Menu

نحن لسنا بالشعب الخارق.. ولنكف عن جلد الذات

راسم عبيدات

على مدار ثلاثة وسبعين عام احتلال منذ 48 و 54 للضفة الغربية وقطاع غزة قبل تحرره في 2005 وحتى الآن.. الاحتلال في سبيل تحقيق أهدافه وخدمة مشاريعه ومخططاته، يعمل على خلق بنية له من أفراد وجماعات وبنى اجتماعية واقتصادية وسياسية في البلد المُحتل، ولذلك في الداخل الفلسطيني- 48 - تجد من يعملون من أبناء شعبنا في مؤسسات الاحتلال الأمنية والشرطية وفي مصلحة السجون والمؤسسات المدنية ذات البعد الأمني، وكذلك من يخوضون الانتخابات للبرلمان الإسرائيلي "الكنيست" ضمن أحزاب إسرائيلية. وفي الضفة الغربية و القدس المحتل يغرس أعوانه والمتعاونين معه في قلب صفوف شعبنا، حتى الكثير من العصابات الإجرامية ومهربي السلاح تكون تعمل مع أجهزة أمن الاحتلال، وكذلك هذا ينطبق على نسبة ليس بالبسيطة على "طخيخة" الأعراس والجنازات، فهؤلاء عندما يسمح لهم المحتل بحمل السلاح يعرف جيداً أنه يوظف في أغراض ليس لها علاقة بمقاومته أو عمل وطني.

نحن لسنا بالحالة الفريدة أو الاستثنائية المتميزة عن البلدان التي خضعت للاحتلال والاستعمار الإحلالي؛ الاحتلال الفرنسي للجزائر والأمريكي لفيتنام ولليابان والألماني لفرنسا والجنوب اللبناني.. كل هذه البلدان جند فيها المحتلون متعاونين معهم أفراد ومؤسسات.. ولذلك الصياح والعويل وبث ونشر الفتن بين أبناء الشعب الواحد يحفر عميقاً في تفكيك وحدة الشعب مجتمعياً ووطنياً.. ويبقى الجوهر هنا خلق حالة وعي سياسي حقيقي وتصليب الجبهة الداخلية وتحصينها.. وايجاد بيئة طاردة ونابذة لمن ترتبط مصالحهم بمصالح الاحتلال أو من يتعاونون معه.

عملية أبطال "نفق الحرية" والتي ضربت هيبة المؤسستين الأمنية والعسكرية الصهيونية كركائز لوجود دولة الاحتلال، وقالت بأن هناك حالة من الاهتراء والضعف عند هذه الدولة وتراجع في قدراتها الأمنية ومدة الاستعدادية والجهوزية.

عملية "نفق الحرية" أعطت شعبنا على طول وعرض فلسطين التاريخية وفي مخيمات اللجوء وفي الشتات، وكل المؤمنين بنهج وخيار وثقافة المقاومة، والقائلين بأن كلفة هذا النهج والخيار، رغم ثمنها الغالي؛ تبقى أفضل مليون مرة من خيار ثقافة الاستسلام و" الإستنعاج".. وهي أعطت شحنة كبيرة من المعنويات إلى كل أبناء شعبنا، هذه الشحنة من الطاقة الإيجابية، شاهدناها في المسيرات والمظاهرات ومباهج الفرح التي انطلقت تحيي بطولة هؤلاء الأسرى وتشيد بدورهم ونضالاتهم وتضحياتهم، وما أقدموا عليه من حفر للصخر بملاعقهم ومقابض المقالي والبراغي والأدوات الحديدية الأخرى، تلك العملية البطولية التي اختزنت من معاني البطولة والإرادة والعزم الشيء الكثير والنوعي، وأنا في قراءتي لما حدث وما تبعه من سيناريوهات وإعادة اعتقال لهؤلاء الأبطال، أرى بأن ما حصل أتى في سياق متصل وعلى نحو سريع وبوجهة واحدة، هي الصعود نحو تركيم المزيد من الانتصارات والإنجازات ضمن مسار سيؤدي إلى مرحلة نوعية قادمة لا محالة، فنحن أمام قوسين؛ قوس فلسطيني صاعد يمثله الشعب الفلسطيني ومقاومته وطاقاته الشبابية التي تؤمن بالقدرة على التغيير وتحقيق الانتصار، وبين دولة احتلال تراكم فشل وراء فشل من بعد معركة "سيف القدس" و قتل القناص الصهيوني من نقطة الصفر على يد مقاوم فلسطيني عبر فتحة الجدار على حدود القطاع.

دولة تتشظى سياسيا وتزداد أزماتها ونشهد تراجعاً في قدراتها الأمنية.. والفشل الإستخباري والأمني الكبير في عملية "نفق الحرية". لا شك بأن لحظة تلاقي القوسين الفلسطيني الصاعد والإسرائيلي الهابط، ستشق الطريق نحو مسار تراكمي جديد، يضع الكيان بين خياري المضي في حرب شاملة قد تكون آخر حروبه، أو التساكن مع متغيرات تزيد هزاله وتعمق حال التراجع الاستراتيجي، وتمنح خيار المقاومة مساحات إضافية في توازن الردع والتحرير، على قاعدة معادلة «القدس أقرب».

