Menu

الفلسفة وسؤال التحويل الديداكتيكي مساهمة في ديداكتيك الفلسفة: الواجب من المنظور الكانطي أنموذجا

بوابة الهدف الاخبارية - سكينة الكزولي

1- المقدمة:

يطرح تدريس الفلسفة أسئلة يشارك فيها الممارس، الباحث والديداكتيكي، خاصة وأن الحديث عن الفلسفة بوصفها مادة دراسية، يعني بلوغ هدف تعليم التفلسف والدفع بالمتعلم إلى اكتشاف آليات ذهنية واكتسابها (التحليل، التركيب…)، باعتبارها آليات اشتغال الخطاب الفلسفي وفي نفس الوقت الحصول على معارف تساعده على فهم المسار الذي نهجه كل فيلسوف.

 

إن الهدف من تأسيس ديداكتيك خاص بمادة الفلسفة، يعني استحضار الأسس العملية التي تجعل المتعلم ينفتح على التفكير الذاتي. ويتجاوز بعض الآراء والأفكار المتداولة، لدى عامة الناس، أي إخراج المتعلم من دائرة الحس المشترك إلى التفكير الذاتي[1] الحر الهادف، ولعل ميزة الديداكتيك هي الانفتاح على الآفاق المنهجية وتجاوز الدرس الإلقائي الذي كان سائدا منذ بداية تدريس الفلسفة. الشيء الذي جعل مدرس الفلسفة مطالبا بالاهتمام بالفلسفة كمادة مدرّسة، وليس فقط علما قائما بذاته، ومتعاليا عن باقي المواد الأخرى، إضافة إلى ذلك لا يمكن للفلسفة أن تبقى بعيدة عن كل التطورات التي عرفتها المواد الأخرى (على المستوى الديداكتيكي)، بحيث أضحت مطالبة ببناء طريقة تعليمية جديدة يتم فيها التركيز على المتعلم (التعلم) أكثر من التركيز على خطاب المدرس (التعليم)، خاصة تنمية مهارات لدى المتعلم (الأشكلة، المفهمة، الحجاج).

 

إذا كان ديداكتيك الفلسفة لم يصل بعد إلى المستوى الذي حققته بعض المواد في تطبيق الديداكتيك (الفرنسية، الرياضيات)، فإن مختلف الباحثين والمختصين في مجال ديداكتيك الفلسفة قد انفتحوا على ديداكتيك باقي المواد (مثلا ميشيل طوزي michel tozzi) : الانفتاح على ديداكتيك الفرنسية)، من أجل بناء درس بشروطه المعرفية والديداكتيكية كما تمّ تصورها (مثلا التقويم،…..)[2]، ولعل انفتاح الدرس الفلسفي على الديداكتيك العامة وديداكتيك باقي المواد هو إضافة نوعية إلى أداء الممارسين في المجال، هذا ما دفعنا للاشتغال على التحويل الديداكتيكي في الدرس الفلسفي من المتن إلى الدرس، لأن الفلسفة كمادة مدرسية تخفي أزمة التحويل الديداكتيكي كما تم التنظير له، بحيث يقتصر على نزع النصوص من سياق معين وإرفاقها بأسئلة تفتقر في بعض الأحيان إلى الترتيب المنهجي ولحضور الأفعال السلوكية المعبرة عن المرحلة المدرسية.

 

وبهذا سيكون موضوع هذه المقاربة هو الانفتاح على تحويل ديداكتيكي مبنيّ على شروط عملية ووفق مرجعية معرفية، ومنهجية، بالخضوع لسيرورة “التحويل الديداكتيكي، الشيء الذي سيفتح الآفاق أمام رصد علاقة كل فاعل مع المعرفة[3] ” وإبراز حدود العلاقة مع المعرفة ودور كل واحد في مسار التحويل.

 

2- الدرس الفلسفي والديداكتيكا:

 يُبنى الدرس الفلسفي بالمغرب من الناحية الديداكتيكية بالاعتماد على النصوص، فإذا كان النص الفلسفي دعامة بيداغوجية وديداكتيكية، فإن المدرس يتخذه ركيزة تعليمية يخضعها للتأويل أحيانا، ليستخلص من خلالها الموقف الفلسفي، دون ربط ذلك بالسياق العام الذي يشتغل فيه الفيلسوف، وكذا الطريقة التي انتزع بها النص، لأن هذا الأخير ما هو إلا وسيلة يمكن من خلالها العودة إلى النسق الفلسفي الخاص بالفيلسوف وقوله في القضية المطروحة.

 

إن التحويل الديداكتيكي المقترح في هذا السياق، يقتضي الرجوع إلى المتن واعتماد النص كدعامة لا تتجزأ عنه (المتن)، وذلك بتقديم المعرفة الفلسفية وكذا منهجية اشتغال الفيلسوف، مع استحضار الشقّ الديداكتيكي في تعامل كل من المدرس والمتعلم (تحول المعرفة إلى دراية) مع المعرفة وفق رؤية ديداكتيكية، يمكن من خلالها الحفاظ على الجانب المعرفي في بناء الدرس وكذا الشق الديداكتيكي، الذي تخضع له كل المواد الدراسية داخل هذا الإطار تم التفكير في التحويل الديداكتيكي وفق شروط بيداغوجية تراعي السياق النظري للمعرفة المنقولة، بالاشتغال على مفهوم الواجب من المنظور الكانطي كما قدمه الفيلسوف في كتاب “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق” مع التركيز على الجانب المعرفي والديداكتيكي، باستحضار المقاربة النواتية، للوصول إلى الهدف وهو تحويل المعرفة الفلسفية لدى المتعلم إلى دراية مكتسبة ومستدمجة تظهر في سلوكه وفي علاقته مع الآخرين.

 

2 -1- الفلسفة والديداكتيك:

2- 1-1- مقاربة لديداكتيك الفلسفة:

 تطرح علاقة الفلسفة بالديداكتيك جملة من الأسئلة المتعلقة بمدى إمكانية “دكدكة” (بلغة طوزي) الفلسفة، وتعتبر تجربة ميشيل طوزي (michel tozzi) وجاكلين روس (jacqueline russs)… مفيدة في هذا المجال[4]، وذلك برهان وضع الفلسفة في السياق الديداكتيكي الذي خضعت له مختلف المواد التعليمية، خاصة أن تدريس الفلسفة يواجه صعوبة كونها مادة تتجه “إلى ترسيخ أعلى القيم وأكثرها تجريدا وأرقى المهارات وأكثرها عمقا، ولكونها مادة تسعى إلى تربية الاختلاف والحرية[5]. السؤال المطروح، إذن هو: ما الذي يمكن أن يقدمه الديداكتيك للفلسفة؟

 

إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي استحضار اتجاهين مختلفين: الأول يعتبر الفلسفة تمتلك بيداغوجيتها الخاصة، فهي ليست بحاجة إلى ديداكتيك، وليس من الضروري أن يخضع تدريسها للديداكتيك، بل يجب أن تحافظ على مسافة نقدية تجاهها[6]. واتجاه ثان” يرى أن التدخل البيداغوجي والديداكتيكي ضروري من أجل تنظيم نقل المعارف، وتوجيه تفكير المتعلم نحو أهداف محددة مثلها مثل باقي المواد عليها أن تخضع للتطورات التي عرفتها نظريات التربية والتعليم[7]“، وهنا نستحضر ميشيل طوزي الذي يرى أن ضرورة قيام ديداكتيك الفلسفة، تنبع من مطلب ” حقوقي ومن ضرورة واقعية أو حق سياسي، وآخر أخلاقي. “الحق في الفلسفة للجميع، بالإضافة إلى الطرح الكانطي القائل بوجوب شعبية الفيلسوف وضرورة عرض نتائجه، التي ينبغي أن تكون في متناول الشعب، وهذا شرط يجعل من الفلسفة تواصلية، والأمر هنا يتعلق بمسألة الحق في الانتماء إلى الفلسفة وشعبويتها بدل نخبويتها. وهي إمكانية تعلم الفلسفة أو بصيغة أخرى تعلم التفلسف عن طريق نقد الأحكام السابقة والجاهزة وممارسة التأمل الحر[8]“.

