Menu

لا يوجد فلسطينيون يمكن الكلام معهم!

تحليلنفتالي بينت وتقليص الصراع: عجز العقل الفاشي عن رؤية البديل

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

كانت غولدا مائير أول رئيس حكومة صهيوني تتجرّأ علنًا على اعتبار المنصة العنصرية، ضد الفلسطينيين، كمنصة سياسية تصلح لحل الصراع، بغض النظر عن الممارسات، فإن رؤساء حكومات الكيان الصهيوني، نأوا بأنفسهم عادة عن هذا السياق، وصولاً إلى نفتالي بينيت الذي يريد على ما يبدو إعادة الاعتبار لخطاب غولدا مائير لكن عبر قناع تقليص الصراع، بدلاً من إنهائه متضمنًا إدارته.

نفتالي بينيت، كان من المحتضنين بقوة لشعار "لا شريك فلسطيني" وبالتالي فعلى "إسرائيل" أن تتفاوض مع نفسها لحل المشكلة، وليس مع طرف آخر، وهذا ما شجع إضافة لاعتبارات "اللغو الديني" المعروفة على تبني والدعوة للضم، ضم الضفة الغربية أو معظمها بما يؤدي إلى انهيار أي معنى لأي كلام سياسي، ويبقى الكلام الممكن الوحيد المتعلق بتقليص الصراع، على حفظ الأمن الداخلي، وملاحقة السكارى وجمع القمامة في شوارع رام الله، وعلى الأرجح يعتبر هذا ضربة قاتلة لمفهوم الصراع وليس مجرد تقليص له.

نفتالي بينت عاد وأكد أن لا مكان للسياسة، الأسبوع الماضي بعد أن التقى وزير حربه وشريكه بيني غانتس مع الرئيس الفلسطيني، إذ صرح مصدر مقرب من بينيت "لا توجد عملية دبلوماسية مع الفلسطينيين ولن تكون هناك واحدة".

يذكرنا بينيت بغرور غولدا مائير وتحجرها الأخلاقي ضد الفلسطينيين، فهو ينتمي مثلها إلى عالم لا يوجد فيه فلسطينيون بل فقط "إسرائيل" وهذا الأمر لا يتعلق بأي نوع فلسطيني بل بكل الفلسطينيين، بغض النظر عن مواقفهم، فهم لا يمكن أن يكونوا على قدم المساواة مع "الإسرائيليين"، والمشكلة الفلسطينية هي أن الكل الفلسطيني، لا يتوحد على رؤية ما يقوله بينت، بل هناك للأسف من يعتقد أنه يمكن أن يكون متساويًا "مع الإسرائيلي" دون التطرق إلى السياسة. ويرفض رؤية الخطاب العنصري الذي يخرج من الطرف الآخر، وكأن بينت يخترع فلسفة جديدة عصية على الفهم.

من المعروف أن نفتالي بينت جاء إلى السياسة "الوطنية" العامة في الكيان الصهيوني من بوابة المجلس الاستيطاني "يشع" الذي كان يشغل منصب مديره العام، والمفارقة أن بينت نفسه لم يكن يومها مستوطنً ولم يكن يعيش خارج الخط الأخضر، ولكنه أثبت بذلك عبر عمله هذا ونشاطه السياسي أنه يتبنى بكامل فكرة "إسرائيل مستوطنة" تمتد حدودها حيث وصل أي مستوطن، وبالتالي على المؤسسة تبني الرؤية الاستيطانية للصراع، وليس أي نسخة مخففة أخرى وهو ما دفعه للقول إنّ "المشكلة الفلسطينية هي مثل بقايا شظايا في كعب القدم". قدم المستوطن الذي يجتاح التلال وحقول الزيتون ويمهد الأرض أمام "إسرائيل الكبرى" ويسعى لتنظيفها من "الأشواك الفلسطينية" التي هي هنا مجرد نبات بري نما في غير مكانه ويجب حرقه!.

ما يزال نفتالي بينت كما هو واضح يدير الكيان الصهيوني بنفس عقلية إدارة مجلس "يشع"، لن يكون هناك دولة فلسطينية، كما عبر في لقائه مع نيويورك تايمز، وإذا لم يكن هناك ضم لاعتبارات معينة، فإن الاجتياح متواصل، وطريق المستوطن سيبقى ممهدًا، عبر ما وصفه "ستواصل إسرائيل السياسة المعيارية للنمو الطبيعي لمستوطنات الضفة الغربية".

