت موجودة في المنطقة منذ فجر الإنسانية حتى الوقت الحاضر”(32). وتقع السلطة النهائية للحفاظ على المواقع أو تدميرها في أيدي مدير هيئة الآثار- بشكل عام ويتطلب موافقة اللجنة الوزارية للأماكن المقدسة(33) Ministerial Com­mittee for Holy Places. بمعنى آخر، يحتفظ الإطار الإداري الحالي بصلاحية تحديد جوانب التراث التي يجب إبرازها لهيئة حكومية، حيث يلعب الصوت الأثري المحترف دوراً هامشياً ليس إلّا. وظهر لوبي في الكنيست يهتم بالآثار في العام 1996، من أجل التأكيد وإضفاء الطابع الرسمي على الارتباط الحكومي بجميع الأنشطة الأثرية في البلاد، وينظر إلى نشاط هذا اللوبي كأحد الروافد التي تساعد هيئة الآثار على إنجاز مهامها. ويعتمد عمل اللوبي على وجهة النظر القائلة بأن المواقع الأثرية والتحف تشكّل التراث الثقافي لإسرائيل. ومن الناحية النظرية، يتبنى اللوبي التسامح تجاه أعضاء جميع المجموعات الدينية والثقافية، لكنه يحتفظ، على صعيد الممارسة العملية، بالتحكم واتخاذ القرارات المطلقة المتعلقة بحماية التراث الثقافي والحفاظ عليه باسم ومصلحة الدولة اليهودية، التي تعطي الأولوية للمواطنين اليهود وديانتهم وتقاليدهم وجذورهم الثقافية.

الجهود الفلسطينية

نظراً لعدم وجود بلدية رسمية يسيطر عليها الفلسطينيون في القدس، فقد تبنت هيئات إدارية مستقلة مختلفة وظائف اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية تلبي احتياجات وعادات السكان المحليين غير اليهود(34). واشتملت جهود “الوقف” في خدمة المجتمع الإسلامي الفلسطيني في الحفاظ على التراث الثقافي. وتابعت مؤسسة الرعاية الفلسطينية [تعاون] هذا العمل، بدءً من [تأسيسها في] العام 1983، المكرس للتراث الثقافي لكل من السكان المسيحيين والمسلمين. أدى تقليص سلطة القيادة الإسلامية للمدينة بشكل كبير، في أعقاب الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، إلى وضع معقد للغاية فيما يتعلق بإدارة المواقع التي كانت تخضع سابقاً للملكية الإسلامية، والأهم من ذلك، في الحفاظ على آثار المدينة التي لها أهمية مقدسة بالنسبة المسلمون، محلياً وإقليمياً ودولياً(35). وساهم الصراع على السلطة، الذي لم يتم حله بين الأردن وإسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، إلى البروز المتزايد والدور المتنامي للحركة الإسلامية في إسرائيل في الحفاظ على التراث الثقافي(36). وتعود بدايات ظهور مؤسسات الوقف الإسلامي في القدس إلى منتصف القرن السابع. لم تبدأ هذه المؤسسات في لعب دور مهم في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية لمدينة القدس إلا في العصر الأيوبي. ومنذ العام 1967 -وهو الوقت الذي دمجت فيه مؤسسة وقف القدس في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف الأردنية المنشأة حديثاً -وهو معروف في الغالب بالسيطرة على المباني الإسلامية في الحرم وإدارتها، لكن ممتلكاتهم تشمل حوالي نصف المدينة القديمة، وبالتالي، فهي تحدد معظم المشهد العمراني والإطار المعماري(37). مارست إدارة الأوقاف، منذ زمن الحكم البريطاني، جهوداً معتبرة للحفاظ على الطابع العربي والإسلامي للمدينة. وكما ذكرنا سابقاً، بدأت العديد من مشاريع البناء في عهد الحاكم الأيوبي صلاح الدين، وطرأت زيادة كبيرة أخرى خلال الفترة المملوكية(38). وشكّل وقف أبو مدين أحد أهم الأصول في المدينة ويشمل معظم حي المغاربة الذي تأسس في العام 1320 م. ودمّر أثناء بناء حائط المبكى في العام 1967. أصبحت إدارة الوقف في القدس مسؤولة أمام وزارة الأوقاف في عمان، منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، ويشرف المدير العام في القدس على أقسامها المتعددة التي تشمل الآثار الإسلامية والهندسة والصيانة، ومشروع ترميم المسجد الأقصى، وشؤون الحج. وسلّمت إسرائيل، في العام 1967، إدارة وصيانة منصة الحرم وجميع المباني المرتبطة بها إلى الوقف، على الرغم من عدم اعترافها قانونياً بإدارة الوقف -مثلما ترفض إدارة الوقف الاختصاص [القانوني] الإسرائيلي-(39) . ولكن هذا لم يمنع أن يكون هناك تواصلاً غير رسمياً بين الطرفين على المستوى الفردي، لاسيما قبل الانتفاضة الثانية في أيلول\سبتمبر2000 . لكن هذا التعاون كان، منذ البداية، ضئيلاً فيما يتعلق بالأمور المتعلقة بالمحافظة على الممتلكات الثقافية(40). وكانت معظم مشاريع الترميم، التي نُفّذت تحت رعاية وقف القدس، تتعلق بالبنى المحلية، ضمن برنامج عمل شمل معظم الأماكن من قبل قسم الآثار أو وزارة الإسكان(41). وأحد مشاريع إدارة الوقف كان مشروع ترميم المسجد الأقصى، الذي نال في العام 1986 جائزة الآغا خان للعمارة الإسلامية. وتركّز على أعمال الزخارف المطلية التي تعود إلى القرن الرابع عشر للديكور الداخلي للقبة، باستخدام تقنية trateggio، وهي طريقة تستخدم فيها الخطوط العمودية الدقيقة لتمييز المناطق المعاد تشكيلها عن المناطق الأصلية.