 

ارتباطا بما سبق وجدت الفلسفة نفسها أمام المطلب الحقوقي: الحق في الفلسفة والضرورة الواقعية والمؤسساتية التي جعلتها تنخرط في بناء ديداكتيكي خاص، وهنا نتساءل: هل هدفنا تعليم المتعلم التفلسف من خلال امتلاك قدرات وكفايات محددة (الفهم، التحليل، التركيب)، أم أن الهدف هو الحصول على معارف فلسفية خاصة بتاريخ الفلسفة وبالنظريات الكبرى في تاريخ الفلاسفة، وهل الهدف من الدرس الفلسفي قيمي وجداني أم هو معرفي حس حركي؟

 

2-1-2- نحو ديداكتيك خاص بمادة الفلسفة:

يعني ديداكتيك الفلسفة “دراسة وضعيات وسيرورات تعليم وتعلم الفلسفة قصد تطويرها وتحسينها، والتفكير في المشكلات الديداكتيكية التي يثيرها تعليم هذه المادة وتعلمها بداية، فالفلسفة كحقل منطلقها كمادة دراسية تاريخها، مناهجها أهدافها وطبيعة فعل التفلسف وآلياته، وإستراتيجيته وطبيعة المفاهيم الفلسفية، مقارنة مع باقي المفاهيم الأخرى[9]، لأن الفلسفة كباقي المواد المدرسية وجدت هي الأخرى مشاكل في تدريسها الشيء الذي تمت “معالجته في: L’enseignement » philosophique, cahiers philosophique “ وكذا تأسيس مجموعة البحث في الفلسفة GREPH بالإضافة إلى مجموعة من الندوات، ندوة سيفر 1981 Sevres وندوة المدرسة والفلسفة 1984 التي اشتغلت على محاولات في المجال البيداغوجي، في” GFEN وفي إطار الجامعات الصيفية ومؤسسات البحث البيداغوجي INRP [10]” بطرح إشكال الديداكتيكي في الحقل الفلسفي واعتبار” الديداكتيك مدخلا أساسيا في درس الفلسفة خاصة مع الاشتغال على النصوص كدعامة أساسية بالإضافة إلى الإنشاء الفلسفي الذي يستوجب منهجية مضبوطة[11]” دون إغفال حقيقة مفادها أن ممارسة التفلسف تعني “إقامة علاقة مع النصوص ومحاولة فهمها وإدماجها في التفكير الخاص ومواجهتها مع نصوص أخرى، لأن المتعلمين يجدون صعوبة في قراءة أعمال الفلاسفة، وهذا ما عبرت عنه مختلف الأبحاث التي شخّصت صعوبات القراءة عند المتعلمين[12]” والرغبة الأكاديمية في تجاوز الدرس الفلسفي الإلقائي إلى مستوى التعلم الذاتي المبني على الوضعيات الديداكتيكية، فالمدرس يستخدم النصوص لإخراج الفكر المتأمل من صرحه العاجي إلى مستوى بناء المشكلة المعالجة، وإدخال المتعلم في علاقة اتصال مع أفكار الفلاسفة، مع تقديم منهجية الاشتغال على أي مفهوم أو إشكال معين، ومن وجهة نظر ديداكتيكية، تحديد سيرورة المفهمة وأشكال عرض الفكر (الحجاج، الاستدلال)، وكذا “الوعي بالتمثلات المرتبطة بمفهوم ما تساعد على وضع المتعلم أمام صراع سوسيو-معرفي يتم فيه توظيف الحجاج للدفاع على الطرح الذي تبناه [13]“.

 

يرى طوزي أن إخضاع الدرس الفلسفي للديداكتيك، هو توسّط لبلوغ التفلسف، وهنا وضع طوزي فرضية ديداكتيك للتفلسف قائمة على التمييز بين التفلسف أمام المتعلم، وتعليمه التفلسف. والهدف هو الوصول إلى التفلسف الذاتي”[14] لأن الفلسفة مادة مدرسة كباقي المواد وبالتالي فالممارسة الديداكتيكية تفرض ذاتها، بالتركيز على تعلم مهارات أساسية تتلخص في الأشكلة، والمفهمة والحجاج، ليبقى خطاب المدرس شكلا من أشكال التوسّطات الممكنة (وسيط ديداكتيكي).

 

إن الانفتاح على تأسيس ديداكتيك خاص بمادة الفلسفة يعني “إمكانية للحوار بين الفلسفة والحقول الأخرى، (علوم التربية…)، لتصبح مجالا لتبادل الأفكار بين علوم مختلفة، وصولا إلى التداخل والتكامل بين المواد الدراسية، وخاصة الاستفـــــــــــادة مـــــــــــن ديداكتيك الفرنسية “[15]. وفي هذه الحالة يستعمل مدرس الفلسفة النصوص ويقوم بالتعليق عليها وتأويلها، أما المتعلمون فهم مدعوون لقراءة النصوص، وفهم الطريقة التي يكتب بها الفيلسوف، مع استحضار الخصوصية الديداكتيكية للنص الفلسفي.

 

3- النموذج التطبيقي للتحويل الديداكتيكي:

3 -1- تمهيد:

 لا شك أن الفلسفة مادة دراسة تخضع لنظام المؤسسة التعليمية، وهو ما يفرض عليها بالضرورة التفكير في ديداكتيك قائم على استثمار وضعيات وسيرورات التعليم والتعلم، قصد تطوير المادة وكذا محاولة تجاوز المشكلات التعلمية التي تواجه المهتمين، لذلك فإن تعليم الفلسفة وتعلمها يتطلب الانطلاق من مرجعيات نظرية ومعرفية للوصول إلى هدف تعلم التفلسف بدعامات متنوعة أهمّها النصوص والمفاهيم بطابعها المجرد، خاصّة وأن متن الفيلسوف يدل على تماسك وترابط مفاهيمي وإشكالي لا يمكن معه تجاوز هذا التشبيك، ونزع المفهوم من النسق العام، في هذا السياق تحضر فكرة تقديم نموذج تطبيقي للتحويل الديداكتيكي من خلال النص، وبإدماج عناصر ديداكتيكية مناسبة، لتحويل المعرفة العالمة إلى معرفة مدرسية صالحة للتعلم، ودراية مستدمجة يمكن توظيفها في سياقات مختلفة.

 

3 -2- التحويل الديداكتيكي في مادة الفلسفة:

مع غياب نماذج سابقة تخصّ التحويل الديداكتيكي في مادة الفلسفة، سنحاول الانفتاح على نماذج في بعض المواد مع مراعاة خصوصية المادة، بإتباع الخطوات التالية:

 

التحويل الديداكتيكي من المعرفة العلمية إلى المعرفة المدرسية (من كتابات الفلاسفة إلى نصوص مدرسة).

مجال التحويل الديداكتيكي (المفهوم الفلسفي).

وظيفة المدرس في التحويل الديداكتيكي (تحويل المتن الفلسفي إلى معرفة فلسفية قابلة للتدريس).

نزع النص من السّياق العام للفيلسوف (المتن الفلسفي)، وذلك من خلال كتاب إمانويل كانط “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق”، ترجمة عبد الغفار المكاوي، بما يتوافق مع مجزوءة الأخلاق بالنسبة لتلاميذ البكالوريا، ومفهوم الواجب مع ضرورة احترام القدرات المستهدفة حتى تكون المعرفة مناسبة للتعلم…. الهدف، إذن، هو تحويل الكتاب إلى مادة قابلة للتعلم باختيار نص كدعامة ديداكتيكية مناسبة للفعل التعليمي، ولكن بالرجوع إلى السياق العام للكتاب واعتبار النص جزءا من الكتاب.

