Menu

منظّمةُ التحريرِ الفلسطينيّةُ من استراتيجيّةِ التحرير إلى نهج التسويةِ والاعتراف (بإسرائيل)

عليان عليان

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

المتتبّعُ لمسيرة النضال الفلسطيني، بعد استقالةِ الشقيري من رئاسة (م.ت.ف) عامَ 1968، ومنذ نهايةِ ستيناتِ القرن الماضي ومطلعِ السبعينات، رغمَ الزخمِ الكفاحيّ - آنذاك - لفصائل الثورة الفلسطينيّة، رغمَ إنجازاتِها المبكرة، في بلورةِ الهويّةِ الفلسطينيّةِ النضاليّة؛ يكتشف أنّ هدفَ التحرير استُبدل من قبل البعض بهدف الاستقلال، بمعنى: استقلالُ الضفّةِ والقطاعِ للتخلّص من الاحتلال الإسرائيلي عامَ 1967، ولتتطوّر الأمورُ – لاحقًا - تجاهَ الاعترافِ بالكيان الصهيوني مقابلَ حكمٍ ذاتيٍّ هزيل، وإلغاءِ الميثاق الوطني الفلسطيني. ويمكننا التأريخ بشكلٍ أوليٍّ لنهجِ التسوية على النحو الآتي:

1- إصرارُ "فتح في الدورة الرابعة للمجلس الوطني التي عقدت في القاهرة في الفترة ما بين 10- 17 تموز (يوليو) 1968، على تعديل الميثاق القومي، وتغيير اسمه ليصبح "الميثاق الوطني الفلسطيني"؛ بهدف "فلسطنة القضيّة" ما يسهّل الأمور في السير تجاهَ نهج التسوية، إذ إنّ النصَّ في المادّة التاسعة - وفيما عدا مسألة "الطريق الوحيد" – تحدّدَت فيها بصورةٍ واضحةٍ مطالبُ: تحرير الوطن، والعودة إليه، وممارسة حق تقرير المصير فيه، والسيادة عليه.

2- التفريقُ بين مشاريع التسوية: لو دقّقنا في الفرق بين موقف المجلس الوطني في الدورتين (5) و (6) من مشاريع التسوية نلاحظُ أنّ الدورة (5)، أصدرت قرارًا ضدَّ مشاريع التسوية الاستسلاميّة أو غير الاستسلاميّة في حين أنّ الدورة (6) أصدرت قرارًا ضدَّ مشاريع التسوية الاستسلاميّة فقط، ما يعني أنّ منظّمةَ التحرير باتت تقبلُ بمشاريع التسوية "غير الاستسلاميّة" في مؤشرٍ للتعامل الجديّ مع قضيّة التسوية.

3- مبادرةُ "الجبهة الوطنيّة المتّحدة" من قبل فرع الحزب الشيوعيّ في الضفّة الغربيّة، انطوت على مغزى خاص، من زاوية أنّها شكّلت اللبنة التي بني عليها فكر التسوية في منظّمة التحرير – لاحقًا - في ضوء أن موقفَ الحزب الشيوعيّ يدعمُ موضوعَ التسوية بعد عام 1967، على قاعدة قرارات الأمم المتّحدة.

لقد تضمّن برنامجُ الجبهة الوطنيّة المتّحدة، بشأن موضوع التسوية ما يلي: "رفض جميع المشاريع التآمريّة التي تستهدفُ تصفيةَ قضيّة شعبنا العربي الفلسطيني، والتفريط بحقوقه الوطنيّة، سواءً منها المشاريع الصهيونيّة، مثل الكيان الفلسطيني، والإدارة الذاتيّة، والحكم الذاتي ومشروع آلون، أو مشروع الملك حسين، والحلول الأمريكيّة، وما شاكلها من التسويات التصفويّة الاستسلاميّة"، أي رفض ذلك النوع من الحلول والتسويات وليس كلّ التسويات على إطلاقها.

