Menu

سلسلةُ مقالاتٍ سينمائيّة 4: سينما الثّورة الفلسطينيّة

وليد عبد الرحيم

نُشر هذا المقال في العدد 29 من مجلة الهدف الإلكترونية

لمْ تحظَ الثوراتُ الفلسطينيّة الممتدة والمستمرة منذ عام 1920 حتى اليوم، بتغطيةٍ سينمائيّةٍ أو إعلاميةٍ راقية، كما ينبغي لها، أو يليق بها ويوازيها، وكان ذلك في بداية القرن العشرين منطقيًّا؛ بسبب حداثة السينما" المرئي المتحرك الحي" ذاتها، واشتعال الحروب والصراعات، والهجرة الصهيونيّة – اليهوديّة إلى فلسطين، وشحّ الوعي الإعلامي وندرة وسائله المرئيّة، وزاد عقبها بندُ تقصير المؤسسات القائمة كافة، في حين كانت السلطة للإعلام المكتوب وبعض المسموع، وخطب الرنين الشعاراتيّة، التي تم الاعتقاد بأنّها مادةٌ إعلاميّة!

جاء تأسيس منظمة التحرير وانطلاق الثورة في العام 1964- 1965؛ فغيَّر الواقع، وإن كان قليلًا وببطء، وانتقل من الفوتوغراف إلى الشريط السينمائي، مع بعض السذاجات الفنيّة والتقنيّة، وقد يحق لنا القول الكثير من السذاجات، إلا أنه على الرغم من ذلك، أضحى للفلسطينيين أساسٌ أوليٌّ لسينما مقاومة ترافقت مع هبَّة الكفاح المسلّح، بعد تخبطٍ طويلٍ في اكتشاف ضرورة الهويّة السينمائيّة وأهميتها وسماتها منذ لحظة نشوئها.

بدأت سينما المقاومة – الثورة الفلسطينية – بمجهوداتٍ فرديةٍ منذ ما بعد النكبة، ونقل المصورون صور الفوتوغراف المُجمّعة عشوائيًّا – غالبًا – وبعض الأرشيف، والتقاطات الصحف لصور الاضطرابات والعمليات الفدائية التي أدهشت العالم حينها، وصنعت صيغةً وشكلًا جديدين لفحوى الهوية الوطنية وصورتها، ومختلف مفاتيح أبواب القضيّة ومناحيها.

في البدء – قبل التأسيس – ولسنوات طويلة جَهِدَ مصورو الفوتوغراف بشكلٍ فرديٍّ حماسيٍّ غيرِ منظّمٍ أو مدروس، باستثناء حِرفيّته في التقاط ما يُظهر المأساة، كالمجازر، والنكبة، وانهيار الكيانية الفلسطينية، والاستيلاء على مؤسساتها، وتواطؤ العالم في تحقيق وجود كيانٍ للعصابات الإرهابية الصهيونية، وكان لطوابير اللاجئين وخيامهم الحصة الأكبر من الكادر الفوتوغرافي عقب النكبة، ثم انتقل الهَمُّ  بعد سنواتٍ قليلةٍ لشحذ الهمم وإشعال ذاكرة الفقد، وإظهار جمالية مدن فلسطين وطبيعة قراها – الآن يبدو ذلك بزخمٍ على منصات التواصل الاجتماعي – وهدف العمل عمومًا إلى إيقاد مشاعر الحنين للوطن، وضرورة العمل على تحريره والرد على الهزيمة، في حين انطفأت مساهماتُ الموجودين تحت الاحتلال ضمن المناطق المحتلة عام 1948 لسنوات؛ بفعل إرهاب الكيان الصهيوني للهوية برمتها وقمعها. كانت جهودُ الأفراد المؤسّسين لَبِنةً أساسية لكل المناحي التي نشهدها اليوم، من تطورٍ في قسمٍ مهمٍّ من الأفلام الفلسطينية، الروائيّة والتسجيليّة والوثائقيّة، وارتقاء تقنياتها.

