Menu

غسان كنفاني.. أدبُ لُزومِ ما يَلزَم!

مروان عبد العال

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد (1502) والثامن والعشرين رقميًا من مجلة الهدف

(ينبثقُ موقفي السّياسيّ من كوني روائيًّا، فشخصيًّا. لا أعتقد أنّ من الممكنِ الفصلَ بين السياسةِ والروايّة. ولا شكَّ عندي في أنني التزمتُ سياسيًّا لأنّني روائيّ، لا العكس، فقد بدأتُ كتابةَ قصّةِ حياتي الفلسطينيّة قبلَ تحديدِ مواقفي السياسيّة، وقبلَ الانضمامِ إلى أيّ منظمة).. " غسان كنفاني " من مقابلةٍ نادرةٍ أجراها معه "ستيفان ويلد".

   

1

لا بدَّ من فحص "لزوميّات" العلاقةِ بين السياسيّ والروائيّ، وبين أسبقيّةِ الموقفِ السياسيّ وقصّةِ فلسطين، بين ثنائيّات الأدبِ المقاومِ وأدبِ الحداثة، ولكن من زاويةٍ أخرى، وبلغةٍ أخرى. حينما يقول غسان: "التزمتُ سياسيًّا لأنّني روائيّ"، وليس العكس، لم يكتب بقرارٍ سياسي! فماذا لو وضعنا القولَ ضمنَ فرضيّةِ الزمنِ المعاصر؟ ربّما سيدفعنا للولوجِ في معنى الحداثةِ الحقيقيَّة، من يكتب من؟ وأيَّ أدبٍ سيكتب؟ ولمن سيكتب؟ وما علاقةُ الكتابةِ بالواقع؟ وكيف يرسم الأديبُ طرقًا ومعالمَ وإيحاءاتِ خيالٍ وأسئلة؛ لنسألَ عن أدبِنا العربيّ عامةً ومواءمتِهِ للعصرِ وتطوّرِ الحياةِ ذاتِها، وإنجازاتِ البشريّة الهائلة، وارتباطًا بثنائيّاتِ الثابتِ والمتغيّر، والحداثةِ والأصالة؟

ولا غلوَّ في القول: إنّ أدبَ الحداثةِ نتاجُ الآخر؛ لنضعَهُ في معادلةٍ إقصائيّةٍ بين أدبٍ حديثٍ وآخرَ قديم، بين أدبٍ مقاومٍ وآخرَ غيرِ مقاوم! وانطلاقًا من الجذورِ التاريخيّةِ لهذا النوعِ الأدبي، وتكوينهِ في حالةٍ زمانيّةٍ محدّدةٍ، وبعيدًا عن الفهمِ المشوَّه، الذي يفتعلُ الانفصام، الذي يصلُ إلى حدِّ الاستلاب، والتنكُّرِ للهُويّةِ الوطنيَّة والقضايا المعاشة. وبين الحداثةِ الحقيقيّةِ – استنادًا إلى أدبِ المقاومةِ المحدّثةِ  دونَ اجترارٍ أو تقليدٍ أو تَكْرَارٍ أو تلاعبٍ بالمفرداتِ، وتحويرِ المعاني، وتشويهِ الدّلالات، وبالمقاربةِ مع الرّؤيةِ التأصيليّةِ التي جسّدها غسان كنفاني للأدبِ الملتزم "المقاوم" –  وما بُنيَ عليها من التزامِ ما ليس يلزم في نظامٍ يفترضُ لزوميّات "أبي العلاء المعرّي" من خاصيّاتٍ تحليليّةٍ وجماليّةٍ وتوجيهيّة؛ من موقعِهِ كملتزمٍ في التّيارِ الثوريّ الفلسطينيّ الذي ميّزَ جيلَ ما بعدَ النكبة، في مقاومتهِ المطلقةِ للاحتلال، وللهيمنةِ الاستعماريّةِ والرجعيّة. إذْ إنّهُ شكّلَ نموذجًا للكاتبِ الملتزمِ بقضايا مجتمعِهِ، والانتماءِ إلى الطبقةِ التي تقفُ في الصفِّ العالي من البؤسِ، كما سمَّاها، التي تحمي المقاومةَ؛ لأنّها مادةُ الثّورةِ والأكثرُ تضحيةً. ومن موقعِهِ المناصرِ الجدّيّ لكلِّ أشكالِ المقاومةِ والثّوراتِ التحرّريّةِ في العالم، مُدركًا رسوخَ العلاقةِ بعمقِهِ العربيّ، وامتدادِهِ الانساني. هكذا كان أبطالُ رواياتِهِ أيضًا.