محطّاتُ التسويةِ الرئيسيّة:

ويمكنُ تحديدُ محطّاتِ التسويةِ في مسيرةِ منظّمةِ التحرير على النحو الآتي:

أوّلًا: محطّةُ حرب تشرين 1973، وانعكاساتها على قضيّة التسوية

رغمَ النتائج السلبيّة الناجمة عن حرب تشرين، جرّاء انقلاب السادات على أهدافها وعلى الخطّة المتّفق عليها مع الرئيس حافظ الأسد، وتعامله مع الحرب في سياقٍ تحريكيٍّ للتسويّة، وليس في سياق عمليّة التحرير، وجرّاء الكمّ الهائل من التنازلات التي قدّمها السادات لأمريكا، وللكيان الصهيوني في الاتّفاقيّات التي وقّعها معهما،  راحت بعضُ الدول في النظام العربي الرسمي، ومن ضمنها أطرافٌ في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، تراهن  بعد  حرب تشرين على موقف السادات، وعلى  حدوث تغيّرٍ في مواقف الإدارة الأمريكيّة لصالح القضايا العربيّة المختلفة، ومن ضمنها القضيّةُ الفلسطينيّةُ. فالعديد من القوى في الساحة الفلسطينيّة عدّت أن هناك معطياتٍ إيجابيّةً نجمت عن حرب تشرين أول/ أكتوبر 1973، وأنّ هذه المعطياتِ يجب استثمارُها تجاهَ إقامةِ سلطةٍ وطنيّةٍ فلسطينيّةٍ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بدعمِ كلٍّ من: سوريا، ومصر، والاتّحاد السوفييتي في العمليّة التفاوضيّة، وللمشاركة في مؤتمر جنيف على قاعدة تطويره، ليتضمن حقّ تقرير المصير الفلسطيني، وعدم الاكتفاء بالنصّ على حلّ قضيّة اللاجئين، في حين ارتأت أيضًا العديدُ من القوى الفلسطينيّة، بأنّ معطياتِ الحرب ونتائجها لا تمكّننا من الحصول على دولةٍ مستقلّة، دونما مفاوضاتٍ وصلحٍ واعترافٍ مع الكيان الصهيوني،  ودونما فتح المنطقة بأكملها للاختراق الإمبريالي الصهيوني. وقد قامت القوى الرافضةُ بزعامة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين هي الأخرى، بمخاطبة اللجنة التنفيذيّة بتاريخ 8-11- 1973، بمذكرةٍ تشرح فيها وجهة نظرها على النحو الآتي: "إنّ أهم ما نتج عن حرب تشرين، هو شعورُ الإمبرياليّة الأمريكيّة، بخطورةِ بقاءِ هذا الوضع المتفجر في المنطقة، وما يحمله من تهديداتٍ لمصالحها النفطيّة بشكلٍ خاص".

 وخلصت المذكرةُ إلى استنتاج "أن الإمبرياليّة الأمريكيّة، صارت مستعدةً لوقفةٍ جادةٍ لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة، أساسُها قرار مجلس الأمن رقم 242، لإنجاز تسويةٍ تقوم على أساس الاعتراف العربي (بإسرائيل) وبحقّها في الوجود الآمن، كما ينصُّ عليه القرار، دون تقديم أيِّ شيءٍ للشعب الفلسطيني؛ لأنّ القرار لم يأت على أيٍّ من الحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة ويتجاوز وجود الشعب الفلسطيني".  

وانقسمت الساحةُ الفلسطينيّةُ بعد طرح "برنامج النقاط العشر" إلى معسكرين: (معسكر رفض) شمل الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير العربيّة، والجبهة الشعبيّة (القيادة العامة) وجبهة النضال الشعبي ومعسكرٍ آخرَ أبدى استعدادًا للتعامل مع التسوية والمرحلة، وعدّ نفسه تيارًا ثوريًّا واقعيًّا وشمل (حركة فتح والجبهة الديمقراطيّة والصاعقة والحزب الشيوعي الأردني في الداخل).