 

إن النموذج الذي سيتم تقديمه هو تحويل يتجاوز التأويل إلى مستوى الحفاظ على المتن الخاص بالفيلسوف، بحيث يكون مدرس الفلسفة في هذه المرحلة ناقلا ديداكتيكيا للمعرفة العالمة إلى معرفة مدرسة (فلسفة قابلة للتعلم)، وسيطا ديداكتيكيا بين الفيلسوف والمتعلم.

 

4- التحويل الديداكتيكي لمفهوم الواجب “مجزوءة الأخلاق”، الأخلاق مبحثا فلسفيّا:

اهتمّت الفلسفة بموضوع الأخلاق، كمبحث من المباحث الأساسية منذ العصور القديمة، بدءا من سقراط، أفلاطون وأرسطو وغيرهم قديما، إلى الفلاسفة المعاصرين، بحيث انصب اهتمامهم على السلوك الإنساني وعلى ما يرتكز عليه من أسس ترتقي بالإنسان من مستوى الوجود الطبيعي، لتجعل وجوده وجودا أخلاقيا يغدو من خلاله ليصبح كائنا أخلاقيا بامتياز، وبهذا فإن الأخلاق تعمل على تنظيم السلوكات الغريزية وتساعد الإنسان على التخلص من الشهوات أو بالأحرى تصريف رغبات الإنسان وفق قالب أخلاقي يتأسس على العقل وعلى القيم الاجتماعية.

 

إن الهدف الأساسي من الأخلاق هو الحفاظ على الوجود الإنساني بشكل يرسخ القيم والقواعد الأخلاقية كأرضية لتحديد الواجبات التي” تستدعي التصرف وفقها بشكل يضمن بالضرورة تملك الإنسان لحرية الفعل والإرادة باعتبارها مقوما أساسيا من مقومات الإنسان”[16] وهذا ما جعل المجتمع يحدد الواجبات التي على كل فرد القيام بها، ويرسخها سواء نحو ذاته أو نحو مجتمعه وهي واجبات قد يخضع لها تلقائيا مثل العادات والتقاليد التي غالبا ما يشعر تجاهها بالضغط والإكراه، ليتجه نحو بناء واجبات يطبعها بطابعه الذاتي والعقلي فيلتزم بها التزاما واعيا وإراديا حرا.

 

إن التفكير في الأخلاق يطرح عدة إشكالات ترتبط بمفهومي الواجب والحرية والتي يمكن أن نجملها فيما يلي:

 

ما الذي يؤسس الفعل الأخلاقي؟ هل الذات الحرّة أم هو الإكراه الخارجي المتعلق بالمعايير والالتزامات التي يفرضها المجتمع؟ وإلى أي حد يمكن القول أن الالتزام بالمعايير الأخلاقية الذاتية والاجتماعية يؤسّس لتحرر الفرد؟ وهل الالتزام بالواجب الأخلاقي ضمان لحرية الإنسان؟

 

5- النص بين الضرورة المعرفية وسؤال التدريس:

5 -1- النص والنزع من السياق:

إن الإرادة الخيرة التي بلغت من ذلك أوفى درجة ستظل خاضعة لقوانين (الخير) الموضوعية، ولكننا لن نستطيع من أجل ذلك أن نصورها كما لو كانت ملزمة بالإقدام على أفعال مطابقة للقانون، ذلك لأنها من تلقاء نفسها، وبمقتضى تكوينها الذاتي، لا يمكن تحديدها إلا عن طريق تصور الخير(…) والأمر المطلق هو الذي يعبر عن فعل مطلوب لأجل ذاته، لا تربطه صلة بهدف أخر، وضروري ضرورة موضوعية. لما كان كل قانون عملي يصور فعلا ممكنا بوصفه خيرا وبالتالي ضروريا بالنسبة للذات يمكن أن تحدد بالعقل تحديدا عمليا، فإن جميع الأوامر الأخلاقية المطلقة صيغ شكلية يتم بها تحديد الفعل الذي يكون فعلا ضروريا بمقتضى مبدأ إرادة خيرة على نحو من أنحاء، فإذا كان الفعل خيرا لمجرد أنه وسيلة لتحقيق شيء آخر، فإن الأمر المطلق يكون عندئذ أمرا شرطيا، أما إذا تصورناه بوصفه خيرا في ذاته، وبالتالي ضروريا في إرادة تكون في ذاتها مطابقة للعقل، كمبدأ لتلك الإرادة، فإنه يكون عندئذ أمرا مطلقا.”….”عندما أتصور أمرا شرطيا على وجه الإجمال فإنني لا أعرف مقدما ما سوف ينطوي عليه، حتى أعطي الشرط الذي يقوم عليه. أما إذا تصورت أمرا مطلقا، فإنني أعرف على الفور ما ينطوي عليه. ذلك لأنه لما كان الأمر لا يحتوي، بالإضافة إلى القانون إلا على الضرورة التي تقضي بأن تكون المسلمة مطابقة لهذا القانون، وكان القانون لا يتضمن أي شرط يحده، فلن يبقى شيء على الإطلاق سوى الجانب الكلي العام من القانون بوجه عام، الذي ينبغي على مسلمة الفعل أن تكون مطابقة له، وهذه المطابقة هي وحدها التي تصور لنا وجه الضرورة في هذا الأمر. وإذن فليس ثمة غير أمر مطلق واحد، يمكن التعبير عنه على النحو التالي: لا تفعل الفعل إلا بما يتفق مع المسلمة التي تمكنك في نفس الوقت من أن تريد لها أن تصبح قانونا عاما فإذا أمكن إذن أن تشتق جميع أوامر الواجب من هذا الأمر الواحد كما تشتق من مبدئها، فإننا سنستطيع عندئذ، وإن تركنا بغير حل مشكلة معرفة ما نسميه بالواجب”……” ولما كان شمول القانون الذي تحدث بمقتضاه الآثار والنتائج المترتبة عليه هو الذي يؤلف ما نسميه بوجه خاص بالطبيعة بالمفهوم الأعم لهذه الكلمة (من الناحية الصورية)، أو بتعبير أخر وجود الأشياء من حيث تحده قوانين عامة شاملة، فإن الأمر الكلي للواجب يمكن أيضا أن يعبر عنه في هذه الصيغة: ‘افعل كما لوكان على مسلمة فعلك أن ترتفع عن طريق إرادتك إلى قانون طبيعي عام”[17].

 

5 -2- اختيار النص:

يعبر النص عن سياق معين تم تعويضه بسياق تعليمي، مدرسي وبهذا فإن اختيار النص في حد ذاته تحويل ديداكتيكي، خاصة وأن اقتطاع النص أو نزعه من السياق لم يتم بطريقة عشوائية وإنما، تم انتقاؤه بما يتماشى والقدرات المستهدفة في المفهوم القدرة على تحديد مفهوم الواجب في علاقته بمبدأ الالتزام بالحرية، إدراك البعد القيمي لمفهوم الواجب، وبهذا يكون اختيار النص تحويلا أوليّا، لأن مدرس الفلسفة في هذه الحالة انتقى هذا النص لتوفره على المواصفات المناسبة للاشتغال عليه في مفهوم الواجب، أي أن النص عنوان لسياق معين، ولكن تم انتزاع النص أو اجتزاؤه من السياق مع المحافظة على السياق بما يخدم الموضوع.

 

صاحب النص ايمانويل كانط، emmanuel kant أوفيلسوف الأخلاق كما (سماه فلاسفة الأخلاق)، فيلسوف ألماني ولد سنة 1724م في بروسيا (ألمانيا) في كوتيغسرغ التي سيدرس في جامعتها… وتوفي سنة 1804، عن سن يناهز الثمانين، تلقى تربية دينية وأخلاقية صارمة من أمه المسيحية ذات نزعة اللوثرية، الشيء الذي جعل حياته تتميز باستقامة وانتظام صارمين. عاصر الأنوار، وكان أحد أبرز الفلاسفة الذين أثروا في الفكر الغربي وبنوا الأسس التي قامت عليها الحداثة، والتي من بينها العقل والحرية، مع بداية سنة 1770 سيؤسس فلسفته المعروفة بالفلسفة النقدية، التي تساءل من خلالها عن حدود العقل وقدراته وشروط صلاحية المعرفة الإنسانية. ترك كانط أعمالا متعددة من بينها نقد العقل الخالص (1781)، ونقد العقل العملي (1788)، ونقد ملكة الحكم، في الفن والجمال، وكذا كتاب تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق (1785) ومشروع السلام الدائم (1795)[18]“.

