Menu

منظمةُ التحريرِ الفلسطينيّة: ما بينَ وهجِ البداياتِ ومآلاتِ الغدر

ابو علي حسن

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

     حين تأسّست (م.ت.ف) في مؤتمرِ القمّةِ العربي الثاني عامَ 1964، كانت الفكرةُ قد تبلورت على وقع الجدل والإرهاصات السياسيّة في المؤتمر الفلسطيني العربي في القدس ، لكنّها تجسّدت فكرةً وإطارًا ووسيلةً، في مؤتمر القمّة العربي، في الوقت الذي كان الحلمُ الفلسطينيُّ بالعودةِ والتحريرِ يعتمل في عقولِ الشعب العربي وقلوبهم وصدورهم؛ في نومهم ويقظتهم على مدار الساعة.. فلم يكن كافيًا مُضيُّ أكثر من ستةَ عشرَ عامًا على ضياع أرضهم؛ فلسطين، لأنْ تضعَ علامةَ استفهامٍ لدى أيّ فلسطينيٍّ على واقعيّةِ العودة والتحرير، كما لم تكن تلك السنواتُ إلا مسيرةَ غضبٍ وتململٍ وتحضيرٍ واضطرابٍ سياسيٍّ وطني، تؤسّسُ لفعلٍ وطنيٍّ سياسيٍّ وكفاحيٍّ يخرج الشعبُ الفلسطينيُّ من حالة الشتات والذلّ والهوان.

     من هنا فقد رحّب الشعبُ الفلسطينيُّ بتأسيس (م.ت.ف) في مؤتمر القمّة العربي، باعتبارها وسيلةً وإطارًا لتجميع الفعل الفلسطيني المقاوم، وتنظيمِ الجهد الفلسطيني على طريق استعادة الأرض.. فأصبح للمنظمة ميثاقٌ قوميٌّ، وجيشٌ وطنيٌّ، ومؤسساتٌ سياسيّةٌ واجتماعيّةٌ، ونشيدٌ وعلمٌ وطنيّان.

    ولما أراد الحكامُ العربُ أو بعضُهم أن تبقى (م.ت.ف) إطارًا فارغًا من أيّ محتوى تحرّريٍّ وكيانيٍّ وكفاحي، كانت ردةُ الفعلِ السياسيّة والشعبيّة الفلسطينيّة تأخذ مناحي مختلفة؛ فالشقيري عمل على دفع (م.ت.ف) إلى مواقع التأسيس للمواجهة، ورفع لواء التحرير، وإبراز الشخصيّة الفلسطينيّة، واتّجاهاتٍ أخرى قوميّةٍ ودينيّةٍ أخذت في بناءِ إطاراتٍ سياسيّةٍ كفاحيّةٍ وتأسيسها، تتجاوز منظّمة التحرير الفلسطينيّة.

     على أنّ هزيمةَ حزيران عامَ 1967، قد سرّعت في كسر القيود التي كبّلت الشعبَ الفلسطينيَّ على مدار تسعةَ عشرَ عامًا، فأخذ الشعبُ الفلسطينيُّ بقياداته المتعاقبة، وفصائله الوطنيّة في تحويل (م.ت.ف) من ديكورٍ عربيٍّ ملازمٍ لخطاباتٍ وشعاراتٍ عربيّةٍ رسميّةٍ إلى إطارٍ وكيانٍ سياسيٍّ وكفاحيٍّ يعملُ على تحشيد كلّ طاقات الشعب الفلسطيني؛ لخوض معركة التحرير عبرَ حرب التحرير الشعبيّة.

