توفي الأديب الجزائري كاتب ياسين بتاريخ 28أكتوبر من عام 1988 بمستشفى مدينة غرونوبل الفرنسية بعد معاناة طويلة من مرض سرطان الدم. وكاتب ياسين لمن لا يعرفه يعد أشهر كتاب الجزائر على المستوى المحلي والعالمي. بدأ مساره الأدبي شاعرا فروائيا ومسرحيا باللغة الفرنسية، ثم ما لبث أن تحول في سبعينيات القرن الماضي إلى ممارسة المسرح باللغة العربية الدارجة، معتمدا الطريقة الجماعية في التأليف والاخراج.
وما يلفت الانتباه أن المرحلة الثانية من مسار كاتب ياسين الأدبي تتعرض إلى محاولة طمس وتغطية ممنهجة من خلال تفرد "لغة الذئب" على حد تعبير كاتب ياسين أي اللغة الفرنسية بنشر آثاره بما في ذلك مسرحياته المؤلفة أصلا بالعربية الدارجة. وهكذا سارعت فرنسا بمنحه سنة 1987 الجائزة الكبرى للآداب الفرنسية عن عمله "الأثر المجزأ" تشجيعا له للعودة للكتابة باللغة الفرنسية. ولا نعتقد أن نشر أعماله المسرحية سنة 1999 بعنوان "جزارة الأمل" الذي تولته طليقته زبيدة شرقي يخرج عن هذا المسعى.
إن شهرة كاتب ياسين العالمية حقيقة مؤكدة، فقد ترجم إلى أكثر من عشرين لغة من بينها اللغة العربية، وآخر اللغات التي ترجمت إليها روايته الرائعة "نجمة"Nedjma هي اللغة العبرية، بالرغم من علم الإسرائيليين بتأليفه لواحدة من أهم مسرحياته عن كفاح الشعب الفلسطيني أعطاها عنوان " فلسطين مغدورة". وقد قدمت أعماله المسرحية على مسارح قارات أوروبا، وإفريقيا، وآسيا، وأميركا. وإلى جانب ذلك فهو يدرس في كبريات الجامعات في العالم. هذه الشهرة فتحت المجال للصراع حول تبنيه ما بين الجزائر وفرنسا، رغم عداء الكاتب للفرانكفونية. وما بين الفرانكفونية من جهة والعروبية والبربرية من جهة ثانية. وهكذا ظهر الكثير من الانشاء الصحافي والأكاديمي العلمي وشبه العلمي يتنافس في سرد سيرة حياة كاتب ياسين وتأويل أفكاره وفق منظورات أصحابه الايديولوجية.
إن ما يقوم به هؤلاء القصاصون والمؤولون يمكن اعتباره منسجما مع ما كان يقوم به كاتب ياسين من أسطرة لتاريخ عائلته وقبيلته وتاريخه الشخصي، لكن كاتب ياسين كان يفعل ذلك في أعماله الأدبية، وهذا يختلف تماما عن أسطرة أشكال الخطاب الأخرى غير الأدبية لكل ما يتعلق بالأديب. وهذه الكتابات تخرج من حيث لا تدري عن مجال العلم والتاريخ وحقائقهما.
ومن نماذج الكتابات التي تفتقر إلى العلمية ولا تستند إلى حقائق التاريخ قول أحدهم بأن كاتب ياسين قد ولد بحمام النبايل (لوحال نور الدين، ليبرتي 13/11/2019). وحديث البعض عن "قبائلية" كاتب ياسين أو "شاويته" وغير ذلك مما ينتشر في منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحافة وبعض الأطروحات الجامعية مع الأسف من تواريخ متضاربة بشأن تاريخ ولادته وانتمائه السياسي الخ...
حينما نرجع إلى الوثائق نحصل على بعض التفاصيل المتعلقة بسيرة كاتب ياسين. ففي رسالة كان كاتب ياسين قد ارسلها إلى غابريال أوديسيو يقدم نفسه على النحو التالي: "ولدت في 26 أوت 1929 في كوندي سموندو(قسنطينة). أبي وأمي كلاهما عربي من منطقة سوق هراس. جدي من أمي سي أحمد الغزالي كاتب يعد واحدا من كبار شعراء اللغة العربية في شمال إفريقيا" (كاتب ياسين، رسالة موجهة إلى غابريال أوديسيو مؤرخة في جانفي 1948).
