Menu

بعد الانتخاباتِ التشريعية

الجزائرُ بين شكليّةِ الصندوقِ وعمقِ الأزمةِ السياسيّة

علي بوخلاف

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

أكثرُ من سنتينِ بعد اندلاعِ الثورةِ الشعبيّةِ التي أرغمت الرئيسَ الجزائريَّ السابقَ عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة؛ نظّمت السلطةُ انتخاباتٍ نيابيّةً في 12 يونيو المنقضي. رغمَ رفضٍ سياسيٍّ وشعبيٍّ كاسحينِ لهذا الاستحقاق. أصرّت السلطةُ ونجحت في تمريرِ مشروعِها من الناحيةِ التقنيةِ واللوجستية. ويعدّ ذلك ثالثَ موعدٍ تقودهُ السلطةُ بعد الانتخاباتِ الرئيسيّةِ في ديسمبر 2019، والاستفتاء على تعديلِ الدستورِ في نوفمبر 2020.

من الناحيةِ السياسيّةِ لم تغيّر الانتخاباتُ التشريعيّةُ الخريطةَ السياسيّةَ بشكلٍ كبير، بل عكسُ توقعاتِ الرئيسِ عبد المجيد تبون نفسِه، فأُعيدَ تشكيلُ التكتّلِ السياسي الذي رافق عبد العزيز بوتفليقة فترةَ وجودِهِ في الحكم. صحيحٌ أنّ حزبَ جبهةِ التحريرِ الوطني لم يتحصّل إلا على 98 مقعدًا من أصلِ 407 نوّابٍ في الغرفةِ السفلى للبرلمانِ (الذي يحتوي غرفةً عليا تدعى مجلسَ الأمة، وأعضاؤها من المنتخبين المحليين) لكنه احتلَّ المركزَ الأول؛ نتيجةَ نسبةِ مشاركةٍ متدنيّةٍ جدا، حيث لم يتجاوز الإقبالُ 23،7% من الكتلةِ الناخبة، استطاع الحزبُ الثاني الذي كان يساند النظامَ السابقَ، وهو التجمعُ الوطني الديمقراطي من افتكاكِ المركزِ الرابع ويفرضُ نفسَهُ بشكلٍ تلقائيٍّ في المشهدِ السياسي الجزائري رغمَ التهميشِ الذي عرفه منذ سنتين.

رغمَ هذهِ النتائج، لم يتحصّل أيٌّ من الحزبين على أيِّ منصبٍ وزاريٍّ بارزٍ عند تشكيلِ الحكومةِ الجديدة. اعتمد الرئيسُ الجزائري على فريقٍ من الموظفين لتكوينِ حكومةِ "أيمن بن عبد االرحمان (وزير المالية في الحكومة السابقة الذي اشتغل محافظًا للبنكِ المركزي وهو دون انتماءٍ سياسي) انطلاقًا من الواقعِ الذي لم يفرز أي أغلبيةٍ واضحةٍ تجبره على اختيارِ رئيسِ حكومةٍ من أي تكتّلٍ برلمانيٍّ خارجٍ عن فلكِ سلطته. علاوةً على أن الأحزابَ التقليديّةَ لم تبدِ نيّةً للخروجِ على بيت الطاعة، حيث أخذ رئيسُ الجمهورية في الحسبان معطى آخر في اتّخاذِ قراره: قوائم الأحرار، المتكونون أساسًا من شخصياتٍ مساندةٍ للسيد تبون، أتت في المرتبةِ الثانيّةِ من حيث العددُ الإجماليُّ للمنتخبين بـ 84 نائبًا. رغم أن الانتخابَ لصالحهم لم يتمَّ على أساسِ قائمةٍ واحدة، والبعض لم يتحصّل إلا على عددٍ محدّدٍ جدًّا من الأصوات، إلا أنهم سيشكلون حصنًا متينًا للحكومةِ في المجلس الشعبي الوطني.