لكن بالعودة إلى الوراء حتى موشي دايان وزير الحرب في حكومة غولدا مائير وإن كان تحدث عن تهيئة الأوضاع والتخطيط المسبق للاستيطان، ورفض رسم حدود المستوطنات، فإنه أيضًا وصف الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967 بـ "وديعة" يجب إعادتها مقابل اتفاقية سلام تلبي احتياجات "إسرائيل"، وكان دايان قلقًا للغاية مما سماه "الجمر المشتعل" ولا يريد البقاء في حالة "لا حرب ولا سلام" وعبر عن ذلك بوضوح، حتى حرب 1973.

على العكس من جميع رؤساء حكومات الكيان الصهيوني منذ التسعينيات، بما فيهم بنيامين نتنياهو، الذين تحدثوا عن دعم –بشكل ما- لحل الدولتين، وتبني الاتجاه العام لدايان ضد (لا حرب ولا سلام)، فإن نفتالي بينت وصف الوضع الراهن المتمثل في "لا حرب، لا سلام" ليس وضعًا مؤقتًا، بل هو الوضع الدائم الذي يطمح إليه". وضع تواصل فيه "إسرائيل" سيطرتها الكاملة على الفلسطينيين وحياتهم، ولن تقبل منحهم أي حقوق مساوية للمستوطنين كما يفترض في حالة الضم الجزئي أو الكلي، الذي يبدو أن الامتناع عنه يجلب المزيد من المنافع للخطاب العنصري لنفتالي بينت وحكومته وتطبيقات هذا الخطاب على الأرض.

من الطبيعي القول أن نفتالي بينت يجلس على كرسي حكم بثلاثة أرجل، حيث جاء إلى الحكم رئيسًا لحزب صغير خدمت المهاترات السياسية والفوضى الحزبية في الكيان طموحه الذي يتجاوز حجمه بكثير، وهو لا يقود ائتلافًا متجانسًا، وبالتالي لجأ إلى التلاعب، هو وشريكه الليكودي السابق جدعون ساعر، عبر التخلي عن فكرة الضم ولكن ما سيحل محلها هو سيطرة كلية وفصل عنصري متكامل الأركان وليس دولة فلسطينية، وهنا تبرز الخدعة التي يتم الترويج لها حول تغيير سياساته بتأثير ائتلافه أو بتأثير الأمريكيين، لأن المفهوم الجديد الذي يتبناه "تقليص الصراع" والذي يرجع أصلاً إلى مستوطن يدعى ميكا غودمان، رغم أنه على ما يبدو لم يقرأ نفتالي بينت من نظرية غودمان سوى العنوان فقط ولم يتعمق في المعنى الحقيقي للحلول التي يقترحها غودمان التي تمنح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا أعمق في قراهم ومدنهم، وطرقًا اقليمية خاصة ومزيد من الانفتاح والتنمية الاقتصادية والحصرية لكن تحت سيطرة أمنية "إسرائيلية " كاملة والعين الساهرة للجيش الصهيوني، وهكذا قال بينت في تعبير عن تبنيه هذه الأفكار "توجهي هو تقليص الصراع" و"حيثما يكون من الممكن الحصول على المزيد من المعابر، وتحسين نوعية الحياة، والمزيد من الأعمال، والمزيد من الصناعة، فإننا سنفعل ذلك".

وكما غودمان، يعتقد بينيت أن هذه الحلول هي البديل عن رفض الفلسطينيين التخلي عن طموحاتهم الوطنية، ولكن بينت يتجاهل ولا يريد أن يرى أن هذه الحلول هي تعبير عن فشله وفشل كيانه في إجبار الفلسطينيين على التخلي عن هذه التطلعات، هي في الواقع خطوة إلى الوراء وتعبير عن الضعف والفشل وليس تعبيرًا عن النصر والإعلان النهائي عن إخضاع وهزيمة الفلسطينيين عن طريق تجاهلهم سياسيًا بشكل كلي.

وفي الواقع، إن نفتالي بينت هو كأي فاشي، يعبد الأمر الواقع ومولع بالجمود، ويرى أن أي حركة أو تغيير يهدد عالمه الهش بالتهاوي، وهذا هو حال اليمين الصهيوني عمومًا، الذي أصبح بينت ممثله الأساسي، الذي ليس لديه رغبة لا بالتخلي عن الاحتلال ولا إنهاء الفصل العنصري، وبالتالي إبقاء الوضع الراهن، ليس لأنه يرفض البديل جذريًا، بل لأنه لا يعرف أي بديل!.