 

5 -3- عودة إلى السياق (من النص إلى الأصل):

5 -3 -1 الواجب من المنظور الكانطي من خلال كتاب “تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق”:

 يذهب كانط kant emmanuelإلى اعتبار الواجب هو القيام بالفعل احتراما للقانون الذاتي الأخلاقي القائم على الخير الأسمى، والمؤسس على العقل والإرادة، باعتبار العقل المرجع الذي ينطلق منه الجميع لأنه كوني بالنسبة للجميع، كما أن الحكم الأخلاقي يصدر عن الإرادة الخيرة الحرة التي يبقى مصدرها كذلك العقل. اتجه كانط نحو فكرة الكونية، في بناء فلسته النقدية، مركزا على العقل. والإرادة لطابعهما الكوني والمشترك، فحاول بناء مذهبه الأخلاقي انطلاقا من البحث في تصور الإرادة الخيّرة في ذاتها عبر تصوّر الواجب، والإرادة الخيرة هنا لا ترتبط بمنفعة أو ميل، بل هي مستقلة عن أية فائدة أو أثر تلمع بذاتها لمعان الجوهرة (وصف كانط) كما أرجع كانط اتفاق الفعل مع الواجب إلى الشعور الحقيقي بالواجب دون أي ميل أو هدف لتحقيق السعادة في بعدها التجريبي.

 

إنّ النص المقتطف يحيل على سياق فلسفي أخلاقي بناه كانط لمفهوم الواجب والإرادة، الحرية والقانون المشرع من الذات نفسها، بحيث نظر في هذا السياق إلى مفهوم الإنسان ككائن حر وخاضع بما هو كذلك وبواسطة عقله إلى قوانين لا مشروطة، لا تحتاج إلى فكرة كائن آخر متعال على الإنسان لكي يعرف واجباته.

 

إن القوانين الأخلاقية كما يراها كانط هي قوانين ملزمة لا ترتبط بغاية محددة بحيث يجب على الأفعال ألا تتأسس على غاية من وراء الفعل، وإنما قيمة الفعل تتمثل في غاية الفعل في ذاته، يعني أن الفعل الأخلاقي لا يقاس حسب كانط بنتائجه الخارجية بل “بالقصدية” أو النية التي تدفع إلى اختيار فعل دون آخر، وهذا ما أكّده في كتابه ” تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق ” بحيث يرتبط الفعل بالنية في إحداثه، وليس باستهداف غاية، وبهذا فإن العمل الخير هو الذي نقوم به احتراما للقانون، الذي يأمرنا أن نفعل من أجل الواجب، وأن يستند كل فعل على بواعث الواجب، دون أي ميل وبالتالي السيطرة على النوازع والميولات، في مقابل احترام القانون الموضوعي، لتحقيق الأوامر الأخلاقية المطلقة في بعدها الغائي القائم على أداء الفعل دون صدوره عن دوافع ذاتية.

 

5 -3- 2- الاشتغال الديداكتيكي على النص:

إن اختيار النص خطوة أولى للتحويل الديداكتيكي، وذلك بهدف الوصول إلى أهداف معرفية ومنهجية تخص مفهوم الواجب انطلاقا من النص، ولكن بالرجوع إلى المتن، لأن تحليل النص الفلسفي وتناول المفاهيم، الإشكالات والحجج يقتضي الرجوع إلى النسق، لأن فهم عمق الواجب عند كانط يقتضي فهم العلاقات المفاهيمية أو التشبيك المفاهيمي الذي يشتغل عليه في كتابه “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق”.

 

5 -3-3- الاشتغال الديداكتيكي على المفهوم:

يعدّ المفهوم الفلسفي أساس الكتابة الفلسفية. وبهذا فإنّ كل فيلسوف تميز بنحته لبعض المفاهيم في مجالات فلسفية مختلفة (كانط: مفاهيم في الأخلاق)، وكذا بتقديم تعريفات تضفي عليها طابع التميز والخصوصية، لأنها تحيل على نسق فلسفي معين وعلى لحظة تاريخية مهمة في درس الفلسفة دون تجاوز المتن المفاهيم). يمكن في هذا السياق استحضار ما قدمه ميشيل طوزيmichel toozi في كتاب penser- par soi-même فيما يتعلق بالمفهوم وذلك بتحديد تعريفات للمفهوم: التعريف بالطبيعة، والتعريف بالغاية، والتعريف بالمكونات

 

6- المفهوم الفلسفي من النص كدعامة إلى المتن كآلية للفهم:

 تضمن النص الخاضع لسيرورة التحويل مفاهيم فلسفية تندرج في إطار السياق الأخلاقي، وتحيل بالضرورة إلى النسق الكانطي، بحيث نجد: مفهوم الإرادة الخيرة، والأوامر المطلقة، والواجب، والمسلمة، والقانون، والخير، والعقل، بالوقوف على التشبيك المفاهيمي، بداية بمفهوم الإرادة والإرادة الخيرة والعقل مع استحضار العلاقة بين هذه المفاهيم، التي قدم لها تعريفات في بداية الفصل الأول من الكتاب.

 

6 -1- مفهوم الواجب:

لا يمكن فهم عمق التحديد الذي قدمه كانط لمفهوم الواجب دون الرجوع إلى العلاقة التي بناها لباقي المفاهيم في ارتباط بمفهوم الواجب، وبناء على ما تقدم سنحاول رصد مختلف التعريفات والتحديدات التي قدمها لمفهوم الواجب: بحيث اعتبره ضرورةً القيام بفعل عن احترام للقانون، وهو كذلك احترام خالص للقانون العملي، إن الواجب حسب كانط مبدأ لجميع الأحكام الأخلاقية، وليس معطى من بين معطيات وجدانية، أي أنّ تناول الواجب لا يتمّ من خلال التصوّر التجريبي للأفعال الظاهرة عند الإنسان حتى وإن تطابقت مع ما يأمر به الواجب، ولكن الأساس هو الفعل ومدى انبثاقه من الشعور بفكرة الواجب، واحتوائه على قيمة أخلاقية. ويمكن تقسيم الواجبات إلى واجبات نحو أنفسنا وواجبات تجاه غيرنا، والأمر الخاص بالواجب يتخذ الشكل الآتي: افعل كما لوكان على مسلمة فعلك أن ترتفع عن طريق إرادتك إلى قانون طبيعي عام[19].

 

 يرى كانط أن الواجب يتخذ معنى ويستند إلى تشريع واقعي للأفعال من خلال تعبيره عن صورة أوامر أخلاقية مطلقة، كما يعبر (الواجب) عن قوته في وقوفه ضد العوامل الذاتية، وقد ميز كانط في كتابه : ” تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق ” بين نوعين من الواجبات: الواجب العرضي وهو الذي يكون تجاه الذات، بحيث ينبغي أن يتّفق الفعل الذاتي مع غاية الإنسانية، أي تطبيق كل فعل يحافظ على تحقيق غاية الإنسانية (الاهتمام بالمواهب والاستعدادات الفطرية)، وواجب الاستحقاق نحو الآخرين: ومفاده أ نه إذا كانت الغاية الطبيعية التي يسعى الناس إلى تحقيقها هي السعادة، فإن الإنسانية ستظل باقية حتى وإن لم يسهم أحد في إسعاد غيره ولم يتعمد أن يسلب منه شيئا سيكون بذلك اتفاقا سلبيا مع الإنسانية بوصفها غاية في ذاتها، إن الفعل حسب كانط ينبغي أن يتفق اتفاقا ضروريا طبقا لمبدأ الإلزام العملي، أوما سماه كانط، بالواجب الذي ينتمي إلى عالم المعقولات في تعبيره عن قضية قبلية تركيبية.