ثانيًا: محطّةُ كامب ديفيد ومشاريعُ التسوية اللاحقة

إذ إنّه رغم رفض منظّمة التحرير للشقّ الفلسطيني في اتّفاقيّات كامب ديفيد، لتجاهله منظّمةَ التحرير الفلسطينيّة، بوصفها الممثّلَ الشرعيَّ والوحيدَ للشعب الفلسطيني، وكذلك لتجاهله الحقوقَ المشروعةَ للشعب الفلسطيني، واختزال هذه الحقوق "بالحكم الذاتي" في إطار السيادة الإسرائيليّة، إلا أنّ قيادةَ المنظّمة لم ترفض في تلك المرحلة المبادرةَ الأوربيّة (1980) في حين رفضتها معظمُ الفصائل الفلسطينيّة، من زاوية أنّها جاءت في ظل فشل مؤامرة الحكم الذاتي في إطار اتفاقيّات كامب ديفيد"؛ الأمرُ الذي دفع بالإدارة الأمريكيّة الإيعازَ لبعض البلدان الرأسماليّة في أوروبا الغربيّة، إلى البحث عن مخرجٍ لهذا المأزق الحقيقي الذي بات يشكّل إزعاجًا للولايات المتّحدة في المنطقة العربيّة، كما أنّ القيادةَ المتنفذة في المنظّمة أبدت استعدادًا لقَبول مشروع فهد عامَ 1981، الذي يعترف ضمنًا بالكيان الصهيوني، لكن معارضةَ معظمِ الفصائل بما فيها قياداتٌ من فتح حالت دون التعاطي معه.

ثالثًا: محطّةُ ما بعد خروج المقاومة من لبنان إثرَ العدوان الصهيوني 1982

وهذه المرحلة لا تقلّ خطورتُها عن مرحلة حرب تشرين، من زاوية أنّ القيادةَ المتنفذة في منظّمة التحرير استثمرت الواقع الناشئ عن خروجِ عددٍ كبيرٍ من القوّات الفلسطينيّة إلى المنافي تجاهَ التعاطي مع مشاريع التسوية المطروحة، وأبرزُها: موافقةُ القيادةِ الفلسطينيّة على مشروع فاس، وهو المشروع ذاته الذي سبق وأن رفضته المنظّمةُ تحت مسمى "مشروع فهد"، وعدم رفض مشروع ريجان وتمريره في الدورة (16) للمجلس الوطني بصيغة "اللعم".

واللافت للنظر أنّ مشروعَ ريجان التصفويّ للقضيّة الفلسطينيّة، والذي جاء ليستثمرَ خروج المقاومة الفلسطينيّة من بيروت، عبرَ تجاهل الحقوق التاريخيّة المشروعة للشعب الفلسطيني بقيادة منظّمة التحرير، شكّل في مضمونه تماهيًا مع بنود "الشق الفلسطيني" في اتفاقات كامب ديفيد، لم يرفضه أبو عمار، بل حاول مدَّ الجسور بينه وبين مشروع فاس عبرَ أطروحاتِ الكونفدراليّة وغيرها. وفي هذه المرحلة حصل انشقاقٌ في حركة فتح عامَ 1983، على خلفيّة الموقف من نهج التسوية، وإقدام عرفات على استبدال قياداتٍ عسكريّةٍ مشهودٍ لها بالكفاءة العسكريّة والوطنيّة بقياداتٍ فاسدةٍ وغير كَفُؤَةٍ، ما أدى إلى حدوث اقتتالٍ بين قوّات فتح وحركة فتح الانتفاضة، ومعها الجبهة الشعبيّة ( القيادة العامة ) والصاعقة مع قوّات فتح في طرابلس التي تحالفت مع حركة التوحيد الأصوليّة، لم تتمكّن خلالها "فتح" من حسم المعارك لصالحها، ومن ثَمَّ حصول المفاجأة الخطيرة بانتقال عرفات من طرابلس على ظهر سفينةٍ فرنسيّةٍ إلى مصر، ليلتقي الرئيس المصري محمد حسني مبارك، ويوقع معه (إعلان نبذ الإرهاب) ما يعني خروجه من جبهة الصمود والتصدي والتحالف مع نظام كامب ديفيد، وهذا التطوّر أحدث انشقاقًا كبيرًا في الساحة الفلسطينيّة، وأدى إلى تبلور ثلاث تحالفات: التحالف الديمقراطي (الشعبيّة والديمقراطيّة وجبهة التحرير الفلسطينيّة (طلعت يعقوب) والحزب الشيوعي الفلسطيني) والتحالف الوطني (الجبهة الشعبيّة- القيادة العامة، الصاعقة، جبهة النضال الشعبي، ورئيس المجلس الوطني خالد الفاهوم) وتحالف حركة فتح مع جبهة التحرير العربيّة وجبهة التحرير الفلسطينيّة (أبو العباس). ولم تلتئم الساحةُ الفلسطينيّةُ نسبيًّا، ولمرحلةٍ محدودة، إلا بعد حواراتٍ مكثّفةٍ بين وفدٍ من اللجنة المركزية لحركة فتح ووفد التحالف الديمقراطي في كلٍّ من عدن والجزائر، وافق فيها المفاوضُ الفتحاوي على "اتّفاق عدن الجزائر" الذي تضمّن إدانةَ زيارة عرفات للقاهرة، والنصّ على تطوير عمل المجلس المركزي، ليصبح دوره تقريريًّا وليس استشاريًّا، وعلى عقد المجلس الوطني – لاحقًا - بعد إتمام الحوار الشامل مع كل الفصائل، بما فيها فصائلُ التحالف الوطني، لكن وفد حركة فتح رفض رفضًا قاطعًا مطلب التحالفين الديمقراطي والوطني في أن أبا عمار بعد زيارته لنظام كامب ديفيد في مصر (لم يعد قاسمًا مشتركًا).