تأسست في العام 1983 مؤسسة التعاون لدعم التنمية الفلسطينية في المنطقة. وهي منظمة فلسطينية غير حكومية، مقرها في جنيف، وتموّل وتنفّذ مشاريع ترميم في المدينة القديمة عن طريق فرعها التقني المعروف باسم المركز الاستشاري للتنمية (CDC) Center for Development Consultancy. وأطلقت المؤسسة في العام 1995، بالتعاون مع الوقف الإسلامي واليونسكو، برنامج إحياء مدينة القدس القديمة (OCJRP) Old City of Jerusalem Revitalization Program الطموح والمكرّس للحفاظ على المعالم التاريخية وخلق نوعية حياة أفضل للسكان. كما يهدف المشروع، بالإضافة إلى ترميم الآثار القديمة، إلى توفير فرص التدريب والتعليم للسكان المحليين، وزيادة الوعي العام بقيمة المباني التاريخية. ودعَم البرنامج، حتى الآن، أكثر من 160 مشروعاً، بما في ذلك هياكل المنازل -سواء كانت منازل فردية، من طابقين أو ثلاثة طوابق تضم أسرة واحدة أو اثنتين، أو مجمّعات سكنية تقليدية (حوش) تضم عدة وحدات مبنية حول فناء مركزي، يسكنها ما يصل إلى عشر عائلات. وبقية الأعمال الإضافية الأخرى كانت موجهة لترميم المباني العامة، العلمانية والدينية على حد سواء، بما في ذلك بيوت الضيافة والمدارس الدينية والكنائس والمساجد. وأحد المعالم العامة النموذجية هو مجمع دار الأيتام الإسلامية، الحائز أيضاً على جائزة الآغا خان للعمارة الإسلامية، والذي رُمّم بين عامي 1999 و2004. ويتكون المجمع من خمسة مبانٍ تعود للعصور المملوكية والعثمانية، يعود أقدمها إلى العام 1388. ويتعلق مشروع آخر، من برنامج إحياء مدينة القدس القديمة، بمبنى تكية الأميرة (خاصكي سلطان) ودار الست طنشق [المظفرية]، والتي تم دمجها في 1921-1922 وتحويلها إلى دار للأيتام. تخدم هذه المباني إلى جانب العديد من المباني الأخرى مجموعة متنوعة من الأغراض التعليمية. ومن الواضح أن المساهمة الفلسطينية في الحفاظ على التراث الثقافي في القدس تبدو مهمة صعبة. على عكس عمل البعثة الإسرائيلية، التي تسيطر عليها الحكومة وتديرها، بكفاءة، من خلال شبكة منظمة وموحدة. ولا تزال الجهود الفلسطينية مبعثرة نسبياً. علماً أن السلطات الإدارية المتنافسة، (الأردن، إسرائيل، منظمة التحرير الفلسطينية، ومؤخراً الحركة الإسلامية في إسرائيل)، تعيق عمليات الحفاظ على الحرم، وهو أهم أثر إسلامي تاريخي وديني في المدينة. ولا يوجد برنامج موحد للحفاظ على الأصول الثقافية في القدس الشرقية، على الرغم من إحراز تقدم كبير في السنوات الأخيرة. كما أن وجود سلطات إدارية منفصلة متعلقة للتراث الإسلامي والمسيحي للمدينة يفسر، جزئياً على الأقل، غياب برنامج متماسك وإدارة مركزية. وطغت، أخيراً، المشاكل والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإنسانية على الاهتمام العام، المحلي منه والدولي على حد سواء، بالتراث الثقافي، حيث اعتبرت تلك المشاكل تحمل أولويات أعلى بين معظم الجهات التي تقدم الدعم المالي واللوجستي.

مبادرات اليونسكو

يغطي تعريف اليونسكو وتقديرها للتراث الثقافي للقدس نطاقاً زمنياً وموضوعياً واسعاً لإرث المدينة. وبعيداً عن التركيز الرئيسي لسلطة الآثار الإسرائيلية على “التراث الحفري والأثري والمعماري” للمدينة، ينصب اهتمام اليونسكو الرئيسي على السمات “المادية وغير المادية” لثقافات المدينة في الماضي والحاضر. وهي تكمّل أنشطة سلطة الآثار الإسرائيلية وتستثمر، في الواقع، بشكل أساسي في تلك المجالات ذات الأولوية المنخفضة للمؤسسات الحكومية الإسرائيلية. وكانت اليونيسكو قد أصدرت في وقت مبكر من العام 1968، بعد فترة وجيزة من استيلاء إسرائيل على القدس الشرقية، أول إدانتها للنشاط الأثري الإسرائيلي في البلدة القديمة، تعرب فيه عن اعتراضها على أيّة محاولة لتغيير “سماتها أو طابعها الثقافي والتاريخي، لا سيما فيما يتعلق بالمواقع الدينية المسيحية والإسلامية”(42). ومع هذا، لم يتم اعتماد نظام محدد يمكّن الدول الأعضاء من ترشيح مواقع لإدراجها في قائمة التراث العالمي (WHL) حتى التوقيع على اتفاقية اليونسكو للتراث العالمي في العام 1972. ووضعت هذه الطريقة لحماية وإدارة مواقع التراث الطبيعي والثقافي التي تعتبر ذات قيمة عالمية استثنائية. وأعلنت مدينة القدس القديمة كموقع تراث عالمي (WHS) في العام 1981، بمبادرة من الأردن، وأدرجت في العام التالي في قائمة التراث العالمي المعرضة للخطر(43) . تكمن أهمية إدراج المدينة القديمة في كلا الحالتين في أن هذا الإعلان يقدّم دعماً مبدئياً لاعتبار تراث مدينة القدس ملكاً للجميع, ويتطلب، بالتالي، حمايته من قبل المجتمع الدولي. وعُيّن أول ممثل رسمي لليونيسكو  في المدينة في العام 1973، وكان مكلفاً بالإبلاغ عن تطور النسيج العمراني للمدينة. وكانت العلاقات بين إسرائيل واليونيسكو وديّة نسبياً في عقد السبعينيات، والتي تزامنت زمنياً وإلى حد ما إيديولوجياً مع فترة عمل البروفيسور ريموند لومير كمدير عام لممثل اليونيسكو الخاص في القدس بين عامي 1971 و1974(44). وعلى الرغم من دعم اليونيسكو أنشطة إسرائيل للحفاظ على المدينة القديمة، إلّا أنها انتقدت، منذ البداية، في العديد من المرات، الحفريات في الزاوية الجنوبية الغربية للحرم الشريف (الحفريات الجنوبية لجبل الهيكل)، والتي كان ينظر لها كحفريات غير قانونية وفقاً للرأي الدولي(45).  كما شكّكت في مشروع النفق شمال القدس. Western Wall Plaza (حفر أنفاق الحائط الغربي)، سواء من حيث رسالته الإيديولوجية أو الأساليب العلمية المستخدمة، بالإضافة إلى التعبير عن قلقها من الحالة المزرية للتراث الإسلامي في القدس، وأنشأت في العام 1987، حساباً خاصاً لحفظ التراث الثقافي للمدينة، مع التركيز، بشكل خاص، على الآثار الإسلامية(46). وأدى هذا الجهد إلى تعاون ثلاثي بين اليونسكو، والأوقاف الإسلامية، ومؤسسة التعاون، الذي تحوّل إلى تعاون رسمي  في العام 1997. وأتاحت هذه الشراكة تنفيذ برامج ترميم وتجديد مختلفة لتشجيع وزيادة الإقامة الدائمة للمسلمين الفلسطينيين في البلدة القديمة، بصورة أساسيّة(47). وتضمنت هذه الجهود، أيضاً، مسح ورسم خرائط للمباني التاريخية، وأعمال ترميم لقبة الصخرة والمسجد الأقصى، إلى جانب برامج تدريبية في طرق الحفظ والصيانة، وأخيراً برامج التواصل الاجتماعي المختلفة لدعم المجتمع المحلي.

