Menu

الطائفيّةُ...وأسئلةُ الضرورة

عبد الحسين شعبان

نُشر هذا المقال في العدد 29 من مجلة الهدف الإلكترونية

ما السبيلُ للخروج من الشرنقة الطائفيّة التي لفّت المشهد العربي طوال العقود الثلاثة الماضية ونيّف؟ ثم من أين نبدأ؟ هل من النخب، أم من القوانين، أم من المجتمع؟ وما هو تأثيرات القوى الأجنبية الإقليمية والدولية في تغذية هذا الواقع؟ وأين تكمن مسؤولية المثقّف؟ وهل هناك من يمثّل الطائفيّة، أو ينطق باسمها؟ وما الفرق بين الطائفة والطائفيّة؟ وكيف تتحدّد الهُويّة؟ وأين موقع المواطنة فيها؟ والسؤال الأخير؛ ما هي مستلزماتُ مشروعٍ نهضويٍّ عربيٍّ لمواجهة هذا الواقع؟[1]

الطائفيُّ يتبرّأُ من الطائفيّة

ابتداءً، أقول لا أحد يجاهر، أو يعترف بأنه "طائفي"؛ فحتى الطائفيّون أنفسهم يلومون الطائفيّة، أحيانًا، ويعتقدون أن خصومهم وحدهم هم الطائفيّون، وهكذا يبرئ الطائفي نفسه من تهمة الطائفية، أو يحاول إلصاقها بالآخرين، أو إنسابها إلى سلوكٍ وتصرّفٍ فرديٍّ أحيانًا، أو إيجاد ذرائعَ ومبرراتٍ تأريخيّةٍ "بادّعاء المظلومية" أو "الحق في التسيّد"، أو ادّعاء امتلاك ناصية الدين، والحفاظ على نقائه إزاء محاولات الغير للنيل منه أو من تعاليمه، الأمر الذي يخوّله ادّعاء تمثيل الطائفة أو النطق باسمها، مع تأكيداتٍ بملء الفم بنبذ الطائفية، أو رميها على الطرف الآخر أو استنكارها، لكن دعاوى تحريم الطائفيّة، وإن اقترن بعضها برغباتٍ صادقة، إلاّ أنها تعود وتصطدم بوقائعَ مريرةٍ، وقيودٍ ثقيلة؛ تكاد تشدّ حتى أصحاب الدعوات المخلصة إلى الخلف، إن لم تتهمهم، أحيانًا، بالمروق والخروج على التكوينات والاصطفافات المتوارثة.

ولعلّ بعض العلمانيين والحداثيين، انساقوا وراء مبرراتٍ أو تسويغاتٍ تقضي بانخراطهم في إطار الحشد الضخم للكتل البشرية الهائلة ما قبل الدولة أحيانًا، التي تذكّر بعصر المداخن في أوروبا إبان الثورة الصناعية، التي تحرّكها زعاماتٌ مستفيدةٌ من بعض الامتيازات أحيانًا، بإثارة نزعاتها البدائية إزاء الغير، أو الرغبة في الهيمنة، وذلك تحت شعار "الواقعية" السياسية والاجتماعية، وأحيانًا بدعوى التميّز والهويّة الخاصة، التي غالبًا ما تكون على حساب الهويّة الوطنية الجامعة، التي بإمكانها احترام الخصوصيّات والهويّات الفرعيّة.

وبودّي أن أشير إلى أن الطائفية تختلف اختلافًا جذريًّا عن الطائفة، ذلك أن الأخيرة هي تكوينٌ تاريخيّ، وامتدادٌ اجتماعي، وإرثٌ طقوسيّ، تواصل عبر اجتهاداتٍ فقهيةٍ ومواقفَ نظريةٍ وعملية، اختلط فيها ما هو صحيحٌ ومنفتح، بما هو خاطئٌ وانعزالي أحيانًا، لكنها تكوينٌ أصيلٌ موجودٌ، وتطوّر طبيعيًّا، وليس أمرًا ملفّقًا أو مصنوعًا، في حين أن الطائفية هي توجّهٌ سياسيٌّ يسعى للحصول على امتيازاتٍ أو مكافآتٍ باسم الطائفة، أو ادّعاء تمثيلها، أو إثبات تمايزاتٍ عن الطوائف الأخرى، حتى وإنْ كان بعضها فقهيًّا أو شكليًّا، وأحيانًا، مفتعلًا وإغراضيًّا؛ بهدف الحصول على المكاسب. وإنْ أدّى مثل هذا السلوك إلى التباعد والافتراق والاحتراب؛ ناهيكم عن زرع الأوهام حول "الآخر"، بصورة العدو أو الخصم، ثُمَّ إلى خلق حالةٍ من الكراهية والعداء، في رغبةٍ للإقصاء والإلغاء، بعد التهميش والعزل، مرورًا بالتحريم والتأثيم، وإنْ تطلب الأمر التجريم أيضًا، فتراه لا يتورّع عن التوّغل، حيث تتحقق المصالح الذاتية الأنانية الضيّقة، وإن تعارضت مع مصلحة الوطن والأمة.

والغريب في القضية أن بعض هؤلاء المنخرطين في البغضاء الطائفية، أو إشعال نار الحقد والكراهية، لا علاقة لهم بالدين، فهم غير متدينين، فكيف يتعصّبون للطائفة، إنْ كانوا غير متدينين، أو حتى غير مؤمنين أصلًا؟ وهو ما أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي؛ إنهم "طائفيون بلا دين"، وبذلك تكون الطائفية عاملَ تفتيتٍ وانقسامٍ للمجتمع، وإحدى أمراضه الاجتماعية الخطيرة، إذا ما استشرت.

في بعض أسباب الطائفية

عانت بلادنا العربية من هذه الظاهرة الطائفية الانقسامية؛ بسبب ضعف الثقافة الإسلامية من جهة، وشيوع الكثير من الأوهام والترهات إزاء الطوائف الأخرى من جهةٍ أخرى، لا سيّما بالتعصّب والتطرّف والغلوّ، ويعود ذلك أيضًا إلى الموروث التاريخي، والقراءة المغلوطة للتراث الإسلامي بفرقه، وفقهه، وجماعاته المجتهدة، بل إن هناك حقولَ ألغامٍ تاريخيّةً يمكن أن تنفجر في أية لحظة، إذا ما تم الاقتراب منها؛ فبعض مفاصل التاريخ، بما فيها تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وما بعدهم، يظل مسألةَ احتكاكٍ مستمرةً يريد البعض تغذية نيرانها باستمرار.