 

6 -2- الإرادة:

اعتبر كانط الإرادة الخير الأسمى والشرط الذي يتوقف عليه كل خير بما في ذلك النزوع إلى السعادة، وفي السياق نفسه ميز بين الإرادة الخيرة والإرادة الطيبة بذكر الخصائص التي تميز الواحدة عن الأخرى، بحيث تحتوي الإرادة الخيرة في ذاتها على قيمة مطلقة في مقابل الإرادة الطيبة التي تحيل على العواطف والانفعالات والقدرة على السيطرة على النفس، كما أن الإرادة الخيرة هي خيّرة بغضّ النظر عن الأهداف والغايات. وهي مستقلة لأنّ الإنسان نفسه مصدر التشريع، لكن الإرادة الخيرة تخضع للقانون وفي نفس الوقت تفرض الإرادة إلزاما يظهر إما على شكل قواعد للبراعة، أو نصائح للفطنة أو أوامر أخلاقية، إنها ملكة تحدد للذات الفعل، وهي التي تميز الكائن العاقل عن باقي الكائنات، وقد سبق أن اعتبرنا الإرادة خاضعة للقانون لكنها لا تخضع للقانون وحده، بل إن خضوعها له يحيل على أنها هي نفسها المشرّعة للقانون، وهي صاحبته. أي أنها تضع تشريعا عاما عن طريق مسلماتها وكل ما يصلح أن يكون أمرا أخلاقيا مطلقا.

 

 بالإضافة إلى الحديث المطول لكانط على مفهوم الإرادة والإرادة الخيّرة عرف الإرادة الأخلاقية التي تحدد في رأيه، علاقة كلّ فعل بالتشريع القانوني الذي يمكّن من وجود مملكة الغايات هذا فيما يخص مفهوم الإرادة، ولعل هذه التعريفات تشير إلى خصائص محدّدة في التعريف، بحيث يرى القارئ المتمعن للخطاب الكانطي في تعريف الإرادة، استحضار التعريف بالغاية والتعريف بالطبيعة وبالمكونات، وأما فيما يتعلق بمفهوم العقل فإن كانط قدم له تعريفات متعددة، يمكن إجمالها فيما يلي: العقل يتضمن مجموعة مواهب تتمثل في الشجاعة، والإصرار، ولكن يحتاج دائما إلى الإرادة كما أنه (العقل) أداة للتأمل، ولا يمكن الوصول بواسطته، بالسهولة التي تظهر في التجربة، إلى السعادة، فهو غايته، حسب كانط، أسمى من السعادة، لأنه ملكة عملية تؤثر على الإرادة، كما أنّ هدفه هو بعثه لإرادة خيّرة غايتها في ذاتها. يبدوأن كانط حدّد تعريفات لمفهوم العقل في ارتباط بالإرادة، لأنّ غاية العقل هو تعيين إرادة خيرة وبذلك فإن التعريفات التي قدمها كانط، أو التي يمكن أن يستشفّها القارئ في كتابه، هي تعاريف مترابطة تحيل على علاقات وتشابكات بين المفاهيم.

 

6 -3- مفهوم الأوامر المطلقة:

اشتغل كانط على الأوامر المطلقة بحيث شغلت حيزا مهما في الفصل الثاني والتي قدم لها تعريفات يمكن استحضارها على الشكل الآتي: تشير الأوامر المطلقة إلى علاقة قانون موضوعي للعقل بإرادة ما، وهي غالبا ما يعبر عنها بفعل “يجب” أوهي صيغ شكلية للتعبير عن علاقة القوانين الموضوعية للإرادة بوجه عام بالنقص في إرادة الكائن العاقل، وهنا يستحضر كانط التمييز الحاصل في الأوامر الأخلاقية التي قد تصدر أوامرها إما بشكل شرطي أو مطلق، بحيث يكون الأمر في الحالة الأولى أداة ووسيلة لتحقيق غاية يريدها الإنسان لتعبر عن أداء الشيء باعتباره غاية دون التقيد بشروط معينة، أي أن الأمر المطلق يعبر غالبا عن فعل مطلوب لأجل ذاته دون ارتباطه بهدف آخر وهو (الأمر) ضروري ضرورة موضوعية، خاصّة إذا كان مجردا من كل مقصد أو هدف آخر في مقابل (الأمر الشرطي الذي يمثل الضرورة العملية للفعل بوصفه وسيلة لبلوغ السعادة (البراعة الفطنة للوصول إلى السعادة والمنفعة)، والسعادة هنا تتخذ بعدا تجريبيّا لأنها ترتبط بالإحساس بالهناء والراحة، أي كونها في هذه الحالة قضية تحليلية عملية في مقابل التركيب الذي يميز الأوامر المطلقة، لأن مصدر الأوامر الشرطية هو التجربة وضرورة وجود علة للفعل، والسؤال هنا كيف يمكن تعيين أمر أخلاقي مطلق؟

 

إن الأمر الأخلاقي المطلق هو الذي ينبغي أن يشتمل على مبدأ تقوم عليه جميع الواجبات، كما يحيل على الفعل الذي يتطابق والمسلمة التي يمكن أن تجعل من نفسها قانونا عام ا، غالبا ما يقدم كانط تعاريف للمفاهيم تترابط فيما بينها ويصعب فهم الواحدة دون الأخرى، ولعل التحديد الذي قدمناه يؤسس لفصل مؤقت، يستتبعه التشبيك المفاهيمي الذي اشتغل عليه كانط في الكتاب.

 

6 -4- مفهوم القانون:

يتخذ مفهوم القانون عند كانط بعدا ذاتيا، خاصة أن الفرد هو الذي يشرعه، كما يحيل على البعد الأخلاقي لأنه أمر أخلاقي يكون موضوعا للاحترام، إنه الاستحضار الموضوعي للاحترام الخالص للقانون العملي وبالتالي القدرة على السيطرة على ملكة الاشتهاء والتخلي عن النزوعات والميول النفسية، واتباع القانون ليس اتباعا نابعا من الخوف، وإنما مصدره الاحترام الخالص الصادر عن كل استقلالية، خاصة وأن الإنسان نفسه مصدر التشريع الأخلاقي وبالتالي يتم الخضوع للقانون بمحض الإرادة والاختيار دون الشعور بالتبعية، هذا القانون الذي تتفق معه الإرادة بحيث يكون القانون أول مبدأ للإرادة…ويشير القانون من هذا المنطلق إلى الإلزام، كما أنه يصور الفعل الممكن بوصفه خيرا وضرورة في آن بالنسبة إلى الذات.

 

6 -5- مفهوم المسلمة:

 اعتبر كانط مفهوم المسلمة ضروريا لبناء قانون للإرادة، بحيث تصبح المسلمة ذات بعد كوني يصلح لكل فرد وفي كل زمان ومكان، وبهذا قدم كانط للمسلمة تعريفات عديدة يمكن تلخيصها فيما يلي: المسلمة هي المبدأ الذاتي للسلوك تتميز عن المبدأ الموضوعي أي القانون، ولكن يجب أن تتطابق معه، كما تحيل على الفعل الذي يرتقي عن طريق الإرادة إلى مستوى قانون طبيعي عام، تؤسس المسلمة للقانون الطبيعي لكل فرد من خلال تطابق مسلمة الأفعال مع القانون، وبذلك يتحقق معيار الحكم الأخلاقي.