هذا هو تاريخ ومكان ولادة كاتب ياسين ونسبه بقلم الكاتب نفسه وهو ما أعتمده ناشره أول الأمر ثم عاد وعدله لاحقا اعتمادا على تصريحات جديدة للكاتب تشير إلى أن ولادته كانت بقسنطينة قبل تاريخ 26أوت بحوالي عشرين (20) يوما، وصار تاريخ الميلاد المعتمد هو 6أوت 1929. وظل الأمر كذلك إلى أن طالعتنا الأستاذة الجامعية نجاة خدة بأن المحفوظ في سجلات الحالة المدنية الاستعمارية يشير إلى أن كاتب ياسين قد ولد في 25 جانفي 1929. وعلى أية حال فإن قصص سيرة كاتب ياسين لا يبدو أنها في طريقها إلى التوقف. وكل ما نستطيع قوله اليوم بخصوص نسبه أن لا أحد يجادل فيه حتى غير العرب من الجزائريين؛ ومنهم على سبيل المثال المجاهد القبائلي الكبير علي زعموم الذي أوفده السعيد معزوزي وزير العمل في عهد بومدين إلى فرنسا لدعوة كاتب ياسين إلى الدخول إلى بلده الجزائر، وكان إلى أن مات لا يتعب من تذكير شبان القبائل بأنه ليس صحيحا أن كل العرب يعادون مطالب الحركة الثقافية الأمازيغية، فالأديب العربي الكبير كاتب ياسين يساند بقوة مطالبها الشرعية. ولا نزيد على ما مر إلا القول بأن "عائلته كانت ترتجل الشعر" حسب قول محمد الطاهر بلونيسي الأب الروحي للأديب، وأكثر شخصيات رواياته ومسرحياته تعقيدا وصلابة وحضورا.
في أول عهد كاتب ياسين بالتعليم التحق بالمدرسة القرآنية في مدينة سدراتة غير البعيدة عن حدود الجزائر مع تونس، حيث كان والده يشتغل وكيلا عدليا، لكن ذلك لم يستمر طويلا، فما لبث الوالد أن قرر إيقاف دراسة ابنه بالكتاب بعد بلوغه السابعة من عمره، وتحويله إلى المدرسة الفرنسية أي الإلقاء به "في فم الذئب" على حد تعبير كاتب ياسين دائما في الصفحات الأخيرة من روايته "المضلع المرصع بالنجوم"(1966).
بدأ كتابة الشعر بالفرنسية وهو في سن التاسعة أو العاشرة من عمره، لكن محاولاته المبكرة ضاعت ولم يصلنا من شعر البدايات، إلا ما ضمه لاحقا ديوان "مناجاة "الصادر سنة 1946 في عنابة عن مطبعة "اليقظة البونية". ويبدو كاتب ياسين في ديوانه هذا متأثرا بالنماذج التي يتضمنها المنهاج الدراسي، فإنه ما لبث أن سار في طريق التحرر منها بفضل قراءاته فضلا عن انطباع ما هو غير فرنسي من ايقاعات وصور وأغراض في متنه الشعري مستقبلا مصدرها لغة الأم والثقافة العربية الاسلامية. غير أن العامل الأساسي في تطوره الأدبي والفكري هو مشاركته في مظاهرات 08 ماي 1945. شكل القمع الدموي والاعتقال التعسفي الذي لحق المئات بل الآلاف من الجزائريين، ومس بصفة مباشرة آل كاتب ياسين في سطيف، وقالمة، وخراطة ذكرى لا تنسى. وكان كاتب ياسين واحد من الذين شملتهم الاعتقالات، وظنته أمه قد قضى مع من قضوا فجنت. وقد مثل ذلك مأساة فردية وجماعية طبعت وجدانه بما سماه "الامتلاء التراجيدي"[1]، وجعلته دائما - مثله في ذلك مثل لخضر في مسرحية "الجثة المطوقة"- يحتل مكانه "في المراكز الأمامية من جبهة القدر"[2].