بدأت الجهودُ – إذًا – بالصحافة، وبالفوتوغراف، ثم بجمعه على شريط، وما تيسّر من صورةٍ متحرّكةٍ عبرَ أفلامٍ وثائقيّةٍ غنيّةِ الواقع والطرح، ضعيفةِ البناء الفني وتقنياته، ثم انتقل الأمر إلى نقل صور تدريبات الفدائيين وعملياتهم عقب الثورة، وفصائل منظمة التحرير، واندلاع الكفاح المسلح، وأثرت خطبُ القادة، وغير ذلك، مما شابه، بشكلٍ كبيرٍ على إعادة صيغة الصورة السينمائيّة، في المناطق المسلوبة عام 1948؛ كان هناك من يدرس السينما في أماكنَ عدّة.

يتفق المؤرخون على أن السينما الفلسطينية بدأت عام 1935، على يد إبراهيم سرحان، المولود في يافا 1915، والمتوفي في مخيم شاتيلا ببيروت عام 1987، وهو مُنجزُ أول فيلم في فلسطين مدته 20 دقيقة، وكان عبارة عن وثائقي؛ موضوعُهُ وبنيتُهُ وأهدافُهُ، هي مرافقة جولة الملك السعودي، سعود بن عبد العزيز، الذي جال في مختلف المدن الفلسطينية، ورافقه في جَوَلانه مفتي فلسطين، الحاج أمين الحسيني، إلا أن محاولاتٍ سابقةً لإبراهيم سرحان وغيره سبقت ذلك وعقبتْه، وانقطعت السلسلة بسبب النكبة حتى ظهور الثورة المعاصرة.

 كما هو معلومٌ تأريخيًّا – وهناك ما هو غير معلوم من جهود أيضًا – فقد بدأ تطور المجهود المرئي كنقلةٍ مهمّةٍ عقب صمت ما بعد النكبة بسنواتٍ قليلة، ثم انطلاق المنظمة، وأبرز ذلك كان مع المصورة الآنسة "سلافة مرسال" قبل وبعد تخرجها من المعهد العالي للسينما في القاهرة، حيث دأبت على التقاط الصور الفوتوغرافية، ثم جاهدت بإمكاناتٍ فرديّةٍ بسيطةٍ لتطوير عملها لإنجاز فيلم وثائقي. وبعد جهدٍ كبيرٍ، تم إنتاج فيلم بعنوان" لا للحل السلمي" برعاية حركة فتح، وكانت وحدة الإعلام في الجبهة الشعبية قد صوّرت مادةً دعائيّة بتوجيه غسان كنفاني والدكتور جورج حبش وإشرافِهما؛ وهي عبارة عن صورٍ متتابعةٍ بكاميرا سينمائيّة 16 مم لتدريبات الفدائيين في جبال الأردن خلال النصف الثاني من عام 1967، لكن ذلك لم يكن فيلمًا بالمعنى الفني والتقني، إنما يمكن اعتباره مادةً توثيقيّةً مصورة، أي مجرد "رشز".

كانت المقاومة – منظمة التحرير – قد أسست قسمًا للتصوير الفوتوغرافي منتصف عام 1967، يهتم بالواقع اليومي للفلسطينيّين، كصور الشّهداء، والعمليات، والمخيّمات...وعامَ 1968، وبعد جهدٍ، كان أول فيلم سينمائي يُنتَج؛ هو ما ذكرناه قبل سطور “لا للحل السلمي” وكان عبارة عن فيلمٍ تسجيليٍّ تم تنفيذه من قبل مجموعةٍ من السينمائيّين منهم: سُلافة مرسال، صلاح أبو هنّود، هاني جوهرية...