دفعت التوترات السياسية المتصاعدة في المنطقة، خلال الانتفاضة الثانية والاشتباكات شبه اليومية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في القدس، اليونسكو إلى إرسال وفد خاص إلى المدينة لإعادة تقويم حالة الحفظ مرة أخرى. وأسفر التفتيش عن خطة عمل لحفظ التراث الثقافي للمدينة القديمة، إلى جانب الاعتراف الرسمي بأن التراث الثقافي للقدس لا يشمل مواقع التراث العالمي WHS فقط، بل  يشمل، أيضاً، مجموعات المتاحف والأرشيفات، فضلاً عن التراث غير المادي للمدينة. والقيم الروحانية. وبدأت المرحلة الأولى من الخطة، التي تتكون من قاعدة بيانات موحدة تضم جميع موارد التراث في القدس، في كانون الثاني\يناير 2005 وتم الانتهاء منها منذ ذلك الحين. وأعلن عن انطلاق المرحلة الثانية في العام 2008، وهي المرحلة المصمّمة لدعم برنامج التدريب المهني لتدريب الحرفيين المحليين، الذي يستهدف في الغالب سكان القدس. وتشمل خطة العمل، من الناحية الهيكلية، على عدة مشاريع لترميم الآثار القديمة والشوارع والأماكن المفتوحة. وجددت، في هذا السياق، العديد من المباني السكنية والتجارية بهدف مزدوج هو الحفاظ على المشهد الحضري الفريد للمدينة وتحسين جودة المعيشة لسكانها. ومن الأمثلة الجديرة بالملاحظة إعادة تأهيل واجهات مجمع الساحة، ومشروع ترميم كنيسة القديس يوحنا المعمدان [المعروفة باسم كنيسة القديس يوحنا الرائد St. John Prodromos]، وإنشاء مركز لترميم المخطوطات الإسلامية الموجود بالمدرسة الأشرفية، وأخيراً صيانة وتجديد وتنشيط المتحف الإسلامي بالحرم الشريف ومجموعته. توفر معظم هذه الجهود فرص التعليم والتدريب للسكان المحليين. على الرغم من الجهود التعاونية العديدة بين اليونسكو والمنظمات الفلسطينية على مر السنين، لم يُمنح الفلسطينيون العضوية الكاملة في اليونسكو حتى تشرين الأول\ أكتوبر 2011(48). امتازت محاولات اليونيسكو للتأثير على المبادرات الإسرائيلية بتواضعها في معظم المبادرات الاستباقية التي تعود بالفائدة، بصورة أساسية، على المجتمع الفلسطيني في القدس. ففشلت، على سبيل المثال، الجهود المبذولة لوقف الحفريات في مدينة داوود وباب المغاربة أو الإنشاءات المخطط لها لمركز كيديم קדם צנטר في سلوان ومبنى بيت هاليبا בבית הליבה בילדינג  المقابل لحائط المبكى. وغالباً ما يُنظر إلى أنشطة اليونيسكو على أنها متحيزة، على الصعيدين المحلي والدولي بعكس ادعاءاتها، بأنها وكالة غير سياسية وتعمل للحفاظ على التراث الثقافي للبشرية جمعاء. ومن أبرز أعراض صعوبة الحفاظ على موقف محايد، مذكرة التفاهم الأخيرة حول التعاون بين اليونسكو وإسرائيل، وهي وثيقة تقرّ وتعترف بالتزامات الشراكة والتراث القائمة، الموقعة في العام 2008. وتمثل هذه الاتفاقية، بالنسبة للإسرائيليين، اعترافاً رسمياً لدورهم في القدس، في حين ينظر لها الفلسطينيون بأنها تعبر عن تمسك اليونسكو بعملية التطبيع السياسي، وإضفاء الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي للمدينة. بدأت المناقشات والاجتماعات الرسمية وغير الرسمية بين ممثلي اليونسكو والمسؤولين الإسرائيليين بشأن إمكانية توسيع المنطقة المدرجة في قائمة التراث العالمي WHL في نفس الوقت تقريباً، واقترح الإسرائيليون دمج جبل صهيون [جبل النبي داود] ومواقع أخرى خارج أسوار المدينة في المنطقة المحمية رسمياً(49).

