Menu

نية الاحتلال كانت راسخة في عقل القادة العسكريين

موقف قادة الجيش الصهيوني من الضفة الغربية والقدس ما بين 1948-1967 (2-3)

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

فصل ما يقرب عقدين من الزمان، بين تأسيس الكيان الصهيوني، كنتيجة لحرب 1948، ونكبة فلسطين، وبين احتلال ما تبقى من فلسطيم في حرب 1967. وقد ادت خطوط الهدنة في الحرب الأولى إلى عدم قدرة الكيان على احتواء بعض المستوطنات الهامة أيدلوجيا، لصالح السيطرة الأردنية، مثل الحي اليهودي في البلدة القديمة في القدس ومستوطنة غوش عتصيون، ولكن بعد 19 عاما تمكن الجيش الصهيوني من الفوز في حرب خاطفة أدت إلى سيطرة الكيان على ما تبقى من فلسطين ومن ضمنها طبعا تلك المستوطنات.

ولطالما نشأت العديد من الأسئلة في الكيان الصهيوني حول السياسي والأيدلوجي، وحدود السيطرة، ما بين دولة بأغلبية يهودية، وبدون "الأرض التوراتية" وبين دولة لاتهم فيها الأغلبية الديمغرافية بقدر ما يهم، الحيازة المطلقة على "يهودا والسامرة" في التعبير الصهيوني التوراتي، حيث يزعم أن تلك الأراضي هي مهد الأساطير التوراتية المتعلقة بأنبياء "إسرائيل" والصراع على الحيازة مع الفلسطينيين الكنعانيين، ومن هنا أيضا نشأ الصراع الأيدلوجي بين القدس وتل أبيب، وهو صراع على قيم الدولة ومعناها، بين العلمانية والدين، بين أسفار موسى وأسفار الليبرالية الحديثة.

في هذا الإطار من الأسئلة فحصت مجلة "الإسرائيليون" وهي مجلة علم الاجتماع في الكيان الصهيوني كيف رأى الصهاينة في "الداخل" ونظروا إلى المناطق التي يفترض إنها "مقدسة" تحت الحكم الأردني، هل تم حفظها في الوعي أم كانت منسية؟ فيما يلي الجزء الثاني من مراجعة لأهم ما ورد في الدراسة المطولة في العدد الأخير من مجلة "الإسرائيليون".

في سياق الحديث عن سبب بقاء الضفة الغربية تحت السيطرة الأردنية في أعقاب حرب 1948، واستكمالا للنقاش السابق، يبرز استنتاج يحاول الدمج بين التعارضات، بأنه يمكن ربط ذلك أحيانا بكل من القرار السياسي وعدم قدرة الجيش على أداء مهمته: ففي أكتوبر 1948 وفي خضم عملية يؤاف لاحتلال بئر السبع كان كل من موشيه دايان الذي كان وقتها قائد لواء عتصيوني، ويوسيفيلا تابيمكين قائد لواء هاريل يحضران لعملية تم تنسيقها بينهما وهي هجوم مشترك جنوب القدس للضغط على هيئة الأركان للسماح لهم باحتلال القدس وغوش عتصيون والخليل، وقد حذرتهم هيئة الأركان العامة من استكمال العمليات بحلول الوقت الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

ووفقًا للخطة، كان عليهم احتلال بيت جالا و بيت لحم وغوش عتصيون. انطلقت العملية إلى الجبل في صباح يوم 20 في اكتوبر. لمدة يومين تقدمت القوات جنوبا وشرقا. ومع ذلك بسبب عدم النجاح في احتلال التلال قرب بيت جالا لم يتم تنفيذ خطتهم، وفي اجتماع الأركان العامة تم تقديم طلب للمتابعة في عملية جنوب القدس. تم طرحها للتصويت وحدث بالتعادل (5: 5) وسقطت. وكان أبرز المعارضين يجئال يادين، وقائد الجبهة الوسطى تسفي أيالون، وكان الخوف الذي عبر عنه المعارضون أن تنفيذ هذه العملية كان من شأنه أن يعرض للخطر الإنجازات على الجبهة الجنوبية، وهكذا أمروا قوات هاريل بوقف القتال، وشعر هاريل أنهم أضاعوا الفرصة بـ"تحرير" غوش عتصيون، بينما كان ضباط اللواء يعتقودن أنهم قادرين على إكمال المهمة، وطلبوا إلغاء أمر التوقف والسماح لهم بمواصبلة العملية وحتى توسيعها. القادة وقرروا داخليا مواصلة الاستعداد للعملية، بل طالب بعضهم بخرق أمر وقف العمليات، حتى لو كان ثمنه عقوبة السجن، وأصدر تابينكين مرسوم المعركة رقم 2، بعنوان "الحملة مستمرة" ودعا إلى "تحرير القدس" عاصمة وتخليص غوش عتصيون، للاتصال بالنقب و"سدوم وحكم يهودا".

