في السادس عشر من مايو المنصرم، نشرت السلطاتُ الألمانية 900 شرطي في مواجهة المسيرات التضامنية مع فلسطين بذكرى النكبة، حيث لم تكتفِ هذه القوّاتُ بالتضييق على المتظاهرين، بل بادرت بقمعٍ عنيفٍ وواسع النطاق؛ شمل اعتقال أكثر من خمسين متظاهرًا.
في الأسبوع ذاته، منعت فرانكفورت مسيرةً مؤيدةً لفلسطين؛ معتبرةً أنها تشكّل خطرًا على السلامة العامة، بعد مطالبةٍ من "الجالية اليهوديّة في المدينة"، ومفوّض مكافحةِ معاداة الساميّة في ولاية هيسن؛ التظاهرات تم وصمها بأنها معاديةٌ للسامية في تصريحاتٍ لسياسيين ألمان من معظم الأحزاب، فيما تم رفع علم الكيان الصهيوني على مؤسساتٍ حكومية.
تواجه الجاليات العربيّة، واللاجئين، والمتعاطفين مع القضيّة الفلسطينية، في أوروبا جملةً من الإجراءات والسياسات الحكومية الهادفة للتضييق عليهم، وبينما تشكّل القضيّةُ الفلسطينية نقطةَ التقاءٍ سياسيةٍ وهوياتيةٍ لمعظم العرب في أوروبا؛ فإنّ السياسات الأوروبية، التي تستهدف الأنشطة التضامنية، تشكّل أداةَ قمعٍ هوياتي، إلى جانب دورها السياسي، كتعبيرٍ عن دعم هذه الدول للكيان الصهيوني، ودعم القوى السياسية الأكثر فاشيةً للعدو الأبرز في نظر غالبية اللاجئين الوافدين للقارة الأوروبية، وهو ما يبدو مفارقة، بالنظر لتاريخ القوى اليمينية الأوروبية في العداء ليهود العالم وبصماتها في التنكيل بهم، بل وفي المحرقة النازية، حيث تقود العديد من هذه القوى التحريضَ والمواقفَ المعادية للفلسطينيين، بل ويزعم بعضها أن مواقفه هذه تأتي من منطلق مكافحة معاداة السامية، هو ذاته الادعاءُ الذي تقدمه الداخلية الألمانية، إلى جانب الادعاءات حول مكافحة الإرهاب، والتي اعتادت السلطات في العديد من البلدان الأوروبية سوقها، كمبررٍ لقمع الأنشطة المنددة بالكيان الصهيوني وسياساته.
فرنسا وقيم الجمهورية المتملصة:
في فرنسا بدت الهجمةُ على مجموعةٍ من المؤسسات والمجموعات الإسلامية والعربية، وأخرى مؤيدة للقضية الفلسطينية، كأداةٍ للخلط؛ تعمد للخلط بين كل ما هو مكروهٌ ومرفوضٌ بالنسبة للحكومة الفرنسية، حيث حاولت السلطات الفرنسية ربطَ قتلِ مدرسٍ فرنسي أكتوبر الماضي بمؤيدي القضية الفلسطينية، وتحديدًا في جمعيةٍ تسمى "جمعية أحمد ياسين". وأثر الحادثة أطلقت الشرطة الفرنسية حملةً أمنيةً ضدَّ عشرات الأفراد المرتبطين بالجمعيات الإسلامية، حيث قال وزير الداخلية جيرار دارمانان: إن "فتوى" صدرت بحقه؛ لأنه عرض على تلامذته رسومًا كاريكاتيرية تمثل نبي الإسلام.
وفي السياق ذاته؛ قال مصدر في الشرطة آنذاك: إن وزارة الداخلية أصدرت قرارًا بطرد 231 أجنبيًّا؛ مدرجين على قائمة المراقبة، للاشتباه بأنهم يتبنون "معتقداتٍ دينيةً متطرفة".
المتحدث باسم الحكومة الفرنسية غابرييل أتال، في خضم الهجمة الحكومية؛ أدلى بتصريحاتٍ عن "التعزيز الهائل" لنشاط الحكومة في مواجهة التطرف، بناءً على توجيهات رئيس الجمهورية في خطابه في 2 تشرين الأول/أكتوبر؛ أكد فيها: أنه منذ شباط/فبراير 2018، "أُغلق 356 موقعًا"؛ شكّلت منطلقًا لنشر "التطرف" من "مقاهٍ وجمعياتٍ ومساجدَ ونوادٍ رياضية"، ولعل هذه أبرز إشارةٍ لكون الحدث لم يكن نقطةَ انطلاقِ هذه السياسات، بل استُخدم لبناءِ ذرائعَ إضافيةٍ في حملةٍ مستمرةٍ وتوجّهاتٍ حكومية.
