Menu

الصراعُ مع إيران: المذهبيّ والسياسيّ والمشروع الصهيوني

سعاده مصطفى أرشيد

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد 29 من مجلة الهدف

أطلق الغربُ على الإقليم الذي نعيش فيه أسماء عدة، منها الشرق الأوسط ( middle east ) الذي يمتد من مصر، وشرق المتوسط إلى الهند، وباكستان، وإيران، وما بينهما، ومنها الشرق الأدنى، أو القريب ( near east ) ويشمل شرق المتوسط، و تركيا ، وإيران، التي تكون بيئةَ جوارٍ تاريخي، ومستقبلي مشترك، تعيش فيها اليوم أربعُ جماعات، ثلاثٌ منها أصيلة، نحن و إيران و تركيا، ورابعةٌ غريبةٌ وغربيّة ، دخيلةٌ ومعاديّة، تمّت صناعتها في مختبرات السياسة الغربية، ومنحت القوة والدعم، وصنعت لها شرعيّة وهميّة قائمة على أساطير التاريخ الديني ونظريات العرق الصافي، وتم توظيفها قلعةً متقدمةً للاستعمار بأشكاله في خدمة مصالحه وأجنداته المتضادة مع أجندات الأمن القومي والمصالح العليا للمجموعات الأصلية الثلاثة، وإن نالنا من أذاها و شرها الحصة الأكبر .ترى إيران ذاتها على أنها دولة أمة nation state ) ) وأنها وريثة إحدى أعظم الإمبراطوريات في التاريخ القديم، حكمت في حقبة من الزمن معظم العالم القديم، ومثلت القطب المعادل لليونان وورثته الرومان، توسعيًّا و فلسفيًّا و فكريًّا، فهي حضارة موغلة بالقدم، أنتجت الأديان والفلسفات والآداب شعرًا و ملاحم. وفي حين تفوّقت الإمبراطورية الرومانية بالقانون، فقد تفوّقت الإمبراطورية الفارسية في أنظمة الإدارة والمحاسبة ومسك الدفاتر، وقد ورثت معارفها الإدارية والمالية ودرجت على اعتمادها كل من الدولة الأموية ثم العباسية.