    وتحوّل الميثاقُ القوميُّ إلى ميثاقٍ وطني، تجسّدت فيه هويةُ الشعب الفلسطيني، وارتباطه بأمّته العربيّة في إشارةٍ واضحةٍ على صعود الهُويّة الوطنيّة وطلائعيّة الشعب الفلسطيني في المعركة مع الغزوة الصهيونيّة. ولأولّ مرّةٍ، يأخذُ الشعبُ الفلسطينيُّ قضيّتَهُ بيدِهِ ويصنعُ ثورتَهُ المعاصرة، ويوحّد قواها وفصائلَها تحت مظلّة (م.ت.ف) في وقتٍ كان الواقعُ العربيُّ يغرقُ في ظلامٍ دامسٍ بعد هزيمة عام 67.. وسطع العملُ الفدائيُّ داخل الوطن وخارجه، وبرزت الفصائلُ والقوى المقاتلةُ في زخمٍ كفاحيٍّ أنار ليلَ الأمّة، وأبعد عنها شبحَ الانكسار السياسي بعد الانكسار العسكري، انطوت القوى كافّةً في إطار (م.ت.ف) التي جسّدت طموحاتِ الشعب الفلسطيني من تمثيلٍ شرعيٍّ، وأداةِ تحريرٍ وإطارِ تجميعٍ وتنظيمٍ وتفعيلِ النضال الكفاحي، إلى توحيد الموقف والرؤية والأهداف، والشعارات الوطنيّة والتكتيكيّة، وتوحّدت آمالُ الشعب الفلسطيني في كيانٍ سياسيٍّ وكفاحيٍّ؛ غدا يشكّلُ عنفوانَ الأمّة العربيّة إلى الحدّ الذي غدا فيه كلُّ الحكام العرب، وأنظمتهم يخطبون ودَّ (م.ت.ف).

  وفي ثورةٍ وطنيّةٍ وقوميّةٍ حقيقيّةٍ ينخرط الآلاف من أبناء الأمّة العربيّة المتطوعين للعمل الفدائي وتغدو (م.ت.ف) قبلةَ الملايين من الشعب العربي المساند للشعب للفلسطيني، بل أضحت تمثّل شمسًا للحريّة لكلّ الأحرار في العالم من اليسار إلى اليمين، وفي مشهدٍ نادرٍ واستثنائيٍّ؛ حظيت الثورةُ الفلسطينيّةُ بقيادة (م.ت.ف) بتعاطفٍ والتفافٍ، وبسياجٍ إقليميٍّ ودوليٍّ قلَّ نظيرُهُ على المستوى الشعبي والرسمي والإعلامي، وتطوّع الآلاف من المناصرين الأجانب في صفوفها، وخلقت وضعًا دوليًّا مغايرًا، بل أصبحت رقمًا صعبًا في المعادلة الدوليّة، وفي صيرورة الحرب الباردة.

ودخلت (م.ت.ف) التاريخَ العربيَّ المعاصرَ من أوسع أبوابه؛ بفعل انقلابها على الواقع العربي الساكن، وتقاطعِها مع حركة الوجدان والعقل الشعبي العربي. وفي مدى قصيرٍ انبعثت الهُويّةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّةُ كطائر الفينيق من النسيان والتراب؛ رافعةً القضيّةَ الفلسطينيّةَ إلى أعلى مستويات الاهتمام العربي والدولي في تواصلٍ وتناغمٍ مع نجاحات (م.ت.ف)؛ سياسيًّا وكفاحيًّا، وأصبح الشعبُ الفلسطينيُّ مملوءًا بذاته، ومحصّنًا بصورتهِ الكفاحيّة، وواثقًا من فكره وقوّة منطقه، ومباراته مع الآخر العربيّ والأجنبيّ، وتشكّلت الذاتُ الفلسطينيّةُ على وقع الوعي الوطني، وجدل السياسة والبعد القوميّ والوطنيّ لعمليّة الصراع، وإرهاصات الفكر السياسي اليساري منها والقومي. وغدا الشعبُ الفلسطينيُّ يملك كيانًا سياسيًّا ومعنويًّا؛ يشكّل كبرياءه وعزّته وأنفته وصورته الحقيقيّة وعنوانه الوطني. وبهذه المكانة في الذات الفلسطينيّة تحوّلت المنظّمة إلى وطنٍ وسلطة، وشخصيّةٍ اعتباريّةٍ تجسّدت فيها كلُّ أحلام الشعب الفلسطيني وتطلّعاته ومصالحه العليا.

منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة والغدرُ الرسمي العربي

   من الطبيعي أن تستشعرَ العديدُ من الأنظمةِ العربيّةِ أن خطرًا ما قد داهمها في ضوء هذه المكانة لـ (م.ت.ف) في الأوساط الشعبيّة العربيّة والتفاف الوجدان العربي حولها؛ ما خلق العديدَ من هواجس الأنظمة على مستقبل كياناتها، سيّما وأنّ التواصلَ الراديكاليّ بين (م.ت.ف) وبين الشعوب العربيّة، قد غدا يشكّلُ مخاوفَ حقيقيّةً لدى الأنظمة من صعود الراديكاليّة في بلدانها، ومن إمكانيّة جرّها إلى حربٍ وصراعاتٍ مع الكيان الصهيوني لا تقوى عليه، ولا هي مستعدةٌ لها، ولا هو على جدول اهتماماتها.       
    من هنا فقد بدأ التآمرُ على (م.ت.ف) مبكرًا سياسيًّا وعسكريًّا، وأرغمت على دفعها إلى معادلات الصراعات المحليّة والأهليّة ب الأردن في أكثر من جولةٍ كان آخرُها حربَ أيلول عامَ 1970، والأحراش عامَ 1971، حيث تمّت مطاردتُها وإخراجُها من أهمّ مواقعها الجغرافيّة، ومن بيئةٍ فلسطينيّةٍ مواتيةٍ لاستمرار الكفاح. وبالأسلوب ذاته واجهت المنظّمةُ الضغوطَ والمؤامراتِ والجولاتِ العسكريّةَ في لبنان لاستهداف وجودها العسكري والسياسي، فكانت حربُ أيار عامَ 1973 بينها وبين الجيش اللبناني، وبعدها سقوطُ مخيّم ضبية وتدميره، ثمّ إشعالُ الحرب الأهليّة في لبنان كلِّها، وسقوط مخيّم تلّ الزعتر، واستمرّ التآمرُ عليها حتّى اجتياح لبنان عامَ 1982، وخروج قوات (م.ت.ف) إلى تونس، ودولٍ عربيّةٍ أخرى، وفي الوقت الذي بدأ فيه الرحيل من لبنان على ظهور السفن الدوليّة، أطلق العنان لمبادراتٍ وضغوطٍ سياسيّةٍ ودوليّةٍ لإسقاط المنظّمة سياسيًّا بعد هزيمتها عسكريًّا، حيث أخرجت "مبادرة الأمير فهد" بطبعتها العربيّة، ولكن مضمونها كان الموقف الأمريكي المعادي لـ (م.ت.ف)... وبالوقت ذاته واجهت المنظّمةُ حصارًا إعلاميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وماليًّا، وهي على أرض الشتات في تونس وغيرها؛ لإفقادها كلَّ روافعها الشعبيّة والكادريّة، وإسقاطها في بحر التسويّات...

منظمةُ التحرير الفلسطينيّة المغدورة من أصحابها

    على مدار عمر (م.ت.ف) وهي تتعرّض للغدر من أصحابها، ومن قياداتها وبأبشع الصور، لم تكن قيادتها بمستوى المهمّة التاريخيّة للمنظّمة، ولا بمستوى المكانة الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة التي مثّلتها المنظّمة، حيث جلّ قيادات المنظّمة وأعضاء اللجنة التنفيذيّة كان اهتمامهم الأساسي، كيف يبقون باللجنة التنفيذيّة، لذلك، فإن بعضًا منهم استمرّ عقودًا باللجنة التنفيذيّة دون أدنى حدٍّ من الفاعليّة، لم يكن محتوى المنظّمة التحرّري يأخذُ حيّزًا من اهتمامات القيادة، بقدر ما كانت المسائلُ التفصيليّةُ والشكليّةُ، منها: التنظيمي والسياسي التي تأخذُ الحيّز الأكبر في مساحة الاهتمامات والأولويّات، وبقيت (م.ت.ف) تعاني من جراحها وأمراضها، وتعيش على الأمصال والمسكّنات، إلى أن جاء السقوط المدوّي للمنظّمة بإعلانها عن اتّفاق أوسلو السرّي، الذي رسّم بعد ذلك في (م.ت.ف) عبر مجلسٍ وطنيٍّ وهميٍّ ومشوّهٍ وتحت ضغوطٍ أمريكيّةٍ وغربيّة، أفقدت (م.ت.ف) كلّ محتواها التحرّري والسياسي... والرسميّون العرب لا يريدونها لا فكرةً ولا جسمًا ولا محتوى، فقد أدّت دورها كما يحلمون، حين اعترفت بالكيان وآنَ وقتُ دفنها، وتمّ تخليقُ البديل المسخ لها تحت اسم "السلطة الفلسطينيّة" التي لا تملك من أمرها شيئًا.