 

2

قامت حملةٌ من أقلامٍ صفراءَ متنوّعةِ الخطوطِ ومدفوعةِ الأجر، تناصبُ العداءَ لأدبِ المقاومة، باعتبارِهِ "أدبًا خشبيًّا"! وقد أكلَ الدّهرُ عليهِ وشرب؛ تمهيدًا لفسحِ الطريقِ لتمريرِ موسمِ ثقافاتِ التطبيعِ والسقوطِ والهزيمةِ وامتهانِ الكرامة. هكذا صار أدبُ لزومِ ما لا يَلْزَم! والقصدُ تجويفُ الأدبِ المقاومِ من التزامهِ وتعبيرهِ عن هُويّتِهِ وقضيتِه؛ تمهيدًا لاختراقِ العقولِ بالّلغةِ العائمةِ والمائعة، والبَدْءِ بتسويقِ "أدبِ ما بعدَ المقاومة"، مستعيرًا ليس بالشكلِ وحسب، بل بفحوى ما سُمّي "بالأدب ما بعدَ الحداثويّ"! وأدواتِه، من مدخلِ المقاربةِ فيما أثارته موجةٌ فكريّةٌ معاصرةٌ عن "أدبِ ما بعدَ الاستعمار"؛ من هنا يأتي الاتّكاءُ على غسان كنفاني كأديبٍ ملتزمٍ رَصَدَ تحوّلاتِ الواقعِ، وارتباطَهُ بالعملِ الثوريّ، وتكريسَ أخلاقيّاتِه. من هنا يأتي السؤالُ عن أدبِ المقاومة (وهو المصطلح الذي وضعَهُ غسان كنفاني)، بعدَ كلِّ مرحلةٍ يكتشفُ فيها ميّزةَ الإبداع في زمنِ "الاشتباك" الحقيقيّ مع الاحتلال، والتزامِهِ الموضوعيّ بحريّةِ التأويل. وليس للمصطلحِ فقط، دُفِعت أنظارُنا نحوَ القصائدِ والرّواياتِ والقصصِ التي ما زالت عالقةً في أذهانِنا كقاموسٍ؛ بحثًا عن معنى النضالِ حتّى في الأدبِ والحياة، فنستعيد مع غسان كنفاني، محمود درويش وسميح القاسم وحسين البرغوثي… وإلخ، في محاولةٍ – ربَّما – لاستعادةِ تلك الروحِ التي تبعث نبضَ الثورة، ولكنّنا في الحقيقةِ نطرحُ ذلك السؤال الذي طرحَهُ غسان كنفاني، في دراستِهِ "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال" عن تطوّرِ الشّكلِ الفنيّ في قصائدِ شعراءِ الأرضِ المحتلّة، في فتراتٍ زمنيّةٍ متباعدة. إذن، فإلى أيّ حدٍّ تطوّرَ هذا الأدب؟

– ٕإلى حدِّ عدمِ تصنيفِهِ، تحت اسمِ "أدب المقاومة" بل أخذ معناه الحداثوي، وإلى ما هو أبعد، أي أنْ يصبحَ الفنُّ بحدِّ ذاتهِ مقاومةً رغمَ تعدّدِ مواضيعهِ الإنسانيّة.

