Menu

بمناسبة انعقاد المؤتمر الـ28 للحزب الشيوعي (الإسرائيلي أو الأصح في إسرائيل)

حاتم استانبولي

التسمية تحمل مدلولات تختصر فيها الهوية وإذا تعلق الأمر بالحزب، فإنها تحمل معاني تتعلق بالمهام ارتباطًا بالمكان. هذه مناسبة لطرح الاسم الذي أطلق على الأحزاب الشيوعية في منطقتنا، وهل كانت تسمية موفقة في مكان التركيبة الاجتماعية التي لم تتجاوز البدائية القبلية والعشائرية وفي فلسطين تحديدًا لم تتجاوز الاقطاعية الممزوجة بالفكرة الدينية المتأصلة في الشعور الوجداني والنفسي، حيث أدخلت وامتزجت العادات والتقاليد في المنظومة الدينية لما اصطلح على تسميته بالديانات (الإبراهيمية)؟

إذا كانت التسمية تعكس ارتباطها بالمهام، هذا يطرح سؤالًا ملحًا، هل الشيوعية هي مهمة حزبية أم هي تسمية وردت في الإرث الماركسي الدياليكتيكي لإحدى التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة تطورها النهائية؟ أي إنها التشكيلة النهائية للمجتمعات البشرية التي تتحقق فيها العدالة الاجتماعية المطلقة.

في هذا الصدد، فإن التسمية لم تكن متوافقة أو موفقة للأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها. أما في فلسطين التاريخية تحديدًا، فإن التسمية حملت بعدًا وظيفيًا لتبرير الهجرة اليهودية، تحت ما سمي بالشراكة والمساواة في الاضطهاد بين العرب واليهود، هذه الشراكة التي لم تكن متساوية، بل حملت منذ طرحها بذور التمييز ما بين اليهودي والفلسطيني اليهودي القادم من الشرق والغرب ليؤدي وظيفة سياسية واجتماعية في إطار المشروع الصهيوني في فلسطين؛ القائم على أكثر الأفكار رجعية. هذه الفكرة من حيث الجوهر؛ تعكس التزاوج بين رأس المال اليهودي المغلف بالفكرة الدينية في أكثر أشكالها رجعية التي عبرت عن نفسها في ممارسة الاضطهاد والقتل والتهجير والتمزيق والتفتيت للشعب الفلسطيني.

دولة إسرائيل الاحلالية التي أرادها رأس المال اليهودي؛ مكانًا آمنًا لحركة رأس ماله وغلفها بالفكرة الدينية التي أرادها حماية لدولته من المحاسبة الدنيوية؛ كون اليهودية هي الديانة التي اختارها الإله وفضل حامليها على العالمين، هذا يُصرَف دنيويًا على أنه يعطي الحق الإلهي لخدمتهم من قبل الشعوب والسياسيين، وبذات الوقت يبرر لهم أفعالهم العدوانية بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة ويبرر أدواتهم وأساليبهم ووسائلهم.

الأساس المعرفي لقيام الحركة الصهيونية التي وضعت مهمة إقامة الدولة اليهودية بعد مخاضات وحوارات في فلسطين؛ يقوم على أساس أكثر الأفكار والنصوص الدينية رجعية وعنصرية. الموقف من هذا الأساس المعرفي وضع الحركة الشيوعية العالمية والعربية، وبشكل خاص الفلسطينية في مأزق معرفي وبنيوي يتعلق في جوهر مفهوم العدالة الإنسانية القائمة على أساس المعايير الإنسانية وتعارضها مع الاستخدام السياسي والقانوني لمعايير العدالة الالهية.

الفكر الماركسي الدياليكتيكي؛ فسر الموقف بوضوح حول استخدام الدين لأهداف سياسية. الموقف الماركسي كان واضحًا في حل المسألة اليهودية وأشار على أنها تحل في إطار الوطني والمهمات الوطنية التي خضعت وتخضع له القبائل اليهودية في الإطار القانوني للمجتمعات التي تعيش بينها وفي إطارها.