   أمّا الطرفُ الفلسطينيُّ يمينًا ويسارًا كان إمّا مشاركًا أو متفرّجًا أو ضعيفًا وفاقدًا للقوة التي تمنع الانهيار، فقد غدروا بالمنظّمة ومحتواها التحرّري، حيث أقدمت حركة فتح المهيمنة على المنظّمة منذ عقودٍ على فعل الخطيئة السياسيّة يوم أوسلو، ويوم إلغاء الميثاق، ولم تزل تمعن في إدارة الظهر لمحاولة إحياء المنظّمة، وتارةً تريدها جسمًا حيًّا لأغراضٍ سياسيّةٍ يجري تمريرها عبر الشرعيّة الفلسطينيّة (المجلس الوطني) وتارةً تريدها ميّتةً لقطع الطريق على أية أحلام ٍبعودتها إلى المربّع الأوّل من تأسيسها من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى تساوقًا مع المطالب الإقليميّة والدوليّة التي لا ترى ضرورةً لبقاء المنظّمة ما دام قد أصبح أوسلو هو الفيصل في العلاقة مع الاحتلال، ولم تزل المنظمة اليوم في حالة موات، لا أمل في إصلاحها، ولا أمل في إعادة تأسيسها إلا إذا فرضت المقاومةُ الفلسطينيّةُ نفسَها في الميدان.

منظّمةُ التحرير واليسارُ الفلسطيني

   أمّا اليسارُ الفلسطينيُّ المتشظّي على وقع الأزمة الفلسطينيّة، وعلى وقع التطورات الإقليمية والدولية، والمفتّت على خلفيّة نزعاته الفصائليّة والذاتيّة، والفاقد أيضًا إلى رؤيةٍ موحدةٍ تحمل قدرًا من الموضوعيّة في تفعيل الواقع الفلسطيني سياسيًّا ووطنيًّا وكفاحيًّا، فقد فشل في حماية المنظمة من اختطافها كليًّا من الفصيل المهيمن، وفي حماية محتواها التحرّري وسقوطها في بحر التسويات والارتهانات. فمن اليسار الذي أسّس ونظّر مبّكرًا للتسوية السياسيّة، إلى اليسار المرتهن لجبروت الفصيل المهيمن، إلى اليسار الذي لا يملك القوةَ الكافيةَ لمواجهة اليمين المستند إلى قوّةٍ عربيّةٍ وإقليميّةٍ ودوليّةٍ وماليّةٍ، هذا اليسارُ بمجملِهِ عجزَ عن وقف انهيار المنظَمة، فآلت إلى ما آلت إليه اليوم من بهتانٍ وضياع...

   بيدَ أنّ ضعفَ اليسار شيءٌ له أسبابُهُ الذاتيّةُ والموضوعيّةُ، وجنوحُ اليمين نحو الخلاص من إرث (م.ت.ف) شيءٌ آخر، ينطوي على انهيارٍ في الإرادة وضعفِ الإيمان بحتميّة التحرير، فآثر المساومات والتسويّات...

