Menu

تداعيات أزمة روسيا والناتو

د.فايز رشيد

تنفس العالم الصعداء في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر1989، حين تمّ الإعلان رسمياً عن انتهاء الحرب الباردة في قمة عُقدت آنذاك بين الرئيسين الأمريكي جورج بوش الأب والسوفييتي ميخائيل جورباتشوف. عزّز ذلك تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، وقدوم يلتسين إلى السلطة، والمعروف عنه الموالاة للغرب عموماً. 

على الرغم من الإعلان ظلّت بعض الإشكالات بين البلدين بعد تشكّل «نظام عالمي جديد» قائم على تفرّد الولايات المتحدة بالهيمنة على الساحة الدولية ومن ثمّ انهيار جدار برلين، وتحوّل روسيا إلى دولة رأسمالية.
 حالياً، بدأت بعض الاتهامات المتبادلة بين كلٍّ من روسيا وحلف الناتو، وهي تراوح بين تهديدات بالتصعيد ومحاولات للتهدئة، ما أدى إلى سيناريوهات متضاربة عن طبيعة العالم مستقبلاً، فهل ستعود الحرب الباردة من جديد؟ حصل ذلك بعد إعلان الناتو عن تقليص عدد الأعضاء المعتمدين للبعثة الدبلوماسية الروسية لديه من 20 إلى 10 أشخاص، وقيامه بطرد 8 من الدبلوماسيين الروس بتهمة أنهم ضباط استخبارات. 
بدورها، أبدت روسيا استياءها من خطوة الناتو؛ إذ أعلن نائب وزير الخارجية ألكسندر غروشكو «أن طرد الناتو لدبلوماسيين روس يبطل تصريحاته السابقة عن تطبيع العلاقات، وأن روسيا لم تعد تثق بالحلف». في حين اتجهت تصريحات الأمين العام للناتو ينس ستولتنبيرغ نحو التهدئة مع روسيا تجنباً لعودة الحرب الباردة وسباق التسلح، فأعرب عن قناعته بأهمية التواصل مع موسكو و«المحافظة على العلاقات التي انخفضت معها إلى أدنى حد».
 لم تكن التوترات الأخيرة بين روسيا والناتو مفاجئة، فقد بدأت المواجهة قبل أسابيع، عبر خطاب حاد من موسكو يعززه الإحساس بالتهديد الغربي لروسيا. ووفقاً لباحثين غربيين فإن أصعب فصول المواجهة كان الاجتماع الساخن بين الأمين العام لحلف الناتو ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي؛ حيث قاطع لافروف ستولتنبرغ، متهماً الناتو بدعم من سماهم ب «النازيين الجدد» في أوكرانيا والتخلّي عن أفغانستان، كما وصف العلاقات مع الحلف بأنه «لا طائل منها»، وشكا من أن أعضاء الناتو في الأغلب يتحدون ضد روسيا. 
 ووفقاً لمحللين سياسيين غربيين فإن سبب تناقض تصريحات أعضاء الناتو حول روسيا هو انعكاس لحالة الصراع القائم بين الاحتفاظ بالمبادئ التي تأسس عليها الناتو، وهي العداء لروسيا، وميل بعض الأعضاء من الدول الأوروبية لبناء علاقات جيدة مع روسيا والتخلي عن العداوة المطلقة معها.
 يعزّز ما تمّ ذكره التحركات في منطقة المحيط الهادي من خلال تحالف «أوكوس» الذي تقوده واشنطن كما صفقة الغواصات مع أستراليا وأزمة الصين وتايوان والمناورات الأمريكية – اليابانية، والتدخّل الروسي في القرم. كلّ ذلك يشير إلى احتمالين، الأول، هو تشكيل عالم جديد متعدد الأقطاب، والثاني تكوين عالم متصارع بأقطاب متحاربة. فالعالم لن يبقى رهن استراتيجية واشنطن؛ إذ إن تشكيل التحالفات الجديدة سيلعب دوراً فيها وصول حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، وغيرها من الأحداث التي تجري في دول تحيط بروسيا جغرافياً.
 حالياً، يتشكل معسكر الشرق بين كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وغيرها من البلدان، بينما يتشكّل معسكر الغرب بقيادة الولايات المتحدة مع بريطانيا الذي انضمت إليه أستراليا.
 لذا، من المتوقع أن يشهد معسكر الغرب تغيّرات نوعية. فالعلاقات بين روسيا والناتو فاترة جداً منذ مدة طويلة، غير أن الجانبين كانا يحتفظان حتى في أحلك الأوقات بأشكال من التعاون لإبقاء أدنى قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين، ومع ذلك أعلن الحلف العسكري الغربي طرد جزء كبير من مندوبي روسيا لديه، على الرغم من أن العلاقات بين الجهتين تأسست قبل عقدين من الزمن للمساعدة في تعزيز الحوار والتعاون في المجالات الأمنية المشتركة بينهما.
 بالتأكيد ستترك الأزمة الأخيرة بين روسيا والناتو نتائجها السلبية ليس على طرفيها فحسب؛ بل على العلاقات بينهما وبين الدول الأخرى المعنية بهذا الصراع الدائر.