Menu

الفلسفة والإلحاد: 3 - لودفيغ فويرباخ

بوابة الهدف الإخبارية

"سيتبلورُ توجهٌ جديدٌ للإلحاد ابتداء من فلسفة الفيلسوف الألماني لودفيغ فويرباخ (1804 – 1872) Ludwig Feuerbach. وسيعرف هذا التوجه الإلحاديُ انتشارا كبيرا في القرن العشرين في أوساط الفلاسفة كما سيكون له تأثيرٌ كبير. ويقتضي هذا الإلحادُ الذي أسسه فويرباخ عدم التطرق لقضايا الأنطولوجية الأساسية التي يثيرها الإلحاد، في حالة ما إذا أخذنا الطبيعة بالحسبان.

ومنذ التمهيد الذي خص به فويرباخ الطبعة الأولى من كتابه "ماهية المسيحية"، أوضح أنه سوف يعالج اللاهوت (الثيولوجيا) باعتباره علم أمراض نفسية"(1).

يمكن وصف نقد فويرباخ للدين (أي نقده للمسيحية تحديدا) على أنه نقد سيكولوجي وسوسيولوجي. فمنذ الفلاسفة اليونانيين القدماء (في القرن الخامس قبل الميلاد) حتى دي هولباخ D Holbach، بذل الإلحاد جهدا كبيرا ليتخذ نفسَه موضوعا للتفكير ككوسمولوجيا ملحدة أو كفلسفة للطبيعة.

لكن ابتداء من فويرباخ وإلى اليوم (مع بعض الاستثناءات)، لم يبذل الإلحاد مثل ذلك الجهد المشار إليه، وسوف يفترض أن الإشكال المتعلق بأساس العالم (والذي لازال موضوعا للتفكير) قد وجدَ حلا له. لذلك سوف ينقل المعركة إلى جبهة علم النفس والسياسة (...).

انطلاقا من وِليم الأوكامي (Guillaume d Occam أو Guillaume d Ockham أو بالإنجليزية William of Ockham) في القرن الرابع عشر، ومارتن لوثر (Martin Luther) في القرن السادس عشر، وخاصة انطلاقا من كانط (Emmanuel Kant) في القرن الثامن عشر، انتشرت في أوساط الفلاسفة قناعة مفادها أنه لا يمكن إثبات وجود الله بالعقل، لأن وجود الله مسألة تخص "الإيمان" و"الاعتقاد" و"الرأي" (...).

يعتقد فويرباخ أن "لغز اللاهوت هو الأنثروبولوجيا"(2)، فبما أن علم اللاهوت المسيحي يرى أن الله هو الإنسان، وأن الإنسان هو الله، فإن فويرباخ لم يقم إلا بإفشاء سر الدين بالقول "إن الإلحاد هو سر الدين نفسه، وأن الدين نفسه، في عمقه، لا يؤمن بشيء آخر ما عدا ألوهية الكائن الإنساني"(3).

يقول فويرباخ "إن المعنى الحقيقي للاهوت هو الأنثروبولوجيا"، وأنه "لا وجود لأي فرق بين محمولات الكائن الإلهي ومحمولات الكائن الإنساني"(4)، ويضيف أن "ألغاز اللاهوت هي ألغاز الطبيعة الإنسانية"(5)، وأن "الدين هو حلم العقل الإنساني"(6).

في نهاية التمهيد الذي خص به فويرباخ الطبعة الثانية لمؤلفه (ماهية المسيحية، 1843) كتب ما يلي: "لقد اختفت المسيحية من العقل ومن الحياة الإنسانية منذ زمن بعيد"(7).

وبعد قيام فويرباخ بتحليل سيكولوجي للدين انتقل إلى عالم الطبيعة. وفي هذه الحالة تم الاعتماد على ما قاله الملحدون قبل كانط: بما أن الفرضية تقول إنه لا وجود لإله، فالنتيجة هي أن الوجود المطلق هو الطبيعة.

يلخص فويرباخ موقفه كما يلي: "يتلخص رأيي الخاص في كلمتين هما: الطبيعة والإنسان. الوجود الذي أضعه قبل الإنسان، الوجود الذي هو أصل وسبب وجود الإنسان، الوجود المسؤول عن ميلاد ووجود الإنسان ليس هو الله (والله كلمة غامضة ومُل غزة وغير محددة) ولكنه الطبيعة (والطبيعة كلمة واضحة حسية وغير مُبهمة). إن الكائن الذي تُصبح الطبيعة من خلاله كائنا إنسانيا واعيا عاقلا هو الإنسان. إن كائن الطبيعة اللاواعي هو بالنسبة لي الكائن الخالد الأبدي، غير المخلوق، الكائن الأول، ولكنه يعتبرُ –في العلاقة بالزمن وليس بالدم- الكائن الأول ماديا وليس أخلاقيا. أما الكائن الإنساني الواعي هو بالنسبة لي المخلوق الثاني في العلاقة بالزمن، ولكنه الأول في العلاقة بالدم"(8).

