Menu

حولَ السينما الفلسطينيّة: سلسلةُ مقالاتٍ سينمائيّة (5) كفر قاسم – وبرهان علوية

وليد عبد الرحيم

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

ما لم تكن عاشقًا بالفطرة، لن تقدرَ على إنجازِ فيلمٍ عشقيٍّ جيّدٍ عن امرأةٍ أو مدينةٍ أو حتّى بخصوص زيتونةٍ على سفح جبل، وأثناءَ التهيئة لمادة أهم الأفلام الفلسطينيّة، توفّي عاشقٌ لها، هو برهان علوية مبدعُ فيلم "كفر قاسم"، ومُحبُّ فلسطين وشعبها المتيّم بالحقيقة والعمق والرسوخ والحريّة.

في فيلم كفر قاسم حاول برهان علوية اجتيازَ حاجز السكونيّة الفنيّة، الصاخبة شعاراتيًّا في السينما الفلسطينيّة وكما أسلفنا في مواد سابقة، فإنّ السينما الفلسطينيّة ليست بالضرورة أن تكون قد أنجزت على يد حاملي هُويّةٍ وطنيّة، بل تسطعُ وتتجدّدُ ربّما بعمقٍ أكبرَ أحيانًا عندما يتم إنجازُها على يد ما هو خارج ال قطر ي بالذات، عندما يكون من بلد الأصل التاريخيّ الواحد "سوريا الكبرى" أو قُل إن شئتَ "بلاد الشام".

لا أنوي هنا امتداحَ علويّة على طريقة الفنان الجيّد هو الفنان الميّت، بل تقديم ما هو نقديٌّ سواءً أكان سلبيًّا أم إيجابيًّا، خاصةً أنّ الرجل قد غادرنا متزامنًا مع بَدْءِ محور أهمّ الأفلام الفلسطينيّة في مجلّة الهدف، حيث تدلّ الشواهد المختلفة على دينامية تقترب من التأريخيّة، لكن وفاة الرجل المفاجئة فرضت نفسها فغيّرت الترتيبات كما فعل فيلمه في بدايات السبعينات من القرن العشرين.

أُنتج فيلم "كفر قاسم" عام 1974، بتوقيع المؤسّسة العامة للسينما في سوريا، وهو يحكي جانبًا واقعيًّا من قصّة مجزرة النازيّة الصهيونيّة ضدّ المواطنين العزل في بلدة كفر قاسم عام 1956، بكامل وحشيّته العضليّة وأدواته الصهيونيّة المنظّمة، وهكذا، كتب السيناريو عاصم الجندي وأخرج الفيلم برهان علوية وهو من بطولة عبد الرحمن آل رشي، سليم صبري، أحمد أيوب، شفيق المنفلوطي، شارلوت رشدي، عبد الله عباسي، وآخرون.

يُسجل للمخرج في هذا الفيلم أنّه ابتعد عن التقريريّة السياسيّة بحسب مفرداتها وصياغتها المعهودة في تلك الفترة، التي كانت المقاومةُ الفلسطينيّةُ أثناءَها قد خرجت لتوِّها من الأردن بعد جهدٍ دوليٍّ وخطّةٍ مدروسةٍ ومُحكمةٍ لإخراج الثّورة الفلسطينيّة من جهة الحدود الحسّاسة مع فلسطين، حيث استغلّت الصهيونيّةُ وأمريكا والأنظمةُ العربيّةُ عمليّاتِ الجبهة الشعبيّة البطوليّة التي تنفذها مجموعاتُ وديع حداد لتحقيق هذه الغاية، مستفيدةً من تباكي الأنظمة ورعبها من المقاومة؛ خاصةً اتّساع المدّ الشعبي العربي العارم المؤيّد للثورة الفلسطينيّة.

وهكذا أصبحت الثورةُ الفلسطينيّةُ مشتّتةً، واضطّرت للوجود في لبنان، بلد برهان علوية الذي ينتمي لجنوبه المقهور، وكأنّه بذلك يريد الردَّ على العملاء والمنحرفين والطائفيّين في لبنان الذين بدأوا يحشدون الإشاعات، ويشحذون الخناجرَ لطعن الثورة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة مرّةً أخرى بعد الأردن.

ردَّ علوية - إذًا - بفيلم كفر قاسم، الذي أراد القولَ من خلاله: إنّ من يقف ضدّ الفلسطينيّين مهما كان شعاره فهو يقف مع النازيّين الصهاينة، أظنّ بأنّ هذه هي لحظةُ ما قبل الرسالة الأولى للفيلم في سياقها الزمني "1974".