 

يربط كانط بين المسلمة والإرادة لأنّ هذه الأخيرة تضع تشريعا عاما عن طريق مسلماتها أي كل ما يصلح أن يكون أمرا أخلاقيا مطلقا ويشرع تشريعا عاما، وهنا يستحضر كانط ما يسمى بمملكة الغايات أي القوانين المشتركة التي تجمع البشر، وتربطهم مع بعضهم بعضا، بحيث يكون الكائن العاقل هو المشرع لمختلف القوانين من خلال جعل مسلماته تتطابق مع القانون، أي أن الكائن يحضر بمسلمات إرادته في مملكة الغايات كمشرع، كما يؤكد على ضرورة اتفاق المسلمات بطبيعتها مع المبدإ الموضوعي للكائنات العاقلة، فالعقل هو الذي يربط كل مسلمة من مسلمات الإرادة بوصفها مصدر تشريع كلي دون استهداف أي منفعة، بل يعني أن الإرادة هي المشروع من خلال مسلماتها التي تصلح أن تكون أمرا أخلاقيا مطلقا، أي أنّ الإنسان يصدر في كل أفعاله عن مسلمة إرادة لا تستهدف منفعة معينة، لأن الإنسان هو غاية في ذاته ومن ثم مشرع للقوانين كما أن مسلماته تكون جزءا من تشريع كلي وعام، هذه المسلمات التي لها صورة تتصف بالكلية والشمول، كما أن جميع المسلمات تستمد هي كذلك تشريعها الخاص من مملكة الغايات، يعني أن المسلمات تعبر عن الأمر الأخلاقي المطلق في الوقت الذي يمكن أن تصبح فيه قانونا عاما (المسلمة يجب أن تصلح لتكون قانونا عاما).

 

6 -6- مفهوم الخير:

يؤسس كانط نظريته في الأخلاق على ما هو خير، وبالتالي فإن تصوره للخير مرتبط بقضايا أخلاقية معينة استحضرها في كتاب: ” تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق”، بحيث افتتح القسم الأول من الكتاب بفكرة مفادها أنه لا يمكن اعتبار شيء في العالم خيرا دون أي قيد سوى الإرادة الخيرة، كما اعتبر الفهم والذكاء وملكة الحكم وكل مواهب العقل، الشجاعة الإصرار (من خصائص المزاج) هي خير، أي أن هذه الخصائص تشير حسب كانط إلى الخير الذي يطمح له الإنسان، بالإضافة إلى اعتبار الفضيلة والسعادة هي الخير الأسمى كما أن النزوع إلى السعادة خير، والإرادة هي الخير الأسمى والشرط الذي يتوقف عليه كل خير.

 

7- التشبيك المفاهيمي العلاقات المفاهيمية:

يجد القارئ المتفحّص للخطاب الكانطي بناء مفاهيما رصينا، لا يمكن معه نزع المفهوم واعتباره وحدة مستقلة يمكن تقديم تعريفات محددة له في غياب العلاقات التي يقيمها كانط بين المفاهيم، والتي تقتضي فهم مختلف الترابطات القائمة بين المفاهيم، وبذلك سوف نحاول إعادة المفاهيم المتضمنة في النص إلى السياق العام (كتاب : تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) من أجل رصد البناء العام للمفهوم في علاقاته بباقي المفاهيم، بحيث يمكن رصد الترابط بين مفاهيم الإرادة، والخير، والسعادة، والعقل، بداية بإعطاء صفة الخير للإرادة أي الإرادة الخيرة بوصفها شرطا لتحقيق السعادة عند الإنسان، كما ربط بين الفضيلة والسعادة، واعتبار الإنسان الفاضل هو الذي يستحق السعادة، وحتى في نفس المفهوم نجده يقدم تقابلات مفاهيمية تفتح أفق فهم لعمق المفهوم، أما فيما يتعلق بمفهوم الإرادة، فقد ميز أو قابل كانط بين مفهوم الإرادة الخيرة والإرادة الطيبة كما قابل بين الإرادة المطلقة والحس المشترك، وذلك باعتبار الإرادة الخيرة المطلقة غاية في ذاتها، وهي شرط لتحقيق السعادة، كما أنّها الخير الأسمى في مقابل الإرادة الطيبة التي تعبر عن الميولات والانفعالات الموسومة بالغاية، وهنا يكمن الاختلاف، لأنّ الإرادة الخيرة المطلقة لا تهتم بغاية أو أثر ومنفعة من ورائها، في حين تستهدف الإرادة الطيبة تحقيق هدف معين، أما فيما يخص الإرادة المطلقة في مقابل الحسّ المشترك، فإن كانط يستحضر مفهوما آخر وهو السعادة وذلك بتحديد غاية الطبيعة التي تكمن في توفير البقاء والهناء والسعادة، وهذا ما يمكن أن تحققه الغريزة، وليس العقل، وبالتالي جعل العقل حاكما على الإرادة، الأمر الذي يفضي بنا إلى التقابل بين العقل والتجربة، وذلك في نفس السياق الخاص بالحس المشترك، لأنّ من مارسوا التجربة يرون أنّ العقل لا يمكن أن يحقّق للإنسان السعادة، وإنما هدفه التأمل وغاياته أعظم وأعمق من السعادة، وأن العقل لا يصلح لقيادة الإرادة وأنّ التجربة هي الكفيلة بتحقيق السعادة.

 

لقد اتبع كانط منهج الربط المفاهيمي الذي تحدثنا عنه سابقا، فمفهوم الواجب مثلا في الكتاب تجمعه صلات بمفاهيم : الإرادة الخيرة، والسعادة، والقانون، وذلك باعتبار الواجب ينطوي دائما على تصور إرادة خيرة، حتى وإن حدث تعارض مع ما هو ذاتي، أما فيما يخصّ علاقة السعادة بالواجب، يرى كانط أن الإنسان يسعى إلى السعادة وتحقيق الرغبات والحاجات وإشباعها، مما يجعل الإنسان ينسى واجباته، لأن السعادة هي غاية الجميع، لكن القانون الأخلاقي يأمر بالعمل على تحصيل السعادة، لا عن ميل إلى السعادة وإنما عن إحساس بالواجب لتحقيق القيمة الأخلاقية، كما أن الإنسان في مواجهته لأوامر الواجب التي يصورها العقل فإنه يتخبط في الميولات والحاجات التي يتلخص إشباعها في كلمة سعادة، في هذا الإطار ميز كانط بين الواجب المبني على إرادة خيرة والسعادة التي لا تتجاوز الميولات والرغبات، بالإضافة إلى ما سبق ربط القانون بباقي المفاهيم القريبة منه: الواجب، والمسلمة، والإرادة، والأوامر المطلقة، بحيث بيّن أن الواجب هو ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون، وأن كل فعل تم بباعث من الواجب فهو من الناحية الموضوعية قانون، أما فيما يخص التحديد العلائقي للمسلمة وعلاقتها بالقانون، فإن المسلمة هي فعل ذاتي يمكن أن يتخذ قانونا عاما إذا مال إلى الوجهة الأخلاقية، لتكون العلاقة الموضوعية التي تربط القوانين الموضوعية بالإرادة تتعلق بكائن عاقل توجه أفعاله، (المبادئ العقلية).

 

وفي الأخير يمكننا رصد العلاقة التي ختم بها كانط الكتاب والتي تتمثل في الربط بين الحرية والأمر الأخلاقي المطلق بحيث أكد إمكانية قيام الأمر الأخلاقي على فكرة الحرية، وذلك بالاستعمال العملي للعقل، والإقرار بصلاحية الأمر المطلق وصلاحية القانون الأخلاقي.