وذهب إلى هيئة الأركان لإقناعها بمواصلة المهمة وفشل، وبعد 53 سنة من تلك الأحداث، تمت مهاجمة ديفيد بن غوريون بشدة في مراجعات قوية تلقى خلالها اتهامات بأن أحكام سياسته هي التي حددت بالفعل مصير الحدود بينما كان يمكن حسب الزعم "للجيش الإسرائيلي" العمل وفق خطط اخرى وحينها كان سيتم تعيين خطوط حدود جديدة، بالوصول إلى نهر الأردن، وبالتالي عملية اللواء هاريل هي مثال لعملية ناجحة عسكريا ولكنها فشلت على المستوى السياسي أو تم إفشالها سياسيا.

المعضلة الإسرائيلية فيما يتعلق بالعلاقة بين "إسرائيل" والأردن

في الخمسينيات من القرن الماضي، تعاملت القيادة السياسية وكبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي بشكل مكثف مع الوضع الراهن مع الأردن مقابل الخيار الفلسطيني. وكان للإبقاء على الوضع الراهن مع الأردن خياران - الاستيلاء على الدولة بأكملها أو قبول فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل ، ضابط العمليات في لواء النقب السياسي اليساري والمؤرخ لاحقا مائير بائيل أنكر الخيار الفلسطيني بشكل كامل، وزعم أن الزعيم الفلسطيني أمين الحسيني كان ناشطا متطرفا ومعاد لليهود ولايمكن الحديث معه، ودعا للاتصال مع الحكومة الأردنية وتجدر الإشارة إلى أنه بعد حرب الأيام الستة أصبح بائيل داعماً فاعلاً للخيار الفلسطيني، وكانت سياسات الملم حسين تفهم في سياق متناقض في محاولة إثبات نفسه كقائد للفلسطينيين أيضا بعد 1952، ما دفع القادة الصهاينة في كثير من الأحيان إلى التساؤل عما إذا كان النظام الهاشمي لا يزال يخدم احتياجاتهم وهعكذا سيتحدث الجنرال موشيه ديان عن الحاجة لعمل استباقي لتغيير الوضع الإقليمي الراهن فينا اعتبر الآخرون أنه يجب حسم ما إذا كانت حدود وقف النار نها\ية أم لا وبسرعة، ومع ذلك ، عندما واجهت "إسرائيل" في الستينيات خطر الغزو العراقي للأردن عدة مرات، اختارت التخلي عن إمكانية الاستيلاء على الضفة الغربية وحتى عبرت عن استعدادها لمساعدة النظام الهاشمي في التعامل مع أعدائه.

كان الخيار الأردني يعتبر سيئاً لدى الأقلية. ولم يكن هذا التصور حكراً على كل العناصر العسكرية، بل كان سائداً. في الوقت نفسه، يمكن للمرء أن يلاحظ الأقوال العرضية التي تشير إلى التطلعات الشخصية لبعض مرتدي الزي العسكري. يقال عن موشيه ديان أنه في إحدى الليلالي التي أقيمت في نادي الجندي في الخمسينيات تحدث قائلاً: "ما زلنا ضمن الحدود التي وضعتها لنا العوامل الخارجية. في العام الذي سيجري فيه احتلال الضفة الغربية بالقوة لحل مشكلة جبل المشارف. بالتالي - نرجو أن نكون في أرض إسرائيل ". و كتب بن غوريون في مذكراته أن دايان اقترح في نهاية عام 1953 على كبار مسؤولي الجيش والأمن "الإسرائيليين" أن يبدؤوا في التفكير فيما إذا كانوا قد تصرفوا بشكل صحيح في اختيار الدفاع عن مكانتهم .. و بعد الحرب أثيرت تحت السطح أسئلة حول الأهداف التي لم تتحقق في عام 1948 والرغبة في "إكمال العمل، كما قال إن "وجه الجيش مقدر للحرب من أجل احتلال ما هو مسموح به في فلسطين الغربية" لكن الاعتبارات المتعلقة بتعديلات الحدود بقيت مجرد انعكاس غير فعال لأفكار هؤلاء.

