Menu

هيكل وطنطاوي.. وشرعية "ثورة يناير"

عبدالله السناوي

بوابة الهدف الإخبارية

«إلى أين نحن ذاهبون؟»، هكذا كان السؤال ملحا وحائرا.

«ذاهبون إلى داهية»، وهكذا جاءت إجابة الأستاذ «محمد حسنين هيكل» حاسمة ومعلنة.

كغيره فوجئ بمشاهد «يناير» الأولى. فقد «خرج الشعب كله، بأجياله، وبطبقاته، وبطوائفه، بل بالصبا فيه والطفولة ــ ملايين بعد ملايين، وكذلك فهى لأول مرة فى التاريخ الحديث خروج كامل، وبالثورة الكاملة، وللشعب المصرى بكامله».

استولت المشاهد الأولى بجلالها على كامل مشاعره، ورأى أن القدر أكرمه أن يعيش حتى يرى بعينيه تلك اللحظة.

رأى أمامه ما يستدعى التفاؤل فى «استكمال مسيرة طويلة للشعب المصرى وتتويجها من حركة أحمد عرابى ــ التى كانت أول تمرد وطنى على السيطرة البريطانية، إلى ثورة 1919 ــ التى طلبت الجلاء بالمفاوضات وطالبت بدستور قبلته حتى منحة من الملك آملين فى تطويره بالحوار مع القصر والإنجليز، وثورة 1952 ــ التى كانت ثورة قامت بها طلائع من الجيش المصرى أحاطت بها وساندتها جماهير شعبه، خاضت معه تجربة ضخمة فى مصر، وفى محيطها، وفى عالمها، لكنها لم تستطع تحقيق ديمقراطية كل الشعب.. وظروفها عاقتها عند ثلاثة أرباع الطريق». الحصاد لم يوافق الرهانات على «يناير» فلا هى استكملت ما قبله ولا تجاوزته ولا قدرت على منع اختطافها. قبل أن تتكشف الحقائق على المسرح السياسى المضطرب نظر فى المستقبل وتوقع صراعا ضاريا عليه. «من الطبيعى أن يكون هناك هجوم مضاد للثورة ــ فعلى الأرض وأمام الشباب قوى لها مطالبها، وهناك مصالح لديها ما تريده، وهناك خطايا لا يصح أن تنكشف، وتلك كلها دواع تشد كثيرين إلى حلف غير مقدس يريد أن يقمع حلما مقدسا تتبدى ملامحه».

بدت الصورة أمامه فى الأيام الأولى لـ«يناير»، فرصة هائلة فى التاريخ ومخاطر مائلة باحتمالات الإجهاض.

كانت قضيته الأولى إزاحة ركام الماضى من الطريق قبل أى قضية أخرى.

«الشرعية في هذا المنعطف التاريخي لم تعد فى موقع الحكم، لأن الشعب بملايينه نزع عن الحكم مقومات شرعيته».

و«المأزق أن جماهير الملايين التى أمسكت بالشرعية فى يدها لم تجد حتى هذه اللحظة تعبيرا سياسيا عنها يستطيع أن يتحدث من موضع ثقة».

هكذا عرض قضية «الثورة والشرعية» صباح الأربعاء (2) فبراير/شباط (2011). كان ذلك أول مقال مباشر يكتبه منذ نحو ثمانى سنوات عندما استأذن فى الانصراف.

وكان أخطر ما فيه: «إن القوات المسلحة بظاهر الشكل تتلقى الأمر من الحكم، وتلك ليست عقدة سياسية، ولكنها قضية وطن بأسره: ضميره ومصيره!». فى صباح نفس اليوم دعا قائد عسكرى بارز من الدائرة المقربة من المشير «محمد حسين طنطاوى» إلى حسم الموقف. لم يكن المشير حتى هذه اللحظة مهيأ لاتخاذ تلك الخطوة بإزاحة نظام «حسنى مبارك».. رد قائلا: «إن أحدا فى العالم لن يعترف بنا».

الأهمية القصوى لما خطه «هيكل» بقلمه صباح ذلك اليوم أنه أسس لشرعية إطاحة نظام ثار عليه شعبه، موجها خطابه بصورة مباشرة للقوات المسلحة التى أصبح «ميزان المستقبل فى يدها»، وربما أراد أن يكون صوته واصلا إلى قائدها العام، أن يحسم أمره بالانضمام إلى شعبه مصدر الشرعية الوحيد. «النظام انتهى وما يجرى الآن يشير إلى جهالات الادعاء بما فيها استخدام الأحصنة والجمال!».

توقع «سؤال المشير» دون اتصال ــ وأجاب عليه أمام الرأى العام: «إن العالم يريد أن يلمس الحقيقة فى مصر، فهو يرى حركتها، ويسمع صوتها، لكن حتى هذه اللحظة لم يستطع أن يترجم ما تطلبه، وهو فى الحقيقة مع شرعية ما تمثله، ومشروعية ما تطالب به».

فى البناء العام لأول مقال كتبه بعد سنوات من التوقف الاختيارى أسس لشرعية إطاحة «مبارك» بأربع نقلات.

الأولى، إسباغ صفة الثورة على أحداث «يناير».. وهذه مسألة لها ما بعدها. والثانية، وضع الثورة الجديدة فى سياق التاريخ المصرى، تستكمل وتصحح لا أن تنكر ما قبلها.. وكانت تلك إشارة مبكرة لإحدى الثغرات السياسية التى ساعدت على اختطاف «يناير». الثالثة، التحذير المبكر من الثورة المضادة.. وكانت تلك إشارة مبكرة أخرى لما حدث.

الرابعة، الدخول مباشرة إلى «ما بعد مبارك» أو المستقبل وطبيعة المرحلة الجديدة.. وكان ذلك جوهر اهتمام رجل يدرك بخبرته الطويلة معنى السلطة وضرورة الانتقال بوضوح فى الخيارات الرئيسية. لم يكن مقتنعا بالفكرة التى شاعت وقتها فى المجال السياسى عن «المجلس الرئاسى» كبديل ممكن واقعى. وكان تفكيره ــ كرجل اقترب من صناعة القرار فى عهدى «جمال عبدالناصر» و«أنور السادات» حتى عام (1974) ــ أن ما تحتاجه مصر فترة انتقالية بضمان الجيش، وتحت حراسته دون أن يحكم أو يتحكم فى مسارها.

استبعاد الجيش وهم.. وحكمه رجوع للخلف. بعد تنحية «مبارك» بتسعة أيام خاض أولى معاركه لإزاحة ركام الماضى. على شاشات التلفزيون المصرى حذر من بقاء الرئيس السابق فى شرم الشيخ. كان الكلام مدويا بنصه ورسالته عن «مركز مناوئ للثورة».

«إن البقاء فى شرم الشيخ بالذات من ضمن خطة التأمين فى الدولة البوليسية، حيث تقع بعيدة عن تمركز القوات المسلحة وقريبة من إسرائيل». فى تقدير جديد للموقف المتحرك أعاد تعريف مأزق القوات المسلحة: «تحاول أن تمسك بالأمور وتحاول فى الوقت نفسه ألا تظهر بأنها هى التى تحكم البلاد». «أنا ضد أن يكون الجيش قوة سياسية، بل أريد أن يكون ضمن قوى المجتمع المصرى مسئول عن الأمن القومى الخارجى وحماية الشرعية الوطنية لا تولى الحكم بنفسه».