Menu

نصر الله يوقع التحالف الصهيوأميركي السعودي وأدواته المحلية في ورطة كبيرة

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

(الأبعاد الاستراتيجية لقرار حزب الله بتسيير ناقلات نفط إيرانية إلى لبنان)

بإعلانه في خطابه يوم عاشوراء الخميس 19 أغسطس/آب الجاري، عن انطلاق السفينة الإيرانية الأولى المحملة بالمشتقات النفطية إلى لبنان، لتتلوها سفن أخرى، فجر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قنبلة سياسية واقتصادية بأبعاد استراتيجية، أصابت شظاياها كل من الكيان الصهيوني، والإدارة الأمريكية ومملكة أل سعود وأدواتها في لبنان، خاصةً بعد أن حذر من الخطأ معها قائلاً: من لحظة إبحار السفينة ستعتبر أرضاً لبنانية، وأن استهدافها سيكون بمثابة استهداف "أراضٍ لبنانية".

الكيان الصهيوني في ورطة وفي وضعية "بالع الموس"

فالكيان الصهيوني بات في ورطة كبيرة، إذ أن إقدامه على ضرب السفينة أو اعتراضها سيعرض نفسه لردود قاسية من حزب الله، إن على صعيد ضرب منشآته النفطية في البحر المتوسط ومنشآته الاقتصادية في عموم فلسطين المحتلة، بعد أن وسع نصر الله قواعد الاشتباك لتشمل البحر والاقتصاد، وإن لم يقدم العدو الصهيوني على اعتراض سفن الوقود يكون قد قبل بالهزيمة وبالشروط الجديدة لقواعد الاشتباك، التي يمليها عليها حزب الله ويكون وضعه تماماً مثل " بالع الموس – السكين".

وفي الوقت الذي لم تعلق فيه حكومة الكيان الصهيوني على تهديد نصر الله بأن أي مس بالسفينة سيلقى الرد المناسب، جاءت الردود من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الصهيونية ، إذ علق الباحث الإسرائيلي في مركز "ابا ايبان” والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط والأمن القومي داني سيترينويسز قائلاً: "إن نصر لله وسّع معادلة الردع المشهورة بين إسرائيل وحزب الله لتشمل أيضاً السفن التي ستصل إلى لبنان، وأنه ثمة أمر واحد واضح من خطاب نصر الله، وهو أن أي نشاط إسرائيلي ضد السفن سيواجه برد قوي جداً من قبل حزب الله، الذي سيعتبر ذلك خرقاً لمعادلة الردع"، مشيراً إلى أنّه "سيتعين على إسرائيل أن تقرر ما إذا كان اعتراض السفن يستحق أو يبرّر التصعيد المتوقع على الحدود الشمالية".

وذهب مراسل الشؤون العربية في قناة "كان" الإسرائيلية "روعي كايس" عبر حسابه على "تويتر": "أنّه إذا مسّت إسرائيل بناقلة الوقود من إيران والناقلات القادمة، سيعتبر ذلك مساً بالسيادة اللبنانية وسيكون لديه الحق بالرد على ذلك".

من جانبها صحيفة إسرائيل ديفينس، أشارت في مقال لها إلى انه "إذا كانت الناقلات نظيفة من الأسلحة، نصر الله سيُعتبر بطلاً وطنياً، وكل توقّع بأن الأزمة الاقتصادية ستدكك إسفيناً بين حزب الله والجمهور اللبناني سيدفن، وتعالوا نعترف، نصر الله ليس بالفعل ساذجاً كي يضع أسلحة على أول الناقلات القادمة من إيران".

الإدارة الأمريكية في حالة تخبط وتتصرف بردود فعل

أما الإدارة الأمريكية فهي الأخرى لا تستطيع منع أو اعتراض السفن الإيرانية في عرض البحر، لأنها تدرك أن حزب الله سيرد على ذلك بضرب العمق الصهيوني، وتدرك أيضاً خطورة ذلك على حضورها البحري في الخليج وبحر العرب من قبل البحرية الإيرانية وخطورة ذلك مجدداً على السفن الإسرائيلية، في ضوء توازن الردع الذي حققته إيران مع الحضور العسكري الأمريكي والأطلسي في الخليج وبحر العرب، وفي ذاكرة الأمريكان قصف إحدى السفن الإسرائيلية في بحر عمان مؤخراً بصواريخ من طائرات مسيرة، وقبل ذلك احتجاز إيران لناقلة نفط بريطانية مقابل احتجاز بريطانيا لناقلة نقط إيرانية في مضيق جبل طارق أثناء توجهها إلى سورية، وسبق لإيران أن تحدت أمريكا وجبروتها حين عبرت ناقلاتها النفطية المحيطات باتجاه فنزويلاً لتزودها بالبنزين المكرر تحت نظر البحرية الأمريكية التي لم تحرك ساكناً حيالها.