رابعًا: محطّةُ الانشقاقِ الفلسطينيَ الناجمِ عن انعقادِ الدورة (17) للمجلس الوطني

جاء عقدُ دورةِ المجلس الوطني رقم (17) في عمان عامَ 1984، دون إتمام الحوار الوطني الشامل، ليشقّ الساحة الفلسطينيّة مجدّدًا في ضوء الخيارات السياسيّة لقيادة المنظّمة وفتح معًا، فهذه الدورةُ عكست التحالفاتِ الجديدةَ لقيادة المنظّمة مع الأردن ونظام مبارك والتنكّر الكامل لاتّفاق عدن الجزائر، ومباركة إعلان القاهرة بشأن نبذ الإرهاب، وإعادة التأكيد على اللقاءات مع القوى الصهيونيّة.. إلخ.

المخرج الأبرز لهذه الدورة هو توقيعُ اتّفاق عمان مع الملك حسين في 11 شباط (فبراير) الذي استند إلى مبدأ "الأرض مقابل السلام" وَفْقَ قراراتِ الأمم المتّحدة، بما فيها قراراتُ مجلس الأمن / وحقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني، حيث يمارس الفلسطينيون حقَّهم الثابتَ في تقرير المصير، عندما يتمكّن الأردنيّون والفلسطينيّون من تحقيق ذلك ضمنَ إطار الاتّحاد الكونفدرالي العربي المنوي إنشاؤه بين دولتي الأردن وفلسطين، ومن ثَمَّ عقد مؤتمرٍ دوليٍّ تحضره الدولُ الخمسُ الدائمةُ العضويّة في مجلس الأمن، تشارك فيه أطرافُ النزاع ومنظّمة التحرير في إطارِ وفدٍ أردنيٍّ - فلسطينيٍّ مشترك. لكن العاهل الأردني أوقف العملَ بالاتّفاق جرّاء المذكّرة التفسيريّة التي تقدّمت بها اللجنةُ التنفيذيّةُ للمنظّمة نفسها التي طالبت بتعديل بعض البنود في الاتفاق، ومن ضمنها ما ورد في البند (2) من الاتفاق، حيث ينص على "دولةٍ فلسطينيّةٍ متّحدةٍ كونفدراليًّا مع الأردن". وترتّب على ما تقدّم، اصطفافات جديدة على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي، بعد رفضِ كلٍّ من فصائل التحالفين؛ الديمقراطي والوطني حضورَ الدورة، ووقوفِ كلٍّ من سورية والجزائر والاتحاد السوفياتي إلى جانب الفصائل المقاطعة.

لقد انشقّت الساحةُ الفلسطينيّةُ بعد توقيع اتّفاق عمان، الذي رأت فيه معظمُ الفصائل خروجًا على مبدأ "لا مشاركة.. لا إنابة.. لا تفويض"، وأنّه لم يربط قضيّةَ اللاجئين بالقرار 194، وأكّد الاعترافَ بـ (إسرائيل) في حال انسحبت من الأراضي المحتلّة في تنكّرٍ كاملٍ للميثاق الفلسطيني، إذ خرجت الجبهةُ الشعبيّةُ من التحالف الديمقراطي، وخرجت الجبهة الديمقراطيّة من صيغة "القيادة المشتركة للجبهتين"، وجرى تشكيلُ جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطينيّة من كلٍّ من: الجبهة الشعبيّة والجبهة الشعبيّة (القيادة العامة) وجبهة التحرير الفلسطينيّة وفتح الانتفاضة والصاعقة ورئيس المجلس الوطني السابق خالد الفاهوم؛ بهدف استعادة منظّمة التحرير لخطِّها الوطني. كما جرت حواراتٌ متعدّدةٌ بين فتح ومختلِف الفصائل، لرأب الصدع في الساحة الفلسطينيّة جرت في براغ والجزائر وموسكو وطرابلس، أسفرت في محصّلتها في اتّفاق طرابلس على نتائجَ – عدّت مهمةً من قبل البعض- أبرزُها: إلغاءُ اتّفاق عمان رسميًّا وعلنيًّا / رفض قراري مجلس الأمن رقم 242 و338/ وقف العلاقات السياسيّة مع نظام كامب ديفيد في مصر / الالتزام بالميثاق الوطني الفلسطيني.

