Menu

أين اختفت منظّمةُ التحريرِ الفلسطينيّة: هل هذا هو السؤال؟

أحمد مصطفى جابر

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

منذ تأسّست منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة، مرّت بمراحلَ عديدةٍ، كأيّ كيانٍ سياسيٍّ أو اجتماعي، ما بين صعودٍ وهبوط، وانقضاءِ الغاية ونفاذِ الدور، حيث يصلُ كلُّ كيانٍ في مرحلةٍ من مراحلِ حياتِهِ التاريخيّة إلى نقطةِ تحوّلٍ استراتيجيّة، تحسم ضرورة تغيير طرائقه أو تجاوزه بسبب نجاحه في تحقيق أهدافه الاستراتيجيّة التي وجد من أجلها، أو فشله وانتهاء دوره التاريخي، أو استنفاذ قدرته على التمثيل التاريخي للقضيّة التي يحملها، وهذا سيطبق على كلّ الكيانات والأحزاب والهيئات التي تحمل على عاتقها النهوضَ بمهماتٍ لها طابعٌ تاريخيٌّ عظيم، كما هو حالُ القضيّة الفلسطينيّة.

يجدر التنبيهُ أن هذا المقال لا يعنى بالصراع الفصائلي للاستحواذ على منظّمة التحرير أو تدميرها، بل يعنى بهذا الكيان ومصيره بالذات في ظرفه الموضوعي والذاتي في الحال الذي وصلت إليه منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وهو لا يخفى على أيّ فلسطيني أو مراقبٍ خارجي؛ من تهميشٍ أو توظيفٍ أو تنازع، أو إنكارٍ وعدمِ اعتراف.

لا بدَّ أن ننظر إلى عددٍ من العوامل التي قادت هذه الفوضى العامة في تقييم وجود أو نفي منظمة التحرير الفلسطينيّة ووصفها وتبريرها، وهذا الإدراك لواقع المنظّمة الآن، لا يحتمل الصراع بين الأبيض والأسود، بين إنكارها وإعلان موتها النهائي وبين تأكيد أهمّيتها ومشروعيّتها، ووحدانيّة تمثيلها لعموم الشعب، فالمنظّمة التي وضعت نفسها بدايةً في موضع التمثيل الوحيد للشعب الفلسطيني، إنّما خسرت وحدانيّة التمثيل لأسبابٍ مضاعفة، ذاتيّة وموضوعيّة؛ لأنّها بالأساس فشلت في أن تصبح ممثّلًا جماعيًّا متّفقًا عليه لجميع الفصائل التي انضوت في إطارها، وكان مبدأ التوافق السلبي، والحدّ الأدنى البرنامجي هو السائد لمصلحة الفريق الأكبر حجمًا ومالًا وعسكرة، وحلفاء، ممّا أبعد المنظّمة تمامًا عن أن تكون ممّثلًا صالحًا لكليّة الشعب الفلسطيني، وعموم ممثّليه السياسيّين والاجتماعيّين، وعليه، فإنّنا نلحظ أنّ الكلام حول منظّمة التحرير يحتمل ويتأتى من حالاتٍ ثلاث:

الأولى: أن الأدوات التي استخدمها هذا الكيان (م.ت.ف) وطرائقه، نفذت ما عليها ودورها بكفاءة، فاستنفذت هذا الدور منذ اتفاقيات أوسلو وإعلان السلطة الفلسطينيّة، ولم يبق لها ما تفعله، رغم أنّ الحاجة إليها كإطارٍ جامعٍ شكلي لم تلغَ، فكان لا بد من ابتداع طرائقَ جديدةٍ وأساليبَ تحكم جديده.

سيجد القارئُ أنّ هذا الافتراض سيكون قاصرًا في حالة منظّمة التحرير الفلسطينيّة، كون هذه المنظّمة لم تأتِ للتصدّي لغرضٍ مرحلي، يعقبها فيه أداةٌ أخرى، فقد قامت على افتراض أنّها من سيحقق الأهداف التاريخيّة للشعب الفلسطيني في العودة والتحرير وإقامة الدولة، ثمّ لا يمكن اعتبار أنّها نفذت ما عليها وأدّت دورها بكفاءة.