 منظّمةُ التحرير بِنيةٌ مأزومةٌ فكريًّا وسياسيًّا

    على الرغم من كلّ هذا الوهج الذي مثّلته (م.ت.ف) في الواقع الفلسطينيّ والعربيّ والدوليّ، وما مثّلته من ظاهرةٍ سياسيّةٍ وثوريّةٍ راديكاليّةٍ على مستوى العالم؛ بفعل ديناميات الالتفاف الشعبي حولها، واحتضانها بالأساس من قوى عربيّةٍ ودوليّة، راهنت عليها في مستقبلٍ وطنيٍّ أفضل، إلا أنّها ظاهرةٌ تحملُ في بنائها ومسارها خلَلًا بنيويًّا سياسيًّا وقياديًّا...

   إنّ الثوراتِ في الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ لا يمكن لها أن تحظى بالنصر الناجز دون أن تكونَ الثورةُ محمولةً على فكرٍ سياسيٍّ ورؤيةٍ استراتيجيّة، كون الفكرُ السياسيُّ يقدّم الرؤيةَ الاستراتيجيّة والبناء النظري والعملي لمسار الثورة وتعرجاتها، وإلا فإنّ الثورات ستسودها العفويّة والارتجال، وتتالي التجارِب الفاشلة؛ وصولًا إلى انهيار كلّ المنطلقات والشعارات التي أطلقتها الثورةُ في بداياتها، وهذا ما حصل تمامًا مع (م.ت.ف)... وعلى هذا الأساس، فإنّ محاكمة (م.ت.ف) في نشأتها ومساراتها وفصائلها، تبدأ من غياب الفكر السياسي الهادي لها في طريقها التحرّري الطويل. إنّ منظمة التحرير الفلسطينيّة حين طرحت مهمّة التحرير لم تطرح فكرًا سياسيًّا حاملًا لهذا الشعار أكثر مما حمله نصًّا الميثاقُ الوطنيُّ الفلسطيني، مما أحال شعار التحرير إلى شعارٍ شعبويٍّ عاطفيٍّ فضفاضٍ، يجري استخدامه في المهرجانات والخطابات الحماسيّة، ولم يرقَ إلى فكرٍ رؤيويٍّ عميقٍ يستند إلى روافعَ وبناءٍ نظريٍّ وسياسيٍّ وكفاحيٍّ وجماهيري؛ الأمرُ الذي أدّى إلى تآكل الميثاق الوطني الفلسطيني، واعتباره "كادوك"؛ وصولًا إلى ضرب كلّ الميثاق الوطني، وكأنّ جبل (م.ت.ف) تمخّض؛ فولد فأرًا...!

وفي هذا السياق، فإنّ (م.ت.ف) لم تشكّل جبهةً وطنيّةً حقيقيّةً بقدر ما مثّلت تجمّعًا أو مخزنًا لفصائلَ فلسطينيّةٍ، وكلّ عضو لجنةٍ تنفيذيّةٍ يعبّر ويمثّل فصيله في اللجنة التنفيذية ليس إلا، وبقيت كلّ مؤسسات (م.ت.ف) مملوكةً لفصيلٍ واحدٍ هي حركة فتح، فالصندوق القومي الفلسطيني - على سبيل المثال - ظلّ مملوكًا لفصيلٍ واحدٍ ويتحكّم في نفقاته رئيسُ (م.ت.ف) دون أية موازناتٍ أو لوائحَ ماليّةٍ ورقابيّة، ولا زال على هذا الحال حتى يومِنا هذا، وعليه... فالفصائلُ الفلسطينيّة لم تتنازل عن كينونتها المستقلّة لا سياسيًّا أو كفاحيًّا أو تنظيميًّا، إنّما تمثّلت اسميًّا في اللجنة التنفيذيّة دون أن يكون لها المشاركةُ في القرار... وفي السياق أيضًا... فإنّ (م.ت.ف) لم تبنِ جيشًا موحّدًا ذا عقيدةٍ وطنيّةٍ كفاحيّةٍ مقاتلةٍ ومهنيّة، حيث بقيَ كلُّ فصيلٍ فلسطينيٍّ يحتفظ بجسمه العسكري الخاص و مقاتليه، وكلٌّ في مواقعَ مختلفةٍ تابعةٍ لفصيلة، كجيش التحرير الفلسطيني الذي تأسّس عامَ 1964 إبانَ نشأة (م.ت.ف) ظلّ منفصلًا عن بِنية المنظّمة، وكأنّه فصيلٌ آخر، وجرى العملُ أحيانًا على تذويبه وتحويله إلى ميليشيا خاصةٍ للفصيل الأكبر، ولم يحظَ بالأهميّة التي أعطيت لمقاتلي الفصيل المهيمن فتح، واليوم لا نرى أيَّ وجودٍ لجيش التحرير الفلسطيني، ما عدا وجوده في سوريا، الذي لا يخضع إلى (م.ت.ف) في أيِّ مرجعٍ سياسيٍّ أو ماليٍّ أو تنظيمي، إنّما الدولةُ السوريّةُ وحدَها التي تشرفُ على هذا الجيش، في حين نرى بديلًا له لدى السلطةِ الفلسطينيّةِ فيما يسمّى بقوّات الأمن الوطني، والمخابرات العامة، والأمن الوقائي، والدفاع المدني والشرطة، وسقط مفهوم جيش التحرير الفلسطيني الذي أسّسه الراحل أحمد الشقيري.