بعد عملية إعادة اعتقال الأسرى الأربعة بزمن فاصل، شهدنا بأن ردودنا غلب عليها العاطفية والانفعالية وتراجع كبير في الحالة المعنوية، والبعض بدأ يسوق الاتهامات وعبارات التخوين، بحق أهلنا  وشعبنا في الداخل الفلسطيني – 48- وبالذات أهلنا في الناصرة، بأن المتعاونين مع الاحتلال هم من سلموا الأسرى الأبطال الأربعة، ورغم نفي قائد عملية "نفق الحرية" محمود العارضة لذلك، ولكن لو أخذنا بشبهة ما قاله الأسير المعاد اعتقاله يعقوب القادري، بأن هناك من وشى بهم، فهذا ليس بالشيء الاستثنائي ولا بالمستغرب، في ظل احتلال يعمل ليل نهار، لكي يفكك سياج نسيجينا الوطني والمجتمعي، ويخترقهما حتى في أضيق الدوائر المحيطة بالمناضل من بيت وأسرة وعائلة ومحيط اجتماعي ومن ثم قرية ومدينة وأحزاب وفصائل ومجتمع. وما حصل بعد اعتقال الأسرى الأبطال الأربعة في الناصرة وبالقرب من أم الفحم، وجدنا بأن هذا السيناريو يتكرر بعد اعتقال الأسيرين أيهم كممجي ومناضل انفيعات، واللذان أيضاً وجهها ضربة قوية لأجهزة أمن الاحتلال ومخابراته المتسلحة بكل وسائل التكنولوجيا والتجسس والعنصر البشري والمتعاونين في الميدان، حيث تمكنا من اختراق كل أسيجة وحصون وحواجز الاحتلال الأمنية، وتمكنا من الدخول إلى جنين، ووجدا هناك من احتضنهما، رغم كل المخاطر المترتبة على ذلك، وكذلك الفصائل لم تتخلَ عنهم، رغم إنني متفق بأن الجسم الفصائلي ليس على ما يرام، ولكن ما حدث في تقديم موعد بدء العملية، حسب ما أفاد الأسرى أنفسهم في التحقيق، خلق حالة من البلبلة والإرباك في عملية التواصل والمساعدة، ولذلك القيام بعملية جلد الذات بشكل غير مسبوق وبث ونشر الإحباط واليأس بين الناس، وكيل الاتهامات لأهل جنين ولفصائل مقاومتها، بأنهم جزء من عملية تسليم الأسيرين، أعتقد انه يجافي الحقيقة، ويصب في خدمة الاحتلال وأجهزته الأمنية، الذي يريد تهشيم صورة المقاومة في أذهان شعبنا، وتظهرهم بأنهم مجموعات من أصحاب الشعارات والتهديدات الفارغة والجوفاء، وبأن كل هذه البنادق غير قادرة على حماية أسيرين وكذلك أهل جنين القسام.

لا شك بأن العملية التي قام بها الاحتلال من أجل إعادة اعتقال الأسيرين، والتي اشترك فيها الجيش و"الشاباك" ووحدة "اليمام"، واستخدم فيها عدد كبير من قواته وأجهزته الأمنية ووسائل التكنولوجيا المتقدمة والمناورة الواسعة وعملية التضليل والخداع التي قام بها المحتل، نجحت في إعادة اعتقال الأسيرين، والاحتلال وهو يقدم على عملية الاعتقال، ويتابع ذلك كل قادته بما فيهم وزير جيشه وأركانه ورئيس وزرائه، كان حريصا على عدم قتل الأسيرين، خشية من رد فعل المقاومة وانفجار  الأوضاع في الضفة والقطاع والداخل الفلسطيني- 48، وكذلك الأسيرين كانا حريصين  على سلامة من احتضنوهم، ولذلك كما فعل رفاقهم الذين اعتقلوا قبلهم، حيث قالوا لم نختلط أو ندخل بيوت أهلنا في الداخل الفلسطيني -48 – خوفاً عليهم وليس منهم، وهنا تجلت في الحالتين أخلاقهم وإنسانيتهم فوق وطنيتهم ومصيرهم، ولذلك نحن نقول رغم كل الأخطاء والثغرات والقصورات، لكن ما حصل أعاد لقضية الأسرى مركزيتها فلسطينياً وعربياً ودولياً، وكذلك أكد على أن ثقة الشعب بالمقاومة وخيارها ونهجها أعلى بكثير من الثقة بخيار القائلين بالمفاوضات العبثية و"التفاوض من أجل التفاوض"، وأيضا هذه العملية عمقت من حالة الفرز الداخلي  وكشفت عورات الكثيرين.. وقالت للمحتل بأن من يمتلك الإرادة قادر على تخطي كل منظومات الاحتلال الأمنية والعسكرية، وأيضا ما تحقق يراكم المزيد من الانتصارات والإنجازات في مسار صاعد نحو الوصول لمرحلة نوعية قادمة.