الحالة الثانية أنّها (الأدوات) فشلت في تحقيق أهدافها؛ فكان لا بدّ من ابتداع وسائلَ أخرى تحقّق هذه الأهداف، في الواقع.. تقوم فكرةُ منظّمة التحرير على أنّها إطارٌ جامعٌ أكثرُ من مجرّد أداة، وترتكز على احتكار التمثيل ومن ثَمّ رفض أيّ ادّعاءاتٍ بالفشل؛ وصولًا إلى تخوين من يرفض هذه الوحدانيّة التمثيليّة واعتباره مارقًا ومنحرفًا يخدم هدف العدو، لذا، فإنّ الاستغناء عنها كأداةٍ – جدلًا - في هذا السياق يتطلّب منها الاعتراف بفشلها، وإعلان حلّ نفسها وهذا ما لم يحدث، بل على العكس، نجد تمسّكًا بها وثباتًا على التلطّي تحت رايتها كلما ضعفت واهتزّت شرعيّتها كون البديل الذي انبثق لم يتمكّن من ملءِ فراغِها ولو بالحدّ الأدنى.

الحالةُ الثالثةُ أنّ تغييراتٍ جذريّةً في الظرف الخارجي والداخلي العام تفرضُ على الكيان المعني أن يغيّر طرائقه، أو يتخلّى عن دوره، وفي الواقع فإنّ التغيرات الاستراتيجيّة في واقع القضيّة الفلسطينيّة أدّت على العكس من هذا تمامًا إلى استلاب قرار منظّمة التحرير – بافتراض وجود هذا القرار أصلًا - وتنحيتها من مجال الفعل، فلا هي مخولةٌ ولا قادرةٌ ولا مسموحٌ لها بالحديث عن تغيير الطرائق، ناهيك عن عجزها التام حتى عن إعلان موتها أو إنهاء دورها.

طبعًا من العسف محاولة الفصل الميكانيكي بين الحالات الثلاث؛ لأنّها قد تجتمع معًا لتؤدي وظيفةً مطلوبةً كما في حالة منظّمة التحرير التي تعدّ حالةً نموذجيّةً بخصوصيّةٍ معيّنة، حيث لايمكن رؤية التحوّلات التي أصابتها دون النظر إلى عناصر تكوينها، في ضعفها وقوتها، واهترائها، يصبح مصيرَ المنظّمة مرتبطًا بمصائر هذه المكونات، والعكسُ صحيحٌ، أيضًا.

فواتُ الزمن: استنفاذُ الدور التاريخي

يمكن الاستنادُ في تحليل الغياب أو سؤال الغياب لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة إلى حقيقة استنفاذ المهمّة التاريخيّة بمعنى أنّها حقّقت أهدافها جميعًا في التحرير والعودة، وادّعاء أنّ زمن الثورة الذي هو زمنُ منظّمة التحرير قد انتهى وجاء زمنُ الدولة أو السلطة الفلسطينيّة، ولكن التاريخ يقول: إنّها فشلت فشلًا ذريعًا، فلا هي حررت أرضًا ولا أعادت لاجئًا، وما حدث في العقد الأخير من القرن المنصرم بعد أوسلو كان في الواقع خيانةً للمنظّمة وأهدافها، وليس في تحقيق هذه الأهداف. واستنفاذ الدور التاريخي يعني أن هذا الإطار لم يعد صالحًا، وأن عناصرَ تكوينه التاريخيّة أصبحت غيرَ قادرةٍ على الاستجابة لمتطلبات المرحلة المستقبليّة وتعقيدات الحاضر، ولعلّ جزءًا من تهميشها هو هذا بالذات: عناصرُها الداخليّة أكثرُ من المحيطة بها؛ فبحكم تكوينها المتناقض فشلت منظّمةُ التحرير في التحوّل إلى جبهةٍ وطنيّةٍ موحّدة، ولعلّ هذا يعود إلى افتقارها إلى عاملين أو عنصرين مهمّين، فالتنوّع فيها كان يفترض ديمقراطيّةً بمعنى من المعاني، ولكن ديمقراطيّتها كانت هشّةً وساخرةً إلى أبعد الحدود. إنّ غابةَ البنادق لا يمكن أن تنتج أيّ ديمقراطيّةٍ إلا بمقاس الطرف الذي يملك رصاصًا أكثر، وبنادق أكثر. وهذا يحيل إلى نوعٍ من الديكتاتوريّة التي لا تكتفي بأن تكذب لتتجمّل، بل هي تواصل التجمّل للتمكّن من مواصلة الكذب، وفي غياب الديمقراطيّة فشلت أيضًا في الوقوف على أرضيّةٍ أيديولوجيّةٍ صلبة، بل امتنعت عن الأيدلوجيّا فتحوّلت هشاشتها إلى مدخلٍ للفوضى والاستسلام ناهيك عن الخيانة. هذا الفشل المزدوج، انعكس أيضًا على مكوناتها من أحزابٍ وقوى، فشلت في الدمقرطة، وخانت أيدلوجيتها في آنٍ معًا، فأصبحت رخوةً رجراجةً لاتستطيع التصدّي للتحدّيات الكبرى التي تواجهها.

