Menu

وعي مفاهيم الحداثة والتنوير والعلمانية تكريس لرؤيتنا الماركسية ومنهجها على طرق الثورة الديمقراطية بافاقها الاشتراكية

غازي الصوراني

تتجلى أهمية استخدام مفاهيم الحداثة و التنوير والعلمانية والثورة الديمقراطية ، من كل رفاقنا في كافة الفصائل والاحزاب الشيوعية والماركسية العربية ، في مجابهة استقطاب القوى اليمينية بشقيها، الليبرالي الرث والتابع المتمثل في أنظمة التبعية والتخلف والاستبداد وشرائحها البيروقراطية الكومبرادورية الحاكمة ، واليميني الديني السلفي المتمثل في قوى وحركات الإسلام السياسي، إلى جانب المجابهة الثقافية والفكرية والسياسية ، لكافة الجوانب السلبية والرجعية في تراثنا، إذ لا يمكن انضاج وتوليد مفاهيم العقلانية والعلمانية والديمقراطية من أوضاع تابعة ومستبدة من ناحية، ومن هيمنة قوى ماضوية سلفية جامدة ، بل من القطيعة المنهجية والمعرفية معها من جهة ، ومع كل مظاهر التبعية والتخلف السائدة في بلادنا من جهة ثانية تكريسا لرؤيتنا الماركسية ومنهجها على طريق التغيير والنضال السياسي والطبقي المجتمعي صوب تحقيق الثورة الوطنية بافاقها الاشتراكية .
بمعنى آخر، لا يكون العقل ثورياً، ولا يُجسَّد في السلوك، إلا إذا انطلقنا من الفعل والتفاعل مع احتياجات وتطلعات الجماهير الشعبية والاندماج في مساماتها، وخضوعنا لمنطقها ومستقبلها، من خلال عملية التجريد والتوضيح والتعقيل، لكي نتمكن من استبدال وتجاوز أوضاع الاستبداد والاستغلال الطبقي، واستبدال المنطق الموروث أو سلبياته المعرفية تحديداً التي تتمظهر وتتجلى منذ القرن الرابع عشر، حيث تعيش المجتمعات العربية حالة من المراوحة الفكرية على تراث الغزالي وابن تيمية وابن القيم الجوزية والتواصل المعرفي مع هذه المحطات السالبة في التراث القديم (خاصة بعد إزاحة ابن رشد وابن خلدون والفارابي والكندي والمعتزلة فرسان العقل في الإسلام) من جهة، ومع الأنماط الاقتصادية والاجتماعية القديمة والحديثة او الرأسمالية الرثة التابعة من جهة ثانية، وهو تواصل حَرِصَت عليه الطبقات الحاكمة في مجتمعاتنا العربية بمختلف أشكالها وأنماطها التاريخية والحديثة والمعاصرة حتى يومنا هذا، وهو حرص استهدف دوماً إبقاء الوعي العفوي للأغلبية الساحقة من الناس في حالة من الجهل والتخلف بما يضمن استمرار مصالح الشرائح البيروقراطية الكومبرادورية والطفيلية الحاكمة.
فعلى الرغم من دخولنا القرن الحادي والعشرين، إلا أن مجتمعاتنا العربية مازالت في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان ما قبل الرأسمالية، وبالتالي غربة مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والمواطنة عن هذه المجتمعات ، وذلك يعود إلى رثاثة العلاقات الرأسمالية في بلادنا وتبعيتها وطابعها التجاري الوسيط – الكومبرادوري والخدمي غير المنتج ، علاوة على أن معظم شرائح "البورجوازية" في بلادنا هي وليدة الطبقة شبه الإقطاعية وامتداد لمصالحها، وهي بحكم تبعيتها وطابعها التجاري، حرصت على تكريس مظاهر التخلف الاجتماعي عبر تكيفها مع الأنظمة الاوتوقراطية والثيوقراطية الحاكمة ، والشواهد على ذلك كثيرة، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها واستكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية، ففي غياب هذه السمات، يصعب إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والدور التاريخي الموضوعي للتطور أو التبلور الطبقي، الآمر الذي أدى إلى إضعاف الوعي بالظلم الطبقي لدى جماهير العمال والفلاحين الفقراء واستمرار هيمنة أوضاع التخلف الاجتماعي في أوساطهم ، وتعطيل إدراكهم بوجودهم الطبقي المتميز، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي على المستوى ال قطر ي أو على المستوى العربي العام، ولعلنا نتفق أن السبب الرئيس لهذه الإشكالية الكبرى، يكمن في طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التاريخية والمعاصرة، باعتبارها نتاج وامتداد لأنماط اقتصادية /اجتماعية من رواسب قبلية وعشائرية وشبه إقطاعية، وشبه رأسمالية، تداخلت عضوياً وتشابكت بصورة غير طبيعية، وأنتجت هذه الحالة الاجتماعية/الاقتصادية المعاصرة، المشوهة، والمتخلفة، والتابعة .
أمام هذا الواقع المعقد والمشوه، وفي مجابهته، ندرك أهمية الحديث عن مفاهيم العلمانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة وكافة منطلقات ومبادئ الحداثة ، والنضال من أجل تطبيقها وتوعية الجماهير بها ، ولكن بعيداً عن المحددات والعوامل الخارجية والداخلية، المستندة إلى حرية السوق والليبرالية، لأننا نرى أن تعاطينا مع هذه المفاهيم وفق النمط الليبرالي، فرضية لا يمكن أن تحقق مصالح جماهيرنا الشعبية، لأنها تتعاطى وتنسجم مع التركيبة الاجتماعية-الاقتصادية التابعة والمشوهة من جهة، ويتم استخدام مضامين هذه المفاهيم في الإطار السياسي الاجتماعي الضيق للنخبة الطبقية ومصالحها المشتركة في إطار الحكم أو خارجه من جهة ثانية.
وهنا بالضبط تتبدى الضرورة التاريخية التي تستدعي من القوى اليسارية الماركسية الثورية في كل بلد عربي، تركيز أهدافها ومهماتها النضالية، السياسية والمجتمعية، باتجاه تغيير وتجاوز هذا الواقع ، وان تتحمل مسؤلياتها الكبرى، في كونها تشكل في هذه المرحلة طليعة الحامل الاجتماعي الديمقراطي الثوري على طريق النهوض والتقدم الديمقراطي والعدالة الاجتماعية وتحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية، شرط أن تبادر أولاً إلى نشر وتعميق الوعي داخل تنظيماتها، بمفاهيم التنوير والعلمانية والديمقراطية والحداثة، والثورة والفكر الماركسي المتجدد واستخدامه من أجل تغيير الواقع الراهن وتجاوزه .