في الفصل الثاني عشر من كتابه "ماهية المسيحية"، انتقد فويرباخ فكرة الخلق اليهودية. ولاحظ أن مصدر هذه الفكرة هو الدين اليهودي. وأن فكرة الخلق تشكل العقيدة الأساسية والمميزة للدين اليهودي، كما يرى أن المبدأ الذي صدرت منه عقيدة الخلق هو "الأنانية"(9). "يُفترض أن نندهش من طرح هذا السؤال: من أين تأتي الطبيعة (أو العالم)؟ ولماذا توجد؟ لكن هذه الدهشة وهذا السؤال لا ينتجان إلا حيث تم انفصال الإنسان عن الطبيعة من أجل اختزالها في مجرد موضوع تتحكم فيه الإرادة"(10). لم يكن الوثني منفصلا عن الطبيعة (خلافا لليهودي الذي انفصل عنها). "تبدو الطبيعة هدفا لذاتها بالنسبة لمن تبدو له كائنا جميلا. بالنسبة للوثني، تملك الطبيعة أساس وجودها في ذاتها، كما أن السؤال: لماذا توجد الطبيعة؟ لا يُطرحُ بالنسبة له أصلا لأن مفهوم الطبيعة ومفهوم الألوهية لا ينفصلان في وعيه وفي فهمه للعالم. إن الطبيعة، كما نراها بأعيننا، تظهر فجأة، تُتولّد، لكنها ليست مخلوقة بالمعنى الديني لكلمة الخلق، ليست الطبيعة نتاجا للإرادة. وانطلاقا من ظهور الطبيعة المفاجئ بهذه الكيفية، فإنها لا تعبر عن أي شيء سلبي. فالظهور المفاجئ للطبيعة بالنسبة للوثني ليس به أي دنس ولا أي شيء "لا-إلهي". يعتقد الوثني أن آلهته تظهر فجأة أيضا. والقوة المولّدة بالنسبة له هي القوة الأولى، إنه يضع قوة طبيعية كأساس للطبيعة، بهذه الكيفية يفكر الإنسان لما يتصرف تّجاه العالم بطريقة إستطيقية أو نظرية"(11).

وعلى عكس الوثني الخيّر الذي لم يكن منفصلا عن الطبيعة الخيّرة، والذي بإمكانه أن يرى العالم كجمال وألوهية(12)، فإن اليهودي لا يرى العالم إلا "من منطلق عملي، إنه يختزل الطبيعة إلى مرتبة الخادمة الأكثر خضوعا لمصالحه، ولأنانيته العملية. كما أن التعبير النظري عن هذا التصور الأناني والعملي (والذي تعتبر الطبيعة بالنسبة له مجرد عدم) يُصاغ على الشكل التالي: الطبيعة (أي العالم)، صُنعت، خُلقت، إنها نتاج أمر (إلهي). قال الله: ليكن العالم، فكان العالم"(13). "إن المبدأ الأسمى لليهودية هو المنفعة، هو الربح"(14). "كان اليونانيون يتأملون الطبيعة بحواسهم النظرية. لكن الإسرائيليين لا يفتحون للطبيعة، على عكس الوثنيين، إلا حواسَهم المَعِديّة. ولا يتذوقون الطبيعة إلا داخل قصورهم فقط"(15). "لقد حافظ اليهود على خصوصيتهم إلى اليوم. ومبدأهم، وإلهُهم هو المبدأ الأكثر عملية في العالم: إنه الأنانية، الأنانية في ثوب ديني"(16). "إن الأنانية هي توحيدية في ما هيتها"(17). "كان اليونانيون ينظرون إلى العالم الفسيح من أجل أن يوسعوا حقل رؤيتهم، أما اليهود، وحتى يومنا هذا، فيصلون ووجوهُهم متجهة نحو القدس . وباختصار: الأنانية التوحيدية سَرقت من الإسرائيليين الحرية..."(18). "لم تكن الطبيعة بالنسبة لليهود إلا وسيلة لتحقيق غاياتهم، مجرد موضوع تتحكم فيه الإرادة"(19). "إن معنى الخلود بالنسبة للفلاسفة الوثنيين هو كون الطبيعة تشكل بالنسبة لهم حقيقة نظرية"(20). "وعلى العكس من ذلك، انتقل العبرانيون من الوثنية إلى عبادة الله، من المخلوق إلى تأمل الخالق، أي أنهم انتقلوا من التأمل النظري في الطبيعة (الذي كان يسحر الوثنيين) إلى التأمل العملي الخالص، الذي لا يقوم إلا بإخضاع الطبيعة لأهداف الأنانيين"(21). "لم تجد فكرة (الخلق من لا شيء) أصلَها إلا في قوة الأنانية العبرانية وعمقها الذي لا يُسبرُ غورُه"(22). "ولهذا السبب، لم تكن (فكرة الخلق من لا شيء) موضوعا للفلسفة"(23).

إن العودة لتصور وثني عن الطبيعة المؤلّهَة لا ينفصلُ، عند فويرباخ، عن نقد حاد لليهودية (...) صار نقد اليهودية تقليدا في الفكر الألماني(24)، ونجد ذلك في فلسفة كانط وفيخته وهيجل(25) وماركس".