لقد جرى التفريطُ بالإيديولوجيا لمصلحة برنامج الحد الأدنى، وجرى التفريط بالديمقراطيّة لمصلحة الوحدة الوطنيّة التي لم تتحقّق أبدًا.

النوستالجيا العاطفيّة: دع الموتى يستريحون

علينا أن نتمسّك بها؛ لأنّ العدو يكرهها، ولو لم تكن مهمةً لما كان منها موقفُ العدو، لكن هذا ليس صحيحًا تمامًا. إنّ العدو يستجيب للنوستالجيا العاطفيّة مثلنا تمامًا، وإذا كانت منظّمة التحرير قد ماتت؛ فإنّ استحضار روحها القديمة لن يجدي أبدًا، وكلّ ما علينا فعله أن نتركها تمضي بسلام، ونسمح للجديد بالصعود والنمو والنضج ليأخذ مكانته الطبيعيّة في التاريخ.

ما معنى هذا:

ماتت منظّمة التحرير أم لم تمت، هذا ليس مهمًّا؛ بإمكانك أن تطلق على أيّ كيانٍ أي تسميةً تريد، ولكن ما يحدّد ماهيّته هي أفعاله وسلوكاته والطرائق التي يمضي بها نحو تحقيق أهدافه، لست معنيًّا كثيرًا بإعلان موت وحياة هذا المنظّمة، ولكن ما يعنينا حقًّا هو أن نسأل الأسئلة التي يجب الإجابة عنها حول التمثيل، والشرعيّة والاحتكار، والتنازع السلطوي والاستحواذ على المنظّمة، ومدى علاقة الشعب الفلسطيني كلّه بهذه الأسئلة، وليس فقط الأطراف المتنازعة؛ فهل منظّمة التحرير ما زالت تمثّلنا نحن الفلسطينّيين فعلًا، أم أنّها تنتحل هذا التمثيل؟ هل تعمل على أولوياتنا وتجعل منها برنامجَ عملٍ أم أنها تحتكر إنتاج "أولوياتنا" وتصادرُ حقّنا في تحديدها؟ هل تُحرّرنا من البؤس والتشرّد والضعف أم أنّها "تُحررنا" من القدرة على إنتاج أدوات قدرتنا وقوّتنا وتمنعنا من ثَمَّ من تطوير أنفسنا بما يتيح لنا تطوير كيانٍ جديدٍ على أنقاضها؟

ربّما أنّ الكلام السابق فيهِ شيءٌ من المبالغة حول قدرة منظّمة التحرير وسلطويتها، ولكن ما راكمته هذه المنظّمة على مدى خمسين عامًا من التمثيل المنفرد يتيح مثل هذا الاستنتاج، فلا يوجد تعظيمٌ للقوّة بقدر ما هو قراءةٌ لقوّةٍ متراكمةٍ نشهد سطوتها في كلّ نواحي الحياة السياسيّة الفلسطينيّة.

الأمرُ الآخر، لا يقصد بناء كيانٍ جديدٍ على أنقاض القديم، والتخلّص والتبرؤ من منظمة التحرير وهدمها، فهذا أمرٌ عصي، ذاتيًّا وموضوعيًّا، وإنّما القصد في ذاك السؤال البلاغي أكثر منه أداتي، البحث في إمكانيّة خروجٍ جديدٍ من رحم معاناة، وانتهى دور القديم، دونَ غبنٍ ودون مزاوداتٍ فارغة، لم تؤمّن شعبنا من خوفٍ ولم تسكن جوعه.

النقطةُ الأخيرةُ؛ أنّ على الأحزاب الفلسطينيّة والحركات والفصائل؛ فلتسمي نفسها بما شاءت، أن تعلمَ أن الصراعَ على موت منظّمة التحرير وحياتها، وتمثيلها وشرعيتها، لا يخصّ هذه الأحزاب إلا بقدر ما تكون ممثلةً فعلًا لعموم الشعب الذي هو، كأفراد، عضو في منظّمة التحرير الفلسطينيّة بقوّة ميثاقها، ولكنّه عضو لا وزنَ له في الصراعِ على القلعةِ الآيلةِ للسقوط.