وينسى هؤلاء أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (الفاروق) كان يردد: لولا علي لهلك عمر، لا سيّما استشاراته في الكثير من القضايا القضائية، وما يتعلق بالحُكم والسياسة ودلالاتهما وأبعادهما في ظرف ملموس. ولعل تأييد الإمام علي للخليفة عمر لم يكن بمعزلٍ عن شعوره بالقربى الفكرية، خصوصًا في الموقف من العدالة وتجلياتها على صعيد الدولة الإسلامية الناشئة والمجتمع الجديد، ووَفقًا لكتاب الله "القرآن الكريم" وسنّة رسوله.

كما أن ضعف الثقافة المدنية الحقوقية، وبالأخص ثقافة الاختلاف وحق الرأي والرأي الآخر، وعدم الإقرار والقَبول بالتعددية والتنوّع، أسهم في تكريس الطائفية السياسية.

قراءةُ التاريخ

  لقد نشأت المذاهب الفقهية الإسلامية متقاربة، وانتقلت بعض الأحكام من هذا المذهب إلى ذاك، تبعًا للظروف من جهة، ومن جهةٍ أخرى للتأثيرات التي قد تقع عليها، فقد كان الفقيه والعالم الكبير أبو حنيفة النعمان تلميذًا نجيبًا للفقيه الضليع الإمام جعفر الصادق، وهما قطبان لمذهبين أساسيين في العالم الإسلامي، المذهب الحنفي (السني) والمذهب الجعفري (الشيعي الإثني عشري) حيث يشكل الأول غالبية ساحقة، في حين يشكل الثاني "أقليّة" متميزة، لا سيّما في بعض البلدان التي يكون فيها أكثرية، أما المذهب الشافعي والمالكي فلهما حضورٌ في شمال إفريقيا وبلدان أخرى، في حين أن المذهب الحنبلي هو خامسُ هذه المذاهب الأساسية.

وإذا كان الاصطفاف عقليًّا واجتهاديًّا، فإن العلاقة التي ينبغي أن تسود بين المذاهب والطوائف ينبغي أن تكون هي الأخرى عقلية وسلمية، وعلى أساس المشترك الإنساني والوطني والعروبي والإسلامي والمسيحي، وليس وَفقًا لمصالحَ سياسيةٍ أنانيةٍ ضيقة؛ تريد دفع الأمور تجاه الافتراق الذي لا عودة فيه، ولا إمكانية لإعادة لحمته، ولعل بعض أمراء الطوائف سيكونون المستفيدين من هذا الانقسام والتناحر؛ طالما يؤمّن لهم زعاماتهم وامتيازاتهم، وحتى تفاهماتهم مع أمراء الطوائف في الأطراف الأخرى.

المواطنةُ والطائفية

بين الطائفية والمواطنة فرقٌ كبيرٌ وشاسع، والمواطنة ليست طائفيةً، حتى وإن انتمى المواطن إلى طائفة، إلاّ أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الإنساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وَفْقَ دستورٍ ينظّم علاقة المواطن بالدولة؛ فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية، وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدي لمرتكبي الطائفية؛ طبقًا لقانونٍ يحظرها، ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها؛ وذلك بهدف تعزيز المواطنة، وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانّية للمجتمع والدولة.

وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعالٍ وأنشطةٍ من شأنها أن تؤدي إلى انقسامٍ في المجتمع، ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرّد، وقد تقود إلى حربٍ أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وقد تصل إلى جرائم الخيانة العظمى، إذا ما ترافقت مع تحريضاتٍ لجهاتٍ خارجيةٍ وَفقًا لأجنداتٍ أجنبيّة، خصوصًا في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها تجاه عدوانٍ ضدّ الآخر؛ الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه.

وإذا كان الانتساب إلى الطائفة أمرًا طبيعيًّا، مثل الانتساب إلى الدين، وهي فرع منه، أو الانتساب إلى الوطن، أو الأمة، لا سيّما وأن الإنسان غير مخيّر فيها، فقد يولد الإنسان مسلمًا، أو مسيحيًّا، أو عربيًّا، أو غير عربي، ومن منطقةٍ معيّنةٍ، ومن طائفةٍ معيّنةٍ حسب الآباء والأجداد، في لبنان، أو المغرب، أو الصومال، أو المملكة العربية السعودية، أو العراق، أو إيران، أو أفغانستان، أو الهند، أو إندونيسيا، أو في بعض بلدان آسيا الوسطى، ولم يسأله أحد عن رغبته، وقد لا يجوز له تغيير ذلك، لو أراد بحكم قيودٍ وضوابطَ قد تؤدي إلى هلاكه، لا سيّما في ظل النزعات المتطرفة والمتعصبة السائدة، لكن التمترس وراء طائفته ومذهبه ضدّ الآخر، وبهدف الحصول على امتيازات، فهذا شيءٌ آخر، خصوصًا إذا كان على حساب المواطنة والمساواة، بما يؤدي إلى التمييز لأسبابٍ طائفيّة؛ الأمر يُلحق ضررًا بحقوق الطائفة ذاتها وأفرادها، مثل: الإضرار بحقوق الطوائف الأخرى، وبالوطن والأمة ككل، جماعاتٍ وأفرادًا، وبقضية حقوق الإنسان ككل.

تطويقُ الطائفية

ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفيّة سياسيًّا، واجتماعيًّا بعد تحريمها قانونيًّا؛ ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أية واجهاتٍ حزبيةٍ، أو اجتماعيّةٍ أو مهنيّةٍ أو نقابيّةٍ أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى لنشر الطائفيّة أو المذهبيّة (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورةٍ علنيّةٍ أو مستترة، خصوصًا بحصر الانتساب إلى ذلك الحزب أو المنظمة، أو الجمعية أو تلك، بفئةٍ معيّنة، بادّعاء تمثيلها، أو النطق باسمها، أو التعبير عنها.

كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية، أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف، وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك، أيضًا، منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصًا، من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والإلكتروني؛ الأمر الذي يتطلب على نحوٍ مُلحٍّ إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أية انحيازاتٍ أو تخندقاتٍ طائفيةٍ بشكلٍ خاصّ، وسياسيّةٍ بشكلٍ عامّ.

  وإذا أردنا وضع اليد على الجرح، فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراضٍ سياسية، لا سيما انخراط رجال الدين فيها، خصوصًا، إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق، أيضًا، على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية، والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدةً عن أية اصطفافاتٍ طائفيةٍ أو مذهبية.