 

3

تحديثُ أدبِ المقاومة، يظلُّ اللزومُ الذي يلزم، الذي لا بدَّ منه، بعيدًا عن "الأدلجة" التي أضحت اليوم نوعًا من الجمودِ لا يقبلُ سواه، بل يَئِدُ كلَّ "بدعةٍ" خارجةٍ عن المألوف، وعن المفاهيمِ النمطيّة. وانطلاقًا من "نظريّة الرواية" للناقد المجري جورج لوكاش، الذي استند إلى مبدأ "البِنيّةِ الديناميّة الدالّة" في تحليلِهِ الأدبَ حولَ استجابتِهِ للتغيّراتِ التاريخيّةِ الحاسمة، والتحوّلاتِ الثوريّةِ الديمقراطيّة، لبناءِ الإطارِ النقديّ لدراسةِ علاقةِ الأدب بالواقعِ وبالتحرّر الوطنيّ، أو بالأمّةِ والهُويّةِ الوطنيّة، أو بالمقاومةِ عمومًا، وكذلك في فهمِ كيفيّةِ توظيفِهِ مفاهيمَ مرحلةِ ما بعدَ الاستعمار. كما بيّنها بشير أبو منة في كتابهِ المرجعي (الرواية الفلسطينية - من سنة 1948 الى الحاضر)" الصادرِ حديثًا عن مؤسّسةِ الدّراساتِ الفلسطينيّة، الذي يرصدُ فيه علاقةَ الأدبِ بالتاريخ، والمثقّفِ بالسياسةِ في التحريض، الذي تتّخذ الذاكرةُ جزءًا أساسيًّا منه، ودورَ الأدبِ في مقاومةِ الهزائمِ التي لا تزالُ رواسبُها عالقةً فيها، والدفعِ بأسئلةِ التغييرِ الملحّةِ والحرجةِ في آن. ولعلَّ محمود درويش في قصيدتِه "طباق" إلى إدوارد سعيد، يلمّحُ إلى البعدِ الإنسانيّ لطبيعةِ الأدبِ ووظيفتِه؛ ليطرحَ سؤالَ الهُويّة: الهُويّةُ بنتُ الولادةِ لكنّها "إبداعُ صاحبِها"، وهنا بالطبعِ يأخذنا درويش نحو التساؤلِ عن: من نحن؟ فربّما نكتشف أبعادًا أخرى لهُويّتِنا أو لفلسطينيّتِنا التي تصيغها كلَّ مرّةٍ، أسئلةُ الحياةِ والاشتباكُ معَها كجزءٍ من الاشتباكِ مع الهُويّةِ واستنطاقِها؛ لتقولَ أشياءً جديدةً كلَّ مرّة. 

 

4

هناك من يعدُّ نظريّةَ ما بعدَ الاستعمارِ هي من أسّست لفكرةِ ما بعدَ الحداثة؛ لأنّها هي التي تتجرّأ الآن، وتطرحُ الأسئلةَ الفلسفيّةَ الكبرى، وتحاولُ تفكيكَ الأيديولوجيّاتِ المسيطرة، لذلك لا بدَّ من تنويهٍ عندما يُستخدم مصطلحُ "أدب ما بعدَ الاستعمار": علينا الانتباهُ للقصدِ من استخدامِه، أحدُهما يعني أنّ الاستعمارَ قد انتهى، ولم يعد هناك أدبُ مقاومةٍ البتّة، وأنّها مجرّدُ لغةِ الماضي، ونوستولوجيا القهرِ التي يستعانُ بها لاختراعِ أدبِ مقاومة! والأخرُ يرى أن الاستعمارَ الحديث، يكشف نفسَهُ بطرقٍ تختلفُ عن الماضي، من خلال أشكالِ سيطرةٍ غيرِ مباشرةٍ، مثل: اختراق الثقافات، واحتلال الوعي والعقل والإرادة، وعوضًا عن استهدافِ الأشكالِ المباشرة. ولذلك لا بدَّ من "الحقيقة المعياريّة" بالعودة إلى أصلِ الصّراع، بين المعتدي والمعتدى عليه، أو سؤال ذلك الاشتباك مع العدو كلّما عادت المواجهاتُ من جديدٍ، وعادت القضيّةُ الفلسطينيّةُ إلى مركزِها الحقيقي، فتعود معها صورةُ الفلسطينيّ الحقيقيّة. وأيضًا السؤال عن معنى الفنِّ والأدبِ في مواجهةِ الصورةِ الأخرى التي يريد العدوُّ التّرويجَ لها.