ترى إيران أيضًا أنها الدولة الشيعية الوحيدة في العالم، والحملة لأمانة الفقه الأمامي – الإثنا عشري، ومعه دماء الأمة وتراثهم ووصاياهم، وأصبحت بعد انتصار الثورة عام 1979، صاحبة مشروع طموح، يتجاوز في مداه حدود إيران القومية، إلى مجال إقليمي – عالمي من خلال نظرية تصدير الثورة التي أطلقها الإمام الخميني، وبقي المفهوم يتطور على يد خليفته الخامينئي؛ ليصبح أكثر عصرية ومقبولية، وهذا ما سيعود له المقال لاحقًا. أما كيف رأى أهل الإقليم إيران، وأخص العرب المحسوبين على الغرب في زمن الحرب الباردة، فلقد رأوا إيران دولةً قويةً عصرية، ومثالًا يحتذي، واتّسمت علاقات هؤلاء بإيران الشهنشاهية بالود والحميمية، وإن كانت بشكلٍ دوني، وجند هؤلاء منظوماتهم السياسيّة والإعلاميّة والثقافيّة وحتى الدينيّة (السنية) في خدمة إيران والشاه المتعالي عليهم، الذي لطالما تطاول عليهم واستخف بهم، وإنْ برتوكوليًّا أثناء حجيجهم الدائم لطهران؛ إن في احتلال الجزر الثلاث، أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، عند انسحاب الإنجليز من الخليج في سبعينات القرن الماضي، وهو الأمر الذي قوبل بالصمت غير المعترض؛ استطرادًا لرؤية البعض لإيران (الشاهنشاهية) الصديقة والحليفة والجارة العزيزة، التي تجندت الفتاوى الدينية (السنية) في دعم سياساتها وشرعنتها ووضعها في خدمة الإسلام، وفي تبرير الصداقة معها، ما لبثت أن انقلبت رأسًا على عقب، عندما تحولت إيران من حليفٍ للغرب الأطلسي وحليف (إسرائيل) الأول في العالم الإسلامي، ومزودها بالنفط الزهيد الثمن، ووقوفها إلى جانبها سياسيًّا واستخباريًّا ونفطيًّا بشكلٍ علنيٍّ في حرب 1973، إلى عدو لها، فاستيقظت الحمية السنية عند فقهاء أولئك السلاطين والأمراء والرؤساء، وأصبحت إيران المعادية للمشاريع الغربية، خاصة الولايات المتحدة باعتبارها الشيطان الأكبر، والمتناقضة الرافضة وجوديًّا بالجوهر مع (إسرائيل – الشيطان الأصغر)، فاحتل طلبتها السفارة الأمريكية واحتجزوا دبلوماسييها، وطردوا (الإسرائيليين) وحولوا سفارتهم إلى سفارة فلسطين بهذا السلوك الإيراني الجديد، الذي مثل نقطة تحول استراتيجي لا إقليمي فحسب، إنما عالمي أيضًا، فأصبحت إيران عدوًا لهؤلاء من عرب أميركا ومسلميها، فإيران شيعية رافضية. وهذا السياق كان له، بحكم المنطق، أن يسير في طرقه المشبوه، وذلك باستبدال العدو الحقيقي (المشروع الغربي عمومًا الصهيوني) وأداته، بإيران الشيعية التوسعية، التي تهدد الأمن القومي والمصالح العليا، إنها غضبة مضرية، ثأرًا للسيدة عائشة ودفاعًا عن الراشدين الأوائل، من هنا علينا طرح الأسئلة الاستنكارية – لا الاستفهامية، ما الذي يريده هؤلاء؟ وهل يمكن تبرير ذلك بالعمى السياسي والاستراتيجي؟ أم أنهم يملكون الرؤية والمعرفة بأن وضعهم لأنفسهم ومقدرات بلادهم في خدمة المشروع الغربي هو سر بقائهم؟ لما كان من تحالف وصداقه هؤلاء من ملوكٍ وأمراء و رؤساء مع إيران الشاه؛ بسبب قربه من الغرب وتحالفه العضوي مع (إسرائيل)، وإن كان عدائهم لإيران الثورة للأسباب ذاتها، فإن المواطن والحاكم لدينا المرتبط بأمته وشعبه، الذي يرى أن لا مصالح تتفوق في أهميتها على مصالحه القومية، وأن لا أمن يستدعي اهتمامه أكثر من أمنه القومي، فإنه، حكمًا، يرى في إيران الثورة الحليف والصديق، الذي أثبت ذلك على الدوام بدعمه لقضايانا العادلة من فلسطين ومقاومتها، بغض النظر عن مذهبتيها السنية أو علمانيتها، و في دعم اليمن في مواجهه الهيمنة الغربية (الاستكبار وَفقًا للقاموس السياسي الإيراني)، وأدواتها السعودية - الإماراتية، وفي دعم لبنان مقاومةً وتنميةً واقتصادًا ومؤخرًا نفطًا، وإن خشي بعض اللبنانيين من شيعية الوقود الإيراني، وها هي حاملات مشتقات البترول في طريقها إليه دون أن نغفل دورها في العالم ودعمها أيضًا لفنزويلا الصديقة المحاصرة.

يقلق البعض مما صدر قبل أربعة عقود من الإمام الخميني، وشعار تصدير لثورة دينية، ذات لون مذهبي، لكن علينا ملاحظة تطور هذا المفهوم على يد خليفة الإمام الراحل، فقد تطور هذا الشعار ليصبح تصدير أفكار ومسلكيات سياسية – اقتصادية – تنموية، لها علاقة بالمشاركة بالحكم من خلال الممارسة الديمقراطية والانتخابات، وتداول السلطة وحق الشعب في اختيار ممثليه بنزاهة وشفافية، واختيار رئيسه، هذا المفهوم أصبح يتضمن تصدير قيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وطريقة معقولة في توزيع الثروة، أصبحت تجربة حصار أربعة عقود محرضة للعناد الإيراني في إقامة التنمية وفق نموذجها الخاص لا وفق وصفات البنك الدولي، واتفاقات التعرفة الجمركية الدولية، أو نشاط منظمات غير حكومية مدعومة من الغرب، وتقوم بدور مشبوه. أثبتت إيران بذلك أن إمكانية التطور والتصنيع ليست حكرًا على النموذج اللبرالي الغربي، لا بل إنها ممكنه ذاتيًّا.

إيران اليوم متقدمة في الطب والعلوم والرياضيات والحاسوب والعلوم السيبرانية، لها صناعاتها المتقدمة في جميع المجالات وحتى الثقيلة منها، التي تشمل السيارات والأسلحة المتقدمة والطائرات بأنواعها، حتى إن طائراتها المسيرة أصبحت من أكثر طائرات العالم المسيرة نجاحًا.

