Menu

منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة: عودٌ على بَدْءٍ أم ماذا؟

لبيب قمحاوي

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

الحديثُ في قضايا منظّمة التحرير الفلسطينيّة وعنها أمرٌ أصبح مُستهلكًا؛ نظرًا للاهتمام العام السابق بالمنظّمة وما آلت إليه الأمورُ على الساحة الفلسطينيّة، خصوصًا، بعد الخروج من لبنان وما تبع ذلك لاحقًا من توقيع اتّفاقات أوسلو.

كانت منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة كبشَ الفداء لنوايا القيادة الفلسطينيّة وأخطاء سياساتها، التي استعملت المنظّمةَ للوصول إلى أهدافها في أوسلو، ولم تتردّد بعد ذلك في التضحية بها على مذبح السلطةِ الفلسطينيّة كبديلٍ عن منظّمة التحرير، والحكم الذاتي كبديلٍ عن التحرير.

إنّ فشل السلطة الفلسطينيّة في تحقيق أيّ إنجازٍ وسقوطَها الملحوظَ عقب حربِ غزّةَ الرابعة، والمطالبة الشعبيّة بإسقاطها نتيجةً لذلك؛ قد دفع البعض إلى إعادة فتح ملف منظّمة التحرير الفلسطينيّة، والمطالبة بإعادة إحيائها بديلًا عن السلطةِ الفلسطينيّة، وإطارًا جامعًا للعمل الفلسطيني مجدّدًا في حقبة ما بعد إسقاط السلطة الفلسطينيّة.

منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة، ومنذ نشأتها، كانت تشكّل بالنسبة للفلسطينيّين هدفَ التحرير، كما كانت تجسّد مفهومَ الدولة الفلسطينيّة الغائبة، التي يسعى جميع الفلسطينيّين إلى رؤيتها تتجسّد على أرض فلسطين. لقد أدَّت اتّفاقات أوسلو إلى استبدال حقائق القضيّة الفلسطينيّة ووقائعها بوهم الدولة. وهكذا، فإنّ استبدال الحقيقة بالوهم أدّى إلى ما يعانيه الفلسطينيون الآن في بحثهم المضني عن قضيّتهم من جهةٍ، وعن دولتهم من جهةٍ أخرى، فلا هذا عاد موجودًا بمفهومه التقليدي ولا ذاك. يعكس هذا النمطُ من التفكير سذاجةً واضحةً لدى البعض، وافتقارًا إلى الرؤية السليمة؛ لأنّ منظّمة التحرير الفلسطينيّة كانت نتاجَ حقبةٍ مضت، وانتهت بما لها وما عليها، وتمّ تفكيكُ مؤسّساتِها أو إضعافُها ودمجُها عمليًّا ضمنَ إطارِ السلطة الفلسطينيّة.

إنّ المطالبةَ بإحياء منظّمة التحرير الفلسطينيّة محاولةٌ يائسةٌ للتشبّث بالماضي المُشَرِّف وبحقبة النضال الفلسطيني، في وقتٍ تغيّرت فيه الظروفُ والمعطياتُ الفلسطينيّةُ والعربيّة، وكذلك طبيعةُ القضيّةِ الفلسطينيّة وواقع العلاقة بين أطراف الصراع، وهم بشكلٍ أساسيٍّ الفلسطينيّون والإسرائيليّون والعرب، بشكلٍ لم يعد يسمح باللجوء إلى خيارٍ مثل خيارِ منظّمة التحرير الفلسطينيّة ونهجها المعلن في الكفاح المسلّح، بعد أن تنازل العربُ علنًا عن هذا النهج، وقبلوا بتصنيفهِ ضمنَ لائحةِ الإرهاب.