توالت التجارِب، وساهمت العديد من الفصائل الفلسطينية بإنجاز العديد من الأفلام التي يغلب عليها الطابع الدعائي المشغول وثائقيًّا، وكسبيلٍ للمثال لا الحصر، فقد أنتجت لجنة الإعلام المركزي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فيلمًا وثائقيًّا بعنوان: "لن تسقط البنادق"، وقد تم تصويره بكاميرا سينمائية بشريط 16 مم عامَ 1973، يتحدث فيه الحكيم جورج حبش عن هموم القضية والثورة، ووحدة فصائل المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، ورفض الجبهة لمؤتمر جنيف، وقضايا سياسيةٍ متنوعة، والصراعات القائمة عقب تجرِبة الأردن.

تتالت الأعمال والإنتاجات الفيلمية ذات الطابع الدعائي والوثائقي، كما أسلفنا؛ فأنجزت فصائل منظمة التحرير المختلفة أفلامًا عدّة ،لا سيما أثناء وجودها في لبنان وعقبها، التي عُدّت فترةَ مدٍّ ذهبيٍّ للثورة وعملياتها النوعيّة؛ فقامت الفصائل المقاوِمة في منظمة التحرير، كالصاعقة، والديمقراطية، والقيادة العامة، وجبهة التحرير؛ بإنجاز العديد من الأفلام التي لم ترقَ في سويّتها الفنيّة لتنافس السينما الصهيونية الممولة والمدعومة بالخبرات الأوروبيّة والأمريكيّة، لكن أفلام الفصائل كانت موسميّةً ولم تلقَّ رواجًا لكونها كانت برمتها ذات أهدافٍ وسماتٍ دعائيّة، باستثناءٍ نسبيٍّ يطال تلك الأعمال التي أخذت فيما بعد عن رواياتٍ وقصصٍ، كمثالٍ على ذلك روايات غسان كنفاني.

لقد أسهم العديد من المخرجين الفلسطينيّين والعرب والعالميين في رفد الحق الفلسطيني والتجرِبة الثوريّة، وإظهار عدالة القضية بأفلامٍ عدةٍ؛ بعضها ممولٌ من قوى الثورة، والآخر من قوى اليسار العالمي أو بالمشاركة، وبعض التمويل المستقل.

على الرغم من وجود الكفاءات السينمائيّة، لم يكن في يوم ما استراتيجيّةٌ فنيّةٌ عميقةٌ في مختلِف المؤسّسات الفلسطينيّة، ولا أظن ذلك قائمًا اليوم بعد تأسيس مؤسسة السينما الفلسطينية داخل الوطن، وكذا وزارة الثقافة فلسطينية على الرغم من أن بعض الدعم غير الكافي يُقدم للسينمائيين، والمعلل بالظروف والإمكانات، على الرغم من أن ذلك يترافق مع نهوضٍ كبيرٍ وواسعِ الانتشار لمخرجين وفنيّين فلسطينيّين داخل الوطن وخارجه، بعضهم صار اسمًا عالميًّا، ونافس أمامَ أفلامٍ ذات تمويلٍ كبير، ويُشهد للكثير بالمهارة والعبقرية الفنية من قبل العموم العالمي والمحلي، وعدم احتضان ودعم هذه التظاهرات الفردية، إنما هو معبّر عن أحد أوجه مأساة التشتت والضياع الفلسطيني، أما بالنسبة للفصائل فقد نسيت تمامًا أهمّية السينما.

يتساءل السينمائيون اليوم: كيف ننهض بسينما وطنيةٍ تتناسب مع مقدراتنا؟ وهذا شائع هذه الأيام بقوةٍ أكثرَ من سابقاتها، وذلك في الواقع يحتاج لمؤسساتٍ تدرك أهمية الثقافة والفن عمومًا، والسينما وخطورتها تحديدًا، التي قد تصنع بلدانًا مما يشبه العدم، ويمكن هنا، كمثال استحضار مقولةٍ مكررةٍ تفيد بأن أميركا ابنة هوليود، وليس العكس؛ فما بالك بقضيةٍ واضحةِ العدالة، كالقضية الفلسطينيّة، التي تحمل مضامينَ إنسانيّةً وتاريخيّةً وأخلاقيّةً وثقافيّةً بشكلٍ تلقائي، كما ترسم أحداثها دراما واقعية حقيقية لا تحتاج لتزييفٍ كما يفعل العدو المحتل بجهدٍ كبير.