منظّمة التحرير الفلسطينيّة والكفاح المسلّح

إنّ سرد أحداث التاريخ ظاهرةٌ ما، لا يكفي الحكم على هذه الظاهرة، إن كانت تجربتها صحيحةً وخاليةً من النواقص أم لا... فالأمرُ يحتاج إلى فكرٍ تاريخيٍّ؛ كي يحاكم التجرِبة لا أن يسرد أحداثها، واليوم كلّ ما نملكه عن (م.ت.ف) أو عشناه هي مادّةٌ تاريخيّةٌ بيد الأجيال الجديدة، فيها الصواب وفيها الخطأ، وهذه المادّةُ التاريخيّةُ تحتاج إلى فكرٍ تاريخيٍّ وموقفٍ عقلانيٍّ من المادة التاريخيّة لـ (م.ت.ف) وإخضاع تجربتها إلى النقد الموضوعي والعقلاني؛ لإلقاء الضوء على صوابيّة التجربِة أو أخطائها، وذلك لاستلهام الدروس، ولعلّ عنوانَ الكفاح المسلّح، وعمليّات المقاومة الفلسطينيّة ضدّ الكيان الصهيوني يحتاج أكثر من غيره إلى إعادة قراءة التجرِبة بملكة النقد الحيادي والنزاهة الفكريّة التي لا تنتقصّ من دور (م.ت.ف) أو يبهّت دورها في الكفاح المسلّح... إن مثالب هذا العنوان كبيرة، فعلى الرغم من أن (م.ت.ف) حازت على إجماع الشعب الفلسطيني واستقطبت الآلاف من شعبنا في جهازها المقاتل، وكان يمكن استثمار هذا الالتفاف والحماس والاندفاع الشعبي في الكفاح المسلّح، إلا أن قصور المنظّمة في هذا المجال كان واضحًا في جوانبَ عدّة، فالواقعُ كان يقول: لم يكن لـ (م.ت.ف) جهازٌ مقاتلٌ واحدٌ ومركزي، إنّما كانت هناك أجهزةٌ قتاليّةٌ لفصائلَ متعدّدةٍ، منفصلةٍ عن بعضها تمامًا في خططها ومواقعها وتسليحها، وقلّ ما كان يوجد بينها تنسيقًا على مستوى الرؤية أو القتال والعمليّات، حيث غابت استراتيجيّةُ القتال المنظّم، وحلّت محلّها سياسةُ المنافسة في "عمليّات القشرة" على الحدود مع الكيان وعمّت فوضى السلاح في الجنوب اللبناني، وطغى المظهر المسلّح على الفعل المسلّح، ما أثّر على طريقة المواجهة مع قوّات الاحتلال في أكثر من موقعة لجهة فوضى المواجهة أو الانسحاب غير المنظّم، ولعلّ تجرِبة الغزو الصهيوني عام 1982وقبلها عام 1978، خيرُ مثالٍ على طبيعة المواجهة، وكيف تم إدارتها، ولماذا وصلت قوّات العدو خلالَ أيام إلى ضواحي بيروت، ولم تواجه كما يجب في الجنوب اللبناني، ولماذا كانت الانسحاباتُ للفصائل وعلى رأسها الفصيل الأوّل، من الجنوب تحت مبرّرات لا يمكن قبولها تحت أيّ اعتبارٍ سوى أنّ فوضى السلاح، وفوضى التنظيم، وغياب رؤيةٍ واضحةٍ للمواجهة كانت هي المبرّر الوحيد لهذا الانهيار في الجنوب، ومن الخطيئة نكران بعض المعارك هنا أو هناك وعلى مشارف بيروت التي أبلى فيها المقاتلون بلاءً حسنًا، ولا يمكن نكران الشجاعة والإقدام التي تحلّى بها بعض القيادات والمقاتلين، لكنّ الأمر يتعدّى المعارك الفرديّة إلى خطّة المواجهة وغيابها، ليس فقط في الجنوب الذي تعرف تضاريسه الفصائلُ كافةً، إنّما - أيضًا - معركة بيروت، فمن حقّ (م.ت.ف) أن تفتخر بصمودها وقتالها، ولكن السؤال الأكبر (هل كان بالإمكان أن تكون معركةُ بيروت مقبرةً للاحتلال، وفرصةً تاريخيّةً لهزيمته بين شوارعِ بيروت وأزقّتها، وتكبيده أكبر الخسائر في جنوده وقواته...؟؟).