وكل ما استطاعت الإدارة الأمريكية عمله- كما قال نصر الله في خطابه في الثاني والعشرين من شهر أغطس ( آب ) الجاري- هو أنها كشفت أنها المسؤول الحقيقي والأول عن الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان، وأنها صاحبة قرار حصار لبنان، عندما اتصلت السفيرة الأمريكية في لبنان "دورثي شيا" برئيس الجمهورية ميشال عون لتعلمه بأن الإدارة الأمريكية ستعمل على إيصال الغاز المصري إلى الأردن ليمر عبر سوريه باتجاه شمال لبنان، وأنها ستطلب من الأردن زيادة انتج الكهرباء لتزويد لبنان عبر سورية، ما دفع المراقبون للتساؤل والسؤال: لماذا النجدة الأمريكية للبنان جاءت بعد خطاب نصر الله؟ ولماذا منعت الأردن سابقاً من تزويد لبنان بالكهرباء؟ ولماذا منعت مصر سابقاً من تزويد لبنان بالغاز؟!

يضاف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة في الوقت الذي لم تستطع فيه منع واعتراض ناقلات النفط، راحت تستجدي حلفائها في الاقليم، اعتراض ومنع ناقلات النفط الإيرانية من عبور البحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط باتجاه لبنان، لكنها لم تسمع منهم استجابات بهذا الشأن، ما اضطرها لأن تطلب من أدواتها في لبنان أن ترفع "الدوز" بإطلاق تصريحات نارية وتعبئة الشارع الطائفي، ضد وصول الناقلة باعتبار ذلك خرق للسيادة اللبنانية، لكن هذه الأدوات باتت هي الأخرى في ورطة، وهي ترى الإدارة الأمريكية التي تتكئ عليها عاجزة عن اعتراض السفن الإيرانية التي ترفع علم لبنان.

عملاء أمريكا في لبنان أسقط في أيديهم

أما عملاء أمريكا و السعودية في لبنان، فقد أسقط في أيديهم، بعد أن اعتقدوا أن حديث نصر الله قبل حوالي أسبوعين بشأن استقدام النفط من إيران مجرد حديث تعبوي في سياق علاقات عامة ليس أكثر، فرئيس تيار المستقبل – على سبيل المثال لا الحصر- "اعتبر وصول السفن الإيرانية إعلاناً خطيراً يزج لبنان في صراعات داخلية وخارجية، وأن حصول هذه السفن على تأشيرة دخول يكون نتيجة تواطؤ رئيس الجمهورية مع حزب الله، بدون موافقة أكثرية اللبنانيين، مما يعرض لبنان لعقوبات إضافية شاكلة العقوبات التي تخضع لها فنزويلا ودول أخرى". فالحريرية السياسية، التي ترتبط بالحكم السعودي من موقع التبعية المطلقة، لم تقدم على أية خطوة لحل مشكلة الوقود المستفحلة في لبنان، ولم نسمع منها مناشدة للرياض بإرسال سفينة وقود في لبنان، ورأينا سعد الحريري يتباكى على لبنان كون سفن الوقود الآتية من إيران لم تحصل على تأشيرة دخول للمياه اللبنانية، ورأينا بقية أطراف التحالف الانعزالي من جعجع وزمرته يسربون أخباراً في أن وصول سفن النفط الإيرانية لا يحظى بموافقة معظم الشعب اللبناني ما قد يوتر الأوضاع في لبنان. وراح زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع يحمل الرئيس عون مسؤولية وصول سفن الوقود الإيرانية إلى لبنان ، وذلك في تغريدة له عبر "تويتر" في أنه ترك حزب الله يصادر القرار الاستراتيجي والأمني في لبنان، زاعماً أن وزير الطاقة الذي ينتمي للتيار العوني لم يستجب لطلبات الشركات الخاصة وبعض القطاع الخاص بمنحهم أذونات لاستيراد البنزين بأسعاره الحقيقية بعد أن عجزت الدولة عن تأمينه مدعوما، في حين راحت أطراف أخرى تلوك كلاماً فارغاً في أن وصول السفن الإيرانية سيزيد من حجم الحصار على لبنان وكأنه بقي أجزاءً أخرى من الحصار والعقوبات لم يتم تطبيقها على لبنان.