  إن بناء دولةٍ مدنيةٍ دستوريةٍ عصرية، واحترام حقوق المواطنة كاملة (أي دولة تستند إلى حكم القانون) يقتضي وضع حدٍّ للطائفية السياسية؛ تمهيدًا لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهويّة الجامعة – المانعة وحسب زياد الرحباني "يا زمان الطائفية.. خليّ إيدك على الهويّة".

الدولةُ والتوازنُ المجتمعي

تقوم الدولة العصرية على قاعدة المواطنة، وهذه تشمل مبادئ الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة. ولا يمكن الحديث عن مواطنةٍ دون الحديث عن المواطن أو الشخص الطبيعي المجرد؛ الأمر الذي يدفع للحديث عن المجتمع المدني، والبِنية الاجتماعية المتطورة قياسًا بالبِنية التقليدية، وتمتاز الأولى عن الثانية، في كون المجتمع المدني يقوم على أساس منظماتٍ مدنيةٍ طوعيةٍ يكون الانتساب إليها وَفقًا لاختياراتٍ حرةٍ واعيةٍ، وهي منظماتٌ غير حكومية وغير إرثية، أي أن العضوية فيها لا تتوارث عن العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو الدين أو غير ذلك، وهي منظماتٌ غير ربحية، وهو ما يميّزها عن القطاع الخاص، فضلًا عن أنها منظماتٌ حداثيةٌ وديمقراطية، أي تمارس الديمقراطية في جميع أعمالها وعلاقاتها الداخلية، بين هيئاتها وأفرادها وبينها وبين محيطها الخارجي.

كما يفترض فيها قَبول التعدّدية والاختلاف والتنوّع، في حين أن البنية التقليدية، يمكن أن تشكّل مجتمعًا أهليًّا، عشائريًّا، وراثيًّا، أو دينيًّا، أو طائفيًّا، أو جهويًّا، ينتمي إليه الفرد بصورةٍ أوتوماتيكيةٍ وليست طوعيةً اختيارية.

وإذا كانت الدولة العصرية قد استقرّت وأصبحت كيانًا قائمًا ومعترفًا به لا يمكن إلغاؤه، لأنه "معطى تاريخي" يقوم بوظيفتين أساسيتين هما: حفظ أرواح المواطنين وممتلكاتهم وصيانتها، وضبط النظام والأمن العام، فإن هذه الدولة لا يمكنها أن تستقيم دون وجود مجتمعٍ مدنيٍّ حرٍّ ومستقلٍّ وفاعلٍ، يسهم في الرصد والمراقبة والشراكة، خصوصًا، أن وظيفتها اتسعت وتشعبت مدنيًّا وسياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وثقافيًّا، وفيما بعد تفرّعت عنها ما يمكن أن يطلق عليه "دولة الحماية" أو "دولة الرعاية" أو "دولة الرفاه"؛ بتشعّبِ وظائفها وواجباتها، وتنوّع مهمّاتها وتوسّعها، تلك التي يمكن تطويرها من خلال الدور الذي يقوم به المجتمع المدني لتعديل التوازن الاجتماعي مع الدولة، عبر الضغوط المتواصلة، وتوازن القوى للجماعات والفئات الاجتماعية، التي يمكن أن تسهم في تأمين احترام حقوق الإنسان، وحرياته المتطورة والمتوالدة.

  وقد تمكّنت الدولة العصرية من تحقيق عددٍ من المنجزات السياسية؛ (التعايش والصراع السلمي بين الطبقات والفئات والمراتب الاجتماعية، ولا سيما في ظل اتخاذ الصراع الطبقي أشكالًا جديدة) والاجتماعية والاقتصادية؛ (اكتساب الصراع بُعدًا تنافسيًّا بين الفئات، والتيارات الاجتماعية، لا سيّما من خلال الخدمات والضمانات والبرامج والاقتصادية، وارتفاع مستوى الأجور وتحسين شروط العمل، واستثمار أوقات الفراغ والراحة) والثقافية؛ (بالاستفادة من منجزات الثقافة والفن والأدب والعمران والجمال وغيرها) .وقد خفّت حدّة النزاعات القومية والإثنية والدينية في الدول المتقدمة، وأصبحت المواطنة قيمةً عليا؛ تقوم عليها القاعدة الدستورية للدولة وهي العنصر الناظم للكيان الاجتماعي، وما زالت الدول النامية تفتقر إليه، ومنها في عالمنا العربي والإسلامي، لا سيما وأن بنيتَها الدستورية والقانونية، فضلًا عن أساسها الاجتماعي؛ ضعيفةٌ. وكذلك ضعف تأثير المجتمع المدني.

بِنيةُ الدولة العربية

إنّ البِنية السياسية العربية ما تزال محكومةً بقواعدَ أخرى، بعضها ما زال بعيدًا عن التطور الدولي، سواءً على الصعيد الدستوري والقانوني، أو على الصعيد السياسي والمدني، أو على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلًا عن قصور نظرته إلى المشترك الإنساني؛ حيث يعدّ البعض هذا التطور مجرّد بدعةٍ وضلالٍ يستهدف الأمة ودينها وقيمها وتراثها.

وإذا كان الناظم الدولي ذو الأبعاد الإنسانية؛ يقوم على مبادئ المشاركة بإجراء انتخاباتٍ حرّةٍ ودوريةٍ، سواءً على مستوى الحكومة، أو البرلمان، فإن الكثير من البلدان العربية ما تزال مستغرقةً بمقارباتٍ أخرى، حتى لو أجرت انتخابات، فإنها ستكون شكليةً في الكثير من الأحيان، أو أن الدولة تتدخل في التأثير على نتائجها، خصوصًا في الدول الشمولية، أو التسلطية، أو المنغلقة، أو توظّفها على شكلٍ سلطويٍّ لامتصاص النقمة، وللتساوق مع التطور الدولي، والظهور بمظهر المستجيب للضغوط الدولية.

الهُويّة والمواطنة بضدِّهما

أحيانًا لا نتحدّث عن الشيء إلاّ بضدّه، وحتى فهم التاريخ حسب ألتوسير المفكر الماركسي غير التقليدي، هو قراءة الوعي بضدّه، وكما يقول الشاعر علي بن جبلة:

ضدّانِ لما استجمعا حَسُنا             والضدّ يكشفُ حسنَهُ الضدُّ

 ذلك أن غياب أو ضبابية مسألة الهويّة، وتشوّش مسألة المواطنة والتباسها عندنا؛ ناهيكم عن اختلاطهما في المنافي والمهاجر، ودخول عوامل جديدة عليهما سلبًا وإيجابًا، لا زال يثير هواجسَ وتداعياتٍ كثيرة، سواءً على الصعيد الفردي، أو على الصعيد الجماعي، وفي الوطن والمنافي على حدٍّ سواء، خصوصًا، في ظلّ بدائل ملتبسة؛ دينية أو طائفية أو إثنية أو غير ذلك، حيث يصبح التذرّر عائقًا حقيقيًّا أمام الدولة وفي طريق المواطنة، بما يؤدي إلى تعثّر مشروع الحداث؛ باستمرار القَدامة لمرحلة ما قبل الدولة وتشظياتها وتقوقعها.

