Menu

الرّبيعُ يُهدي غزّة الوردَ والحياة

الهدف- غزة- يوسف حماد:

في غزّةَ، ربّما ترى وردةً أخطأتها آلةُ القتل الإسرائيلية، أو شتلةً خضراءَ أصرّت أن تُخرج براعمها من بين الركام.. ترى منزلّاً مُدمّراً لا يزال مُلّاكَـه يعيشون فيه رغم تفتّت جدرانه، يُسدلون ستارةً مُهترئة كي يستروا بها أهل البيت، ويواصلون الحياة.

مشاهدٌ اعتادها أهلُ غزّة الثكلى في أعقاب عدوان الـ 51 يوماً، الذي أودى بحياة الآلاف من الأشخاص والحكايا.

تتّجه من قلب غزّة صوب الشمال الشرقي، وتحديداً شرق بلدة جباليا "المخيّم الذي يشهد أكبر كثافة سكّانية في العالم"، هناك ترى مشهداً آخراً للمدينة، مشتل "أبو عمر" للزهور، الذي ربّما  يُعادل مسألة الحياة والموت شمال قطاع غزّة.

في الوسط الشرقي لبلدة جباليا، أمام شارع اسفلتيّ شُيّـد حديثاً، استقرّ حال أسامة 40 عاماً، إلى أرض فارغة، حوّلها إلى مشتل ورود، هو الأكبر في القطاع، المحاصر منذ 8 سنوات، والذي عانى من 3 حروبٍ متتالية دمّرت 3 مشاتل لأسامة بصورة كاملة.

بقايا الأرض المدمّرة، لم تُثنِ أسامة عن هوايته في جمع الورود والتجارة بها، لكنّها أعطته ما يُشبه "الإلهام" للمضيّ قدماً في هذا النوع من الزراعة، الذي وصفه أبو عمر بـ "أجمل ما قد يراه الشخص في غزة".

يقول أسامة وهو ينفض غبار الزهور عن يديه "هذه الورود حياتي، لقد زرعت آلافاً منها في كل مكان قد يصلح لنموّها" ويُضيف و قد وجّه ناظريْه نحو الأفق "هذه الأرض مساحتُها دونميْن، وهي الرابعة التي أبنيها بعد أن دمر الاحتلال 3 مشاتل عملاقة لي شرق جباليا".

يقول أسامة آسفاً "هذه البضاعة تأتي من دولة الاحتلال.. لا أحد يتعامل مع البضاعة المحلية، الجميع يريد بضاعة الاحتلال، فهي نادرة، وعليها إقبال مُربح، ونحن نعمل على الورد بعناية كبيرة، لكننا بصدق نريد الربح أيضا".

تلعثم زارع الورود الغزيّ ببضع كلماتٍ وهو يتنقّل بين زهرات "جرانيام و فنيكا و شوك المسيحة و حلبلوب" التي وصلت إليه من دولة الاحتلال عبر معبر كرم أبو سالم التجاري، وندب حظّه بعد أن كان يزرعها بنفسه، قبل العدوان الأخير الذي دمّر مشتله في منطقة عزبة عبد ربه شرق بلدة جباليا.

و تحدث أسامة عن الأسماء غير المعروفة محلياً للأزهار وقال "هذه أسماء علمية تأتي من دولة الاحتلال وهي متداولة بين المزارعين ، لكننا نحاول أن نوجد أسماءً محلية للتسهيل على المواطنين".

ويمتدّ مشتل أسامة على مساحة أرض قوامها 2400 متر مربع أي نحو الدونمين، كانت منطقة رملية قبل أن يستصلحها أسامة ويحوّلها لمشتل زهور.

و يتكون  المشتل من شقين: الأول مُغطى بألواح من النايلون توجد داخلها أغلب الزهور، والشق الآخر مكشوف للهواء الطلق؛ بسبب تقلب الأجواء و المنخفضات الشتويّة الأخيرة في مارس الجاري.

يقول أسامة الذي يزرع الزهور منذ 30 عاماً: "أنا وعائلتي نعمل في الورد منذ 3 عقود، حيث ورثنا الأرض عن العائلة..  نزرعها بمحاصيل جميلة ومفيدة للناس.. هناك قرابة الـ 50 نوع من شُجيرات الزينة والأزهار، نستورد أكثر من الاحتلال لأن الرعاية اللازمة للزهور في غزّة صعبة، خاصة وأن هذا النوع من الزراعة يحتاج مياه معدنية مُ قطر ة وليس عادية، أي مياه البلدية".

ويضيف أسامة: "مشاتل الأزهار قليلة ومحدودة في القطاع وربما بعيدة عن أماكن السكان.. و الأسعار متفاوتة، بدايةً من دولار واحد، وحتى 150 دولار".

زراعة الورد في غزّة، تعكس مدى التمسّك بالحياة، وحبها، بل والسعي بأصعب الطّرق لتلوينها.

وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزّة، أفادت بأن مزارعي غزّة أحجمّوا هذا العام عن زراعة الزهور، لغياب دعم الحكومة الهولندية، ومؤسسات أوروبية أخرى، لمزارعي الزهور، "التي تعمل على شراء الورود عبر تصديرها من غزة".

قال صالح بخيت مساعد وكيل الوزارة، لمراسل الهدف، إن الحكومة الهولندية كانت تدعم مزارعي الزهور، بمبلغ 3 آلاف دولار لكل ألف متر مربع، غير أنها قلصت هذا العام الدعم، ليصبح 700 دولار لكل ألف متر، ما أدّى إلى انتقال المزارعين لزراعة محاصيل تقليدية لبيعها في الأسواق المحلية.

وتضرّرت زراعة الأزهار والورود في قطاع غزة بشكل خاص جراء الحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ صيف عام 2007، والذي تسبب بخفض حجم صادرات الورود إلى أوروبا؛ مع إغلاق المعابر التجارية، وتدنّت النسبة من 40 مليون زهرة سنوياً قبل فرض الحصار، وحتى 4-5 مليون زهرة فقط في العام الواحد، بينما تقلصت المساحات المزروعة بالورد من 500 ألف متر مربع إلى 100 ألف متر مربع فقط.

ويغطي القطاع الزراعي -وفق إحصائيات الوزارة- حوالي 11% من نسبة القوى العاملة في قطاع غزة، أي ما يقارب 44 ألف عامل.