 

7 -1- التشبيك الإشكالي:

لقد كان هدف كانط في كتاب: ” تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق “، تجاوز الرؤية التجريبية للأخلاق، وبناء ميتافيزيقا خاصة بالأخلاق، أي تشييد مذهب عقلي على أساس نقدي، وبذلك تأسيس ميتافيزيقا للأخلاق كما تم تأسيس ميتافيزيقا للطبيعة بهذا فإن الإشكال العام الذي انطلق منه كانط في الكتاب هو كيف يمكن بناء وتأسيس ميتافيزيقا للأخلاق؟ أو كيف يمكن التعالي بالأخلاق من المستوى التجريبي إلى المستوى العقلي الخالص؟ وكيف يمكن الجمع والتوفيق بين أصول عالم الطبيعة الذي تسيطر عليه الضرورة، وبين عالم الأخلاق الذي تسوده الحرية؟ هذه الإشكالات التي ستتفرع عنها إشكالات جزئية ستتمّ معالجتها في القسم الأول والثاني، والثالث وهي تعبير (الإشكالات) عن القضايا التي سيتم تناولها في الكتاب في إطار علاقات مفاهيمية أو مفارقات مفهومية.

 

فما المقصود بالإرادة الخيرة؟؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتجاوز ما قدمته له الطبيعة إلى مستوى الشعور بالواجب وتجاوز الميل الوجداني؟ ما المقصود بالواجب؟ وكيف يؤسس الإنسان للاحترام الخالص للقانون؟ كيف يكون الفعل أخلاقيا؟ هل الخضوع للقانون الأخلاقي يحيل على الحرية وحضور الإرادة والاختيار أم هو نابع من الشعور بالتبعية؟

 

وكيف يمكن أن نعدّ القوانين التي تحدد إرادتنا قوانين عامة؟ وكيف يمكن تأسيس مذهب للأخلاق على مبادئ العقل الخالص، وتجاوز التناول الشعبي للأخلاق؟، كيف يمكن تصور الواجب، والقانون الأخلاقي تصورا خالصا غير مختلط بما هو تجريبي؟ وإذا كانت الإرادة لا تتفق مع العقل اتفاقا تاما ما الدافع إلى البحث القبلي عن إمكان وجود أمر أخلاقي مطلق؟ ولكن الإشكال المطروح هنا هل الأمر الأخلاقي القبلي المطلق موجود في الواقع حقا؟ وهل يمكن اعتبار كل ما يفعله الإنسان ويعتبره مسلمات قانونا ضروريا؟ وهل يستطيع الإنسان تأسيس مملكة للغايات يكون فيها هو المشرّع والخاضع في نفس الوقت؟ ما علاقة الحرية بالأخلاق؟ وكيف يصبح العقل الخالص عقلا عمليا؟

 

 بعد تحديد مختلف الإشكالات التي عالجها كانط في كتابه تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق بداية الإشكال العام، ومرورا بالإشكالات الخاصة التي أجاب عليها صاحب الكتاب في تحليله للقضايا المتضمنة في الكتاب لابد من طرح الإشكال الخاص بالنص المقتطف من الكتاب.

 

ما المقصود بالواجب؟ وما الفرق بين الأمر الأخلاقي المطلق والأمر الشرطي؟ وكيف تخضع الإرادة للقانون؟ وكيف ترقى المسلمة إلى مستوى قانون موضوعي عام؟ وهذا الإشكال الذي يجيب عنه صاحب النص وهو امتداد للإشكالات المطروحة سابقا.

 

8- المحاجّة، الحجاج:

سيتم الاشتغال على الحجاج وفق المنهجية التي اتبعها كانط في تحليله للكتاب، وذلك باعتماد حجة المثال في تحليل النص، المقتطف وبتقسيمه إلى أفكار مع شرحها وتقديم الحجة عليها، باتباع المنهج الكانطي وإدخال الجانب الديداكتيكي في تقديم الحجج.

 

 يقدم كتاب: ” تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق ” صرحا حجاجيا واضحا ركّز فيه كانط على المثال والمقارنة وحجة السلطة، والحجة التاريخية، والواقعية إلا أننا في هذا الصدد، وفي إطار اختيارنا للنص كنموذج أولي للتحويل الديداكتيكي، سنتعامل مع حجّة المثال وفق تحليل ديداكتيكي ومعرفي.

 

تقسيم النص إلى أفكار أو قضايا:

 

القضية 1: علاقة الإرادة الخيرة بالقانون.

القضية 2: الأوامر الأخلاقية المطلقة والأوامر الشرطية.

القضية3: من المسلمة إلى القانون.

القضية 4: الواجب الأخلاقي.

8 -1- تحليل القضية 1:

يرى كانط أن الإرادة الخيرة هي التي لا يمكنها الإقدام على فعل شيء أو اجتنابه إلا إذا تصورت أن هذا الفعل من الخير الإقدام عليه، يعني أن هذه الإرادة الخيرة لا تتبع منطق المنفعة، كما أن هدفها هو إتباع مبادئ العقل في ذاته، بحيث تكون كل أفعال الإرادة الخيرة نابعة من الفعل ذاته دون استهداف موضوع معين، ودون النظر إلى المنفعة المرتبطة بالفعل نفسه، أو حضور شرط الإلزام وضرورة اتّباع القانون، فالإرادة من تلقاء نفسها وبمستوى تكوينها لا تتصور الفعل إلا في جانبه الخير، وبالتالي فإن كل أفعال الإرادة تستهدف الخير، والخير هنا في ذاته، يعني أن الإرادة الخيرة تتطابق مع القانون دون أن تكون ملزمة به، لأنها خيرة في ذاتها وتهدف إلى الخير في ذاته والفعل في ذاته، وهنا قد نستحضر المثال الذي قدمه كانط للتأكيد على هذه القضية وهو مثال، “مما يتفق مع الواجب ألا يرفع التاجر من السعر على عميلة غير المجرب، وإن التاجر الفطن ليتحاشى ذلك بالفعل حيثما راج سوق البيع والشراء، بل إنه ليحافظ على سعر ثابت عام للجميع حتى يستطيع الطفل أن يشتري لديه بنفس الأسعار التي يشتري بها أي إنسان اخر (انظر: كتاب تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق)، إذن فالإنسان هنا يعامل بأمانة، غير أن هذه المعاملة لا تكفي على الإطلاق لكي تجعلنا نذهب إلى الاعتقاد بأن التاجر قد صدر مسلكه هذا عن الإيمان بالواجب وبمبادئ الأمانة، بل لأن مصلحته قد اقتضت ذلك… يعني أن الفعل الخير في ذاته.

 

8 -2- تحليل القضية 2:

يميز كانط بين الأوامر الأخلاقية المطلقة والأوامر الشرطية، بحيث يعتبر أن الأمر الأخلاقي المطلق هو الذي يتمثل في الفعل لذاته، ولا ترجى من ورائه منفعة معينة، كما أنه ضروري ضرورة موضوعية بحيث تتعدى الشرط الذاتي لتصبح كلية وكونية، وبمقتضى وجود إرادة خيرة تؤسس للأفعال الخيرة دون استهداف مصلحة، في مقابل الأمر الشرطي الذي يرى أن الفعل الخير أو القيام بفعل خير هدفه الوصول إلى نتيجة، وبهذا يكون العقل مقيدا بشروط لا ترجو بلوغ أهداف محددة، مثلا أداء الصدقة من أجل الحصول على الحسنات وبالتالي فإن الفعل هو خير لكنه يحمل غاية يسعى إلى تحقيقها وهو ما يفقده قيمته الخيرة، وهنا يمكن استحضار المثال الذي قدمه كانط في إطار تمييزه بين الأوامر الشرطية والمطلقة كحجة لإثبات هذه القضية ” إذا قيل ينبغي عليك ألا تبذل وعدا كاذبا إذا افترض أن ضرورة الامتناع عن بذل الوعد الكاذب ليست مجرد نصيحة يبتغي من ورائها تجنب شر اخر، بحيث ينبغي أن يقال: لا ينبغي أن تعد وعدا كاذبا، حتى لا يحسب ذلك عليك إذا ما انكشف الأمر، بل إذا كان من الواجب عد فعل من هذا النوع شرا في ذاته وكان أمر النهي عنه أمرا مطلقا.. إذن من الممكن دائما أن يكون للخوف من الخجل أو القلق أخطار أخرى…. في مثل هذه الحالة لن يكون الأمر الأخلاقي المزعوم…. في الواقع أكثر من وصية عملية تنبهنا إلى منفعتنا….” وهذا يعني أن الفعل كونه خيرا لا يعني أنه مطلق، حتى وإن ظهر كذلك، خاصة إذا استهدف غاية من ورائه كما أن الأمر المطلق هو الذي يتعالى على المنفعة ويؤسس للخير في ذاته.