 إن الإحساس المتنامي لدى فئاتٍ غير قليلةٍ بالاغتراب أو الشعور بالحيف أو الغبن أو التهميش أو الاضطهاد، لهوّياتها الفرعية، ولّد لديها حاجةً متناميةً ورغبةً ملحّةً في التعبير عن نفسها، وإظهار خصائصها وتميّزها، وسعيها لتأسيس كيانّية خاصة، تمثّل هوّيتها سواءً كانت دينيةً أو قوميةً أو لغويةً أو غير ذلك.

وفي بعض الأحيان خلق مثل هذا الإحساس لدى هذه الفئات شعورًا بالانعزال وضيّق الأفق؛ جرّاء سياسات الاستعلاء الطويلة الأمد، ومحاولات الهيمنة من جانب هوّيات أخرى تحت عناوينَ مخادعةٍ، مثل: "الأغلبية" أو "الأكثرية" التي تفترض التسيّد لعددها أو حجمها، بحيث تكون في مكانةٍ علويةٍ أو سامية أو حتى "شرعية" باستخدام المسطرة الديمقراطية على نحوٍ يتعارض مع جوهرها، ونعني بها مبادئ المساواة، لا سيّما عندما يتصرّف من يزعم تمثيل هذه "الأغلبيات" أو الأكثريات العددية لإخضاع "الأقليات" (الأقل عددًا أو الأصغر حجمًا)، سواءً بمحاولة الاستقواء عليها، أو تذويبها، أو تهميش هوّيتها الفرعية، أو عدم الاعتراف بها، على قدمٍ من المساواة، وعلى أساس المواطنة مع الهوّيات الأخرى، أو محاولة احتوائها، وتدجينها تحت ذرائعَ ومبرّراتٍ مختلفة.

 ومهما كانت المزاعم، فإن مثل هذا الأمر يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والمساواة المفترضة بين الهوّيات، بغض النظر عن نسبتها العددية؛ طالما تمثّل خاصيّاتٍ معينةً تختلف عن الخاصيّات الأخرى، إثنيًّا أو دينيًّا أو لغويًّا أو غير ذلك، وتفترض هذه الخصوصيّة التعامل على نحوٍ متساوٍ، ومن مسافةٍ واحدةٍ من جانب الدولة مع الهوّيات المختلفة دون تمييزٍ أو محاباةٍ تحت أية حجةٍ كانت؛ فالدولة ينبغي أن تكون محايدةً إزاء الأديان، أو القوميات، أو اللغات، أو أية خصائص مشتركة لجماعةٍ من الناس، مثلما عليها أن تتعامل مع الجميع على أساس المواطنة دون تمييزٍ بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الأصل الاجتماعي أو غير ذلك. وقد أعادت حركات الاحتجاج الشبابية والشعبية أو ما أطلق عليه "الربيع العربي" هذه الإشكالات إلى الواجهة على نحوٍ صارخ، سواءً ما يتعلق بالهوّيات، ولا سيّما الفرعية، أو ما يتعلق بمبادئ المواطنة التي ظلّت منقوصة في عالمنا العربي؛ بسبب نهج الاستبداد والتسلّط وشحّ الحريات في ظلّ الأنظمة التي حكمت ما بعد فترة الاستقلال، وزيادة الشعور بضرورة تحقيق المساواة والكرامة الإنسانية، وصولًا إلى مواطنةٍ يحميها القانون الذي لا يميّز بين المواطنين لاعتباراتٍ دينيّةٍ أو إثنيّةٍ أو سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو لغويّةٍ أو سلاليّةٍ أو جنسيّةٍ أو لأيّ سببٍ كان.

مكابحُ الحداثة

مكابحُ حقيقيةٌ وقفت أمام التوجّه نحو الحداثة، وارتدّت الكثير من البلدان التي وقفت عند بوابات الحداثة، أو عند مداخلها إلى مرحلة ما قبلها، وتراجعت إلى الخلف؛ بحكم البدائل الملتبسة، الدينية، والطائفية، والقومية، والمناطقية، والجهوية، التي تبنّتها قوى محافظة، أو تراجعت عن مواقفها الحداثية تجاه المحافظة، وهذه الأخيرة، ولا سيّما من القوى الدينية التي هيمنت على المشهد السياسي في العديد من البلدان العربية.

إنّ موجة انبعاث الهوّيات والتشبّث بالخصوصية التي شهدها العالم العربي والإسلامي في العقود الثلاثة ونيّف الأخيرة، هي استمرارٌ لمطالباتٍ سابقةٍ لحركاتٍ وتياراتٍ وقوى أخذت تتبلور في ظرفٍ دوليٍّ جديد، كجزءٍ من موجةٍ عالمية؛ ارتفعت بعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، وانتهاء عهد الحرب الباردة القديم، وبداية عهد جديد للصراع الأيديولوجي العالمي، حيث اكتسبت مسألة الهوّيات مكانةً متميّزةً، وخاصة فيه، وقد عبّر كل فريقٍ من جانبه بوجهة نظره إزاء ما حصل من تطوّرات، سواءً بوجهها الإيجابي الذي كان يفترض فيه إقامة دولة المواطنة، أو بوجهها السلبي الذي اندفعت فيه قوًى وحشودٌ تم شحنها طائفيًّا أو دينيًّا، بما يتعارض مع مشروع الدولة والمواطنة والحداثة.

والأمر لا يقتصر على الصعيد الداخلي فحسب، بل إن امتداداته دولية، حيث جرى الحديث عن صراع الحضارات وصدام الثقافات، سواءً من جانب مفكرين أمريكان أو غربيين مثل فرانسيس فوكوياما أو صموئيل هنتنغتون أو غيرهما، وارتفعت هذه الموجة وتصاعدت بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية، لا سيّما إزاء الحضارات والثقافات الأخرى والإسلام في مقدمتها.