بعد إطلاق سراحه وجد نفسه مفصولا من الدراسة. فكر الوالد في إرسال ابنه إلى عنابة التي كانت على هامش أحداث 8 ماي 1945 المأساوية التي عصفت على وجه الخصوص بسطيف، وقالمة، وخراطة، لكن عنابة لم تكن أرحم بالشاعر الشاب؛ إذ كانت في انتظاره لترميه بسهام حب ابنة عمه زليخة المستحيل، راسمة بذلك مأساة على مستوى العاطفة والحس الفردي تضاف إلى الوضع المأساوي الذي عاشته عائلة كاتب، وقبيلة بني كبلوت، وتعيشه كافة الأمة في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ الجزائر الحديث.
كان بإمكان تجربة الحب المستحيل و أوجاعها الذاتية أن تمركز وعيه فيها، لكن شاء القدر للشاعر الشاب أن ينفتح على "كلية الأشياء" أو "كلية الأحداث" التي توقع يوميات الجزائر والعالم، في تلك الفترة من التاريخ.
ففي عنابة التي كوته بنار الحب، سينخرط كاتب ياسين في العمل النضالي الوطني معلما ومحاضرا في السياسة والأدب. وإذا كان التاريخ لم يحتفظ بالكم الهائل من المحاضرات التي كان يكتبها ويلقيها ياسين في عنابة وغيرها من مدن القطاع القسنطيني، فإنه على الأقل قد احتفظ لنا بمحاضرته عن" عبد القادر واستقلال الجزائر" التي تعتبر نموذجا للإنتاج الفكري والسياسي لكاتب في الفترة الممتدة من 1946 إلى 1947 وما بعدها بقليل. وهي الفترة التي شهدت نشر أول ديوان شعري له، وكتابة الصيغة الأولى لمسرحية "الجثة المطوقة" التي استمر في كتابتها بالتناوب مع رواية "نجمة" إلى غاية نشر المسرحية بمجلة Esprit (اسبري) في شهر ديسمبر 1954، وشهر جانفي 1955 ثم نشر الرواية بعد ذلك في دار Seuil (سوي) في 1956.
ومن يقرأ المسرحية التراجيدية "الجثة المطوقة" ورواية "نجمة" سيدرك أنهما قد صممتا بوحي من إرادة واعية "غير كلاسيكية" في الجوهر كما صرح في حديث مطول أجريته معه في 17أفريل 1984 (الشريف الأدرع، هكذا تحدث كاتب ياسين، الثقافة، مارس 1984)، ويمكن لمس الجانب الطليعي لصيغة بناء مسرحية "الجثة المطوقة" في تعارضها مع صيغة البناء الدرامي الكلاسيكية، وتبنيها لصيغة تذكرنا بصيغة التأليف المسرحي عند اليونان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن استخدام كاتب ياسين للجوقة في هذه المسرحية التراجيدية وفي مسرحيته التراجيدية الثانية "الأجداد يزدادون ضراوة" يستلهم إلى حد بعيد البنية الايقاعية للشعر العربي وبوجه خاص الشعر العربي الملحون في الجزائر، وسمة التناوب في الأداء ما بين الصوت الفردي والجماعي عند الانتقال من البيت إلى الدور التي تميز غناء المألوف خاصة والغناء الشعبي عامة، وتطبع في النهاية القصيدة أو الزجل أو الأغنية بطابع الدورية الذي لاحظ دارسوا مسرح ورواية كاتب ياسين أنها خاصية من خصائصهما الفنية. وقد تتخذ سمة التناوب هذه في المسرح شكل التناوب ما بين الجوقة والمشاهد التمثيلية كما يحدث عادة في التراجيديا الاغريقية.