 

5

وعندَ التوغّلِ أكثرَ في جدليّةِ الالتزام والإلزام، نجد من النقّادِ مَنْ كتبَ عن أدبِ القضايا، البعيدِ عن أدبِ الإلزام،  وعَدَّ الكثيرون منهم أنّ الالتزامَ يعني أدبَ القضايا الكبرى، إنّما الإلزامُ  يشكّلُ عائقًا أمامَ تطوّرِ القصيدةِ والأدب؛ في حين تحدّث آخرون عنه كجزءٍ من الحياةِ ومن العالمِ ومن الشعر. وقد أصابت حقًّا الشاعرةُ والناقدةُ البولنديّة "شيمبورسكا" في قصيدةٍ لها تصفُ الشعرَ السياسيّ بعنوانِ أطفالِ العصر: نحن أطفالُ المرحلة/ المرحلة سياسيّة/ كلّ قضاياك ، قضايانا ، قضاياكم/ هي قضايا سياسيّة/ تريدُ أو لا تريد/ جيناتُكَ لها ماضٍ سياسيّ/ الجلدُ له ظلٌّ سياسي/ والعينانِ مظهرٌ سياسيّ/ما تتحدث عنه له رنين/ ما تصمت عنه له إيحاء /شئتَ أم أبيتَ سياسيّ/حتى وأنت تمضي في الغابة /تضع خطواتٍ سياسيّة/على قاعدةٍ سياسيّة / القصائدُ غيرُ السياسيّةِ هي سياسيّةٌ أيضًا /وفي الأعالي ينيرُ القمرُ/ هذا الموضعَ لم يعد قمريًّا/ أن تكون أو لا تكونَ هذا هو السؤال/ ما هو السؤال أجبني يا حبيبي/ السؤال سياسيّ.

تضعنا هذهِ القصيدةُ أمامَ سؤالٍ آخرَ أكثرَ عمقًا، هل كلُّ ما نكتبُ هو سياسي؟ وتجيبنا شيمبورسكا أن الأدبَ غيرَ السياسيّ هو سياسي؛ لأننا في مرحلةٍ سياسيّة، وفي هذه المرحلة، كل ما نسأله عن حياتِنا الشخصيّة، عن الحريّةِ والحبِ واللغةِ والحزنِ والفرحِ والحياةِ بكلِّ ألوانِها كجزءٍ من المقاومةِ والسياسةِ التي تشكّلنا. إذنْ، فربّما تكون القضايا الصغيرةُ التي ركزنا عليها في الأدبِ مؤخرًا هي جزءٌ من قضايانا الكبرى، إذْ ربّما لم تعد هناك حدودٌ فاصلةٌ برأي شيمبورسكا التي كتبت عن الحبِ كما كتبت عن الحرب.

 

6

 

إذنْ، فمن الأهميّةِ معرفةُ النظريّاتِ الأدبيّةِ والنقديّةِ التي رافقت مرحلةَ «ما بعدَ الحداثة»، حيث كانت نظرية "ما بعد الاستعمار"، ولا سيّما أنّ هذهِ النظريّةَ قد ظهرت بعدَ سيطرةِ البنيويّةِ على الحقلِ الثقافي الغربي، مما أعطى مفهومًا على أنّها أطروحةٌ في خدمةِ علمِ الاستغراب. في محاولةٍ لقيامِ الثقافةِ الغربيّةِ وقيمِها بتهميشٍ للثقافاتِ المختلفةِ الأخرى؛ لإلحاقِ مختلِفِ الثقافاتِ التي تأثّرت بالعمليّةِ الإمبرياليّةِ من لحظةِ الاستعمار حتى "العولمة"، وتقدّم الفكرَ في مقاومةِ الخطابِ الاستعماري، وتفكيكِ مقولاتهِ المركزيّةِ التي تعبّر عن الغطرسةِ والهيمنةِ والاصطفاءِ اللونيّ والعرقيّ والطبقيّ، باستعمالِ منهجيّةِ التشتيتِ والفضحِ والتعرية. لذا، فقد وجد كُتّابُ نظريّة «مابعد الاستعمار» في تفكيكيّةِ "جاك ديريدا" آليّةً منهجيّةً لإعلانِ لغة الاختلاف، وتقويضِ المسلَّماتِ الغربيّة. هنا نرى الأدبَ الذي استمدّ قوتَه من أطروحةٍ إنسانيّةٍ بديلة، جسّدتها رواياتٌ كثيرةٌ في الغرب، وفي مركز الامبريالية؛ التي كتبت عن قضايا واسعةٍ وإنسانيّة، تلقي الضوءَ على نقدِ الحروبِ العدوانيّة، والجشعِ الرأسمالي والعنصرية، وفسادِ الدولةِ والسياسةِ الإمبرياليّة عمومًا، مثل روايةِ "العمى لخوسيه ساراماغو" التي تتحدّث عن قضيّةٍ وجوديّةٍ وإنسانيّة، لكنّها تلمّح عن الكثير من فسادِ السياسة في مواجهةِ وباءٍ يفتكُ بالبشر. ساراماغو الملتزمُ سياسيًّا كتب رواياتٍ ملتزمةً إنسانيًّا، حيث استفزّنا بأسئلةٍ إنسانيّةٍ ووجوديّةٍ عن السياسة.