وفي ضوء هذه النتائج انسحبت الجبهةُ الشعبيّةُ من جبهة الإنقاذ، والتأمَ حوارٌ شاملٌ وفّر الظرفَ الملائمَ لانعقاد الدورة التوحيديّة للمجلس الوطني عام 1987، التي لم تلتزم فيها حركةُ فتح بمعظمِ بنود وثيقة طرابلس عبرَ صياغةٍ ملتويّة، على نحو "نقترب من النظام المصري بمقدارِ ابتعادِهِ عن كامب ديفيد، واعتبار اتّفاق عمان لاغيًّا ... الخ". في حين حافظت فتحُ على سيطرتها على مؤسّسات المنظّمة ومختلِف الآليّات التنظيميّة التي تمكّنها من الاستمرار في نهجها تحت راية الأغلبيّة المضمونة في المجلس الوطني.

رابعًا: محطّةُ المبادرةِ السياسيّة الناجمة عن الدورة (19) للمجلس الوطني

ولا نبالغُ إذ نقول: إنّ هذهِ المبادرةَ بما تضمّنتهُ من اعترافٍ بالقرار 242، الذي يعني ضمنًا الاعتراف بــ (إسرائيل) فتحت الطريقَ واسعًا تجاهَ الولوج لاحقًا في اتفاقيّات أوسلو 1993، إذ إنّها استثمرت انتفاضةَ الحجارة (1987- 1993) تجاهَ الدخول في تسويةٍ مع الجانب الصهيوني، وفتح ثغرةٍ في جدار التصلّب الأمريكي؛ لإجراء حوارٍ مع منظّمة التحرير. وبعد تمرير المبادرةِ السياسيّة الفلسطينيّة في الدورة (19) للمجلس الوطني الفلسطيني؛ التقى وفدٌ من منظمةِ التحرير في ستوكهولم برئاسة خالد الحسن، بوساطة وزيرِ خارجيّة السويد "ستيف أندرسون" مع وفدٍ من كبارِ القيادات الصهيونيّة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1988، جرى الاتفاقُ على نصٍّ مشتركٍ لخطابِ عرفات المرتقبِ في الجمعيّةِ العامّةِ للأمم المتّحدة يتضمّن ما يلي: "الدعوة لعقد مؤتمرٍ دولي، وأنّ المجلسَ الوطني الفلسطيني يقبلُ بوجودِ إسرائيلَ بما هي دولة في المنطقة، ويرفضُ الإرهابَ ويندّدُ به في جميع أشكاله"، ليتلوه بعد ذلك لقاءُ عرفات مع الوفد ذاته، أكّد خلالَه الموافقةَ على الشروطِ الأمريكيّة كافةً من جديد، وهي: أن قيادةَ المنظّمة على استعدادٍ للتفاوض مع إسرائيل، في إطارِ مؤتمرٍ دوليٍّ لتسويةٍ شاملةٍ للصراع العربي- الإسرائيلي، على أساسِ قراري الأمم المتحدة 242 و338 / إنّها تتعّهد أن تعيشَ في سلامٍ مع إسرائيلَ ومع كلّ جيرانها، وأن تحترمَ حقَّهم في العيش بسلامٍ ضمنَ حدودٍ آمنةٍ معترفٍ بها. إنّها تدين أعمال العنف الفرديّ والجماعيّ، وإرهاب الدولة في كلّ صورها، ولن تلجأ إلى شيءٍ من ذلك (6). وبعد ذلك ألقى عرفات خطابَهُ في جنيف في 13 ديسمبر (كانون أول) 1988، مستعرضًا المبادرةَ الفلسطينيّة، وعقد مؤتمرًا صحفيًّا بعد ذلك بناءً على طلب الخارجيّة الأمريكيّة لتظهيرِ التنازلاتِ الفلسطينيّة، ليسافر بعدها إلى باريس ويلتقي الرئيسَ الفرنسي ميتران؛ معلنًا إلغاءَ الميثاق الوطني مستخدمًا المفردة الفرنسيّة (كادوك). وقد أغرت هذه التنازلاتُ الفلسطينيّةُ كلًّا من: شامير ومبارك؛ ليطرحا مبادرتين عام 1989، تتجاهلان منظّمةَ التحرير الفلسطينيّة، وتطرحا الحكمَ الذاتي كسقفٍ لحلِّ القضيّة الفلسطينيّة، ولتتلوهما مباردةُ وزير الخارجيّة الأمريكي جيمس بيكر، التي أكّدت هي الأخرى على سقفِ الحكم الذاتي، وتجاهل منظّمة التحرير.

