Menu

كونفدراليّاتٌ طائفيّةٌ بدل سايكس ـ بيكو

د. موفّق محادين

نشر هذا المقال في العدد 29 من مجلة الهدف الإلكترونية

منذُ قرنٍ على الأقل، والصراعُ في المنطقة صراعُ مشارطَ وخرائطَ في خدمة النفط والمشروع الصهيوني، وقبل أن تنجح الصهيونية في ترجمة أحلامها وأوهامها التوراتية، بالتقاطع مع كل المصالح البريطانية بين الهند الشرقية والسويس؛ شكّل إعلان الدولة السورية الواحدة ( سوريا الكبرى) وبمشاركة كل مكوناتها التاريخية (سوريا الحالية، فلسطين، الأردن، لبنان) أول خطر على مشروع (إسرائيل الكبرى)؛ فتكالب الاستعمار الفرنسي والبريطاني على هذه الدولة، وواصلا الدور نفسه مع الإمبريالية الأمريكية الصاعدة بُعَيْدَ الحرب العالمية الثانية، واستكملوا هذه الاستراتيجية باستهداف مصرَ والعراقِ أيضًا.

وهكذا، إذا كانت اتفاقية سايكس – بيكو قد مزّقت الشرق العربي في بداية القرن الماضي؛ فمنذُ السنوات الأولى للقرن الحالي والمستعمرون الأجانب والصهيونية العالمية؛ يسعون لاستبدال دولة التجزئة ال قطر ية السابقة، وأيًا كانت طبيعة الحكم فيها، مواليةً أو مناوئةً لهم، بشكلٍ جديدٍ من الخرائط، هو الكانتونات الطائفية والمذهبية المتناحرة، التي تستدعي تفكيك وتفجير هذه الدولة، واستبدال مكوناتها المركزية (الجيش والبيارق) بمليشياتٍ، ورموزٍ طائفية...!

على هذا النحو، بالذات، صرنا إلى ما وصلنا إليه باسم (الربيع العربي)، وجرى ضخ مليارات الدولارات لأدوات الهدم الملائمة، وهي: الجماعات الأصولية التكفيرية.. وهكذا انتقلنا، أو انتقلوا بنا، من أدوات التفكيك وخطابه، إلى أدوات التركيب وخطابه، ولكنه أبدًا ليس تركيبًا مدنيًّا أو ديموقراطيًّا أو حضاريًّا أو ليبراليًّا؛ رأسماليًّا أو شموليًّا، بل هو تركيبٌ من طبيعةٍ وطينةِ التفكيك والمصالح الاستعمارية والصهيونية، وقوامُهُ أشكالٌ من كونفدراليات الطوائف التي تضبط الفوضى (غير المحسوبة).

تنطلق السيناريوهات لتفكيك الشرق العربي، وضرب النزعات المضادة لهذا التفكيك، وهي النزعات القومية، من أن العرب لم ينجزوا ثورتهم البرجوازية الديمقراطية ويترجموها في دولةٍ قوميةٍ ومجتمعٍ مدني، وأنهم ما زالوا مجاميعَ طائفيةً ومذهبيةً وعشائريةً في إطار دولٍ مركزيةٍ هشّةٍ قابلةٍ للانفجار والاحتقان الطائفي والجهوي. ومن أبرز الذين اشتغلوا على ذلك "موشي دايان، ودانيال بايبس، وبرنار لويس، ورفائيل باتاي" (دراسته عن العقل العربي) الصحراوي المتناثر الفردي الانفعالي العدواني مقابل (العقل اليهودي). كما شكّلت دراسة المستشرق الفرنسي "رينان" مرجعيةً أساسيةً لهذه الأفكار، التي كان أكثر ما يذعرها ويخيفها المد القومي، كأيديولوجيا توحيديةٍ، وبدائلَ نظريةٍ عن الشرط الموضوعي الغائب والمغيّب، (الثورة البرجوازية القومية الديمقراطية). وكذلك تشخيص "بريجنسكي" (للشرق الأوسط) بوصفه مادةً متفجرة، مفتوحةً على شرقٍ أوسطَ من الكانتونات الطائفية والجهوية.