ومن جهةٍ أخرى؛ ارتفع رصيد الفكرة الكونية لحقوق الإنسان التي تستند إلى احترام الخصوصيات القومية والدينية واللغوية، وحرصها على اعتماد مبادئ المساواة والمواطنة المتساوية، بما يعزّز احترام الهوّيات، سواءً كانت صغيرةً أو كبيرة، لأنها تمثّل في واقع الحال مشتركات خاصة ومتميّزة لجماعة من البشر، لها خصائصها المختلفة عن الخصائص الأخرى.

خلاصاتٌ واستنتاجات

إن دراستنا لمسألة الهويّة والمواطنة ومقاربتها الفكرية مع المنظومة الحقوقية الدولية، من موقع البدائل الملتبسة الدينية والطائفية، والوحدات التذرّرية التفتيتية، سواءً في العديد من البلدان العربية، وتعثّر مشروع الدولة الحداثيّة التي كانت واعدةً وتتقدم بالتدريج والتراكم، وإنْ كانت ببطء أحيانًا، على أساس مقدّماتٍ للاعتراف بالمواطنة وتوسيعها، وبتأكيد مبدأ المساواة، يوصلنا إلى عددٍ من الخلاصات والاستنتاجات في ضوء المشروع النهضوي العربي بأركانه الستة: التحرّر السياسي، والتنميّة المستقلّة، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والوحدة العربية، والانبعاث الحضاري، وأهم تلك الخلاصات والاستنتاجات هي:

أولها: عدم الانفصال بين الخصوصية والشمولية، والمحلية، والعالمية؛ فالخصوصية ليست معزولةً عن الشمولية والعالمية، وبقدر ما هي واقعٌ ومعطى، فلا بدّ من ملاحظة درجة اشتباكها وترابطها وتفاعلها وتداخلها مع العالمية، وبهذا المعنى، بقدر ما تكون للهوّية من خصوصية، فهي في الوقت نفسه تكتسب الصفة الجامعة؛ ذات الأبعاد الإنسانية بغض النظر عن حجمها أو عددها، سواءً على المستوى الجماعي أو الفردي؛ فاحترام فردانية الفرد وهوّيته جزءٌ من احترام حقه، كإنسان في أن تكون له خصوصياته، دون أن يعني انعزاله عن الهوّيات الأخرى.

لقد عبّر ديكارت عن خصوصيته عندما قال: أنا أفكر فأنا موجود؛ موطّرًا علاقة الأنا بالوجود الحقيقي، ولا تكتمل هوّية الأنا إلاّ بهوّية الآخر، ولذلك فإن الخصوصية بقدر اعتزازها بتميّزها، فإنها في الوقت نفسه تتلاقى وتتلاقح مع العالمية، وتصبح عنصر تواصل وتفاعل، وليس عنصر تفريقٍ وتباعد، وخصوصًا بالمشترك الإنساني.

وبالطبع، فإن الإحساس والشعور بالتمييز لدى فئاتٍ معيّنةٍ أضعفُ إلى حدودٍ غير قليلة من مبادئ المواطنة، ولا سيّما المساواة والمشاركة، الأساسان اللذان لا غنى عنهما في الدولة العصرية، خصوصًا، إذا ما اقترنتا بالحرّية والعدالة، كشرطين لازمين للمواطنة السليمة والمتوازنة، وعكس ذلك، فإن أي حديث عن المواطنة سيبقى ناقصًا أو مبتورًا أو مشوّهًا، إذا ما جرى إضعافُ أحد مبادئها الأساسية، أو الإخلال بمعادلتها الضرورية للتطوّر والنمو والازدهار، للتعبير عن الهويّة، سواءً بمعناها الجامع الذي تلتقي عنده الهوّيات المتعدّدة، في مجتمعٍ متعدّد الثقافات، أو بمعناها الفرعي الخاص الذي يتم التعبير عنه من جانب مجموعةٍ من السكان على أساسٍ دينيٍّ أو إثنيٍّ أو لغويٍّ أو غير ذلك.

وثانيها: أن تحقيق المواطنة المتساوية دستوريًّا يساهم في تعزيز الاعتراف بالهوّيات دون تمييز؛ بسبب حجمها، أو عددها، أو لغتها، أو لأي اعتبارٍ آخر، ذلك أن الإقرار بوجود هوّياتٍ فرعيةٍ يعزّز من الوحدة الوطنية، والهويّة المشتركة الجامعة التي تمثّل عددًا من الهوّيات الفرعية، لا سيّما إذا كانت حقوقها متساوية، وبأخذ الخصائص المشتركة التي يتكوّن منها المنتظم الاجتماعي لمجتمعٍ ما، مع الاعتراف بالهوّيات الفرعية، وحقّها في النمو والتطوّر والتعبير عن نفسها بالشكل الذي تريده، وبقدر ما يتم احترام الهوّيات بعضها لبعضٍ، ويتم تقنين الحقوق دستوريًّا وقانونيًّا، فإن المواطنة المتساوية تجد طريقها للتعايش المجتمعي، والتفاعل والتطور بما يعزز الهوّيات المشتركة والمتساوية.

وثالثها: كلّما تحقّقت المواطنة المتساوية حدث نوعٌ من التصالح بين الدولة والمواطن وبين الدولة والهوّيات المختلفة، ذلك أن هذه المفاهيم المفترضة للمواطنة أو للتعبير عن الهويّة، كانت غائبةً أو مغيّبةً أو محدودة التأثير في البلدان النامية بشكلٍ عام، ومنها بلداننا العربية بشكلٍ خاص، حيث تزداد الفجوة بينها وبين الدول المتقدّمة التي يتصالح فيها المواطن مع الدولة، وتجد المجاميع والهوّيات الفرعية طريقها لتأكيد خصوصيتها والاعتراف بها، في حين أن المواطن في تعارض مع الدولة عندنا، وهذه الأخيرة في عداءٍ في أحيان كثيرة مع المواطن، مثلما مع المجاميع الثقافية ذات الخصوصية القومية، والدينية، واللغوية وغيرها .

صحيح أن الكثير من البلدان المتقدّمة لا تزال تعاني من اختلافاتٍ وتجاذباتٍ بين الهوّيات، وتطمح بعض الهوّيات الفرعية التعبير عن نفسها بشكلٍ أكثرَ مساواة وخصوصية، لكن مثل هذه الاختلافات يتم اللجوء إلى حلّها سلميًّا، وبالتفاهم في غالب الأحيان، مع وجود استثناءات، خصوصًا، باللجوء إلى استخدام القوة أو العنف، في حين أن معالجة مسألة الاختلاف في الهوّيات عندنا كان مختلفًا، حيث كانت القاعدة هي اللجوء إلى القوة والعنف والإقصاء وممارسة سياساتٍ متعصّبةٍ ومتطرّفة، وفيها الكثير من الغلو ضد الهوّيات "الأضعف"؛ الأمر الذي يحتاج إلى إعادة معادلة علاقة الهويّة الفرعية بالدولة، لا سيّما من جانب الأخيرة، وعلاقة الدولة بالمواطن، على أساس مبادئ المساواة والمواطنة؛ بهدف تحقيق السلام المجتمعي.

