Menu

الفِلَسْطِينيُّ بَيْنَ أُودِيْسْيوس والسِّنْدِبَاد

عبد الرحمن بسيسو

أوديسيوس

نُشر هذا المقال في العدد 29 من مجلة الهدف الإلكترونية

تُمَثِّل إقامةُ التَّوازي والمُفَارَقَة بين الفِلَسْطِينيِّ والسِّندباد مَعلمًا أساسيًّا من معالِمِ الأدب الفِلَسْطِيني المُعَاصر. ولئن كان بعض الشُّعراء والرِّوائيين قد ذهبوا إلى إقامة علاقة التَّوازي التَّفاعلي بين الفِلَسْطِيني و"أوديسيوس/ يولسيس" بدلًا من الفِلَسْطِيني و"السِّندباد"، فإنِّمَا يرجع هذا الاختيار، فيما نَحْسَبُ، إلى دوافِعَ ثَقَافِيَّة، أو رُبَّما آيديولوجيِّة، ترتبط بالمبدع نفسه، وبالرَّسائل التي يُريد تمريرها عَبْـرَ المُقَارنَة والْتِقَاطِ فحوى المُفَارقةِ أو التَّطابُق، وبالمنابع التـي يستقي منها ثقافته، وبالفئات التـي تستهدفها كتابته؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، يذهبُ جبرا إبراهيم جبرا  في روايته "السفينة"(1) إلى إقامة التَّوازي بين "وديع عسَّاف"، الشَّخْصِيَّة المحورية في هذه الرِّوَايَة، والبطل الملحمـي الإغريقي "أُوديسيوس/ يولسيس" من حيث أنَّ كليهما كثيـرُ التَّرحال، شَغُوفٌ بالإبْحَارِ والتَّجوُّل والاكتشاف والكشف، وذلك مع استمرار وجود مفارقةٍ تُميِّـز أحدهما عن الآخر، وهي مفارقة تلتقي، إلى حدٍّ ما، مع المفارقة التي التقطها أبو اليزيد في رواية توفيق المبيض "أُسْطُورة ليلة الميلاد" والَّتي بيَّنَّاهَا للتَّوِّ.

يقول "وديع عسَّاف": "البحرُ مهما عشقته غريب عني، الجزر كلها مهما تمتَّعت بالتجوال فيها وبينها، ليس فيها مستقر لنفسي. لا بُدَّ لي من عودة إلى الأرض. يولسيس كان أبرع منا جميعًا في الإبحار والتَّجوال، ولكنه كان مثلنا، إنما يهرب ليبلغَ في النهاية ما يستطيع أنْ يغرز فيه قدميه، ويقول:" هذا ترابي. ألم تخبـره الفاتنة كالبسو(2)، وهو في أمس حاجته إلى الرَّاحة من وعثاء السَّفر وويلاته، بين البقاء في الجزيرة معها خالدًا كالآلهة، وبين عودته بشرًا فانيًا إلى أرضه؟ غير أنه رفض الخلود واختار العودة إلى أرضه. سترى "مها" ذلك ولا ريب. فلتكن جاكلين، أو أية امرأة أخرى، كالبسو ثانية. الفناء في الأرض في النِّهاية أطيب وألذ وأعمق. حالما ترى "مها" ذلك سينتهي الفصام بينها وبين ما أحب. سيتحد الشقان ثانيةً كما يجب أنْ يتحدا. سأحملها إلى أرضي، وأحرث كلتيهما"(3).