    إنّ أيّ تبريرٍ يستندُ إلى أنّ الحركةَ الوطنيّةَ اللبنانيّةَ قد طلبت من المقاومة الانسحاب وهذا ثابتٌ، لا يمكن أن يشكّل سببًا كافيًا لإخلاء بيروت من المقاتلين وترك الباب مفتوحًا للقوّات الغازية للدخول إلى كل مناطق بيروت، كانت المقاومةُ لأجل أن تقوم بعمليّةٍ على الحدود مع الاحتلال تحتاج إلى تجاوزٍ أكثرَ من عقبةٍ حتى تنجحَ العمليّة العسكريّة، بيدَ أن العدوَ أصبح بين ظهرانينا، وليس بيننا وبينه أيّة حواجزَ أمنيّةٍ أو سياسيّةٍ أو عسكريّة. إنّ المنطق والرؤية كانا يفترضان الصمود وتوحيد خطّة المواجهة، وإثبات جدارة الدفاع عن بيروت التي يغزوها الاحتلال بسبب (م.ت.ف) الموجودة فيها.

    إنّ الانسحاب من بيروت شكّل المقدّمة الموضوعيّة لسياسة التنازلات والتسويات وفقدان الإدارة وضعف الإيمان باستمرار الثورة، لم يكن مطلوبًا الانتحارُ بقدر ما كان مطلوبًا الصمودُ وعدم ترك بيروت، والاحتلال لم يصمد طويلًا في بيروت من ضربات المقاومة اللبنانيّة المحدودة، فماذا لو كانت القوّاتُ الفلسطينيّةُ موجودةً بزخمها وسلاحها وتحالفاتها وقيادتها...؟

    إنّ الحديث عن ميزان قوى يفرض نفسَهُ في المواجهة لا يكفي لتبرير الانسحاب أو غياب الرؤية؛ فالصمودُ - أيضًا - هو أحدُ مكوّنات ميزان القوى، والرؤيةُ الواضحةُ – أيضًا - هي أحدُ أهمّ تجليّات ميزان القوى العلمي والإبداعي في المواجهة... في ضوء كلّ ذلك، تبقى الأسئلةُ القلقةُ والقائمةُ (هل السلطةُ الفلسطينيّةُ بديلٌ لمنظمة التحرير الفلسطينيّة...؟؟ وهل يمكن إحياءُ منظّمةِ التحرير الفلسطينيّة...؟؟)