 

8 -3- تحليل القضية 3:

تحيل المسلمة إلى فعل ذاتي يرغب فيه كل كائن بشري، أوما سماه بالمبدأ الذاتي للسلوك بحيث تدخل فيها الميول والرغبات، بينما القانون هو المبدأ الموضوعي الذي يصلح لكل كائن عاقل، والذي ينبغي أن يجعل كل أفعاله موافقة له. وفي هذا الإطار، يسعى كانط لأن تصبح المسلمة قانونا عاما، أي أن يصبح المبدأ الذاتي مبدأ موضوعي، وذلك في اتفاق المسلمة مع ذاتها وعدم تناقضها مع نفسها، وأن ترى في ذاتها قانونا طبيعيا عاما، بما يتفق مع الإنساني، أي أن تفكير الإنسان في مسلمة ذاتية ينبغي أن يخضع لشرط تحقّقها وإمكانية تحوّلها إلى قانون عام يمكن تطبيقه على الإنسانية بالانتقال من الذاتي إلى الموضوعي، هنا يقدم كانط حجة بالمثال على مسلمة لا يمكن أن تصبح قانونا موضوعيا عاما لحضور عنصر التناقض: “هناك حال امرئ تدفعه الحاجة إلى اقتراض مبلغ من المال، إنه يعلم تمام العلم أنه لن يستطيع سداده، ولكنه يرى كذلك أنه لن يحصل على شيء حتى يعد وعدا ثابتا أن يرده في موعد محدد، إن لديه من الرغبة ما يحفزه على أن يبذل مثل هذا الوعد، ولكن لديه أيضا من وازع الضمير ما يجعله يسأل نفسه: أليس محرما على الإنسان ومنافيا للواجب أن يتخلص المرء من الضائقة التي يعانيها بهذه الطريقة؟ لنفترض أنه قرر بالفعل أن يلجأ إلى ذلك، فإن مسلمة فعله ستكون: حين أعتقد أنني أعاني ضائقة فسوف أعد على اقتراض المال وبذل الوعد بتسديده وإن كنت أعلم أنّ ذلك لن يحدث أبدا… عندئذ سأجد على الفور أنها لا يمكن أن تصبح قانونا طبيعيا ولا تتفق مع نفسها ” وهذا يعني أن المسلمة إذا تناقضت مع نفسها واستحالت إمكانية تحولها إلى قانون عام يخص الإنسانية يصعب تحولها من المبدأ الذاتي إلى الموضوعي، وبالتالي لن ترقى هذه المسلمة إلى مستوى التطبيق الإنساني.

 

8- 4- تحليل القضية 4:

يتخذ الواجب الأخلاقي بعد الضرورة القانونية التي تجعل من الفرد يؤسس لأفعاله وفق الشعور بالواجب والإيمان به، وليس بهدف الميل أو المصلحة، فهو ممارسة كل فعل بباعث يستبعد أثر الميل مع حضور استقلالية الإرادة والتشريع الذاتي للقوانين التي تجعل من الواجب الأخلاقي غاية في ذاته وليس وسيلة، أي وجود المضمون الأخلاقي، وقد أكد كانط على هذا القول من خلال مجموعة من الأمثلة التي يمكن أن نستحضرها : ” فإذا فرضنا أن وجدان صديق بني الإنسان هذا لفحته سحب الهموم الذاتية التي تقضي على كل مشاركة وجدانية في أقدار الآخرين، وأنه لا يزال قادرا على تقديم الخير لغيره من المعذبين، وأنه قد شُغل بشقائه الشخصي فلم يعد شقاء الآخرين يحرك فيه جارحة، وأنه على هذه الحال التي لا يؤثر عليه فيها ميل يستطيع أن ينزع نفسه من هذا الجمود المميت وأن يؤدي الفعل عن شعور بالواجب فحسب، مجردا من كل ميل، عندئذ فقط تكون لهذا الفعل قيمته الأخلاقية الأصلية، بل إنني أزيد على هذا فأقول لو أن الطبيعة وضعت في قلب هذا الإنسان أو ذاك قليلا من المشاركة الوجدانية، ولوكان (وهو الإنسان الأمين) بارد المزاج عديم الاكتراث لآلام غيره من الناس، ربما لأنه هو نفسه قد رزق من الصبر والعزم والثبات ما يواجه به آلامه وما يجعله يفترض وجودها عند غيره من الناس، أو على مطالبته بأن يكون لديهم مثلها، أقول إذا شاءت الطبيعة ألا تجعل مثل هذا الإنسان (الذي لن يكون أسوأ إنتاجها) صديقا محبا للبشر فهل يعدم مثل هذا الإنسان أن يجد في نفسه المصدر الذي يجعله يعطي نفسه قيمة أعلى بكثير من القيمة التي يمكن أن تكون لمزاج خير بطبيعته؟ بلى! إن القيمة الأخلاقية التي لا تضارعها في سموها قيمة أخرى، تظهر على وجه الخصوص في هذا المجال، أعني أن يحسن الإنسان، لا عن ميل بل عن شعور بالواجب”، أي استهداف الخير في ذاته وليس لغاية أخر، إذن فلم يصدر هذا السلوك لا عن واجب ولا عن ميل مباشر، بل كان الباعث عليه هو المصلحة الذاتية، لكن الواجب من المنظور الكانطي يتعالى عن كل مصلحة ذاتية وميل عاطفي إلى مستوى تطبيق القواعد العقلية في بعدها الأخلاقي.

 

9- خاتمة:

 إن غياب تصور خاص للتحويل الديداكتيي في مادة الفلسفة مقارنة مع ما وصلت إليه المواد الأخرى (اللغة العربية، الفرنسية، الرياضيات….)، يجعل الباحث في المجال أو الممارس يسعى إلى تأسيس نموذج للتحويل، من خلال استحضار الأسس النظرية (ديداكتيكيا)، وكذا الاستفادة من المتون الفلسفية التي يمكن للباحث أن يستخرج منها ما هو معرفي، ومنهجي وديداكتيكي، بالإضافة إلى المقاربات التي يتمّ بواسطتها الاشتغال على الدرس الفلسفي، والمقاربة النواتية (ميشيل طوزي،…)، بحيث يبقى بناء تحويل ديداكتيكي إضافة نوعية وديداكتيكية للممارسة الفلسفية.

 

من خلال ما سبق يحق لنا القول بأن الدرس الفلسفي بالمغرب وفي غياب الرؤية الديداكتيكية لا يمكنه تجاوز الطابع النمطيّ منهجيا، باعتبار النصّ الفلسفي المدرج في الكتب المدرسية تلخيص لموقف فلسفي خاص بالقضية، أو بتعبير آخر الاقتصار على النص الفلسفي من الناحية المعرفية رغم أنّ بعض النصوص لا تتماشى والقدرات والكفايات المعرفية المستهدفة في المجزوءة، المفهوم والمحور، وبهذا فإن المقاربة النواتية التي جاء بها طوزي وغيره يمكن استخلاصها بالرجوع إلى المتون الفلسفية، وجعل النص نافذة للانفتاح على الصرح الفلسفي، والحديث في الجزء الذي غالبا ما يفقد الموقف الفلسفي قيمته الفلسفية والمنهجية، إن الدعوة التي جاء بها كانط لتعلم التفلسف وتعلم آليات التفكير ممكنة بالانفتاح على المتن الفلسفي لاكتشاف طرق التفكير وآلياته، لما يفتح من آفاق لتحفيز المتعلمين حتى ينخرطوا في بناء الدرس الفلسفي بالحفاظ على المعرفة وإدخالها في بنية التحويل الديداكتيكي.