وفي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النَّحس الْمُتَشَائِل"، ترد الإشارة إلى "السِّنْدبَاد" في سياق مُحاورةٍ دارت بينَ "باقية" وابنها الوحيد "ولاء"، حيثُ كانت الأمُّ "باقية" تحاولُ إقناع ابنها الوحيد "ولاء" بالخروج من الكهف الذي كانت قواتُ الاحتلال الصُّهْيُوني تُحاصرهُ فيه، آملةً أنْ ينجيه خُروجه منه، وتسليم نفسه لقوات الاحتلال من مَوتٍ مُحقَّق. ولم يكن هذا الكهف إلَّا "القبو المهجور"، أو "المغارة" التي عثـر فيها "ولاء" على كنـز أُمِّه "باقية" الموروث عن جدتها ووالدتها وأخواتها، والذي لم يكن، في حقيقته، إلَّا صُنْدوقًا يحتوي قطع أسلحة وذخيـرة ورشَّاشان كان لعثوره عليه أنْ يُمَكِّنه من الشُّروع في تحقيق إرادة وعيه الثَّوري الذي أسهمت أُمُّه "باقية" في تشكيله، وذلك بالانضمام إلى الفدائيين الفِلَسْطِينيين، تمرُّدًا على الاحتلال الصُّهْيُوني لأرض أُمِّه الـ"باقية"؛ أي وطنه ومجاله الوجودي الحيوي المسلوب، والبَاقي في وجدانهِ ساكِنًا إيَّاهُ فِيْهِ ومسْكُونًا بِه، ومُتطلِّعًا إلى التَّحرُّر النِّهائي من الاحتلال الصُّهْيُوني؛ ليستعيدَ دوره الإنساني الحضاري الخالدَ في رِحابِه: "فِلَسْطِين".

في سياق هذه المُحاورة المفعمة بالرَّمزيِّة، تُنَاشِدُ "باقية" ابنَها الفدائي "ولاء"، وهي مسكونةٌ بحُبٍّ عارمٍ وقلقٍ يُشْعِلانِ رغبتها اللَّاهبة في حمايته والمحافظة على حياته، أنْ يُلقيَ سلاحه، وأنْ يخرج من الكهف، وأنْ يُسَلِّم نفسه لقواتِ الاحتلال التي تُحَاصرهُ الآن، لِيَسْلَمَ مِنْ فَتْكِهَا، وليَنْجُوَ، بحسب وعد هذه القوات لها ولأبيه، من هَلاكٍ مُحقَّق. ولكنَّه يرفض، فَتُمْعِنُ في السَّعي إلى إقناعه، بطرائقَ وتبريراتٍ وذرائعَ شتَّى، بأنْ يستجيبَ لطلبها، ليس لأنَّها ترفضُ، من حيث المبدأ، تمرُّده على الاحتلال وانضمامه إلى الفدائيين الذَّاهبين إلى إطلاق "ثورة"، وإنِّما لأنَّ اللَّحظة المواتية لفعل ذلك، من قبله، ومن قبل جيله بأسره، ومن قبل الزَّمن، لم تحن بعدُ، فهو، كما تقولُ أُمُّهُ "باقِيةُ" لهُ: لم يزل فتىً صغيرًا لا ينبغي لليأس أنْ يدفعه، وجيله، إلى التَّعَجُّل الَّذي يُجْهِصُ الفِعْلَ، "فالطَّبيعةُ تَكْرَهُ الإجهاض"(4)، وليس "لجيلٍ واحدٍ أنْ يَحْسِمَ في الأمر"(5)، كما أنَّ للزِّمن، الذي هو صيرورةٌ دائمةٌ وتحوُّلٌ مُستَمرٌّ، دورًا في إنضاج اللَّحظة المواتية لإنهاض الفعل الثَّوريّ، وما علينا نحنُ جميعًا إلَّا أنْ نُغذّيَ الزَّمن بما يُمَكِّنهُ من تغذية البذور والجذور، وبصلات الزَّنابق حتَّى تُبَرْعِمَ، وذلك بأنْ "نحرث، ونزرع، ونتحمَّل حتَّى يحين الحصاد"(6).