خامسًا: محطّةُ مدريد واتّفاقيّاتُ أوسلو ومشتقّاتها

بعد العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991، عملت الإدارةُ الأمريكيّةُ على استرضاء الرجعيّات العربيّة، بعقد مؤتمر مدريد للسلام برعاية الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي آنذاك؛ لإيجاد حلٍّ للقضيّة الفلسطينيّة وللصراع العربي الصهيوني، بمشاركةِ وفدٍ فلسطينيٍّ من الداخل وسورية ولبنان والأردن والكيان الصهيوني، وذلك حتى تغطّي مشاركة بعض الدول العربيّة في العدوان على العراق، وتوفّر المشروعيّة العربيّة له، فكان أنْ عُقد المؤتمرُ في مدريد بالشروط الأمريكيّة - التي استثنت أن يكون من الوفد أعضاء من منظّمة التحرير في الخارج -  وأن يشاركَ الوفدُ الفلسطيني – لاحقًا - في المفاوضات  تحت مظلّة الوفد. وفي (3) نوفمبر 1991، أعقب المؤتمرَ مفاوضاتٌ ثنائيّةٌ بين (إسرائيل) والوفد الأردني الفلسطيني المشترك، ولبنان وسوريا على التوالي في واشنطن، وبدأت مفاوضاتُ الوفد الفلسطيني في واشنطن بقيادة الدكتور حيدر عبد الشافي، وعضوية فيصل الحسيني، وصائب عريقات، وحنان عشراوي، التي  استغرقت 22 شهرًا خلال عامي 1991 و1993، دون التوصّل إلى نتائج، جرّاء رفض حيد عبد الشافي، أن تبدأ المفاوضات بموضوع الحكم الذاتي، وإصراره على حلّ قضايا الصراع الأساسيّة – أولًا - وهي القدس ُ والمستوطناتُ واللاجئين والحدودُ والمياه، قبل الشروعِ في الحديث عن شكلِ الكيان السياسي الفلسطيني.

وفي تلك الفترة فتحت القيادة المتنفّذة للمنظّمة قناةً سريّةً للتفاوض مع الإسرائيليّين  في أوسلو من وراء ظهر الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن، بوساطةٍ نرويجيّةٍ دون العود لمؤسسات المنظّمة أو التشاور مع الفصائل الفلسطينيّة، وأسفرت عن توقيع اتّفاقِ المبادئ " غزة أريحا أوّلًا" في 13 سبتمبر (أيلول) 1993، في واشنطن بحضور عرفات والرئيس بيل كلينتون، وعن توقيع اتّفاقِ الاعتراف المتبادل بين منظّمة التحرير والكيان الصهيوني، وعن توقيع اتّفاق (أوسلو 2) عامَ 1995، واتّفاق الخليل (1997) واتّفاق واي ريفر (1998)، تلاها الموافقةُ على خطّةِ خارطةِ الطريق 2003، وتوقيع تفاهمات أنابوليس عامَ 2007.