في كتابهِ سياسة الأدب، يذكر الفيلسوفُ الفرنسي "جاك لانسيير"، أنّ أرسطو حين قال: إنّ البشرَ هم مخلوقاتٌ سياسيّة، إنّما كان يشير إلى أنهم وحدهم بين الكائناتِ الذين يمكنهم الحديثَ عن الظلم والعدل، بينما لا تستطيع بقيّةُ المخلوقاتِ إلا التعبيرَ عن اللذّةِ والألم، ويحذرنا أن نخلطَ بين السياسة وممارسةِ السلطة، ويقول أن السياسةَ هي المجال الذي يفترضُ وجودَ أغراضٍ عامّةٍ تهمُّ الناس، ووجودَ أشخاصٍ قادرين أو يفترض أنهم قادرون على تحديدِ هذه الأهداف.

7

التحديثُ؛ هو إضافةٌ وشكلٌ من أشكالِ الإبداع، لذلك يتوقّفُ على أدبِ المقاومةِ لزومُ التعريف المحدّد للحداثة، وما يلزم كموقفٍ فكريٍّ مقدّمًا؛ وعلى كلِّ حال، ليس هناك حداثةٌ واحدةٌ، بل حداثات، كما أنّ بعضَهم يعترفُ بالعجزِ عن مواكبةِ نظريّةِ الحداثة، ويقدّم أطروحةً جديدةً حولَ "الاستعماريّةِ الحديثة"، تلك التي تتقنُ فنَّ السيطرةِ على التقنيّات، والوقتِ والفضاء، والتصنيفاتِ والمعاني. في مواجهةِ أولئك الذين يؤكّدون أنّه "قد رحل الاستعمار" لذلك علينا التفكيرُ بأدبِ ما بعدَ حداثيّ! قد يكون مدخلًا لإعادةِ تشكيلِ الاستعمار على نحوٍ إيديولوجيٍّ واستغلاليٍّ واستلابي، وكذلك كغطاءٍ روحيٍّ لاحتلالٍ عسكريٍّ، إذا كان ذلك ممكنًا، مثل الحروب العدوانيّة للولايّات المتّحدة على مناطقَ متعدّدةٍ من العالم، والعدوان الصهيونيّ المستمرّ على فلسطينَ، خصوصًا، والمنطقة عمومًا. وهناك أحيانًا أسئلةٌ أخرى تأتي من خلال قراءةِ قصائدِ شعراءَ كثيرين عن الوطن، فتأتي القصيدةُ وكأنّها لغةٌ غيرُ مألوفةٍ عن موضوعٍ مألوف، كما هي حالُ الكتابةِ الجميلةِ، مهما كان موضوعُها ، ففي قصيدةِ وطني للشاعرِ السوري محمد الماغوط، مثلا، هناكَ لغةٌ جديدةٌ حيث يقول: على هذهِ الأرصفةِ الحنونةِ كأمي /أضع يدي وأقسم بليالي الشتاءِ الطويلة/سأنتزع علم بلادي عن ساريته/ وأخيط له أكماما وأزرارا/ وأرتديه كالقميص/إذا لم أعرف/في أي خريف تسقط أسمالي/وإنني مع أول عاصفة تهب على الوطن / سأصعد أحد التلال/ وأقذف سيفي إلى قبضة طارق/ورأسي الى صدر الخنساء/وقلبي إلى أصابع المتنبي... في هذهِ القصيدةِ يستغرقُ الأدبُ في السؤالِ عن الوطن، الذي يغدو سؤالًا يوميًّا بتحويلِ العَلَمِ الوطني إلى قميصٍ، حيث يتحوّل من رمزٍ إلى لغةٍ يوميّةٍ تحيا معنا كلَّ يوم.