تأسيسًا على هذه الرُّؤية، تَقولُ"باقية" لابنها الوحيد "ولاء":"دَعِ الزَّمنَ يَزْمُنُ"(7) وتَطْلُبِ إليْهِ أَلَّا يستخفَّ به أبدًا، إذْ "لا ريبَ في أنَّه"سيجيء ... فـكم من شعبٍ انْتَـزَعَ حُرِّيَتَهُ، وسيأتي موسمنا"(8)، ولكنَّ "ولاء" الَّذي توافر، بدعمِ أُمِّهِ وبسببٍ من تنشئتها له وغرسها بذور الولاء للوطن في وجدانه النَّاشئ، على وعيٍّ ثوريٍّ ناهضٍ ورؤية مستقبليِّة، الَّذي توفَّرت لديه الأسباب والدَّوافع والقدرات التي مَكَّنته من إطلاقِ تمرُّده على الواقع الكهفي المُظلم، يَسْأَلُ أُمَّهُ، مُسْتَنْكِرًا ما ينطوي عليه كلامها من تأَنٍ غير مُبـرَّرٍ، وحرصٍ على التأجيل، وإمعانٍ في الانتظار، وإغراق في التَّعويل على الزَّمن عَبْـرَ الإمساك بتلابيب تفاؤلٍ حالم، فتتابعُ مسعاها لإقناعه بما ينبغي عليه فعله الآن، فتذهب المُحَاورةُ، في هذه اللَّحْظَة، إلى إقامة نَوعٍ من التَّوازي الضِّدي بين كهفين: كهف الواقع القاتم القائم، والكهف الذي يحتضنُ، الآنَ، كِنْـزَ الأُمِّ "بَاقية" الموروث، كَما يَحْتَضِنُ ابنها الوحيد الفِدَائي "ولاء"، ثُمَّ تنداحُ المُحاورة لإثارة تساؤلاتٍ وجوديِّةٍ وتقديم أجوبة تتحوَّلُ، بدورها، إلى أسئلةٍ تفْضِي إجاباتها، ضمنَ ما تفضي إليه، إلى إقامة موازاةٍ ضمنيَّةٍ تَعَارُضِيَّةٍ بين مُكوِّنات هُوِيَّة "السِّنْدباد القديم"؛ سندباد الحكاية الشَّعبيَّة و"ألف ليلة وليلة"، ومُكوِّنات هُوِيَّة "السِّندباد الجديد" الفدائي "ولاء"؛ سندباد التَّمرُّد على الواقع الاستِعْماريِّ الاحتلالي القائم الآنَ في وطنه المُغتصب: "فِلسْطِين":

" - ... إنَّك يائسٌ يا ولدي

  • لا أرى حولي سوى الظَّلام.
  • في الكهف.
  • حياتي كُلُّها كهف.
  • فأنتَ لا تزالُ في البصلة تتبرعمُ. اخرج إلى نُورِ الشَّمس!
  • أين مكاني تحتَ الشَّمس؟
  • تحت الشَّمس. الدُّنيا بخيـر، يا ولدي. فكم من شَعْبٍ انتـزعَ حُرِّيته. وسيأتي موسمنا.
  • أتظلِّين تحلمينَ بالجُزر السَّبع وراء البُحيرات السَّبع؟
  • إنَّها جُزرنا وبحارنا. والسِّنْدِبَادُ، يا ولاء، كفَّ عن رحلاته، وصار يبحثُ عن الكنوز في تُراب وطنه.
  • حياته لا تُطاق.
  • حينَ تْصْبِحُ الحياةُ أرخصَ من الموت، يُصْبِحُ ما أصعب من بذلها أنْ نَعُضَّ عليها بالنَّواجذ"(9).

ها هُنا يُقدِّمُ "ولاءُ" نفسَهُ إلى أُمِّهِ "باقية"، مُفْصِحًا عن هُويِّته المتحقِّقة في هذه اللَّحظة من لحظات صيرورتها، وكأنَّما هو يُؤكِّد لها أنَّه قد صَار ما قد أرادت هي لهُ أن يصيرَ من أجل نفسه ومن أجلها، وما قد أراد هو لنفسه أنْ يصير من أجلها ومن أجل شعبه ونفسه: فدائيًّا مُحفَّزًا بوعيٍّ ثوريٍّ إنسانيٍّ تَشَرَّبَهُ منها، فجعل ولاءه خالصًا لها، فهي أمُّه "باقية"، وهي فِلَسْطِيْنَهُ الـ"باقية"التي أرادت لهُ أنْ يمضي، قويًّا وواثقًا، في طريق تحريرها من قيود الاحتلال كي تستعيده إليها فيما هو يسعى إلى استعادتها عَبْـرَ إخراجها من هذا "الكهف" ذي السَّواد الحالك، الَّذي جَعَلَ حياتها وحياته، كُلَّها، كهفًا؛ ليُطلقها حُرَّةً تخطو واثقةً في مداراتِ وجودها الحُرِّ الطَّليق "تحت الشَّمس" وهي تحتضنهُ مُمْسِكةً بيدهِ القويَّة المُبْدِعة؛ كي تحتمي به، وتحميه، وكي يُنْهِضَها لِتَنْهَضَ به وتُنْهِضهُ، ليُتابعا، معًا، تجلية كينونتهما الحَضَارِيَّة الوجوديَّة المتجذِّرة في أرض فِلَسْطِين، والملتحمة في رحابها، والمسافرة في فضاءاتها الرَّحبة تحت شمس العالم مُتابعةً أداء دورها الفاعل في ابتكار الحياة، وإبداع الحضارة الإنسانيَّة، والإعلاء من شأنِ الإنسان.