ورابعها: أن هناك كوابح خارجية وداخلية وقفت أمام الاستمرار في طريق الحداثة، وظلّت قوى داخلية وخارجية تشدّ المجتمعات العربية إلى طريق القدامة، تحت عناوينَ مختلفةٍ سواءً، أصولية دينية، أو تعصب طائفي، أو تطرف قومي استعلائي وغير ذلك.

وإذا كان هناك أسبابًا موضوعية؛ بحكم الهيمنة الاستعمارية الطويلة الأمد، فإن هناك أسبابًا داخلية وذاتية أيضًا، لا سيّما وأن قسمًا كبيرًا منها يعيش في مرحلة ما قبل الدولة، ويعاني من صراعاتٍ عرقيّةٍ، ودينيةٍ، ولغويةٍ، وطائفيةٍ، وعشائريةٍ وغيرها، بل إن عودةً إلى الخلف قد بدأت لمرحلة ما قبل الدولة، وذلك بعد التغييرات التي حصلت في بعض البلدان العربية، مثل: العراق، و ليبيا ، واليمن، وسوريا، وعلى نحو أقل، في بلدان أخرى، خصوصًا، أن أسلوب العنف والفوضى والإرهاب أخذ طريقه إلى المجاميع والحشود السكانية التي تمترست في ظل غياب هيبة الدولة، وانهيار بعض أجهزتها ومؤسساتها، سواءً الجيش أو الأجهزة الأمنية أو الإدارية، وتراجع دور المجتمع المدني ومؤسساته ذات التوجّه الحداثي. وبدلًا من المضي مرحلة أكثر تطوّرًا، وهو ما عملت من أجله قوى وتياراتٌ سياسيةٌ مختلفةٌ؛ بهدف الانتقال والتحوّل الديمقراطي، فإذا بالتغيير يقود إلى قطع خط التطور التدريجي، لننتقل من مرحلة الدولة التي كنّا عند عتباتها، إلى مرحلة ما قبل الدولة التي تفصلها هوّةٌ سحيقةٌ، ومسافةٌ شاسعةٌ عن الدولة، وخصوصًا، بمفهومها العصري الذي يقوم على حكم القانون والمساءلة والشفافية؛ ناهيكم عن فصل السلطات واستقلال القضاء وإجراء انتخاباتٍ دوريةٍ لاختبار الشعب لممثليه. وأصبح السلاح والتعويل على قوى مجتمعيةٍ متزمّتةٍ وخارجيّةٍ أحيانًا، هو الفيصل في توازن القوى، خصوصًا بضعف قوى التنوير والطبقة الوسطى الحامل للتغيير. وإذا كانت ثمّة اختلافات في تجارِب بلدان "العالم الثالث" وتوجهاتها، إلاّ أنها تجتمع في عددٍ من السمات والمشتركات العامة التي تعاني منها.

وخامسها: أن العولمة جعلت العالم كلّه قرية كونية، وخصوصًا، في ظل تطور الثورة العلمية – التقنية التي حققت من المنجزات خلال ربع القرن الفائت ما فاقت به القرون الخمسة المنصرمة في تاريخ التطور البشري، ولذلك؛ فالهويّة الخصوصية مهما حاولت الحفاظ على عذريتها، وأحاطت نفسها بسورٍ سميك، إلاّ أنها لا يمكن أن تعزل نفسها أو تحيط كيانّيتها بموانعَ عن الهوّيات الأخرى وتأثيراتها؛ لأن هذه بحكم تكنولوجيا الإعلام أصبحت عابرةً للحدود والدول والقارات وتدخل البيوت، بل غرف النوم دون استئذان.

لقد أحدثت العولمة انقلابًا كونيًّا خطيرًا، لا سيّما وأن المعلومة ونظامها غيّرا إلى حدودٍ غيرِ قليلةٍ من الأفكار ووسائل العمل، وخلقا نمطًا جديدًا للحياة؛ ترك تأثيراته على نطاق الهويّة وتفاعلاتها الداخلية والخارجية، إضافةً إلى القيم الجديدة التي يمكن للبشر أن يأخذوا بها، فيما يتعلّق بالمواطنة والمساواة وحقوق الإنسان. وإذا كان للعالم القديم هويّته ومركز استقطابه ويقينياته الراسخة؛ الدينية واللاهوتية والماورائية، فإن هوّية العالم الحديث امتازت بصعود نجم الانبعاث القومي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولا سيّما في أوروبا، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ في العالم العربي وبلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

أما القرن العشرين فقد امتاز بالصراع الأيديولوجي، خصوصًا، بين الرأسمالية من جهة، وبين الاشتراكية وحركة التحرر الوطني من جهةٍ أخرى، وفي أواخره كان هناك انبعاث لمسألة الهوّيات، لا سيّما بانهيار النظام الشمولي في أوروبا الشرقية وانبعاث الهوّيات الفرعية بالتعبير عن نفسها، وهذا قاد أحيانًا إلى احتراباتٍ وصراعاتٍ عنفية، حيث تحوّل الجدل بين بعضها البعض إلى عنفٍ منفلتٍ من عقاله في محاولةٍ لفكّ ارتباطٍ من جانب الهوّيات الفرعية بالهويّة العامة المشتركة؛ بسبب الكبت الطويل، وسعي الهوّيات المتسيّدة إلى إبقاء القديم على قدمه أو استعادة المواقع من جانبها، يضاف إلى ذلك شيءٌ جديدٌ هو: أن الهويّة الجديدة التي أخذت بالتشكّل تأثرت بالعولمة والفضاء الإعلامي المفتوح ودور التكنولوجيا، والعلم والطفرة الرقمية "الديجيتل"، بل أن العالم اليوم على أعتاب مرحلةٍ جديدةٍ تتمثّل بالطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، ومثل هذا العالم الجديد بدأت تجاذباته من خلال الوعي بالهويّة المجتمعية والثقافية والبحث عن مشتركات إنسانية للمواطنة.[2]

وبقدر خصوصية الهوّيات وفرعيّتها، فإنها لا تستطيع العيش بعزلةٍ، أو مثل جزرٍ متباعدة؛ لأن العولمة فتحت الكثير من الأبواب المغلقة وقرّبت المسافات، حتى باتت الهوّيات متفاعلةً ومتداخلةً وتجمعها الكثير من المشتركات الإنسانية. ولهذا فإن العالمية والشمولية لا تعني التحلّل أو التملّص من الهويّة الخاصة؛ بزعم الهويّة الكونية الإنسانية، أو محاولة الهيمنة عليها أو تطويعها، لدرجة محو بعض ملامحها، بل على العكس من ذلك بتأكيدها ومراعاة خاصياتها واختلافاتها؛ انطلاقًا من الإقرار بالتنوّع الثقافي في مجتمعٍ متعدد الثقافات.