أما في رواية "نجمة" فإن ذلك يظهر من خلال تناوب أشكال الخطاب الأدبي من سرد ووصف وشعر ومونولوج وهذيان ومذكرات وروبورتاج، كروبورتاج "أنا أعود من مكة" (السعيد العمري (اسم مستعار)، الجزائر الجمهورية، من 6 إلى22 نوفمبر1949) وقد ضمه الكاتب إلى المادة السردية لرواية "نجمة". والروبورتاج كما هو واضح من تاريخه، يعود إلى الفترة التي اشتغل فيها كاتب في جريدة "الجزائر الجمهورية" التي لم يكن للأديب الفرنسي ألبير كامو علاقة بتأسيسها كما يروي واسيني الأعرج. وألبير كامو الذي انتهى به مسار تطوره الايديولوجي إلى معاداة الشيوعية والانحياز سياسيا إلى جانب أمه والتنكر لقضية الجزائر العادلة لا يمكن أن يكون رفيقا لكاتب ياسين الشيوعي الملتزم بقضية شعبه، كما يزعم (واسيني الأعرج تقديم رواية "نجمة" في كتاب في جريدة 03/06/2009).
وتتناوب أشكال الخطاب السالفة في الرواية بتأن أحيانا وبسرعة أحيانا أخرى مما يعطي الحبكة الروائية تبعثرا وتشظيا يربك نموها وتطورها ويجعلها تدور في حركة حلزونية.
ولا نبالغ إذا قلنا أن التفتت والتشظي يتعدى ذلك إلى الشخصيات وتحريكها عبر الزمان والمكان. هذه الظاهرة ستتعاظم في رواية كاتب ياسين الثانية "المضلع المرصع بالنجوم" التي وقف النقد مترددا في تصنيفها وتحديد نسبها الاجناسي. لكن ذلك لم يمنع من أن تحتل المرتبة الثلاثين في قائمة المائة رواية التي حظيت أكثر من غيرها باستحسان المعلقين منذ سنة 1944 (لوموند 22/06/2019). ونحن نرجح أن سبب هذا الاستحسان يعود للتنويت الصحيح لصورة العالم في الرواية، وما تحكيه وتقوله عن الجزائر. وهذا التنويت الصحيح هو المميز الرئيسي للإبداع الأدبي والمسرحي لكاتب ياسين.
إذا ما استثنينا رواية "المضلع المرصع بالنجوم" ومجموعة النصوص الشعرية والنثرية والمسرحية التي جمعتها جاكلين أرنو تحت عنوان "العمل المجزأ" l’œuvre en fragments(1986)، وكلاهما ضم نصوصا تعود لفترة ما قبل استقلال الجزائر؛ فإن النوع الغالب على الإنتاج الأدبي لكاتب ياسين في فترة الاستقلال هو المسرح. كانت النصوص المسرحية الأولى لفترة الاستقلال امتدادا لنصوص الدور التراجيدي ثم شيئا فشيئا راحت كتابة ياسين المسرحية تنزع نحو الهزل والسخرية السياسية لتأخذ فيما بعد سمة المسرح السياسي الملحمي التي ميزت مسرح الدور الثاني.
يتمثل مسرح هذا الدور بالأساس في "مجموع مسرحي" من ألف صفحة كتبه كاتب ياسين في 1968 - 1970 ـيضم حسب جاكلين أرنو الصراعات الأساسية للعالم المعاصر في علاقتها بالمغرب العربي لم ينشر منه غير الجزء الخاص بالفيتنام وبذكرى هوشي منه "الرجل صاحب نعل المطاط" في سنة 1970، أما الباقي فقد "فكك ووزع" بعد عودة كاتب إلى الجزائر في تلك السنة في مسرحياته بالعربية[3]. إلى هذا المجموع المسرحي تنتمي مسرحية "جزارة الأمل" التي ترى طليقته زبيدة شرقي أنه "انطلاقا من نصها ستكتب بالعربية المسرحيات التي ستمثل الأساسي في هذا الربرتوار الجديد: محمد ارفد فاليزتك(1971)، حرب الألفي سنة في نسختها فلسطين مغدورة (1974)، حرب الألفي سنة في نسختها ملك الغرب(1977)، تثرى بنصوص جديدة: الكاهنة وصوت النساء(1972)"[4].