مُتماهيًا مع رؤية أُمِّه باقية، ومستجيبًا لندائها، وساعيًا لتمكينها من ملاقاة آمالها، وتحقيق تطلعاتها وأشواقها، لا يذهبُ "ولاء" إلى التَّماهي بالسِّندباد القديم، فلا يَرحلُ عن أرض وطنه، ولا يجوبُ وجوه البحار، كالسِّنْدبادِ القديم، باحثًا عن أرضٍ أُخرى تكون له حَيِّـزًا للمُغَامرة والتَّجَوُّل والاكتشاف والكشف، أو تكون له، كما يُريد عدُّوه الصُّهْيُوني الذي اقتلع أهله من أرضهم، ومن بيوتهم، وشَرَّدهم بعيدًا عنها، بمثابة مأوى، أو موضع قدم، أو منفى، وإنِّما يتشبَّثُ بكلِّ ذَرَّة ترابٍ من تراب وطنه، الَّذي غَرَسَ قدميه فيه، محتفظًا، في أعماق وجدانه، بسرِّ هذا الوطن، ومُرسِّـخًا جذورَ حضورِه في رحابه ومداراته، ومُعزِّزًا انتماءَه إليه، والتحامه به، ومُوغِلًا، مع أُمِّه، في البحث عن الكُنُوز في أرض وطنه، تنقيبًا في أغوار طبقاتها، وغوصًا في أعماق بحارها؛ ليكونَ هو السِّنْدِبَادُ الفِلَسْطِينيُّ الجديد الذي أرادت لَهُ أمُّه، كما أراد هُوَ لِنَفْسِهِ، وبخيار وعْيِهِ الحُرِّ المُسْتَنِيرِ، أنْ يكون.

ومن اللافت للانتباه، هُنَا، أنَّ إقامةَ التَّوازي التَّجاوبي والتقاط المُفارقة بين الفِلَسْطِيني المعاصر والسندباد القديم، إنَّما تتحرَّك على محورٍ ثابتٍ هو علاقة الإنسان الفِلَسْطِيني بأرضه المسلوبة وهُويِّته المُهدَّدة، وهذه مسألة أحسب أنها لا تقتصرُ على الرِّوايات الثلاث التي تناولناها في الفقرات السابقة، وإنمّا تتكرَّرُ باستمرارٍ لافت، وتتعدَّد تجلياتها وتتنوَّع، في عددٍ غيـرِ قليلٍ من الروايات الفِلَسْطِينيَّة، حيثُ يحضرُ السِّنْدبَاد، أو أوديسيوس/ يولسيس، أو أيٍّ من ردائفهما ومُسَمَّيَاتِهِمَا،  بطرائقَ بنائيِّةٍ متعددةٍ وتقنياتٍ أسلوبيِّةٍ متغايرة؛ لإقامة هذه الموازاة الدلاليِّة عَبْـرَ توفير ما يُؤسِّس لها، ومتابعة ما يتفرَّعُ عنها، وذلك على نَحْوٍ  يستوجبُ مقاربتها، بتوسُّعٍ وعُمق، لا تتوفَّر أدنى إمكانيَّة للوفاء بمقتضياتهما الموضوعيَّة والمنهجيِّة في هذا الكتاب المُكرَّس لدراسة موضوعٍ مُحدَّد. ولعلَّنا نُقاربُ هذه المسألة النَّقديِّة المهمَّة في كتابٍ آخر، أو لعلَّ نُقَّادًا ودارسين آخرين يعتنون بتناولها، في زمنٍ قريبٍ لاحق.