وكانت البدايات مع فريق "بن غوريون" 1953، ثم مؤتمر "سيفر" (22/10/1956) الذي بحث سيناريوهات وآفاق العدوان الثلاثي: البريطاني، والفرنسي، والصهيوني، على مصر بعد تأميم عبد الناصر لشركة قناة السويس، وقد دعا المؤتمر إلى تقسيم العرب مجدّدًا بما في ذلك (بلدان صديقة) مثل الأردن ولبنان. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كتابَ (خنجر إسرائيل) الذي أصدره الصحفيُّ الهندي "كارنجا" عام 1957؛ يعد أول وثيقةٍ منشورةٍ بشكلٍ علني، بالنظر إلى أنها جاءت على شكل حوارٍ مع موشي دايان، ولأهمية الكتاب؛ فقد قام الرئيس جمال عبد الناصر بإعداد مقدمته والتعليق عليه.

يدعو دايان، جهارًا نهارًا لتقسيم البلدان العربية الأساسية عن طريق تغذية الاحتقانات الطائفية والمذهبية (مسلمون ومسيحيون سنة وشيعة... إلخ)، وإذا كانت سوريا آنذاك شوكةً في خاصرة (إسرائيل)، مما يفسر دعوةَ دايان إلى تفجيرها وتقسيمها طائفيًّا على غرار ما كانت عليه قبل الاستقلال (اتحاد كيانات طائفية)، فما الذي يفسر دعوته لتمزيق العديد من البلدان العربية الأخرى؟

ذلك ما أجاب عليه دايان في حينه (1957) من ضرورة قطع تطور أي بلدٍ عربيٍّ نحو الوحدة والمجتمع المدني، وإعادته إلى عناصره البدائية الأولى من طوائفَ وعشائر.

شرقٌ بلا دول: المدينةُ مقابل الدولة

كانت المدينة (بوليس) في الإغريقية، وقرت أو قرية في الكنعانية، على غرار قرطاجة (قرت تاجه) وقير مؤاب بالكنعانية، هي الشكل السياسي الأول في التاريخ، وكانت الساحة أو الميدان أو الأغوار الإغريقية (الحاكورة) هي مركز هذا الشكل، كما كانت المواطنة لا تشمل (الغرباء والنساء والعبيد)؛ أساس ما عرف بـ دولة – المدنية.

وكان من أشهر نماذج هذا الشكل السياسي؛ المدن الإغريقية، مثل: أثينا، وإسبارطة، والمدن السومرية، والكلدانية، والآشورية، والكنعانية، والآرامية، مثل: دمشق، وأوغاريت... الخ، وقد تحولت هذه المدن إلى دولٍ محليّة، ثم إلى مراكز إمبراطورية بسبب طرق التجارة، وذلك قبل أن تدخل طور الأفول مع تحول هذه الطرق، في دورةٍ تشبه الكائن الحي إلى حدٍّ ما؛ ذهب إليه أفلاطون وابن خلدون وفيكو.. كذلك، ورغم انبثاق الدولة القومية في عصر الثورة الصناعية البرجوازية، في أوروبا وهي التي عرفت بدولة وستفاليا (نسبة إلى اتفاقية 1648 التي أنهت الإمبراطورية الرومانية الجرمانية) إلا أن دولة المدينة استمرت في أماكنَ أوروبيةٍ عديدة، سواءً بصورةٍ مستقلةٍ أو على شكلٍ يشبه الحكم الذاتي داخل دولةٍ ما، أو على شكلٍ ديني.. ومن نماذج الأولى: جنوى، والبندقية التي اشتهرت في عهد الوزير ميكافيللي، وانتهت مع حملة نابليون، ومن نماذج الثانية: المدن التي أخذت شكلًا كوزموبوليتيا تحت سيطرة التجار الأجانب والقناصل، مثل: الإسكندرية، وسالونيك، وسميرانا (أزمير).. ومن الأزمنة الحديثة: موناكو، وهونغ كونغ وسنغافورة، ومن نماذج الثالثة: دولة الفاتيكان، وفرسان مالطة.. وكان ملاحظًا في كل هذه المدن التنافسُ الذي وصل حد المذابح المتبادلة بين الجاليات نفسها، خاصةً بين اليونان والأرمن من جهةٍ، وبين البيوتات المالية اليهودية من جهةٍ ثانية.

اليوم، وبعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار المنظومة الاشتراكية؛ ثمةَ سيناريوهاتٌ وتصوراتٌ في مراكز المتروبولات الإمبريالية بأن الدولة في مناطقَ شاسعةٍ من الجنوب والشرق؛ مشروعٌ زائدٌ عن الحاجة، ومفهومٌ بائد، وأن من الأفضل تحويل هذه المناطق، خاصةً، الشرق الأوسط إلى مناطقَ مدارةٍ تحال إلى شركاتٍ ومؤسساتٍ كبرى، تنطلق من المتروبولات.