وعلى الرغم من هذه المحاولات المنفردة للتعاون بين إسرائيل واليونيسكو، لا سيما فيما يتعلق بجهود الاتصال الشفوي أو الكتابي، تدهورت العلاقات بينهما بشكل أكبر على مدار العقدين الماضيين(50). وأظهر مؤشر صعوبة العلاقة في قدرة اليونسكو على اختيار الممثلين المقبولين لدى السلطات الإسرائيلية والتعيينات المتكررة قصيرة الأجل(51). بضاف إلى هذا انتقاد ليونيسكو الدائم والقاسِ للنشاط الأثري الإسرائيلي -إلى جانب دعمها الصريح للآثار الإسلامية، وإلى حد ما، للآثار المسيحية. يعتبر المجتمع الإسرائيلي، عموماً، أن دعم اليونيسكو للتراث الثقافي الفلسطيني والمجتمع الفلسطيني الحي دليلاً على وجود أجندة مؤيدة للفلسطينيين ومعادية لإسرائيل. وليس هناك شك في أن دور اليونسكو، كوسيط مستقل وحارس عالمي للتراث العالمي المهدد، قد تعرض للخطر بسبب المناخ الاجتماعي والسياسي الصعب في القدس(52).  وينظر البعض إلى عجز اليونيسكو وعدم قدرتها على حماية التراث الثقافي للقدس، هو، في الواقع، أكثر وضوحاً من فعاليتها في الحفاظ على إرث المدينة المادي وغير المادي(53).

وكالات أخرى

تشمل المؤسسات المحلية الإضافية المخصصة للتراث الثقافي للمدينة: مؤسسة إلعاد Elad ومؤسسة تراث الحائط الغربي Western Wall Heritage Foundation، وتشارك كلتا المؤسستين، بنشاط، في التنقيب وعرض الاكتشافات الأثرية(54). وتتركز أنشطتهما حصرياً على السردية اليهودية (باستثناء التراث المسيحي والإسلامي) للمدينة القديمة، وغالباً ما تواجه مبادرات هاتين المؤسستين انتقادات دولية. وعلى الصعيد المحلي، تتصدى منظمة عمق شبيه עמק שווה لأنشطة إلعاد ومؤسسة تراث الحائط الغربي. وعمق شبيه، منظمة تضم مجموعة من علماء الآثار الإسرائيليين ونشطاء المجتمع الذي يشددون على “دور علم الآثار في المجتمع الإسرائيلي وفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. ويعتقدون، من وجهة نظرهم، إن “الثروة الثقافية للمواقع الأثرية، جزء لا يتجزأ من الأصول الثقافية للبلد وهي ملكية مشتركة لجميع المجتمعات والشعوب والجماعات الدينية التي تعيش هنا”(55). ومعظم مبادرات عمق شبيه مكرسة لمدينة القدس، بما في ذلك المحاضرات والجولات والمنشورات. كما يوجد منظمة محلية أخرى، سبق ذكرها، وهي الحركة الإسلامية في إسرائيل، والتي تعمل على الحفاظ على التراث الإسلامي للمدينة. ويبدو أن برنامج التراث الثقافي الذي تتبناه الحركة الإسلامية في إسرائيل يتمحور حول أجندة أيديولوجية وسياسية واضحة، على غرار الطريقة التي يتشابك بها التراث الثقافي والأيديولوجيا والسياسة بالنسبة للعديد من المنظمات التي نوقشت سابقاً(56). ويمكن أن  نتطرق في الحديث عن منظمة دولية معنية بالتراث الثقافي للقدس، وهي التحالف من أجل استعادة التراث الثقافي في القدس ( آرتشARCH) Alliance to Restore Cultural Heritage in Jerusalem ، التي تأسست في العام 2010 في جنيف، سويسرا. ويتركز نشاطها البحثي على الجوانب المادية وغير المادية للتراث الثقافي للمدينة، كما هو منصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة(57). تشمل اهتمامات (آرتش ARCH): “علم الآثار والعمارة والآثار والمواقع المقدسة والآثار التاريخية والمخطوطات والمناظر الطبيعية ذات الأهمية الثقافية”، بالإضافة إلى الجوانب غير المادية للتراث الثقافي، مثل “اللغة واللهجات، والتاريخ الشفهي، والطقوس والاحتفالات التقليدية للاحتفال، والحرف اليدوية، والفولكلور، والموسيقى، والرقص، وغير ذلك من الفنون الأصلية”(58).

تراث ما تحت الأرض وما فوقها

تشترك العديد من المجتمعات والأمم والمنظمات المتعددة في الطموح للحفاظ على التراث الثقافي للمدينة، وهناك العديد من المؤسسات والهيئات والمنظمات التي تتعامل مع الجوانب المختلفة الأخرى للتراث الثقافي للمدينة، سواء جزئياً أو كلياً، بعكس احتكار إسرائيل المفروض على الحفريات في القدس، والتي تدار من خلال الوكالات الحكومية التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية (أو دائرة الآثارIDAM قبل العام 1990) وإدارة الطبيعة والمتنزهات INPA. فيعمل الوقف [الإسلامي] نيابة عن السكان المسلمين، وتعمل مؤسسة التعاون لصالح المجتمع الفلسطيني بشكل عام. وتكمّل اليونيسكو، باعتبارها تمثل المجتمع الدولي، جهود ومبادرات تلك المنظمات المحلية الكبرى. وعلى الرغم من الادعاء الشائع بأن هذه المبادرات ليست ذات دوافع سياسية، فقد ثبت أنه من الصعب، بل من المستحيل المناورة، دون التورط في الأجندات السياسية والأيديولوجية المتنوعة للمجموعات والمؤسسات المختلفة المتورطة في بناء سرديات القدس الأصلية والحفاظ على التراث الثقافي للمدينة.