 لا يتّسع المجال لإعادة الحديث مجدّدًا عن هذه الاتّفاقيّات ومشتقّاتها وتوابعها، فقد تناولتها وتناولها آلاف الكتّاب والباحثين بالقراءة المتفحّصة والتحليل، فقط نشير إلى أخطارها من واقع نصوصها على النحو التالي:

1-هذهِ الاتّفاقاتُ نصّت على حكمٍ ذاتيٍّ على الأرض دونما الشعب، وحوّلت القضايا الجوهريّة محورَ الصراع ( القدس – المستوطنات- اللاجئين – الحدود – المياه) إلى قضايا المرحلة النهائيّة دون ربطِها بقراراتِ مجلسِ الأمن ذات الصّلة، وترك مصيرها للمفاوضات النهائيّة ولميزان القوى المختلّ لصالح الكيان الصهيوني، ما سهّل مهمّة العدو الصهيوني في فرض حقائق الأمر الواقع على صعد الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتهويد القدس والسيطرة على مصادر المياه.. الخ.

2- لم تنصّ اتّفاقيّاتُ أوسلو (1) على الانسحاب من الأراضي المحتلّة، بل تحدّثت عن إعادة انتشار القوّات الإسرائيليّة؛ ما مكّن العدو على تفسير المسألة بأنّ الأراضي المحتلّة هي مناطقُ متنازعٌ عليها.

3- اتّفاقُ الاعترافِ المتبادل نصَّ على اعتراف منظّمةِ التحرير بحقِّ إسرائيلَ في الوجود وبنبذ الإرهاب، وهذا الاتّفاقُ يخدم الروايةَ اليهوديّةَ في فلسطينَ على حساب الروايةِ العربيّة، ويتعامل مع المقاومة بوصفها إرهابًا، ويعدُّ المقاومةَ وبأثرٍ رجعيٍّ عمليّاتٍ إرهابيّةً يجب منعُها، كلّ ذلك مقابل تنازلٍ وحيدٍ وهو الاعترافُ بالمنظّمة ممثّلًا للفلسطينيّين، وليس ممثّلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وليس مقابل حصول الفلسطينيّين على دولةٍ مستقلّة.

3- البعدُ الأمني هو البعدُ الرئيسي في الاتّفاقيات الموقّعة مع العدو كافةً، وجرى النصُّ عليه بمفرداتٍ مختلفةٍ في جميع الاتّفاقيّات بلا استثناء، ما حوّل القضيّةَ الفلسطينيّةَ إلى قضيّةٍ أمنيّةٍ إسرائيليّة، ومن ثَمَّ فإنّ التنسيقَ الأمني ليس معزولًا عمّا ورد في تلك الاتّفاقيات الذي جرى تعزيزُهُ في خطّةِ خارطةِ الطريق 2003، في ضوء تفاهات تينيت – ميتشيل، وفي دور الجنرال الأمريكي كيت دايتون بشأن إعادة هيكلة أجهزة الأمن الفلسطينيّة لتؤدّي دورًا مركزيًّا في خدمة أمن الاحتلال.

4- الأخطرُ ممّا سبق كله أنّ المفاوضَ الفلسطينيَّ؛ ارتكبَ جريمةً كبرى في اتّفاق أوسلو 2، عندما قبل بتقسيم منطقة الحكم الذاتي (السلطة الفلسطينيّة) إلى ثلاث مناطق (أ ، ب ، ج)، حيث تخضع المنطقةُ (أ) فقط لسيطرة السلطة الفلسطينيّة الأمنيّة والاداريّة بشكلٍ كامل، بمساحة 18 في المائة يستثنى منها القدس،  وتخضع المنطقة (ب) التي تبلغ مساحتها 21 في المائة  للسيطرة الأمنيّة للكيان الصهيوني، والسيطرة الإداريّة للسلطة الفلسطينيّة، والمنطقة (ج) تخضع للسيطرة الإداريّة والأمنيّة بشكلٍ كاملٍ للكيان الصهيوني، كما أنّه وَفْقَ هذا الاتّفاق جرى ترسيمُ الطرق الالتفافيّة للمستوطنات في الضفّة بمساحةٍ تزيد عن 500 كيلو متر، التي التهمت مساحاتٍ واسعةً من الأراضي الزراعيّة في الضفّة الغربيّة، هذا كلّه ناهيك عن أنّ المفاوض الفلسطيني ارتكب جريمةً أخرى بتوقيعه اتفاقَ باريس الاقتصادي، الذي جعل الاقتصادَ الفلسطيني تابعًا للاقتصاد الإسرائيلي.