 

8

 

تظلُّ لزوميّاتُ التجديدِ في الأدبِ مهمّةً إذا لم تنحرفْ عن وظيفةِ الأدب. وما لا يلزمُ هو التّوهّمُ أنّه يمكنُ تحقيقُ التحديثِ بنبذِ السياسة! وفي حالةِ التّحرُّرِ الوطنيّ يستحيلُ الفصلُ موضوعيًّا بين ما هو سياسيٌّ وما هو غيرُ سياسيّ، ويحضرني قولُ شيمبورسكا مرّةً أخرى، الذي أوضحه لانسيير، ويأتي جمالُ ما نسميهِ بأدبِ المقاومة، هو الذهابُ إلى أبعدَ أحيانا، إلى لغةٍ لا نراها كلَّ يوم. الأدبُ خارجَ السياسةِ لا يعني أنّه خارجَ الالتزام، واللامقاومة تعني سياسةَ القَبُولِ والإذعان، وكلُّ أدبٍ يتحوّل إلى بوقٍ استعماريّ، وسلاحٍ ناعمٍ لتبريرِ الاستعمار، وتفسيرٍ لروايتِه، يُستخدمُ كطلاءٍ لتزيينِ الاحتلالِ ولسترِ العوراتِ الاستعماريّةِ الحديث؛ هو أدبٌ سياسيّ! وهذا وإن سُمَّي مجازًا أدبًا، لكنّه أدبُ ما يلزمُ العدو. ونشاهدُ المثل الفظيع، حين يقوم البعض بتجاوز "معنى النكبة" تلك التي كتبها يومًا "قسطنطين زريق"، والهروبِ من سؤالِ النكبة، وحذفِ كلمةِ النكبة، كممارسةٍ ثقافيّةٍ مضادّة، دالّةٍ على حذفِ اسمِ فلسطينَ من الخارطة! وكما تقول المؤرّخة " روز ماري صايغ" إن ما يدعو للقلقِ هو أنّ حذفَ النكبةِ ومعاناةِ الفلسطينيّين يشيرُ إلى خللٍ أعمقَ في صيرورةِ استبعادِ الاستعمار، في أشكالهِ ما قبل الحديثة، وكذلك الحديثة، كمسبّبٍ رئيسيّ للمعاناةِ في العالمِ المعاصر. ينطوي استبعادُ النكبةِ ضمنَ إطارِ العملِ الأشملِ لعدمِ الاعترافِ بالعنفِ الاستعماريّ في الماضي والحاضر. نعم، نحن نحتاج إلى ذلك الذي يسردُ حكايتَنا! وهنا أتذكّر ما قاله الكاتب الأسير "وليد دقة" في معرضِ حديثهِ عن كتابتِه: أكتب كي أتحرّرَ من السّجنِ على أملٍ أنْ أحرّرَه منّي.

فربّما، يأتي ذلك الوقت، (وهو مختلِفٌ في حالةِ كلِّ كاتبٍ وإنسان) الذي يحرّرُ فيه كتابتَهُ من الأشياءِ والأسئلةِ والحالاتِ التي كتب عنها سابقًا؛ لأنّ كلَّ أدبٍ صادقٍ هو أدبٌ ملتزم، وكلُّ أدبٍ ليس معزولًا عن المجتمع، هو أدبٌ مقاوم، حداثتُهُ في النّخبةِ التي تعايش تَجْرِبَةَ العصرِ من داخله، لا خارجه، وتعكسه أعمالًا إبداعيّةً تتوخّى التّغييرَ وترسيخَ الجديدِ ونفيَ الفاسد. وبهذا المعنى، فإنّ الأدبَ الملتزمَ بحدِّ ذاتِهِ ثورةٌ حقيقيّة.