الحزب الشيوعي الإسرائيلي وبقية الأحزاب الشيوعية أو بقاياها في المنطقة؛ يجب أن تعيد قراءة التاريخ والموقف من أحداثه على قاعدة أن الأساس الديني الرجعي الذي قامت عليه دولة إسرائيل؛ يحمل بذور العنصرية والفاشية التي ترافقت معها منذ ما قبل قيامها عام 1948. وسمة القتل والإبادة للبشر والحجر بحق اليهود أولًا، ومن ثم بحق الفلسطينيين هي سمة حملتها منذ إعلان تأسيس الحركة الصهيونية العالمية والدور التخريبي الذي قامت به لتقويض المجتمعات الاشتراكية مستَغِلة (الجاليات أو القبائل) اليهودية الذي كان لمعظمها؛ دورًا تخريبيًا داخليًا في المجتمعات الاشتراكية لخدمة مراكز رأس المال العالمي لشكل عام والصهيوني بشكل خاص.

الصهيونية كحركة لا يمكن أن تحمل صفات المهمات الوطنية الاجتماعية والاقتصادية، لتحقيق العدالة الاجتماعية في إطار دولة تحمل التعددية الثقافية والعرقية والقومية، لكون أساسها المعرفي يتناقض مع مفهوم العدالة الإنسانية الاجتماعية لمفاهيم اليسار بشكل عام وللمفهوم الماركسي بشكل خاص. اليسار واليمين داخل إطار الحركة الصهيونية قائم على أساس التعارض في كيفية تنفيذ وموائمة تطبيق المشروع الصهيوني في إطار التداخل والتشابك ما بين حركة راس المال اليهودي في إطار حركة رأس المال العالمي وتوظيف دوره السياسي لخدمة الدولة اليهودية، منذ أن كانت فكرة حتى أصبحت واقعًا قائمًا يحج إليها قادة العالم الذين يعلنون عن صهيونيتهم بالرغم من أنهم غير يهود.

الحزب الشيوعي الإسرائيلي في مؤتمره ال28 عليه أن يعيد قراءة التاريخ بعيون ماركسية؛ قائمة على أساس قوانينها المعرفية؛ بعيدًا عن التأثيرات التي خضع إليها في بدايات نشأته. الحديث عن شعبين في إطار دولة واحدة مصطلح يجب الوقوف عنده: ما هي الصفة أو السمة العامة لكلا (الشعبين)؟

الشعب الفلسطيني يحمل إرثًا تاريخيًا متعدد التلاوين والاتجاهات والثقافات المتداخلة والمتشابكة دينيًا وإنسانيًا، لكن ما يطلق على تسميته الشعب (اليهودي)؛ يروج له على أساس الفكرة الدينية بغض النظر عن موطن حاملها الذي له الحق في أي وقت أن يأتي إليها ويأخذ مكان الفلسطيني ويصادر تاريخه الإنساني والثقافي ويتعامل معه على أساس أنهم رعاع وُجِدوا لخدمة اليهودية وشعبها المحقق فقط في النص التوراتي وغيره؛ على أنه شعب الله المختار، هذا الفهم الذي يحمل الجوهر العنصري في حين الصفات الإلهية في النص المسيحي؛ تحمل المساواة والتسامح بين البشر، كما هي جوهر النص الديني الإسلامي الذي حسم جوهر خياراته مع الفقراء قبل أن يخطفه رأس المال القريشي الأموي.