مذهبيًّا: الشيعة ليست دينًا مستقلًا، إنما تعني الجماعة التي شايعت الإمام علي، أي أيدته ونصرته والتزمت برأيه في خلافه مع لفيف من الصحابة الأجلاء. بقي الإمام علي يبادلهم ويبادلونه الحب والتقدير والاحترام، ولم يكن الخلاف، ولو مرة واحدة، حول العقيدة والقرآن والمسائل الإيمانية التي تطابقت وجهات نظرهم فيها، وإنما كان الخلاف سياسيًّا، ويدور حول أحقيته بالخلافة، وحول بعض الأمور المالية والإدارية التي رأى أنها غير مناسبة، ولم يمس الخلاف العقيدة والإيمان، فبقي القرآن هو الحكم والقاسم المشترك للفرقاء بين جمهور الصحابة وتابعيهم، وبما يتجاوز خلاف الإمام علي مع سابقيه الثلاثة، لذلك، فالخلاف سياسي إداري بامتياز، وبعيد كل البعد عن القضايا الإيمانية والدينية، ولم يكن في ذهن الإمام إنشاء مذهب خاص على الإطلاق، هكذا بقيت علاقات الإمام بالخلفاء الراشدين تحكمها المحبة والمودة، وإن شابها خلاف في وجهات النظر، ومن الجدير ذكره، أن الإمام علي أرسل بولديه الحسن والحسين إلى بيت الخليفة عثمان أثناء حصاره الأخير ليدافعا عنه، ثم إن للإمام على أربعة عشر ابنًا غير الحسن والحسين، وثلاثة منهم حملوا أسماء بنت أبي بكر، وأمه ليلى بنت مسعود، وعمر وأمه الصهباء بنت عباد التغليبية، وعثمان وأمه أم ولد، ولم يكن ذلك إلا حبًّا و تيمّنًا بهم.

الصراع المذهبي بين السنة والشيعة أمر ظهر في صدر الإسلام، وما لبث أن خبا وانخفضت حدته، لكنه عاد وتخلّق صناعيًّا مع انتصار الثورة في إيران عام 1979، وتم توظيفه في عملية السيطرة التي نشأت مع غياب حارس الخليج والوكيل الأمريكي القوي، وإلا لماذا لا نرى صراعًا مع ديانات أخرى سماوية وأرضية تختلف معها العقيدة الإسلامية بما يفوق خلاف السنة والشيعة؟ فكيف بالدين الواحد الذي يحكمه كتاب (قرآن) واحد، وإن اختلف الأتباع ببعض اللوائح والأنظمة، وهو خلاف قد يكون أيضًا بين الشيعة والشيعة، وبين السنة والسنة، لا بل بين أتباع مذهب من مذاهب أهل الشيعة أو أهل السنة؟

هذا وقد رأى الأئمة الأربعة أن أستاذهم جميعًا كان الإمام جعفر الصادق، وكان الإمام أبو حنيفة قد درس على يديه سنتين قبل وفاته، واشتهر عنه قوله: لولا السنتان لهلك النعمان. وقد بقي الأزهر حتى عشرينات القرن الماضي يدرس الفقه الجعفري أسوة بالمذاهب الأربعة.

لكل دولة مصالحها العليا الثابتة وحاجاتها السياسية المتحركة، التي تديرها وفق تلك المصالح، ولا يعتقد أحد أن إيران جمعية خيرية، وهذا ما لا غبار عليه، فهي بلا شك دولة ذات حساسية بالغة لأمنها القومي، و مصالحها العليا، التي تضعها في المقدمة، لكن أمنها القومي ومصالحها العليا تتقاطع إيجابًا مع أمننا ومصالحنا القومية، ونحتاج إلى العمل الدائم والمستمر على توليد الأفكار الخادمة لهذا التوجه وتطويرها، ولا يعني ذكر التجربة الإيرانية الناجحة في التنمية عصمة إيران عن الفساد والخطأ، فلا عصمة لأحد، والعمل على صياغة استراتيجيةٍ مشتركةٍ تتكامل بها مصالحنا القومية مع مصالح إيران القومية، كما تقوم على مشتركات، وعلى رأسها التصدي للتهديد الغربي المشترك، وسنانه المشرع المتقدم (إسرائيل)، والاتفاق الاستراتيجي مع إيران لا يعني التطابق معها في المذهب، أو الالتزام بنظريتها الحكمة (نظرية ولاية الفقيه)، فلا زال كاتب المقال يحلم ويعمل من أجل الدولة العصرية، العلمانية، الحداثية، القومية.