المؤرخ السياسي نداف سافران اعتبر أن احتلال الضفة الغربية كان الهدف الأول المفضل في حالة وجود تهديد أمني، ولكن سافران لمح أيضا إلى أن "إسرائيل" تطمع بالمنطقة لأسباب استراتيجية وأسباب أخرى. وامتنعت عن الاستيلاء عليها خوفاً من انضمام مليون لاجئ "لإسرائيل" ولأسباب دبلوماسية، لكن هذه الاعتبارات ستختفي عند التهديد، في مثل هذه الحالة، اعتقد سافران، أن "إسرائيل" ستكون مهتمة باحتلال الأرض بيدها .وقد نقل عن يادين وصفه كيف تصرفوا عندما أثيرت إمكانية احتلال الضفة الغربية: في شهادته، لم نكن أنا دائمًا نرى ذلك ضروريًا لدولة إسرائيل رأينا الحل في احتلال الضفة الغربية، "المنطقة من رام الله إلى غوش عتصيون".

تكثفت الشكوك التي نشأت في نهاية عام 1953 ، وتعمقت في عام 1955. حتى ذلك الحين، كانت الأعمال الانتقامية تهدف إلى إحلال "السلام والأمن لإسرائيل" من خلال إظهار التفوق الاستراتيجي والعسكري وبدون تصحيحات حدودية . و طبقًا لبار أون ، كانت الأعمال الانتقامية تهدف إلى تسخين الحدود واستفزاز المصريين إلى الأعمال العدائية التي من شأنها أن تسمح "لإسرائيل" بضربهم دون أن يكونوا مذنبين بالعدوان. وبحسبه، فإن الشعور السائد في الأردن هو أن هدف "إسرائيل" كان إحداث اضطرابات في الضفة الغربية وبالتالي كسب أمرين: أ. ذريعة لاحتلال الضفة الغربية - لأن عنفها الشديد يهدد أمنها ؛ ب. إضعاف سلطة النظام في الأردن، والذي سيسهل على الجيش الإسرائيلي احتلال المنطقة. ويفترض بار أون أن "الوضع الراهن" كان سيتم تقويضه.

الأمل والحلم الصهيوني في حكم كامل "أرض إسرائيل" كما يرى بعض المؤرخين، أثار لدى بن غوريون وديان حماسة البحث عن فرصة لإكمال ما لم يتم تحقيقه في حرب عام 1948. في أقرب وقت ممكن. وتم ذكر جبل الخليل والقدس والضفة الغربية للبحر الميت، بما في ذلك طريق البحر الميت - القدس. ولم تتحقق هذه الأهداف، من بين أمور أخرى، بسبب الفيتو الذي فرضته فرنسا. على أي حال، في أعقاب حرب سيناء وعواقبها ، بما في ذلك الانخفاض الحاد في التسلل من الحدود الجنوبية، اضطرت الحكومة "الإسرائيلية" إلى إعادة دفن تلك الأحلام والعواطف في عمق ثنايا الهقل الرومانسي، في أسفل حكام الوعي بالواقع السياسي.

ولكن لم يدم الصمت طويلا. في صيف 1958، بعد الثورة في العراق، اقترح ألون من جديد على بن غوريون احتلال الضفة الغربية، وهو اقتراح ، كما هو معروف ، لم يتحقق.