يتمثل تركيز النشاط الإسرائيلي الذي يساهم في الحفاظ على التراث الثقافي للمدينة في أعمال التنقيب الواسعة النطاق (أو يشكل متسق لمشاريع القدس الشرقية)، والتي تعرّفها إسرائيل، أو معظمها على أنها أعمال إنقاذ مكرسة للكشف عن البقايا المادية التي يمكن ربطها بما يقرب من ستمائة عام من تعطيل السيادة الإسرائيلية ومن ثم السيادة اليهودية لاحقاً في المدينة. ونظراً للمحدودية المتزايدة للأراضي المفتوحة فوق الأرض، على مدار العقدين الماضيين، تقوم العديد من الإجراءات تحت الأرض، مما يؤدي إلى إنشاء شبكة معقدة من الأنفاق والمساحات التي لا تخدم فقط كمساحة عمل للعديد من علماء الآثار والموظفين والعمال، ولكنها تلعب دوراً كواجهة سريعة النمو لاستقبال الزوار المحليين والسياح الدوليين. وتمت الإشارة بصورة متكررة وصريحة إلى تكريس رابط ملموس بين الماضي اليهودي للمدينة والعودة الصهيونية إلى الأراضي المقدسة. وأتاح هذا الارتباط المادي والإيديولوجي تبريراً ملموساً لمصادرة الأراضي، لا سيما في مجال السياسة الإسرائيلية لمشروع القدس الموحدة، وتشديد قيود البناء على السكان الفلسطينيين، وتطوير علم الآثار، والسياحة، ومبادرات البناء اليهودي في القدس الشرقية(59).

يتكرس النشاط الفلسطيني الداعم للتراث الثقافي للمدينة في الحفاظ على الحرم والعديد من المعالم الأثرية في الأحياء المسيحية والإسلامية في البلدة القديمة. ويتركز المحور الزمني بما مجموعه 1300 عام تقرباً من الحكم الإسلامي غير المنقطع ، بما في ذلك قبة الصخرة الأموية بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الكنائس والمساجد والمباني المحلية من العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، والتي لا تزال تحدد إلى حد كبير الشخصية الحالية للمدينة القديمة. والهدف الرئيسي من هذا النشاط هو حماية المجتمع الحي، وزيادة الوعي بالتراث الثقافي الفلسطيني، وتحسين ظروف السكن، وتثقيف وتدريب السكان المحليين على تقنيات الحفظ والمحافظة(60). بينما يمكن اعتبار النشاط الأثري الإسرائيلي في القدس الشرقية المكرس في الغالب لكشف الطبقات المخفية عن طريق الحفر وإنشاء مستويات تحت الأرض، ليس سوى محاولة موضع شك للتعويض والتغلب على التراث المبني المكشوف، والذي غالباً ما يكون ذا أبعاد ضخمة ومسيحياً وإسلامياً في طبيعته في أغلب الحالات. ويبدو أن حماية التراث الثقافي للمدينة في غاية الصعوبة نظراً لغياب قرار سياسي وإجماع دولي بشأن وضع القدس، فضلاً عن عدم وجود تنسيق واتفاق بين مختلف الجهات المسؤولة أو المدافعة عن التراث الثقافي للمدينة، لتنفيذ خطة شاملة للقدس. علماً أن هناك اهتمام متزايد بقضايا التراث الثقافي في القدس، وتوافر العديد من المبادئ والمفاهيم القانونية المصممة بعناية والتي تنظم إجراءات التنقيب والعرض، وفضلاً عن أعداد كثيرة من الجمعيات والمؤسسات المكرسة لهذه المبادرات، ولكن هذه العوامل تعرقلها المصالح المتعارضة للاعبين الرئيسيين. إن الجهود المبذولة للحفاظ على التراث الفلسطيني للمدينة مبعثرة للأسف، ونتيجة لذلك فهي غير فعّالة إلى حد كبير. وبطريقة مناقضة، تظهر جهود التدخلات الإسرائيلية للحفاظ على الإرث الإسرائيلي وبنائه منسقة ومركزة وقوية على نحو مطّرد.

هوامش الفصل الثالث

ا- بعد أيام قليلة، غير هرتزل رأيه. واقترح بناء مدينة علمانية جديدة خارج الأسوار وترك الأضرحة المقدسة في جيب خاص. لقد كان تعبيراً مثالياً عن المثل الأعلى العلماني: يجب حصر الدين في مجال منفصل، حيث سيصبح عاجلاً، عبارة قطعة في المتحف، T. Herzl, The Complete Diaries of Theodor Herzl, ed. R. Patai, 2 vols. (London and New York: Herzl Press with Thomas Yoseloff, 1960), 745.. وبعد عقدين من هرتزل، قدم عالم الآثار البريطاني، و. م. فليندرز بتري اقتراحاً مشابهاً بهدم جزء كبير من المدينة القديمة وإزالة بقايا العصور الوسطى واستعادة طبقات السكن اليهودية، Palestine Exploration Quarterly Statement 5, 1919, 3. See also S. Gibson, “British Archaeological Work in Jerusalem between 1865 and 1967: An Assess­ment,” in Galor and Avni, Unearthing Jerusalem, 48.

2- انظر، Benvenisti, City of Stone, 136.

3- كان هناك حتى مطلع القرن العشرين حولي خمسين كنيساً ومعبداً يهودياً في حارة اليهود. المثير للدهشة أنه بحلول العام 1975، تم تجديد أربعة مباني فقط من المباني المدمرة كلياً أو جزئياً. وأشار كل من سلاي وكارك وشوفال  Slae, Kark, and Shoval في In “Post-War Reconstruction and Conservation,” (382), إلى أنه بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، كان يُنظر إلى قيمة التراث المرتبط بالمؤسسات الدينية على أنه شأن عفا عليه الزمن

4- انظر، M. Dumper, The Politics of Sacred Space: The Old City of Jerusalem in the Middle East Conflict (Boulder, CO: Lynne Rienner, 2002), 175; and N. al-Jubeh, “Bab al-Magharibah.”

