Menu

اليسار البرازيلي وفرص عودته للسلطة

جاد الله صفا

على مدار ثلاث سنوات من حكم الرئيس البرازيلي الحالي "بولسونارو"؛ بدأت حقيقته تنكشف أمام الشعب البرازيلي بعد الكارثة التي تسبب بها في عدة قضايا خاصة الموضوع الاقتصادي، حيث ارتفعت في عهده البطالة والأسعار بشكلٍ جنوني لدرجة عدم قدرة المواطن على شراء اللحوم أو التبضع بالمواد الأساسية. كما تعمقت كافة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تركت آثاراً سلبية على المواطن البرازيلي، وعلى الصعيد الدولي كان واضحاً انحيازه لسياسة ترامب والكيان الصهيوني، وتورطه في أزمة جائحة كورونا (كوفيد 19) وعدم اعترافه بخطرها على المواطن، ورفض توجيهات منظمة الصحة العالمية، وتغييره أربع وزراء صحة خلال الأزمة. وقد كشفت التحقيقات الأخيرة التي يجريها مجلس الشيوخ حول أداء الرئيس في هذه الأزمة، إلى تورطه المبُاشر ومسؤوليته عن الأعداد العالية من الوفيات جراء الجائحة والتي زادت عن 600 ألف مواطن وبرازيلي، وأكثر من 21 مليون مصاب.

في ضوء هذه الكوارث التي تسبب بها، فإن "بولسونارو" قد أطلق النار بكل الاتجاهات، حتى ضد حلفائه الذين ساندوه ووقفوا معه بالحملة الانتخابية التي أوصلته إلى الحكم، فلم يستثني أحداً، وركز على اجراءات لا تخدم بالنهاية المواطن البرازيلي، ولم يقاوم الفقر ولم يوفر فرص عمل، وألغى وزارة العمل وخفض الوزارات إلى 16 وزارة، بعد أن تجاوز عددها إلى 30 وزارة بالحكومة السابقة. وكان تدخل أبنائه بكل مقاليد الحكم بالتعيينات والتحريض والاساءات على الأفراد والشخصيات والقوى والقضاء؛ دوراً كبيراً في انكشاف حقيقته أمام الشعب البرازيلي، فقد كان المواطن يشعر أن " جايير بولسونارو " رئيساً كاسم، ولا علاقة له بالحكم وإدارة البلاد، وأن أبنائه هم من يحكمون البرازيل.

اللافت أن الأحزاب البرازيلية اليمينية التي شَكلّت دائماً طوق حماية للرئيس وسياساته تضررت أيضاً من أعماله، حيث لوح بالعصا ضدها، وشن حربه على قضاة المحكمة العليا الفيدرالية، وهدد البرلمان ومجلس الشيوخ، وقام بتعيين العديد من الجنرالات بالوزارات، وصلت لدرجة تعيين أحد جنرالات الجيش وزيراً للصحة وهو ليس له علاقة بالطب. وشجع أيضاً المظاهرات التي تطالب بإغلاق البرلمان ومجلس الشيوخ، والمحكمة العليا الفيدرالية وعودة حكم العسكر.

كل ما ذكر أعلاه، أدى إلى تراجع شعبية "بولسونارو"؛ علماً أن الإعلام البرازيلي لعب دوراً هاماً في كشف مصائب "بولسونارو"، مما أدى إلى أن يفتح حرباً على عدد من وسائل الإعلام البرازيلية الكبرى.

استطلاعات الرأي تشير إلى أنه في حال خوض "بولسونارو" الانتخابات، فإنه لن يحصل على عدد الأصوات التي حصل عليها بالانتخابات السابقة، ورغم كل ذلك بإمكانه الفوز على أي مرشح آخر ينافسه إلا الرئيس البرازيلي اليساري السابق "لويس ايناسيو لولا" مرشح حزب العمال، ومرشح بعض القوى اليسارية البرازيلية وليس كلها، حيث أن استطلاعات الرأي تشير إلى فوز "لولا" من خلال الجولة الأولى، وهناك قوى وأحزاب محسوبة على الوسط واليمين ترى في "لولا "المرشح الذي يمكنه هزيمة الفاشي "بولسونارو"، وهذا مؤشر إيجابي من هذه القوى التي ترى في "لولا" مخرجاً لإنقاذ البرازيل من فاشية "بولسونارو" الذي جاء بالويلات والكوارث، وعزز من حدة الكراهية، وعمق الأزمات بالدولة، ولم يطرح حلولاً لهذه الأزمات التي عصفت بالبلاد، وإنما تعمقت أكثر، وتَحولّ حكمه إلى كارثة كبيرة على البرازيل، كما يرى ذلك اليمين البرازيلي الذي وقف معه وسانده ليصل إلى الحكم.

تجدر الإشارة إلى أن التهم التي تم توجيهها سابقاً إلى "لويس اناسيو لولا" والتي أدت إلى اعتقاله، كانت معتمدة على شهادات أفراد، وليس على حقائق مادية، وكان القضاء غير نزيه بالتحقيق وإصدار الحكم، وهذا ما أكدت عليه أخيراً محكمة العدل العليا، بعدم نزاهة الأحكام الصادرة، وإصدار أحكام تبطل ما صدر، وتبرئته من أغلب التهم الأساسية الصادره بحقه، وعودته مرة أخرى إلى المشهد البرازيلي من أوسع أبوابه. وعلى الدوام كانت القوى اليسارية تؤكد على الدور الأمريكي في اعتقال الرئيس "لولا" ومعاقبته على خلفية مواقفه من العديد من القضايا الدولية، ولانحيازه إلى قوى تقف بالصف المقابل المعادي والمنافس للإمبريالية الأمريكية، وتؤكد هذه الأحزاب على وصول ممثلين عن جهاز المخابرات الأمريكية إلى مدينة كورتيبا، وهي المدينة التي كانت مركز الأحداث، حيث حكم وسجن بها.

التطورات الأخيرة مُبشرة على صعيد الحراك السياسي ما قبل الانتخابات، حيث قام حزب العمال والرئيس "لولا" بفتح قنوات اتصالات وحوارات مع العديد من كبار الأحزاب البرازيلية والمحسوبة على الوسط، وهناك مؤشرات إيجابية لتحالفات، لضمان الفوز من الجولة الأولى بطريقة حاسمة في الانتخابات القادمة، وعلى ضوء ذلك؛ فإن احتمالية عودة "لولا" إلى سدة الحكم واردة بقوة، وإن حسمها سيكون من الجولة الأولى. تأتي هذه التطورات في ظل استمرار صمود حكومة فنزويلا أمام كل محاولات إسقاطها، وعودة اليسار إلى الارجنتين، وبوليفيا، وفوزهم بالبيرو، كما أن استطلاعات الرأي تشير إلى احتمالات فوز الشيوعي دانييل حذوة بانتخابات تشيلي، هذه تطورات هامة يمكن أن تُحدد طبيعة ومسار ما يجري في البرازيل مستقبلاً. وكما يقول الحزب الشيوعي البرازيلي، "إن بولسونارو" محاصر ومعزول بقارة أمريكا اللاتينية أمام انتصار اليسار بالعديد من دولها".