ومهما يكن من أمر، فإنَّ كُلًّا من: إميل حبيبـي، وتَوفِيْق المبيض، يلتقيان مع جبرا إبراهيم جبرا، من حيث أَنَّهما قد رأيا، على لسان شخصيتيِّ روايتيهما: "ولاء" و"باقية" في "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النَّحس الْمُتَشَائِل"، و"أبو الحافظ" و"أبو اليزيد" في "اُسطورة ليلة الميلاد"، ما كانَ "وديع عسَّاف" قد رأهُ في "السَّفينة" قبل سنوات(10)مِن صُدورِ روايَتَيْهِما، فليستْ الحقيقةُ بعيدةً حتـى يجوبَ الفِلَسْطِينيُّ وراءَها البِحَارَ، مثل: "السِّندباد" أو "يولسيس"، وإنِّما هي الأرضُ الصُلبة الرَّاسخة المناقضةُ لِسَطح الْبَحْرِ ودوَّامات مياهه الرَّخوة، أو هي غوصٌ في البحر حتي أبعد أعماقه التي تلامسُ الأرض وتوغلُ في أغوارها العميقة.

وإلى ذلك، لا تكون الحقيقةُ، بالنِّسْبَة للفلسْطِينيِّ، تجاوزًا للمكان أو رحيلًا عنه، وإنِّما هي تشبثٌ به وترسيخٌ للجذور الحَضَارِيَّة والتَّارِيخِيَّة العميقة التي تُؤسِّس لحمتَهُ بأرض وطنه، وتجعلُ هذه الأرض مدارًا حيويًّا لوجوده. إنَّ الحقيقة، هنا، هي قَدَرُ الفِلَسْطِينيّ، أو لِنَقُلْ هي الضَّرورةُ الحَضَارِيَّةُ التاريخيّةُ التي تحكم وجوده فوق أرضه. إنَّها القدر الذي كان "وديع عساف" قد أدرك حقيقته، لتدركها من بعدهِ "باقية" في تضَافُرٍ رؤيويٍّ ومَعْرِفيٍّ عميق مع ابنها "ولاء"، وليدركها، من بعدهما، "أبو الحافظ" الَّذي صاغت كلماته القليلة المُفَارقة التي كان "أبو اليزيد"، كما "ولاء" و"باقية"، ومن قبلهم"وديع عسَّاف"، قد التقطوها، فـ "من سخرية القدر أنْ تختلف طريقنا، وبشكلٍ جذري التَّضاد، عن كل ما عرفته البشرية من طرق .. عليهم أنْ يطيـروا وعلينا أن نغوص .. إلى هناك .. إلى الأعماق .."(11).

على أنَّ هذه الحقيقة، في النهاية، ليست معجزةً خارجيةً يجترحها "وليٌّ" صالحٌ ذو كراماتٍ تَلَبَّسَ، أو لُبِّسَ، هُويَّةَ نَبِيٍّ مُعْجِزٍ، أو مُنْقِذٍ تنْتَظُرُ مُخَيِّلةُ الموهومين من النَّاس إيابه من فضاءٍ بلا هُويِّة، أو من فراغٍ موهوم، أو من قاع جحيمٍ بلا قاع، وإنما هي معجزةُ الإنسان الفِلَسْطِيني الحقيقية، مُعجزة التَّسَبُّث الرَّاسـخ بالأرض والفعل الإنساني الذي يصنع التاريخ، ويُجدِّد الوجود، تمامًا، كما صورها الأعمـى في رواية غسان كنفاني "الأعمـى والأطرش"، فهي معجزةٌ "تجتـرح من القاع"(12)، لأنَّها، في البدء والمُنتهـى، "معجزة الجذور الضَّاربة في رحم الأرض، الضَّاربة في هذا الجسد المُقدَّس للتُّـراب"(13)، وهي "الجنين الغريب الذي ينمو في رحم اليأس، ثُمَّ يُولدُ على غيـر توقُّعٍ من أحد ليُضْحِي جزءًا من الأشياءِ، تبدو، هناك، ناقِصَةً دونه"(14).