ووسادسها: أن الهويّة مفتوحة وليست نظامًا مغلقًا أو منغلقًا على نفسه مهما حاول ذلك، وأن تفاعل الهوّيات على المستوى العالمي حقيقةٌ لا يمكن التملّص منها أو الزوغان عنها. وإذا كنّا لا نستطع التعبير عن هويّتنا الخصوصية؛ فالأمر ليس بسبب الاستتباع فحسب، بل يعود إلى غياب المواطنة الحقيقية وعدم قدرتنا على دخول عالم الحداثة، واللّحاق بالعالم المتقدّم الذي عرف واستثمر العلم والتكنولوجيا، بما فيه التطوّر الهائل في تكنولوجيا الإعلام ووسائل الاتصال والمواصلات. وهكذا لم تعد الهويّة نظامًا مغلقًا من المعتقدات القومية والأيديولوجية والدينية، كما أنها لم تكن قبل كذلك، ولكن التطوّر الهائل الذي حصل في العالم جعل من مسألة تفاعل الهوّيات والتأثيرات المتبادلة؛ أمرًا قائمًا وحقيقةً ملموسة، خصوصًا، في ظل العولمة وقوانينها. وإذا كان الوجه السلبي للعولمة قد أخذ بالتوحّش بفعل انهيار الكتلة الاشتراكية وهيمنة قطبٍ واحدٍ على السياسة الدولية، الذي عمّم وعولم كل شيء، من الإرهاب إلى السلعة، ومن وسائل العيش ونمط الحياة والاستهلاك إلى التكنولوجيا، إلاّ أن وجهًا آخرَ إيجابيًّا كان من نتائجها، وهو ما تحتاج إليه هوّياتنا للتفاعل مع التقدّم الحضاري، والتشبّث بالوجه الإيجابي للعولمة، ونعني به عولمة الثقافة وعولمة حقوق الإنسان وعولمة العلم والتكنولوجيا، إذ ليس بالإمكان حجب ذلك عن شعوب البلدان النامية التي ينبغي أن تقنص الفرصة للسير في طريق التقدم والتنمية.

 الهويّة، إذًا، معطى مفتوح يتعزّز بالاعتراف بالحقوق والحريات وبمبدأ المساواة، بل إنه يتفاعل مع الآخر بالانفتاح وبالتأثر والتأثير الإيجابي، وفي فضاءٍ إنسانيٍّ طلق؛ تشكّل لحمته وسداه الإنسان وحقوقه والمشترك الجامع بين بني البشر، وتلك أهم سمة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

وسابعها: أن اختلال معادلة الهويّة والمواطنة يكمن أساسه في غياب عددٍ من العناصر الأساسية، لا سيّما بانعدام الفرص المتكافئة، والحكم الرشيد وشيوع مظاهر الفساد المالي والإداري، ومحاولة التسيّد على الآخر وتوظيفه بالاستعلاء عليه أو الانتقاص منه أو تهميشه، وهذه كلّها أدّت إلى ضعف الشعور بالمواطنة، وساهمت في زيادة حدّة التناحر بين الهوّيات المختلفة، خصوصًا، في ظلّ ضعف التنمية بمعناها الشامل أو ما يسمّى بالتنمية المستدامة، وبسبب ذلك ازداد الإحساس بغياب العدالة والشعور بالتمييز بين المواطنين على المستوى الفردي والجماعي، ومثل هذا الأمر لم يكن بعيدًا أيضًا، عن تفشي ظاهرة الأمية، وشحّ فرص التعليم، وضعف المعارف في مجتمعاتنا، الأمر الذي شجّع على التطرّف والعنف والإرهاب.

إن عدم الاعتراف بالهوّيات وغياب المواطنة المتساوية وفشل خطط التنمية وانعدام تكافؤ الفرص؛ دفع العقول والأدمغة المفكّرة إلى الهجرة بحثًا عن ظروف عملٍ أفضل، وفي ظل حرّيات أوفر، لا سيّما للبحث العلمي؛ الأمر الذي أضعف الشعور بالمواطنة، وزاد الأمر تعقيدًا للهوّيات الفرعية التي لم يتم الاعتراف بها وبالتنوّع الثقافي فحسب، بل ارتفعت في أحيان كثيرة جوانب غير المساواة؛ بزعم "وحدة" المجتمعات ورغبة من يدّعي تمثيله للأكثرية، والتسيّد على الآخرين، لأسبابٍ قوميةٍ أو دينيةٍ أو لغويةٍ أو أيديولوجيةٍ أو غير ذلك، وقاد ذلك إلى صراعٍ ماراثوني بين الهوّيات، ولا سيّما في العالم الثالث، وهو صراعٌ غالبًا ما يتّسم بالعنف.

وثامنها: أن عدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي على قدم المساواة مع السائد من الهوّيات؛ قاد إلى بروز ظواهر العنف والإرهاب، خصوصًا، في ظلّ كبت الحرّيات، وعدم الاعتراف بحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، ووضع عقبات أمام تمكينها لتقوم بدورها المطلوب، باعتبارها نصف المجتمع. وقادت تلك الأوضاع ملايين البشر إلى الهجرة والنزوح، وليس غريبًا أن يكون عددُ النازحين من العالم العربي الأكثرَ على المستوى العالمي، وترتفع أعدادهم باستمرار، سواءً قبل انتفاضات ما أطلق عليه "الربيع العربي" الذي سبّب خيبات بعد أن كان المعوّل عليه إنجاز تغييرات جذرية، أو بعده، وبالطبع فإن غياب مبادئ المساواة والعدالة، وعدم الإقرار بالهوّيات الفرعية والكرامة الإنسانية، كانت أسبابًا مباشرةً إلى ذلك، خصوصًا، في ظل أوضاعٍ سياسيةٍ، واقتصاديةٍ، واجتماعيةٍ، وثقافيةٍ متردية.