والاقتراحات متشابهةٌ وكثيرة، وبديهيتها أن قضية فلسطين وحضارتها وتاريخها لا تحتاج للتزييف لإظهارها، كما الحال عند العدو الذي يضخ ملايين الدولارات لشطب التاريخ وصناعة بديلٍ له بخرافة تاريخه؛ فتزييف الحقائق يكلّف أكثر بكثيرٍ من إظهار الحقيقة، ولا يحتاج الفلسطينيون سوى بضعة أمورٍ بسيطةٍ للنهوض سينمائيًّا، منها: رصد التمويل الإنتاجي، ومنح الحرية للسينمائيين، وإدراك المؤسسات لأهمية هذا النوع من الجهد الراقي الذي يؤثر بشكلٍ كبيرٍ في إظهار صورة واقع القضية والشعب ومأساته بشكلٍ أفضلَ من جهودٍ عدةٍ تقوم بها سفاراتٌ، مثلًا، وهيئاتٌ ورموزٌ وخطباء، وتكلّف الكثير الكثير.

إن ما يتوجّب على منظمة التحرير والوزارات داخل فلسطين وفصائل المقاومة كافة، إعادة رسم مفاهيمَ وبرامجَ لنهوض السينما الفلسطينيّة، وذلك يتم فقط بإشراف مختصين لا مسؤولين سياسيين أو إداريّين؛ فالفنُّ والسينما، خاصةً، لا يمكن إدراك مفرداته ومفاتيحه سوى من المشتغلين فيه، بمعنى أن تكون المؤسسة راعيةً ماليةً وإداريّة، دون التدخل المباشر في تفاصيل أي عملٍ فنيٍّ أو إبداعي، وذلك بدوره يتطلّب عقليّةً منفتحةً تتجاوز الفصائليّة والشلليّة والانتماء الحزبي والتنظيمي.

إن إعادة الروح للسينما الفلسطينية ورفد رموزها ومشتغليها ودارسيها، وخاصةً، جيل الشباب يجب أن تكون مهمة للمؤسسات الرسمية والفصائلية، وأكاد أؤكد، هنا، بأنه لا نهضة للقضية دون فنٍّ وثقافةٍ رائدين، ومنها – بل في المقدمة – السينما، وليس أن يتبع الفن رؤية السياسي والإداري؛ فالخصوصية الفنية أعمق وأخطر من ناحية إدراك كنهها، حتى على بعض السينمائيين، فما بالك بخطورة ذلك في حال تدخل فيه من ليس مختصًّا!

لقد تطورت مفاهيم الفلسطينيين وثقافتهم في شتى المجالات، في الفكر والثقافة والشعر والمسرح والطب والعلوم، كانت غالبيتها بدعم م.ت.ف وفصائلها، ودرس الآلاف عبر منحٍ وبعثاتٍ إلى شتى دول العالم، لكنها تراجعت منذ نهاية الثمانينات لاعتباراتٍ سياسيّةٍ عدّة، أما اليوم، فواقع السينمائيين الفلسطينيين في صفٍّ متقدمٍ عالميًّا، أما المؤسسة، فتقبع في المؤخرة، ولا تقدم ما ينبغي عليها، وهو أمرٌ مؤسِفٌ وموجع، ويجدر بي القول هنا: إن فلسطين الحقيقية لن يتم بناؤها بلا سينما متقدمة.

التفاتةٌ نصفُ مهمّة: لا تعدّ هذه المادة تأريخًا لمساهماتِ السينمائيين وأسمائهم – فهم كثرٌ – أو الجهود والمؤسسات، بل يمكن تصنيفها تحت تسمية "نظرة عامة"، وهناك توسّعٌ قادمٌ بذلك في موادٍ أخرى قادمة.