هَوامِش وإشَارَات

  1. جبرا إبراهيم جبرا: السفينة، دار النهار للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1970.
  2. تُخاطبُ عروس الماء الفاتنة "كالبسو" البطل الملحمي ـ"أودسيوس" الذي استضافته في جزيرتها "أوجيجا"، حيث قضى هناك، شقيًّا، ثمانية أعوام أو يزيد بعيدًا عن وطنه وعن زوجته الحبيبة "بنلوبي"، قائلةً: "هل فكرت أيها الرجل في الأهوال الجسام التي تخرط قتادها قبل أن تصل إلى بلادك؟ أليس خيرًا لك أنْ تظل إلى جانبي، وتقاسمني كهفي، فتصبح من الخالدين ... وتنسى هذا الجمال الفاني الذي لا ينفكُّ يُصِيبُكَ ويُسْبِيكَ، الذي أحسبُ جمالي وفتنتي لا يقلان عنه سحرًا، إن لم يزيدا عليه فتوناً؟"، فيجيبها أوديسيوس الحكيم: "أيتها الرية المخوفة، هوني من حفيظتك! فأنا أعلم أنْ بنلوبي العزيزة لا تزن من جمالك وفتوتك مثقالا، لأنها هالكة، ولأنك من الخالدين، بيد أن الذي يصيبني هو وطني ... وطني الحبيب الذي أحن إليه وأهيم به، وفي سبيل العودة إليه لن يخيفني هذا اللُّج المتلاطم، فلقد بلوت الأعاصير في البر والبحر، في غبار المعمعة، وفي الفلك تحت كلكل الزوبعة .. إليّ، إليّ يا خطوب، وأقدمي بكل هولك يا رزايا. هوميروس: الأوديسه، ترجمة دريني خشبه، دار الهلال المصرية، روايات الهلال، العدد 253، القاهرة، 1970، ص 52، 53، حيث منهما أُخِذَ المقتبسان السابقان.
  3. جبرا إبراهيم جبرا: السَّفينة، ص 227، 228
  4. إميل جبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النَّحس المتشائل، ص 141.
  5. المصدر السابق، ص 144.
  6. المصدر السابق، ص 142.
  7. المصدر السابق، ص 143.
  8. المصدر السابق، ص 143.
  9. المصدر السابق، ص 142، 143. ونلاحظ، هُنَا، أنَّ ثمَّة خللًا يجعلُ تركيب الجزء الثاني، من الجملة الأخيرة من هذا المقتبس تركيبًا لُغويًّا ونحويًّا قَلِقًا!
  10. صدرت رواية "السَّفينه" قبل نحو أربع سنوات من صدور "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النَّحس المُتشائل"، وقبل سبع سنوات من صدور "أسطورة ليلة الميلاد"، وفي هذا ما يفصح عن أنَّ جبرا إبراهيم جبرا، في روايته "السَّفينة"، قد افتتح التَّوجه، في الرواية الفلسطينيِّة، لإقامة الموازاة بين الفلسطيني يولسييس/ السِّندباد، عبر نقلها، على الأغلب، من الشَّعر، وذلك في سياق إحالة إشاريِّة إلى الملحمة الإغريقيِة "الأوديسَّة"، التي أَمْلت استبدال يولسيس بالسندباد. غير أنَّ أوَّل توظيفٍ مُكثَّف للسِّندباد، كرمز كُلِّي، أو كنمطٍ أصليٍّ،  أو كقناعٍ شِعْريٍّ تكوينيٍّ مُحكم، إنِّما كان قد تحقَّق في الشِّعر على يد الشَّاعر خليل حاوي، وذلك في قصيدتيه: "وجوه السندباد"، والسندباد في رحلته الثَّامنة" المكتوبتين خلال العامين 1956- 1958، والمنشورتيتن في ديوان "الناي والرِّيح" الصادر في العام 1961. ومن اللافت للانتباه أنَّ إقامة التَّوازي والتقاط المُفارقة الأحاديَّة، أو المُفارقة المُتشعِّبة، بين الفلسطيني والسِّندباد، قد تابعت التَّجلي في الرواية الفلسطينينَّة، ولعلَّ أبرز تجلياتها الأخيرة أنْ يتجسَّد في رواية يحيى يخلف"اليد الدَّافئة"، الصَّادرة في أيلول (سبتمبر) من العام 2017.
  11. توفيق المبيِّض: أسطورة ليلة الميلاد، ص 46.
  12. غسان كنفاني: الأعمى والأطرش، ص 506.
  13. المصدر السابق، ص 506.
  14. المصدر السابق، ص 473.