فالمسرحية إذن تسود إبداع كاتب ياسين الأدبي في مرحلة الاستقلال وتحتل المسرحية بالعربية الدارجة الجزائرية مكانة مركزية في الدور الثاني من مسرح كاتب ياسين السياسي الملحمي ، ولكننا للأسف الشديد لا نجد اهتماما نقديا وأكاديميا بهذا المسرح يوازي هذه المكانة، وكأن المسرح السياسي لكاتب ياسين المكتوب بالعربية الدارجة فاقد للهوية المسرحية التي تحفز على الاهتمام البحثي به.
و من جهته تجاهل المسرح الوطني الجزائري و مختلف المسارح الجهوية، وفرق مسرح الهواة الأعمال المسرحية لكاتب ياسين المكتوبة بالعربية، وهذا التجاهل يشترك فيه المسرحيون الجزائريون مع المسرحيين الفرنسيين الذين يكتفون بتمثيل مسرحيات الدور الأول المكتوبة بالفرنسية. وحاول حسان عسوس مدير مسرح بلعباس الجهوي الذي كان كاتب ياسين مديره قبل وفاته، تبرير تمثيل مسرحه لمسرحيات الدور الأول دون مسرحيات الدور الثاني بالقول "لأن هذا المسرح بكل بساطة قد كتب على الخشبة بحسب مونتاج العروض ولا يسمح بحرية كافية في موضوع الإخراج أسوة بنصوصه المكتوبة بالفرنسية"[5].
يمكن أن نجد مواقف أخرى غير مواقف الجامعيين والنقاد والمسرحيين من مسرح كاتب ياسين باللغة الدارجة الجزائرية، تستند إلى أسس إيديولوجية وثقافية وفنية غير تلك التي مرت معنا، لكنها ــ مجتمعة أو منفردة ــ لا تعبر مع الأسف عن محاولة جادة لفهم الدوافع العميقة والمنظورات التي جعلت شاعرا وروائيا ومسرحيا بقامة كاتب ياسين يقرر مغادرة "فم الذئب" والتخلي عن أثر مكتوب باللغة الفرنسية من أجل أثر آخر يكتب بلغة أخرى هي العربية الدارجة الجزائرية معتمدا في ذلك على طريقة التأليف الجماعي.
ولا نعتقد أن تسمية الأثر الجديد باسم المسرح السياسي ــ وهو مسرح سياسي بحق ــ تكفي لتحديد هوية تجربة مسرحية كل المؤشرات تشير إلى أنها تعبر عن مسعى مسرحي يجمع بين طريقة بيسكاتور وفن رشيد قسنطيني.
وقد دفعتنا هذه الأسباب مجتمعة إلى الاهتمام بمسرح كاتب ياسين في دوره الثاني أي دور المسرح الملحمي باللغة العربية الدارجة، آخذين كمثال له المسرحية النموذجية "فلسطين مغدورة" (الشريف الأدرع، المسرح الجزائري والمرجعية المزدوجة المصدر "أطروحة دكتوراه غير منشورة"). إن مسرحية "فلسطين مغدورة" تمثل بالنسبة لكاتب ياسين: "انشغالا يعود تاريخه إلى زمن طويل. هذه المسرحية حصيلة ثلاثين سنة من التفكير في فلسطين" (كاتب ياسين، المجاهد 24 أفريل 1978).
تعتبر النسخة التي اعتمدتها زبيدة شرقي لمسرحية "جزارة الأمل" ضمن مجموعة الأعمال كاتب ياسين المسرحية التي نشرتها تحت هذا العنوان. وكان الكاتب قد قدمها في قراءة عامة في بيروت في 1970، ونسيها في بيت حسان حمدان الذي استضافه في بيته أثناء زيارته تلك للتعرف على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات في بيروت وفي جنوب لبنان. أما الكاتب المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس فيشير إلى زيارة قام بها كاتب ياسين إلى المشرق العربي في أفريل 1971 وكانت دمشق محطته الثانية بعد بيروت، وخلال هذه الزيارة أمضى معظم وقته مع ونوس، ويؤكد هذا الأخير أن كاتب ياسين قد جاء: "ليستكمل معرفته بالواقع السياسي في المنطقة، ويجمع الوثائق اللازمة لكتابة مسرحية عن القضية الفلسطينية"[6] ثم يضيف: "بعد مسرحيته عن الفيتنام بدأ يكتب مسودات مسرحية جديدة عن فلسطين والمقاومة الفلسطينية، وقد جاء من هانوي إلى دمشق بعد وقفة في بيروت لكي يتعرف بنفسه على طبيعة المعركة التي تدور على هذه الأرض"[7]. كان كاتب ياسين حسب ما أدلى به لسعد الله ونوس يريد لمسرحيته عن فلسطين أن تكون "شاملة" وأن تكون "نموذجا أكمل للمسرح الفعال الذي لا يقنع بعرض الأوضاع القائمة وإنما يسعى إلى تغييرها. حتى الآن كتبت مائتين ونيف من الصفحات، لكنها ليست إلا محاولات أولية لبناء عالم هذا النضال المرير والعادل"[8].