وتاسعها: أن أخطر مظهرٍ للصراع في مسألة الهوّيات هو التوظيف الديني والطائفي والإثني؛ لأن ذلك سيبدو تناحريًّا لا حلّ له إذا أراد كل طرفٍ إما التسيّد على الآخر، أو التحلل من العلاقة معه، وهذا يعني تعريض الدولة الوطنية للتشتت والتشظّي والتذرّر إلى جماعاتٍ وجزئيات ما قبل الدولة، وهو ما يتعارض مع مشروع الحداثة المنشود.

إن دخول عنصر الدين أو المذهب على خط الصراع في مسألة الهويّة، خصوصًا، بالاستغلال والتوظيف السياسي، جعل مسألة التحريم والتجريم، بعد التأثيم سائدةً في العديد من مجتمعاتنا، وهكذا وجدت طغمًا فاشيةً دينيةً أو مذهبية؛ أخذت تتحكّم في موضوع فرض هوّيتها على الآخر أو إجباره على الرضوخ لها؛ الأمر الذي جعل المواطنة المنشودة في الدولة العصرية، في مرحلةٍ من التراجع لم تشهدها الدولة العربية منذ مرحلة الاستقلال، بل إنها في بعض البلدان في مرحلة التقهقر.

وعاشرها: أن معالجة بعض ظواهر الصراع والنزاع بين الهوّيات، وتحويله إلى جدلٍ مثمرٍ ونافعٍ ، حيث يتمّ التفاعل والتلاقح بينها، بما يؤدي إلى تعزيز كلٍّ منها؛ يحتاج إلى تعاونٍ شاملٍ وتكاملٍ دوليٍّ وحلولٍ محليةٍ داخليةٍ وإقليميةٍ ودولية؛ تتجاوز الحدود الإثنية والدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ إذْ لا يمكن مواجهة هذه المشاكل. كما أنه ليس بإمكان أي مجتمعٍ وحدَهُ إيجاد الحلول المنشودة لهذه الظواهر المعقّدة والمتشابكة والعابرة للقارات، خصوصًا، قضايا الفقر واللاجئين والإرهاب واستثمار الثروات والموارد الاقتصادية؛ الأمر الذي يحتاج إلى تعاونٍ دوليٍّ فعّالٍ يأخذ، في الاعتبار، المصالحَ المشتركة للشعوب[3] .

وإذا كانت مشكلة التنوّع الثقافي قد جرى إقرارها في الغرب، مع أن بعض ذيولها لا تزال قائمةً أو نشأت ظروفٌ جديدة تستوجب إعادة النظر بها، خصوصًا، بعد الانبعاث العالمي لمسألة الهويّة، لكن حلول تلك المشاكل في الغرب كانت مختلفةً عن الحلول التي عالجت فيها البلدان النامية مشاكل المجاميع الثقافية في مجتمعاتٍ متعدّدة الثقافات، لأنّ الأنظمة الديمقراطية في الغرب لا أعداء لها من الجيران، وهو الأمر الذي يتمّ الارتياب منه عربيًّا وإقليميًّا، بل يشكّل هاجسًا للعديد من البلدان العربية والإقليمية والعالمثالثية، ولا تخشى الدولة في الغرب من "الأقلية" القومية أو جماعة السكان الأصليين، في أن تتعاون أو تتواطأ مع عدوٍ مجاورٍ أو مُعتدٍ محتمل، حسب ويل كيميليكا، لأن ذلك لا وجود له[4].

أما عندنا، فإن مجرد حدوث مشكلةٍ بين بلدين عربيين، فإن الضحية الأولى ستكون السكان المدنيين الذين خارج دائرة الصراع، وسيُعدُّ بعضهم طابورًا خامسًا يستحق الإجلاء، وأحيانًا، يتم ذلك بصورةٍ جماعيةٍ ولا إنسانية، وكأنه يُراد الانتقام منهم، حتى إذا افترضنا أن مواقف حكوماتهم سلبيةٌ أو عدائية، فما ذنبهم وهم ليسوا طرفًا في الصراع؟ ويعود السبب في ذلك إلى عقلية الارتياب الأمنية من جهة، وعدم الثقة بالنفس من جهةٍ أخرى. وقد يكون غياب المواطنة المتساوية؛ سببًا في ذلك لدرجة أن فئاتٍ من السكان تشعر بالغبن والحيف، وهو الأمر الذي يولّد شعورًا لدى الحاكم باحتمال تعاونها مع الخارج، ضد بلدانها. وإذا كان الغرب، بشكلٍ عام، أوجد بعض الحلول لموضوع "الأقليات" بإعادة التعدّدية الثقافية إلى جذرها الداخلي، وقطع إلى حدودٍ كبيرةٍ خيط التدخل الخارجي[5]، فإن المشاكل التي لا تزال قائمة فيه؛ يجري الحوار عليها سلميًّا وبالطرق السياسية والديمقراطية في الغالب، ولو تمكّنا من إقرار مواطنةٍ متساويةٍ، وغير ناقصة، أو مبتورة، وفي إطار حق تقرير المصير للتنوّع الثقافي، لا سيّما القومي والديني، وطبقًا للخيار الديمقراطي، خصوصًا، بالحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية ووضع حدٍّ لظاهرة الفقر والأمية، فإن مثل هذا التشظّي الذي خلّفته الأنظمةُ السلطوية الحاكمة ليس بمقدوره أن يترك أية هواجسَ أو مخاوفَ تحت زعمِ الولاءِ للخارج، أو أية مزاعمَ أخرى.

 


[1]  أنظر: كتابنا جدل الهويّات في العراق- الدولة والمواطنة، الدار العربية للعلوم، "ناشرون"، بيروت، 2010. كذلك كتابنا: الهوية والمواطنة - البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2016. ط2، 2020.

[2]  قارن: علي حرب - حديث النهايات، فتوحات العولمة ومأزق الهويّة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، 2000، ص11.

[3]  تبنّى منتدى غرب آسيا - شمال أفريقيا العام 2001 ميثاقاً جديداً بوصفه وثيقة للتعاون ترتكز على الكرامة الإنسانية وصولاً إلى تأمين العيش المشترك للأجيال الحالية القادمة، أنظر صحيفة الخليج (الإماراتية) 27/4/2011.

 [4]  أنظر: ويل كيميلكا - أوديسا التعدديّة الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوّع، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة، 377، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بيروت، 2011،ص 149 وما بعدها.

[5]  أنظر: المصدر السابق.