البحثُ عن مخرجٍ للأزمة لا يأتي من خلال التعلّق بحبالِ الهواء، مثل: المطالبة بالعودة إلى أيام منظّمة التحرير الفلسطينيّة وعهدها، بل يأتي من خلال إعادة تأكيد الالتزام بمبادئ الميثاق القومي الفلسطيني، الذي قامت منظّمةُ التحرير على أساسه، وهذا قد يشكّل بحدِّ ذاتِهِ المدخلَ الصحيحَ والضمانةَ لأيّ محاولةٍ لخلقِ بديلٍ للسلطة الفلسطينّة، أو للتقدّم بمسارٍ بديلٍ عن مسارِ أوسلو وفلسفتها.  

السلطةُ الفلسطينيّة قامت نتيجةً لاتّفاقات أوسلو كبديلٍ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وكترجمةٍ لفلسفةِ أوسلو، حيث تمّ استبدالُ هدف التحرير بالحكم الذاتي تحت الاحتلال، وتم استبدال الدولة بسلطةٍ تابعةٍ للاحتلال تعكس وهمَ الدولة بديلًا عن الدولة، وتمّ العبثُ بالميثاق القومي الفلسطيني، وتمّ تحويلُهُ إلى الميثاق الوطني الفلسطيني، ومن ثَمَّ تمّ العبثُ به وتجريدُهُ من مفاصلِهِ الأساسيّة، وتمّ تجنيدُ المؤسّساتِ الوطنيّة الفلسطينيّة لصالح فلسفة السلام القائم على الاستجداء، والمستند إلى هدف الحكم الذاتي عوضًا عن التحرير والاستقلال الناجز.

تشهدُ الحقبةُ الحاليّةُ والمقبلةُ واقعًا جديدًا متفاقمًا للفلسطينيّين يستندُ إلى الاستيطان الشرس والقوانين العنصريّة المرافقة له، بحيث يتمّ التعاملُ مع الفلسطينيّين تحت الاحتلال؛ باعتبارهم أدنى درجةٍ من اليهود حتى ولو كان بعضُ أولئك الفلسطينيّين يحملون صفةَ المواطنة، وهذا يرفع من درجة التحدّيات التي يجابهها الفلسطينيّون، التي تضيفُ إلى درجات الاحتلال المختلفة واقعَ التمييزِ العنصري المستندِ إلى القانون، وإلى يهوديّةِ الدولة.

إذن، فإسرائيلُ ليست دولةَ احتلالٍ فقط، بل هي دولةٌ عنصريّةٌ باعتبارها دولةً لليهودِ فقط، وليس لمواطنيها مهما كانوا، وهذا الواقعُ يتطلّب التعاملَ مع دولةِ الاحتلال على أنْ يتمّ التحرير، باعتبارها أيضًا دولةً عنصريّةً لا يمكن أن تتّسع لكلّ مواطنيها، ما يعني أنّ السلامَ هو شعارٌ غيرُ قابلٍ للتنفيذ في ظلِّ منظومةٍ من القوانين العنصريّة، وكذلك الممارسات العنصريّة التي تتجاوز ممارسات الاحتلال الدمويّة والجائرة إلى ممارسات التمييز العنصري، التي تمسّ كلّ وجهٍ من أوجه الحياة.

الصعوباتُ أمامَ الفلسطينيّين في ازديادٍ؛ في حين أنّ الإمكاناتِ المتاحةَ في تناقص، والفلسطينيّون أمامَ خياراتٍ مفروضةٍ كونها محكومةً للظروفِ المحيطةِ بقضيّتهم وبواقعهم كشعبٍ تحت الاحتلال، أكثرَ من كونهم أمامَ خياراتٍ مفتوحةٍ تسعى الى تحقيق آمالهم وطموحاتهم أو حتى جزءًا منها، والعودةُ إلى الماضي من خلال منظّمة التحرير الفلسطينيّة يجب ألّا تشكّل ضمنَ المعطياتِ السائدةِ هدفًا أمامَ الفلسطينيّين للمرحلةِ المقبلة.