بلغةِ الأرقام، لا يتجاوز عددُ الوزراءِ السياسيين الستة أعضاء من أصل 32 وزيرًا، منهم 17 احتفظوا بالمناصب التي كانوا فيها في الحكومةِ السابقةِ التي ترأّسَها "عبد العزيز جراد" منذُ مطلعِ 2020.

لأنّ جلَّ الأحزابِ العلمانيّةِ واليساريّةِ قاطعت الانتخابات، لم يعدْ هناك وجودٌ للمعارضةِ التقليديّةِ في البرلمانِ الجزائري الحالي. وفي الفتراتِ التشريعيّةِ الماضيةِ أدّت أحزابٌ مثلُ جبهةِ القوى الاشتراكية، وحزبِ العمال، وحزبِ التجمع من أجلِ الثقافةِ والديمقراطية، دورَ المنبّهِ في الغرفةِ السفلى للبرلمانِ رغمَ شكوكِ التزويرِ التي كانت تحوم حولَ الانتخابِ في زمنِ بوتفليقة. لكن بعد الثورةِ الشعبيّةِ التي اندلعت في 22 فيفري 2019، لا ترغبُ التشكيلاتُ السياسيةُ في تأديةِ ذلك الدورِ التمثيلي والشكلي. رغمَ هذا، سيبقى حزبٌ واحدٌ يؤدّي دورَ المعارضةِ في المجلسِ الشعبي الوطني، وهو حزبُ حركةِ مجتمعِ السلم (حمس) الإخواني. هذه التشكيلةُ السياسيّةُ الوحيدةُ التي تحصّلت على 65 مقعدًا من بين الأحزابِ الإسلامية. كان زعيمُها "عبد الرزاق مقري" يحلم أن يترأسَ الحكومة. لكن بما أنه لم يتحصّل على أي أغلبيةٍ (هو يرجع ذلك إلى التزوير) فسيبقى يعارض بمفردِه. لكنه لن يزنَ ثقيلًا؛ لأنّ كلَّ الأحزابِ الصغيرةِ لم تتحصّل على أكثرَ من 15 نائبًا. فمثلا، مرشحُ الحركةِ لرئاسةِ المجلسِ الشعبي الوطني لم يتحصل إلا على 85 صوتا، مقابلَ 295 لصالحِ مرشحِ السلطةِ والرئيس الحالي "إبراهيم بوغالي". إذن، هذا سيجعل من هذا الحزبِ معولا بكلِّ ما يحملُهُ الفعل من معاني؛ لأنّ كلَّ الأحزابِ الإسلاميّةِ انقرضت من الساحةِ السياسية.

خارج اللعبةِ الانتخابيةِ تبقى الساحةُ السياسيةُ الجزائريةُ مشحونةً. والدليلُ على ذلك أن رغمَ الغلقِ الكلي لوسائلِ الإعلام والبروباغندا المبالغِ فيها والقمعِ الممنهج ضدَّ المعارضين، إلا أن نسبةَ المشاركةِ كانت ضعيفةً جدا. وأكثرُ من هذا، أنّ عددَ الأصوات التي تحصّل عليها النوابُ مباشرةً لا يتجاوز 2% وهذا يوسّع الهوّةَ الموجودةَ بين المؤسساتِ والمواطنين. من جهةٍ أخرى قررت السلطاتُ تقليصَ هامشِ الحرياتِ في البلاد، إذ زجّت السلطةُ في سجونها العشرات من المواطنين، سجنوا فقط من أجل كتاباتٍ أو شعاراتٍ على جداريّاتِ منصاتِ التواصلِ الاجتماعي. حتى الصحافةُ أصبحت غيرَ قادرةٍ على نقلِ معلوماتٍ لا تعجبُ النظامَ الذي يواجهُ احتجاجاتٍ ذاتِ طابعٍ اجتماعي.

في ظلِّ هذهِ الظروف، تهيّئُ السلطةُ لإجراءِ انتخاباتٍ محليّةٍ قبلَ نهايةِ العام كرهانِ "استكمال البناء المؤسساتي". لكنّ هذا لا يضمنُ حلَّ الأزمةِ السياسيّةِ التي تعصفُ بالبلادِ منذُ سنين.