هنا من المفيد ربما إيراد ملاحظةة لرابين وإن لم تكن ضرورية حول جلسة هيئة الأركان العامة في 8 تموز 1963، حيث ذكر أنه في الستينيات، كان هناك شعور بتوتر شديد على الحدود الأردنية، وهو التوتر الذي زاد على مر السنين. على الرغم من الحفاظ على الالتزام بالوضع الراهن، فمن الصعب القول إن هذا الوضع خدم الجيش الصهيوني، وقال رابين نائب رئيس الأركان في تلك الجلسة إن التغيرات التي ستؤدي غلى تغيير ميزان القوى لها ميوة جيوسياسية، وليست فقط نتيجة [عسكرية] واقتصادية و [سياسية] بل نتيجة للحدود. وأضاف إنه "للقول إنه مرتاح للوضع الحالي] ... [على جيش الدفاع الإسرائيلي على أي حال أن يسعى لتوسيع الحدود السياسية من وجهة نظر أمنية ". على خلاف ذلك كان قائد المنطقة الشمالية ومساعد رئيس الأركان أبراهام يافي (كان قد تولى قبلها الجبهة الجنوبية) يرى أن دور الجيش هو تقديم التقييمات والبيانات وليس السعي لتوسيع حدود الدولة، لكنه كان ينتمي إلى الأقلية وقد اعترض اللواء دافيد العازر على المقاربة وقال إن على الجيش "الإسرائيلي" أن يوضح للمستوى السياسي أن قدرته على ضمان أمن الدولة بطريقة دفاعية محدودة. لأنه يجب إعطاء الأولوية للجبهة الأردنية على الجانب المصري . وقال إنه إذا غزت القوات الأجنبية الأردن، "يجب على دولة إسرائيل تغيير حدودها وتضم الضفة الغربية في أراضي الدولة". أيد رئيس جهاز الأمن، مئير عميت، استغلال الفرصة الأولى للاستيلاء على الضفة الغربية، من أجل إقامة دولة عازلة هناك، ويجب على إسرائيل تطوير أسلحة نووية. مدير عام وزارة الدفاع ، آشر ناثان وأيد تصريحات بيريز واعترض على تغيير الحدود. كان يعتقد أن تغيير الحدود لن يحل المشكلة لأن جيش الدفاع الإسرائيلي سيضطر إلى العودة إلى حدوده السابقة في نهاية الحرب - وكان هذا هو الموقف السائد بعد نتائج الحرب. مردخاي غازيت ، المسؤول الشرق الأوسط في وزارة الخارجية، ألقى محاضرة في كلية الأمن القومي وتحدث عن إمكانية احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية، قائلاً إنه لن تسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، مضيفًا أنه من الأفضل لنا أن نكون صادقين مع أنفسنا: لسنا مهتمين حاليا بضم الضفة الغربية، حيث سنواجه على الفور مشكلة خطيرة لبلدنا الصغير. ماذا سيحدث إذا لم يفر السكان في الضفة الغربية، وهم عدونا الوجودي، عبر الحدود؟ هؤلاء قاموا مع رئيس الأركان رابين بتقييم إيجابيات وسلبيات احتلال الضفة الغربية وخلصوا إلى أن أوجه القصور تفوق المزايا. كان استنتاجهم أن حكم الحسين للضفة الغربية يخدم مصالح إسرائيل بشكل أفضل. في الستينيات، يبدو أن النهج كان في الواقع هو الحفاظ على الوضع الراهن مع الاهتمام بالمصالح "الإسرائيلية" على الحدود مع الأردن.

إذا تعرضت إسرائيل للهجوم ، فإنها ستنتصر في كل معركة ، بالفعل في اليوم الأول .85 في الخطب والأوامر اليومية التي ألقاها مختلف رؤساء الأركان للجنود ، تحدثوا من حيث النضال من أجل السلام جنبًا إلى جنب مع الاستعداد للحرب.

كما ينتج حتى الآن من هذه المراجعة  لم يكن للكيان الصهيوني موقفثابت من تسوية مسألة الحدود مع الأردن، ويمكن القول إنه كان هناك صراع متعدد المستويات وفق ما يحدث على الأرض. في الوقت نفسه، ولا ينبغي تجاهل تعبيرات الرغبة في رؤية الضفة الغربية والقدسي في يد الكيان الصهيوني وفي الواقع إن الأقلية التي كانت تدفع باتجاه الاحتلال الفوري، اعتبرت أن الاعتقاد السائد بأن استقرار حكم الملك حسين يصب في مصلحة "إسرائيل" الأمنية هو ما منع مرارًا وتكرارًا من الشروع في عمليات احتلال مناطق تحت سيطرته.