السياسات المعادية للعرب؛ المسلمين؛ اللاجئين؛ الأفارقة؛ تعدها السلطات الفرنسية جزءًا من معركةٍ لحماية "قيم الجمهورية"، وهو مصطلحٌ لا يوجد تعريفٌ واضحٌ له، لكن يبدو أن الحكومة الفرنسية تعتزم تعريفه بشكلٍ خاص؛ من خلال تعيين أكثر من 1200 موظفٍ إضافيٍّ في الاستخبارات منذ عام 2017، ودعم "القطاع التربوي" وتقوية "التعليم المدني والأخلاقي"؛ حسب تصريحات مسؤولين حكوميين.
عملية الأقصر: الحملة النمساوية
أعقاب اعتداء فينّا، الذي نفذه نمساويٌّ مسلمٌ من أصولٍ مقدونيةٍ في نوفمبر 2020؛ أعلنت الحكومة النمساوية عن "عملية الأقصر"، التي استهدفت جمعياتٍ رسميةً، وشملت اقتحامَ منازلَ ومقراتٍ، واستدعاءَ العشرات واستجوابهم بشأن أنشطتهم، واللافت في الأمر، أن تركيز الاستجواب كان على الموقف من الكيان الصهيوني والنضال الفلسطيني وحركات المقاومة الفلسطينية.
التعاطف مع النضال الفلسطيني، وحتى مع شخصياتٍ ربطتها علاقاتٌ جيدةٌ بالحكومات النمساوية، مثل: الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، كان موضعًا للاستجواب، في الحملة التي قادها وزير الداخلية كارل نيهامر، ومستشار البلاد اليميني سيباستيان كورتز، وعدّتها السلطات أنها حملةٌ ضدُّ "الإرهاب الإسلاموي"
وخلال العدوان الصهيوني مايو 2021، منعت السلطاتُ النمساوية العديدَ من الفعاليات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني المنددة بالعدوان، كما رفعت مقارٌّ حكوميةٌ نمساويةٌ أعلامَ الكيان الصهيوني.
الخلطة السحرية: نقد الكيان الصهيوني لا سامية وإرهاب
في النماذج الثلاثة التي تم تناولها في التقرير، وهي لا تحصر جملةَ سياسات الملاحقة والتضييق الأوروبية، عمدت السلطاتُ للخلط ذاته بين اتّهام من ينتقد الكيان الصهيوني باللاسامية والإرهاب، حيث تم إغلاق المؤسسات واستجواب الأفراد، وحظر أنشطةٍ تضامنيةٍ مع فلسطين، وترافق ذلك مع تضامنٍ حكوميٍّ وحزبيٍّ مع الكيان الصهيوني.
توجه العديد من الحكومات الأوروبية لدعم الكيان الصهيوني لم تقتصر يومًا على موقفٍ سياسيٍّ عام، وغالبًا ما رافقتها ممارساتٌ معاديةٌ لحقوق الفلسطينيين والتضامن معهم، ولكن هذه الحملات مثّلت تصعيدًا حقيقيًّا في هذه السياسات؛ شمل تبنى التوصيف الأمني الصهيوني ضدَّ كل من هو متضامنٌ مع فلسطين، ومزجه مع مقولات اليمين الأوروبي المعادية للاجئين والمهاجرين من أصولٍ عربيةٍ وإسلامية.
"حظر التضامن" مع فلسطين، أو انتقاد الكيان الصهيوني وسياساته، قد تكون غيرَ معلنةٍ، كأهدافٍ لهذه الحملات رسميًّا، لكنّ المؤكد أنها في صلب هذه السياسات والحملات التي يسهّل طريقَها نوعٌ من الانكفاء في الموقف الرسمي الفلسطيني.
وإذا كانت موجة التضامن الكبيرة التي رافقت عدوان مايو 2021 هي محلُّ تفاؤلٍ على مستوى الجهود الداعمة للحق الفلسطيني في الساحة الأوروبية؛ فإن السياسات المتجذرة والمتصاعدة على المستوى الحكومي، خصوصًا الأمني؛ تثير مخاوفَ جديّةً حولَ مصير هذا التضامن والمنخرطين فيه، وكذلك حول مصير آلاف من اللاجئين والمقيمين العرب والفلسطينيين في القارّة الأوروبيّة.