أختار كاتب ياسين في مسرحية "فلسطين مغدورة" الاستناد على التاريخ كما فعل في مسرحيته عن الفيتنام "الرجل صاحب نعل المطاط". اختيار حكاية التاريخ الفلسطيني بوثائقه المكتوبة والحية"[9]،على حد تعبير الكاتب المسرحي سعد الله ونوس، هو في حد ذاته تعيين للمصدر الأولي لوضع البنية، "فالحركات الوطنية، سواء أكانت قديمة أو حديثة العهد، تتشبث بالفن القصصي لكي تستمد منه تنظيم البنية ولتمثل أو لتستبعد رواية للتاريخ أو أخرى"[10].
ومن جهتها تقدم الماركسية لكاتب ياسين "بناء كاملا وأداة للتحليل وهدفا للعمل"[11] يوضع
بموجبه الكل – أو ما يسميه ماركس "مجموع العلاقات الاجتماعية"- في قلب المادية التاريخية.
وسيعمل القص والجدلية الماركسية معا على تحديد نظام التعاقب الزمني للأحداث من جهة، وموقع النظر إلى مختلف لحظات الكلية الاجتماعية من جهة أخرى. ولما كان الصراع الرئيسي الذي يلخص الموقف الدرامي العام لمسرحية "فلسطين مغدورة" يدور حول الأرض؛ فإن دراسة حبكتها تعني في الحقيقة إبراز العملية التي تم بموجبها تصور بنية هذا الموقف الدرامي والحدث الذي يستبطنه، ووضعه في فضاء المسرح، وبنائه مقطعا مقطعا، ومشهدا مشهدا، إلى أن يكتمل في تركيب يمثل كلية أحداث المسرحية أو حبكتها.
ويصير من تحصيل الحاصل أن تكون كلية أحداث مسرحية "فلسطين مغدورة" هي كلية التاريخ الفلسطيني مكتوبة مسرحيا من طرف كاتب ياسين وفرقة النشاط الثقافي للعمال التي أصبحت تسمى بعد التحاقها بجهاز المسرح المحترف "فرقة المسرح الجهوي لمدينة بلعباس".
ضمت المسرحية ثلاثين مشهدا مسرحيا. ما يلاحظ على هذه السلسلة من المشاهد أنها ذات امتداد زمني طويل، يبدأ بفترة بدايات النشاط الصهيوني لخلق وطن قومي لليهود بفلسطين، وينتهي بمشهد مظاهرات الخبز في مصر متبوعا بنشيد الأممية. ويعني ذلك أن زمن أحداث المسرحية يمتد من الفترة السابقة لتاريخ الانتداب البريطاني على فلسطين في 1920 إلى شهر يناير من سنة 1977 وهو تاريخ مظاهرات الخبز.
استندت حكاية جدارية "فلسطين مغدورة" على موقف درامي محوره الصراع حول أرض فلسطين تصادمت فيه قوى الاستعمار والإمبريالية والصهيونية مع حركة التحرير العربية. وتداول على هذا الفضاء الدرامي رؤساء الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا، و سوريا ومصر وتونس، وملوك العربية السعودية، والأردن، والمغرب. وجنرالات أميركيين وإسرائيليين وضباط مصريين. وزوجة الرئيس المصري السادات و زوجة الرئيس بورقيبة. الحاخام الكبير في فلسطين والمفتي الحاج أمين الحسيني. وبديل النبي موسى الكناس. وموح الزيتون وزوجته. تجار. عمال. فلاحون. طلبة. بطالون. مجموعات تمثل الشعب العربي ومجموعات تمثل اليهود. اللاجئون الفلسطينيون، وأفراد نكرات.