الممارسات الفاشية الإسرائيلية القائمة الآن، والتي تتجسد يوميًا في الهجوم الاستيطاني على الشعب الفلسطيني في مناطق الضفة ومناطق ال1948، هي في الجوهر إعادة وتكرار للممارسات والمجازر الفاشية للمستوطنين الصهاينة ومنظماتهم من شتيرن والهاغانا وغيرهم في دير ياسين وقبية وكفر قاسم وقلقيلية وبلدة الشيخ والطنطورة وخان يونس وأبو شوشة، هذه المجازر التي ارتكبت ما بين 1947 و1956، أي في مرحلة بناء الدولة والإرهاب كان صفة ملازمة لها. وهنا يحضر السؤال التاريخي: هل من الممكن أن يقوم أفراد أو جماعات عانوا من القتل والصهر على ممارسة القتل والعنف والتشريد لشعب استضافهم كهاربين من القتل الوحشي والإبادة النازية؟

هذا سؤال يجب أن يقدم للباحثين لدراسته وفهم عمق التكوين النفسي للصهاينة ومنظماتهم العنصرية التي كانت النواة الصلبة لتأسيس ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي واستخدامهم للمعاناة من النازية لتوظيفها، كأداة ووسيلة لتبرير القتل والتشريد للشعب الفلسطيني من جهة، وابتزاز للشعوب الأوروبية لحثها على المساعدة وتبرير القتل بحق الشعب الفلسطيني؛ مستخدمة المفاهيم الديمقراطية لتغليف ممارستها، ومن جهة أخرى؛ اضطهاد اليهود أنفسهم بتحميلهم للمسؤولية الجمعية للجرائم بحق اليهود.

الإجابة على هذا السؤال يعطي الإجابة التاريخية عن التوظيف السياسي الصهيوني لدور حركتهم السياسية والإعلامية والعسكرية والمالية منذ تأسيس الحركة. لا يمكن أن تكون الأفكار اليسارية أو الماركسية؛ أداة للإخضاع أو للقتل أو للاضطهاد والاستغلال بكل أشكاله. فالصفة الفاشية والعنصرية هي فكرة ملازمة للاستخدام السياسي للفكر الديني، وهذا ما شاهدناه وسمعناه عن ممارسات القاعدة وطالبان وداعش والحركات الدينية المتطرفة التي تريد أن تصادر أو تستخدم العدالة الإلهية، لتنفيذ مصالحها النفعية أو تُستَخدَم كأداة لتفتيت وتمزيق النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية للمجتمعات، هذه الأفكار في نهاية اليوم؛ تتجسد بمصالح مادية نفعية ومعنوية على الفئات التي تحملها وتحاول السيطرة على المجتمعات؛ من خلال استخدام مصادرة الحق الإلهي في المحاسبة؛ مستثمرة في سيادة الوعي الديني العام السطحي الذي أرادته النظم الحاكمة لاستخدامه كأداة في مواجهة القوى الوطنية والتقدمية.

الحزب الشيوعي الإسرائيلي عليه أن يقف أمام هذه المظاهر التي تحمل سمة الفاشية والعنصرية، ويحدد موقفه النظري على أساس نقد اسسها المعرفية، ويحدد خياراته لإقامة دولة ديمقراطية تحقق العدالة الإنسانية للجميع، وأن صفة الاحتلال هي احلالية استعمارية قائمة على أكثر النصوص والأشكال الدينية رجعية، وهي في الجوهر تتلاقى مع مثيلاتها في المجتمعات العربية، ويكفي أن تدخل في مساومة معها على الحقوق الوطنية؛ من خلال النص الديني الذي يمكن أن يمسح ويلغي الحقوق الوطنية؛ من خلال فتوى دينية؛ تشرع المساومة غير المشروعة ويغلفها بعبارات تُستَحضَر من النص الديني الذي يخدم المشروع الصهيوني وامتداداته في المنطقة على سبيل المثال لا الحصر مصطلح الإبراهيمية أو أبناء إبراهيم.