5- يوثق ريكا، فيما يتعلق بإعادة اختراع القدس، عملية إعادة الإعمار ويشرح التداعيات، المحلية والدولية، الثقافية والإيديولوجية، ويقارن إعادة إعمار الحي اليهودي بمبادرات ترميم حضرية معاصرة وبخلص إلى أنه لو اتبعت معايير دولية واستشارات لخبراء أجانب لكان من الممكن مدى الدمار الواسع، وفقاً لسلاي وكارك وشوفال ،اعتبر مائة مبنى ( الثلث) من المباني القديمة في الحي مناسب للترميم (“Post-War Reconstruction and Con­servation,” 377).

6- انظر، See M. Inbari, Jewish Fundamentalism and the Temple Mount: Who Will Build the Third Temple? (Albany: State University of New York Press, 2009), 17–30.  بعض من يدافع عن عودة المجمع دون بناء معبد.

7- يقارن م. دومير وسي. لاركن حالة التراث الثقافي في القدس بالمدن الأخرى ذات التكوين السياسي والديني المعقّد، مثل فاس وحلب وموستار وكوسوفو. راجع،“The Role of UNESCO in Jerusalem’s Old City,” Jerusalem Quarterly 39 (2009): 16–28.

8- هذا الاقتباس (والاقتباسات الأخرى في بقية هذه الفقرة) مأخوذ من “The Conservation of Jerusalem’s City Walls,” on the IAA website, www.antiquities.org.il/jerusa­lemwalls/default-eng.asp.

9- انظر، www.iaa-conservation.org.il/article_Item_eng.asp?subject_id=42&id=118.

10- الأدبيات عديدة وواسعة. لحصول على بعض المنشورات المختارة الحديثة، انظر، T. Webb, “Ap­propriating the Stones: The ‘Elgin Marbles’ an English National Taste,” in Barkan and Bush, Claiming the Stones, 51–96. C. C. Coggins, “Latin America, Native America, and the Poli­tics of Culture,” in Barkan and Bush, Claiming the Stones, 97–115; L. Smith, Archaeological Theory and the Politics of Cultural Heritage (London: Routledge, 2004); and N. Moore and Y. Whelan, Heritage, Memory and the Politics of Identity. New Perspectives on the Cultural Landscape (Aldershot, England: Ashgate, 2008).

11- انظر، J. B. Scott, The Hague Conventions and Declarations of 1899 and 1907 (New York: Ox­ford University Press, 1918). للحصول على إعادة تقويم حديثة للاتفاقيات  W. C. Banks, New Battlefields/Old Laws: Critical Debates on Asymmetric Warfare (New York: Columbia University Press, 2011).

12- انظر، K. Jote, International Legal Protection of Cultural Heritage (Stockholm: Jurisförlaget, 1994), 19; and Ricca, Reinventing Jerusalem, 129.

13- كان هذا أول إطار قانوني دولي لمكافحة الاتجار غير المشروع للممتلكات الثقافية في أوقات السلم.

14- انظر، S. Titchen, On the Construction of Outstanding Universal Value: UNESCO’s World Heritage Convention and the Identification and Assessment of Cultural Places for Inclusion in the World Heritage List (PhD diss., Canberra, Australian National University, 1995), 94.

15- تم إعداد الميثاق من قبل اللجنة الدولية لإدارة التراث الأثري(ICAHM) ووافقت عليه الجمعية العمومية التاسعة في لوزران

16- انظر، Article 3, on Legislation and Economy.

17- حول الطبيعة المتنازع عليها للأماكن المقدسة في القدس، انظر، see Dumper, Politics of Sacred Space; Dumper, “The Palestinian Waqf ”; S. Berkovitz, The Wars of the Holy Places: The Struggle over Jerusalem and the Holy Sites in Israel, Judea, Samaria and the Gaza District. (Jerusalem: Hed Arzi Publishing House and the Jerusalem Institute for Israel Studies, 2001); and D. E. Guinn, Protecting Jerusalem’s Holy Sites: A Strategy for Negotiating a Sacred Peace (Cambridge: Cambridge University Press, 2006).

18- انظر، M. M. Kersel, “The Trade in Palestinian Antiquities,” Jerusalem Quarterly 33 (2008): 24.

19- انظر، Kersel, “Trade in Palestinian Antiquities,” 25–26.

20- انظر، Katz, Jordanian Jerusalem, 144.

21- تفحص كاتس في Jordanian Jerusalem (1–15, 118–36)  الجهود التي استثمرتها الدولة الأردنية الحديثة في الأماكن المقدسة ذات المعنى الوطني وكيف أثر ذلك على السياحة والحج إلى القدس، وتجادل كاتس بأن المواقع الإسلامية والمسيحية في المدينة أصبحت نقطة محورية في هوية الأردن. حول مساهمة الأسرة قبل الدولة في ترميم قبة الصخرة، انظر، Katz, chapter 4. On the Second Hashemite Restoration after the coronation of King Hussein, see www.kinghussein.gov.jo/islam_restoration.html.

22- انظر، Kersel, “Trade in Palestinian Antiquities,” 27.

23- للحصول على تحليل نقدي للنشاط الأثري الإسرائيلي في القدس بين 1967-2007 ودوره الإيديولوجي في دعم فكرة مدينة “موحدة”، انظر، For a critical analysis of Israeli archaeological activity in Jerusalem between 1967–2007 and its ideological role in support of a ‘unified’ city, see R. Greenberg, “Extreme Exposure: Archaeology in Jerusalem 1967–2007,” Conservation and Management of Archae­ological Sites 11 (2009), 262–81. وحول الأدوار  القومية والإيديولوجية لعلم الآثار الإسرائيلي في القدس، انظر، Abu El-Haj, “Translating Truths,” 168–85; and Abu El-Haj, Facts on the Ground, 130–62.

24- بالإضافة إلى الموارد الكبيرة التي أتاحتها إلعاد والأموال العادية لهيئة الآثار الإسرائيلية، وفرت الحكومة مليار شيكل _حوالي 270 مليون دولار) لإنفاقها على النشاط الأثري والتنمية السياحية في القدس الشرقية بين عامي 2005 و2013

25- انظر، S. Berkovitz, The Temple Mount and the Western Wall in Israeli Law, The Jerusa­lem Institute for Israel Studies Series 90 (Jerusalem: JIIS and the Jerusalem Foundation, 2001), 13.