5- التطوّرُ الأخطرُ في تاريخ القضيّة المرتبط باتفاقيّات أوسلو؛ تمثّل في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عامَ 1996، بإلغاء المواد  الأساسيّة من الميثاق الوطني التي تتمسّك بالحقّ التاريخي للعرب في فلسطينَ، وعدم قانونيّة وعد بلفور، وعدم شرعيّة نظام الانتداب، وعدم شرعيّة قرار التقسيم، وتأسيس الكيان الصهيوني، وتدعو إلى القضاء على كيان الاستعمار الاستيطاني العنصري في فلسطينَ العربيّةِ بالمقاومة المسلّحة، وحرب التحرير الشعبيّة، والمواد الملغاة هي: 6 و7 و8 و9 و10 و15 و19 و20 و21 و22 و23 و30 ، أما المواد التي حذفت منها مقاطع فهي 1 و2 و3 و4 و5 و11 و12 و13 و14 و16 و17 و18 و25 و26 و27 و29. وبهذا الإلغاء تكون منظّمةُ التحرير قد تنازلت عن استراتيجيّتها الوطنيّة - التي هي بمثابة العقد الاجتماعي الوطني ما بين الشعب والمنظّمة -  مقابل سلطة حكمٍ ذاتيٍّ فاقدٍ للسيادة على أجزاءٍ من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.

6- لقد شكّلت اتّفاقيّاتُ أوسلو ومشتقاتُها غطاءً لعمليات التهويد والاستيطان، إذ إنّه وَفْقَ تقريرِ مركزِ الأبحاثِ التابعِ لموقع عرب 48، فإنّ عددَ المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينيّة بالضفّة الغربيّة والقدس المحتلّتين، تضاعف من 144 مستوطنةً قبل توقيع اتّفاق أوسلو إلى 515 مستوطنةً وبؤرةً استيطانيّةً حتى أيلول/سبتمبر 2018، وتضاعف عددُ المستوطنين في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، بأكثرَ من ثلاثِ مرّاتٍ، وارتفع من 252000 قبل أوسلو إلى نحو 834000 مستوطنٍ اليوم؛ أكثر من نصفهم يعيشون في القدس ومحيطها.

قيادةُ المنظّمةِ ماضيةٌ في التمسّكِ بنهجِ التسويةِ الأوسلويّ التصفويّ

 لقد جاءت المبادراتُ التسوويّةُ اللاحقةُ جاءت لتبني على هذا الكمّ الهائل من التنازلات التي أقدمت عليها القيادةُ المتنفّذةُ لمنظّمةِ التحرير، فخطّةُ كيري المتدرّجة سعت إلى  استمرار السيطرة الإسرائيليّة على منطقة الغور، وتشريع الكتل الاستيطانيّة الرئيسيّة وضمان الأمن للكيان الصهيوني، وخطّة صفقة القرن جاءت لتحلّ القضيّة الفلسطينيّة في سياقٍ اقتصاديٍّ في إطار السيادة الأمنيّة الكاملة للكيان الصهيوني، والاعتراف بقانون القوميّة اليهودي، بعد نقل السفارة الأمريكيّة للقدس والاعتراف بالقدس عاصمةً موحّدةً  للكيان الصهيوني، واتّخاذها إجراءاتٍ عمليّةً لشطب حقِّ العودة عبرَ ترتيباتٍ خاصّةً لتجفيف مصادر تمويل وكالة الغوث.

وأخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى مسألةٍ محدّدةٍ أنّ منظّمةَ التحرير أصبحت أداةً بيد السلطة منذ زمن بعيد، وأنّ قيادتها رغمَ كلّ ما لحق بالقضيّة الفلسطينيّة من أخطارٍ ودمارٍ جرّاءَ اتّفاقيّات أوسلو ومشتقّاتها، ما تزال ماضيةً في هذا النهج ولن تتراجعَ عنه، ولا يغيّر من واقع الصورة بعض التمويهات التكتيكيّة التي تلجأ إليها كأداةِ ضغطٍ تفاوضيّةٍ، كما حصل في مؤتمر أمناءِ الفصائل "بيروت- رام الله"، في الثالث من سبتمبر (أيلول) 2020، عندما أعلنت موافقتَها على تجميدِ العملِ باتّفاقيّاتِ أوسلو والتنسيق الأمني، وتراجعت عن ذلك فورًا إثرَ فوز الرئيس الأمريكي "بايدن" في الانتخابات الرئاسيّة.