ينخرط جميع هؤلاء كل حسب موقعه، ومصلحته القومية والطبقية والفردية في الصراع الدائر حول أرض فلسطين التي تتميز– كما يقول المفكر إدوارد سعيد- بأنها "ذات فائض قيمة ديني"، وتقع في القلب من منطقة الشرق الأوسط التي تحتوي على أكبر مخزون عالمي من النفط. وهذا ما جعل من قضية فلسطين واحدة من أعقد القضايا التحررية في العالم المعاصر.
ولا شك أن موضوعا بهذا التعقيد سيتطلب من المؤلف التركيز على ما هو جوهري وأساسي من مصادمات ميزت مرحلة تاريخية بالكامل وتتعدى بالضرورة نطاق الأفعال المتبادلة بين الأفراد. وعندما ننظر إلى نسيج أحداث المسرحية نرى أن المصادمات الأكثر تواترا في هذا النسيج هي عمليات تبادل العنف، أو عمليات العنف والعنف المضاد، أو سلسلة "الحروب والثورات" [12]التي يضعها اروين بيسكاتور موضع الأساس في تاريخ خلق العالم وتكون بالتبعية محور المسرح السياسي.
حقا، إن صور العنف ترصع نص المسرحية. ومن هذه الصور على سبيل المثال ضرب موسى للحاخام بالعصا بعد أن اكتشف بطلان موضوع نبوءته وعودته، وصورة صب عيشة للماء على زوجها موح الزيتون لينهض من نومه ويذهب للبحث عن عمل. وصورة ضرب موح الزيتون للمتعصب بالعصا التي كان يتوكأ عليها. وقمع الشرطة التونسية للطلبة المنددين بنكران الرئيس بورقيبة لحركة التحرير الفيتنامية.
تبرز هذه الأمثلة وغيرها كثير أن تيمة العنف تنتشر في ثنايا نسيج أحداث المسرحية. ونكاد نجزم بأن العنف في جدارية "فلسطين مغدورة" يتصف بالشمولية وبأنه ملازم للوضعية الاستعمارية ولعملية التحرير على حد سواء.
ومن صور العنف الأساسية تلك المشاهد التي تمثل "أعمدة"[13]حكاية التاريخ الفلسطيني أو سلسلة مشاهد "الثورات والحروب" التي صنعت هذا التاريخ وشكلت مادة مشهد الفتن الدينية، ومشهد صراع الديكة ومقابلة الملاكمة، ومذبحة دير ياسين، ومذبحة تل الزعتر ومادة مشهد العدوان الثلاثي على مصر، ومشهد حرب 05 جوان 1967 اللذين يوسعان أحداث المسرحية لتشمل أجزاء من التاريخ المصري تتقاطع مع ملحمة المقاومة الفلسطينية.
إن اختيار كاتب ياسين لهذه السلسلة من مشاهد "الحروب والثورات" واتخاذها أعمدة في ترتيب وتنظيم مادة حبكة المسرحية يكشف عن فهم كاتب ياسين العميق لحركة التاريخ الفلسطيني. ومن جهتها تبرز أشكال مسرحة مشاهد "الثورات والحروب" التي كان اللاحق منها مختلفا عن السابق، واستعمل في تشكيلها الجوقة والحوار والسرد والمحاكاة عن ملامح إبداع مسرحي يستلهم جمالياته وشعريته من الثقافة الشعبية. وهكذا ابتعدت مشاهد "الثورات والحروب" عن تكرار بعضها البعض، وصارت بفضل شكل كتابتها المسرحية المبدعة تنويعات للأزمات الدورية في حكاية التاريخ الفلسطيني يستقبلها الجمهور بوصفها أزمات وحسب في المسار الطويل لحركة التحرير، ينظر إلى الموقف الدرامي الذي نشأت عنه أو بالعكس نشأ عنها على أنه مجرد لحظة عابرة. وهذا منشأ الروح الساخرة وحس الغروتسك في هذه الكوميديا السياسية "فلسطين مغدورة" التي ترى في مآثر "الثورات والحروب" معركة ديكة أو مقابلة في الملاكمة. و المفارق في الأمر أن كاتب ياسين لا يقدم المأثرة في صورة كناية فقط بل يقدمها في صورة تسلية الغوغاء[14] في التراث الشعبي العربي.