أبعاد القرار الجريء لحزب الله

لقد بات واضحاً للعيان أن الحزب قادر على اتخاذ القرار المناسب و وعلى تحمل مسؤوليته بجرأة عالية، عندما تستدعي الظروف ذلك، بمعنى عندما يصبح الوطن مهددا من العدو وعندما يصبح أمن المقاومة مهدداً، وعندما يصبح الشعب اللبناني في حالة من الهوان الناجم عن الأزمة الاقتصادية والحصار الأمريكي، وفي الذاكرة قراره الشهير في شهر آذار 2008 باجتياح بيروت الغربية، رداً على قرار الحكومة آنذاك بمنع الاتصالات السلكية الخاصة بحزب الله التي لعبت دوراً أساسياً في انتصار تموز 2006، وبتغيير الوظائف الأمنية في مطار بيروت.

ونصر الله بهذا القرار الجريء قدم (أولاً) خطوة عملية لتخفيف معاناة الشعب اللبناني جراء ورطة الحصار المبرمج الذي ينفذه التحالف الأمريكي السعودي وأدواته المحلية، والذي بات الشعب اللبناني يدفع ثمنه فقراً وجوعاً ومرضاً جراء نقص الدواء وشح الكهرباء واحتكار النفط، من قبل مجموعة من التجار الجشعين -الذين أطلق عليهم نصر الله وصف " الخونة " ورفع الدعم عن الوقود من قبل مصرف لبنان، دون أن تتمكن الدولة من عمل شيء ما بحكم فساد الطبقة السياسية ونظام المحاصصة الطائفي، وبحكم أن رئيس مصرف لبنان مدعوم من الأمريكان ويتصرف وكأنه رئيساً للجمهورية والحكومة معاً، وفي الذاكرة تبخر ودائع اللبنانيين وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، ما أدى إلى دخول الدولة في حالة الانهيار. (وثانياً) أنه بهذا القرار تصدى بالممارسة على الأرض للمقولات الصهيوأميركية والانعزالية، التي تحمل حزب الله مسؤولية الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تطحن في دواليبها الشعب اللبناني، وأنه على العكس من ذلك يعمل المستحيل لفك الحصار عن لبنان وبات في نظر مختلف الفئات الاجتماعية في مختلف الطوائف المنقذ والمخلص، ووفق المثل الشعبي ( أبو الولد وأم الولد). (وثالثاً) أنه بهذا القرار يفشل مجدداً الاشتراط الضمني الأمريكي السعودي القائل: لا حل للأزمة الاقتصادية الطاحنة في لبنان، إلا بالثورة ضد حزب الله وتجريده من سلاحه وسبق لحزب الله أن أفشل كل محاولات التعبئة والتحريض وإشعال حرب أهلية ضده منذ حرب تموز 2006، والتي كلفت الخزينة الأمريكية والسعودية عشرات المليارات مكن الدولارات.

صحيح أن السفينة لن تحل الأزمة الاقتصادية، لكنها خطوة تحدث انفراجاً في الشارع الشعبي، جراء توليد الكهرباء وتشغيل الأفران وتوفير طاقة الحياة للمستشفيات، وبالتأكيد ستتلوها خطوات أخرى، في إطار برنامج متكامل إن على صعيد الغذاء والدواء. وحزب الله بهذه الخطوة – كما أكد نصر الله - كان مضطراً لينوب عن الدولة مؤقتاً في حل مشكلة الوقود، في ضوء فشل وعجز السلطة وترك الناس متروكة لمصيرها، بعد أن شاركت الطبقة السياسية المرتهنة لواشنطن والرياض في جريمة الحصار المرتبطة بقانون قيصر، المفروض على كل من سورية ولبنان، وبعد أن باتت الدولة وحكومة تصريف الأعمال عاجزة عن تقديم أية خطوة تنقذ الشعب اللبناني الذي بات في أغلبيته يعيش تحت حط الفقر.

وأخيراً أتفق مه ما ذهب إليه بعض المراقبين في أن الأمريكيين تلقوا صفعتين:

الأولى: هي إثبات حزب الله بأنه قوة ردع وحماية للبنان، وأنه قادر ومتمكن من كسر الحصار.

والثانية: هي دفع حزب الله الأمريكيين إلى أن يكسروا الحصار بأنفسهم الحصار، ليس عن لبنان وحسب، وإنما عن سورية أيضاً ولو جزئياً، ما يعني التراجع جزئياً عن قانون قيصر.