ويشار هنا إلى كتابات الأمريكي؛ ألفين توفلر (تحول السلطة) والفرنسي آلان تورين (المجتمع ما بعد الصناعي) والأمريكي برتران بادي (انقلاب العالم) التي أشارت جميعها إلى أن عصر ما بعد الثورة الصناعية يشي، أيضًا، بنهاية المفهوم التقليدي للدولة. وإذ يجادلون في الأشكال المتوقعة للاعبين الجدد في الشمال، فإن الشرق والجنوب يغيبان كمركزٍ مهمش، عليه أن يتكيف لحاجات التحول الكبير في المتروبولات المهمة إلى أذرعتها المختلفة؛ الناعمة والخشنة على حدٍّ سواء، وفي كل الحقول المستهدفة؛ فالبنك وصندوق النقد الدوليين والمؤسسات المالية الإمبريالية ذات الصلة، تفرض إملاءاتٍ عالميةً في (هارمونيكا) تجري في الوقت نفسه تقريبًا، من عناوينها: رفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات السياسية، وزيادة الضرائب غير المباشرة، والجماعات الليبرالية العاملة باسم المجتمع المدني وغيره؛ تتولى صناعة البديل السياسي (للمجتمع السياسي) ووراثته،

وقوى الضغط والتدخل العسكري المباشر أو عبر الجماعات الأصولية المتطرفة؛ تتولى تحطيم الجيوش والأذرع الأخرى للدول المستهدفة.

وبالمحصلة، نحن أمام سيناريو لإنهاء (الدولة السابقة) واستبدالها بأشكالٍ من (الدولة – المدينة)، ومنها:

- نموذج الدولة الميناء 

- نموذج الكانتون

- نموذج البانتوستان

- نموذج (المحطة) شأن (المدن - الدولة) التي قامت على طريق شركة الهند الشرقية أو في خدمتها، مثل: سنغافورة، وهونغ كونغ، والبهرة.

وفيما يخص الشرق الأوسط تحديدًا؛ يشار إلى تصورات "شمعون بيريز" ومؤسسة راند الأمريكية، التي تتحدث عن كياناتٍ برسم الفك والتركيب باسم اللامركزية السياسية، وفدرالية المكونات المذهبية، ومجمل توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين  ومخرجاتهما ونصائحهما. ولم تعد الدولة – الكانتون أو البانتوستان أو المدينة البديل للدول الحالية؛ مشروعًا مقتصرًا على المجالات الحيوية للعدو الصهيوني، بل صار النموذج المطلوب وَفْقَ السيناريوهات الأمريكية – الصهيونية لمجمل المنطقة؛ فبالإضافة (للشرق الأوسط) المستهدف السابق في السيناريوهات المذكورة، فإن البحر الأحمر يبدو المسرح الثاني لهذه السيناريوهات، وذلك من خلال ما تشهده هذه المنطقة من مشاريعَ وحروب؛ عنوانُها الموانئُ بشكلٍ خاص؛ فمن مدينة نيوم التي تظهر موازنتها الخيالية – إنها جزءٌ من استراتيجية الثقوب السوداء لبلع الدول – إلى الصراع على موانئ البحر الأحمر وتحويلها إلى محميات تجارية - عسكرية كوزوموبوليتية؛ تتمتع بإداراتٍ ذاتيةٍ بتصرف القوى المستأجرة أو المسيطرة عليها، ومن ذلك: الموانئ اليمنية التي تفسر الأسباب الحقيقية للتدخل في هذا البلد (باب المندب، عدن، المخا، الحديدة)، وكذلك الموانئ الجديدة الأخرى في الصومال، وجيبوتي، و السودان ..

ومن الملاحظ، على هذا الصعيد؛ أن القوى النفطية المعنية بهذا الصراع في - على البحر الأحمر؛ تحتفظ بعلاقاتٍ سريةٍ وعلنيةٍ مع العدو الصهيوني، مما يؤشر على الصلة الوثيقة بين الاستراتيجية الصهيونية في مجالها الحيوي المباشر، وبين هذه الاستراتيجية في البحر الأحمر.. فنحن إزاءَ عملية تفكيكٍ وتركيبٍ أمريكية – صهيونية؛ لبناء منظومةٍ متكاملةٍ من دولة المدينة أو البانتوستان، وهو ما يعني أننا أمامَ شكلٍ جديدٍ من شركة الهند الشرقية، وحرب الطرق والموانئ، هو الشكل الذي تظهر فيه تل أبيب، والبيوتات المالية البريطانية والأمريكية واليهودية؛ جنبًا إلى جنبٍ مع البيوتات النفطية.