من الناحية الدراماتورجية؛ فإن كاتب ياسين وهو يركز التاريخ في هذا الضرب من الفعل يكون قد أعطى مسرحية "فلسطين مغدورة" ذات البنية الإبسودية·حركتها الجوهرية. وهذا يعني أنها حلقية المشاهد، ولا تتصف بجوهر متطور عن بداية تتوسطها ذروة تنتهي بحل كحال المسرحية ذات البنية المغلقة، فهي بالأساس عبارة عن سلسلة من المصادمات التي ميزت التاريخ الفلسطيني المفتوح على صدامات أخرى.
يتحقق نمو الفعل في جدارية "فلسطين مغدورة" ذات البنية الابسودية بفضل اصطدام الحلقات المشهدية ببعضها البعض. ويغدو نمو الفعل المترتب عن هذا الاصطدام عامل كشف عن الاستمرار في الحركة في المشاهد المسرحية المنقطعة عن بعضها البعض الشيء الذي نعتبره تناقضا في حد ذاته ولكنه تناقض جدلي.
إن كاتب ياسين في هذه المسرحية وفي مسرحية "ملك الغرب" و"حرب الألفي سنة" وجميع مسرحيات الدور الثاني لا يقدم لجمهوره مسرحا سياسيا يستخدم الوثيقة، ويستند على التاريخ، يستحضر طريقة بيسكاتور فقط، بل يستحضر أيضا تقاليد المسرحية الشعبية وفن رشيد قسنطيني.
[1]- Kateb Yacine, entretien avec Yvette Romi, in Le nouvel Observateur du 18-01-1967.
[2]- Kateb Yacine, Le cadavre encerclé, in Le cercle Des Représailles, Seuil, Pris, 1959.p28.
[3]- Jacqueline Arnaud, note n⁰11 in « Kateb Yacine, L’œuvre en fragment », op. cit. p.440.
[4]- Zebeida Chergui, notes au lecteur, in « Kateb Yacine, Boucherie de L’espérance », paris, SEUIL 1999.p.33.
[5]- Mohamed kali, Quelle postérité pour Kateb et Alloula ? in el watan du 11.02.2016.
ـ سعد الله ونوس، مع كاتب ياسين، الحرية، بيروت،13/11/1989،ص45.[6]
ـ المرجع نفسه ص46.[7]
ـ سعد الله ونوس، مع كاتب ياسين، الحرية، بيروت،13/11/1989. س.ذ.ص46.[8]
- سعد الله ونوس، الأعمال الكاملة الجزء الثالث، س.ذ، ص175.[9]
- إدوارد سعيد، تمثيل التابع والمحاورون الأنتروبولوجيون، ترجمة حازم عزمي، فصول، المجلد الحادي عشر، العدد الثاني صيف 1992،[10]
القاهرة، ص 38.
- بيتر بروك، نحو مسرح ضروري، ترجمة فاروق عبد القادر، المركز القومي للترجمة،القاهرة 2011، ص104.[11]
[12]-Erwin Piscator, Post-scriptum au théâtre politique, op.cit, p60.
[13]- Dario Fo, le gai savoir de l’acteur, op.cit. P131.
- جاء في تفسير الغوغاء أنه من يحضر المناطحة بالكباش والمناقرة بالديوك. أنظر:[14]
هادي العلوي، المستطرف الجديد- مختارات من التراث. الطبعة الثانية. مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي.دمشق.د.ت. ص128.
·ـ المسرحية الابسودية – في رأي أرسطو- هي التي تتكون من أحداث لا تتصل ببعضها البعض على أساس من الحتمية أو المحتمل، ومن ثم نقول مسرحية"حلقية المشاهد".أنظر:
- دكتور إبراهيم حمادة، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، د.ت. دار الشعب القاهرة ص68.