26- على الرغم من أن إسرائيل تعتبر نفسها قد ورثت هذا الحق، وأنها تتمتع بسلطة قضائية نهائية على جميع الأماكن المقدسة في المدينة، إلا أنها تنازلت ضمناً عن استقلال إداري محدود لمجمع الحرم لإدارة الوقف، وهذا يستثني بطبيعة الحال السيطرة المادية والترتيبات الأمنية التي لها علاقة بالموقع

27- انظر، See M. Dumper and C. Larkin, “The Politics of Heritage and the Limitations of In­ternational Agency in Divided Cities: The Role of UNESCO in Jerusalem’s Old City,” Review of International Studies 38 (2012): 30.

28- للاطلاع على التعريف الرسمي الحالي لهيئة الآثار الإسرائيلية، انظر، www.antiquities.org.il. Dumper and Larkin, “The Politics of Heritage,” 6–7.

29-  ناقش الجبة في N. al-Jubeh, “Palestinian Identity and Cultural Heritage,” in Temps et espaces en Palestine, Contemporain publications, no. 25, ed. R. Heacock (Beirut, Lebanon: Institut français du Proche-Orient, 2005), 26. الطبيعة الإشكالية للحماية القانونية فقط لتلك الآثار التي سبقت 1700 م.

30- تعلق أبو الحاج على التركيز الحصري على الفترة المحيطة بالهيكل الأول والثاني لكنه لا يعترف بالتغيير في علم الآثار الإسرائيلي منذ التسعينيات تقريباً، انظر، Abu El-Haj, “Translating Truths,” 172, 174, 176; and Abu El-Haj, “Producing (Arti) Facts,” Archaeology and Power during the British Mandate of Palestine.” Israel Studies 7.2 (2002): 46–47) . وعلى الرغم من على الرغم من التركيز العام على الهياكل الهيرودية في الحفريات التي قام بها  بنيامين مزار، فقد تم الحفاظ على المجمع الأموي الحكومي عند سفح الركن الجنوبي الغربي للحرم وترميمه، وهو عمارة عن مجمع معماري إسلامي قديم، ويظهر بكل بارز في الحديثة الأثرية.

31- انظر على سبيل المثال، for example, B. Z. Kedar, S. Weksler-Bdolah, and T.Da’adli, “Madrasa Afdaliyya / Maqam Al- Shaykh ‘Id: An Example of Ayyubid Architecture in Jerusalem,” Revue Biblique 119 (2012): 271–87; A. Onn, S. Weksler-Bdolah, and R. Bar-Nathan, “Jerusalem, The Old City, Wilson’s Arch and the Great Causeway. Preliminary Report,” Hadashot Arkheologiyot 123 (2011); or S. Weksler-Bdolah, A. Onn, B. Ouahnouna, and S. Isilevitz, “Jerusalem, the Western Wall Plaza Excavations, 2005–2009. Preliminary Report,”Hadashot Arkheologiyot 121 (2009).

32- حول الدور الموسع لقسم الحفظ في هيئة الآثار الإسرائيلية، انظر، www.iaa-conservation.org.il (in Hebrew) or www.iaa-conservation.org.il/index_eng.asp (English version).

33- انظر، Dumper and Larkin, “Politics of Heritage,” 26.

34- انظر، منذ أن ألغت الحكومة الإسرائيلية البلدية العربية في العام 1967، كان هناك إجماع فلسطيني على مقاطعة الانتخابات البلدية الفلسطينية.

35- حول العلاقات المعقدة بين إسرائيل والأردن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية وإدارة الوقف، لاسيما في القدس، بعد أوسلو، انظر، Larkin and Dumper, “In Defense of Al-Aqsa,” 34–35.

36- حول دور جمعية الأقصى، أو الإسلاميين الفلسطينيين، بقيادة الشيخ رائد صلاح والتزامهم بإعادة تأهيل وترميم “الأماكن المقدسة” في إسرائيل، وعلى وجه الخصوص في القدس الشرقية والحرم، انظر، Larkin and Dumper, “In Defense of Al-Aqsa,” 31–39.

37- بحسب Dumper (“The Palestinian Waqf,” 203–5) Dumper (“The Palestinian Waqf,” 203–5) ،يمتلك الوقف ما يقرب من 67% ، أو أكثر من ثلثي البلدة القديمة في القدس. يشير الاستطلاع الأخير لبرنامج إعادة إحياء القدس التابع لمؤسسة التعاون إلى أن 21.4% من المنازل السكنية مسجلة على أنها أوقاف إسلامية أو مسيحية ، في حين أن 24 % أخرى كانت أوقاف عائلية، (Welfare Association, Jerusalem: Heritage and Life: Old City Revitaliza­tion Plan [Jerusalem and Ramallah: Welfare Association, 2004], 70 and 105–6).  وحول تأسيس وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، انظر، Katz, Jordanian Jerusalem, 6.

38- انظر، Dumper, “The Palestinian Waqf,” 201.

39- حول إدارة أملاك الوقف في القدس، انظر، Y. Reiter, “The Adminis­tration and Supervision of Waqf Properties in 20th Century Jerusalem,” Varia Turcica (Istan­bul: Institut Français d’Études Anatoliennes 26, 1994), 169–82; Y. Reiter, Islamic Endowments in Jerusalem under British Mandate (London: Frank Cass, 1996), 146–206; and Y. Reiter, Islamic Institutions in Jerusalem: Palestinian Muslim Administration under Jordanian and Israeli Rule (The Hague, London and Boston: Kluwer Law International, 1997), 23–45.

40- كان لقسم الآثار الإسلامية التابع لإدارة الوقف اتصالات غير رسمية مع الأكاديميين الإسرائيليين، انظر Reiter, Islamic Institutions in Jerusalem, 208; Avni and Seligman, Temple Mount, 24–42.