شعار الدولة الديمقراطية، هذا الشعار الديمقراطي الإنساني الذي سيكون مدخلًا للتلاقي مع القوى الديمقراطية بكافة الاتجاهات، وخاصة القوى الديمقراطية الفلسطينية الذي يعمل هذا الشعار على تشجيعها للحوار؛ من أجل التلاقي حول شعار الدولة الديمقراطية الجامعة التي تحقق العدالة والمشاركة والحرية، هذه الشعارات التي تتعارض مع القوى الرجعية في الجانبين؛ إن كانت قوى دينية أو قوى كمبرادورية أو تحالف النظم العسكرية البيروقراطية مع  الكمبرادور في البلدان العربية ومصلحتها مع الاحتلال الاحلالي العنصري، هذا يحل المأزق المعرفي التاريخي الذي وقع فيه الحزب الشيوعي الإسرائيلي والفلسطيني والأحزاب الشيوعية العربية التي عانت من أزمة بنيوية ومعرفية وتشتت وتمزقت وأُلحِقـَت وقسمت وانقسَمَ المُقَسَم عبر الزمان والمكان، وهذا يجب أن يلاقيه موقف من القوى الديمقراطية الفلسطينية؛ يكون مدخله الاعتذار التاريخي لشعبنا في ال1948 للإهمال وعدم التفاعل مع قواه السياسية والمجتمعية لعشرات السنين. هذا الجزء من شعبنا الذي صمد وبرغم كل محاولات الإلحاق والضغط للاندماج بالمجتمع الصهيوني إلا أنه بقي صامدًا محافظًا على ثقافته الشعبية والأدبية التي كانت مخرجًا له للتنفيس والتعبير عن ما لا يمكن قوله بالسياسة، وتقدم التحية والتقدير لأدباء وشعراء المقاومة في 1948 الذي أنصفهم وكتب عن مقاومتهم وعرف عنهم القائد الكاتب السياسي غسان كنفاني ، في الوقت الذي كان يعمل الاحتلال على محاولة طمسها.  اذا كان الشعب الفلسطيني في الشتات، قد عانى من آثار جريمة النكبة وقمع ومحاصرة نظم سايكس_ بيكو؛ فإن الجزء الصامد في  داخل فلسطين التاريخية أول من واجه الأداة القمعية وسياسة التمييز والحصار ونتائج الأحكام العرفية التي كانت سائدة في مناطقهم حتى قبيل عام ١٩٦٧ المباشرة السياسية والعسكرية. إن وضع أهلنا في الداخل؛ غيبته عن عمد النظم السياسية الحاكمة ولم تولهِ اهتمام الحركات السياسية القومية العربية أو الدين السياسي ما قبل ١٩٦٧ وحتى انتفاضة الأرض التي كان لها وقعًا مدويًا وأرسل إشارة تعريفية؛ إننا هنا قابعون صامدون نواجه آلة الدمار والقمع الإسرائيلية. يجب كسر الحاجز الذي يقف بين وحدة الوعي الجمعي الاجتماعي والسياسي والنفسي، هذا الوعي الذي تحقق في ردات الفعل العفوية الصادقة لجماهير شعبنا في ال1948 التي رفضت العدوان ووحشيته على غزة.

القوى الديمقراطية الفلسطينية على جانبي حاجز الزمن الذي يوحدها تاريخية المكان عليها أن تعيد قراءة المشهد الفلسطيني برؤية جمعية تتكامل المهام بين الحلقات الفلسطينية الأربعة، هذه القراءة التي يجب أن يكون لحزبكم دورًا مركزيًا لأهمية موقعه من حيث الزمان والمكان.

إن مواجهة العنصرية القائمة على أساس الاستخدام السياسي للفكر الديني، يجب أن تجابه بكل أشكالها وأدواتها ومواقعها، والخيار الديمقراطي يجب أن يقوم قائمًا على الأساس المعرفي للفكر الإنساني الذي يحقق العدالة والمساواة والحرية للجميع؛ بغض النظر عن لونهم الديني أو المذهبي أو العرقي أو جنسهم.