41- كما أشارا- بحق- لاركين ودومير ” إلى جانب لحفاظ على المعالم والمواقع الدينية، يجب ربط حفظ التراث بإعادة إحياء المناطق الحضرية، مع تحسين المرافق الاجتماعية، مثل الإسكان والمرافق الصحية وإمدادات المياه، انظر، Larkin and Dumper, “UNESCO and Jerusalem,” 21.

42- انظر، See General Conference of UNESCO Resolution on protection of cultural property in Jerusalem 15C/Resolutions 3 342 and 3.343; 82 EX/Decision 4.4.2, 83 EX/Decision 4.3.1, 88 EX/Decision 4.3.1, 89 EX/Decision 4 4.1, 90 EX/Decision 4.3.1, and 17C/Resolution 3.422.

43- انظر، كان الترشيح من قبل الأردن مثار جدل كبير، حيث لم تعد المملكة تسيطر على المدينة واعتبر البعض الترشيح خطوة سياسية.

44- حول علاقة لومير مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، انظر، Ricca, Reinvent­ing Jerusalem, 146–52.

45- كان لومير أول مدير عام للتراث الثقافي في القدس بين عامي 1971 و1997،  تمت مناقشة دور لومير الداعم لمبادرات التراث الثقافي الإسرائيلي بالتفصيل من قبل ريكا، انظر، Ricca, Reinventing Jerusalem, 119–20, 127, 140–53.

46- أشار لومير، في تقريره الأخير للعام 1997، إلى أن السلطات الإسرائيلية قامت ببناء عريشة معدنية وسط الفناء السابق لأحد القصور الأموية التي شوهت الموقع انظر، Ricca, Reinventing Jerusalem, 142.

47- انظر، See Dumper, “The Palestinian Waqf.”

48- حددت لوائح التخطيط التابعة للانتداب البريطاني بالفعل منطقة ممتدة باعتبارها المنطقة الأثرية في القدس، بما في ذلك وادي قدرون وحديقة الجسمانية وبركة سلوام وجبل صهيوني [جبل النبي داود] ووادي هنوم [وادي جهنم] ومنطقة ممتدة تشمل جبل الزيتون وقرية بيت عنيا.

49- حدد ريكا ثلاث مراحل لطبيعة العلاقة بين إسرائيل واليونيسكو بين عامي 1967 و1999 انظر، Ricca, Reinventing Jerusalem, 153–54.وحدد دومير ولاركين مرحلة رابعة منذ بداية الانتفاضة الثانية في أيلول\سبتمبر 2000، انظر، Dumper and Larkin, “Politics of Heritage,” 37.

50- بعد وفاة لومير في العام 1997، كانت التعيينات إما قصيرة أو فاشلة، تم إرسال البروفيسور ليون بريسوير في مهمة في العام 1999، ثم تبعه البروفيسور أوليغ غرابار في عامي 2000 و 2001، وفي العام 2004 أوكلت المهمة إلى فرانشيسكو باندارين، مدير مركز التراث العالمي لليونيسكو.

51- كانت اليونسكو أول وكالة تابعة للأمم المتحدة انضم إليها الفلسطينيون منذ أن تقدم الرئيس محمود عباس بطلب للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة في 23 أيلول (سبتمبر) 2011. وتمت الموافقة على طلب منح الفلسطينيين عضوية اليونسكو بأغلبية 107 أصوات مقابل 14، وامتنع 52 عضوا عن التصويت. والياس صنبر هو حالياً الممثل الفلسطيني في اليونيسكو.

52- انظر، Ricca, Reinventing Jerusalem, 127–55.

53- انظر، Dumper and Larkin, “Politics of Heritage,” 42.

54- على عكس إلعاد (وهي منظمة غير حكومية)، تعمل مؤسسة تراث الحائط الغربي تحت رعاية مكتب رئيس وزراء إسرائيل وهيئة الشركات الحكومية (GCA).

55- حول مهمة المنظمة انظر بينها على الموقع  Emek Shaveh’s website: www.alt-arch.org ، أسس المنظمة رافائيل غرينبرغ أستاذ علم الآثار في جامعة تل أبيب ويوناثان مزراحي  الموظف السابق في هيئة الآثار لإسرائيلية

56- حول دور جمعية الأقصى ، أو الإسلاميين الفلسطينيين ، بقيادة الشيخ رائد صلاح والتزامهم بإعادة تأهيل واستعادة “الأماكن المقدسة” في إسرائيل، وعلى وجه التحديد في القدس الشرقية والحرم، انظر، Larkin and Dumper, “In Defense of Al-Aqsa,” 31–39.

57- وتشمل هذه قرارات الجمعية العامة 181 و303 وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 476 وقرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رقم 13\8 .

58- انظر موقع ARCH: www.archjerusalem.com. هدفهم هو تحدي الخطط الإسرائيلية لتحويل موقع القرية التاريخي كحي سكني\تجاري فاخر  إلى ما يشبه عالم ديزني “Disneyfy” وصياغة اتفاقية جنيف الدولية الأولى بشأن التراث الثقافي الضعيف ذي القيمة العالمية الاستثنائية

59- وفقاً لـ  S. Scham and A. Yahya, “Heritage and Reconciliation,” Journal of So­cial Archaeology 3 (2003): 403 يعتبر الحفاظ على التراث في المدينة القديمة أداة عملية لتأمين وإضفاء الشرعية عل الوجود المادي والملكية والحق في الأرض.

60- إن تعزيز التراث الثقافي الفلسطيني يسهم في إثراء الهوية الفلسطينية التي تشترك في العديد من جذورها مع التراث الثقافي اليهودي في المنطقة، وهي حقيقة يتم تجاهلها في كثير من الأحيان. حول أصول الهوية الفلسطينية، انظر . al-Jubeh, “Palestinian Identity,” 5–20; and on the role of cultural heritage in identity formation, see al-Jubeh, “Pal­estinian Identity,” 21–22.

عن مركز الجرمق للدراسات