قصّة السيناريو الدراميّة التي أبدعها الكاتب عاصم الجندي، ابتعد عن الصيغة السائدة، وإن لم يكن تمامًا، لكنّه فتح بابًا مهمًّا للغة سيناريو وحوار مختلفةٍ عن السائد حينها، والمفعمة بالخطب والشعارات التي كان من الممكن لو لم يتم تجاوزها أن تطيح بفنيّة الفيلم ومهنيّته، مع العلم أنّ قراءة "كفر قاسم" الآن بعد نصف قرنٍ ستكون ساذجةً ما لم تأخذ بعين الاعتبار الفارقَ الزمني والتقني من حيث تطوّرُ لغة السيناريو عربيًّا ومفرداته وخبراته من جهة، وتطوّر تقنيّات التصوير والشرائط وأجهزة المونتاج والإضاءة وغيرها عالميًّا من جهةٍ أخرى. أمّا عن برهان علوية فقد استخدم أسلوبًا واقعيًّا يتناسب مع مصداقيّة الحادثة - المجزرة وواقعيّتها وطبيعتها، التي وقعت يوم 29 تشرين الأول عام 1956

المأخذُ الأوّلُ على الفيلم (وقد صدرت مقالاتٌ ومقولاتٌ للعديد من أبناء كفر قاسم ذاتهم) هو عدم الغوص جيّدًا في تميّز طبيعة أهل كفر قاسم، فأهلُ هذه القرية هم أناسٌ ظرفاءُ ومميّزون، ويحبّون الجلوس في المقاهي والرحلات وتحضير الأطعمة المختلفة، فالفلافل – مثلًا - تُعدّ أكلةً متعارفٌ عليها في كفر قاسم، وللطعام عامةً طقوسُهُ المختلفةُ المتمايزةُ عن المحيط وعن الكل الفلسطيني، وهم أهلُ فرحٍ وأعراسٍ وضيافة، ولم يعرض الفيلم ذلك كما ينبغي.

المأخذُ الثاني على الفيلم هو أنه لم يعمل تمامًا على دراسة اللهجة المحليّة المتميّزة بدورها - هناك اختصاصٌ يسمّى: مدقّق لغة أو لهجة في السينما، وهذا لم يكن موجودًا ضمنَ طاقم الفيلم - ... سوف أذكر قصةً كان والدي يذكرها، ففي رحلة الذهاب إلى القدس كان جدي مصطحبًا لولديه الطفلين معه وكان ذلك قبل النكبة، حيث أن للجدّ صديقًا حميمًا من أهالي كفر قاسم فأبى إلا أن يزوره.

يقول والدي: إنه كان يبلغ نحو عشر سنوات... وعندما سمع لهجة أهل كفر قاسم، سأل والده ببراءةٍ، هل هؤلاء هم اليهود؟ حيث تتباين لهجة أهل الجليل مع لهجة منطقة القدس التي تتباين بدورها مع لهجة أهالي كفر قاسم ذاتهم. ولتكملة القصة لا غير، قام جدي بصفع والدي الطفل بقفا يده على فمه حتى أنقذه الضيف، وعلى الفور حوّل المسألة لطرفه!

أغفل الفيلمُ – إذًا - (بسبب عدم معرفة طبيعة البلدة وتمايزها) العديدَ من مزايا البلدة، التي كان من الممكن أن تضفي حلّةً دراميّةً جميلةً جدًّا للفيلم، لكن ذلك لا يلغي الجهد الكبير المبذول في السيناريو والتصوير والإخراج، لتحقيق ما أمكن من تقاربٍ مع الواقع الحياتي الحقيقي لأهل القرية، وهو ما يسجّل للمخرج وطاقم العمل على الرغم من الملاحظات، فالصورةُ السائدةُ آنذاك عن الفلسطيني هي قالبُ اللاجئ المحني الظهر، أو شكل الفدائي السوبرمان، ولا ثالث لهما!!

يحكي الفيلمُ - إذًا - على طريقته قصّةَ المجزرة، وفيها الكثير ممّا حدث حقًّا وبدقّةٍ مع بعض الهفوات المعرفيّة، خاصّةً أنّ فترة الإغلاق "الحكم العسكري" المفروض على المنطقة منذ الاحتلال عام 1948، ثم بعد 1967، وحصار الأنظمة المحيطة بالداخل الفلسطيني، ومنع الفلسطيني في الخارج من التواصل مع الداخل، كما هو مَنْعُ الكيان الصهيوني للضفة الغربية و غزة بالتواصل مع المناطق المحتلّة عام 1948، كلّ هذا جعل من الفيلم على أهميته وجماليته منقوصًا في العديد من هذه النواحي.

حاز فيلمُ كفر قاسم على التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج السينمائي عام 1974، وهو العام ذاته الذي أُنتج فيه، وكان صيته مدويًّا في الأوساط الفنيّة والإعلاميّة والشعبيّة، حيث تتراكض الجماهير لحضوره فما إن عُرض في دمشق حتى استمر عرضه لأشهر في مختلِف صالات السينما، وكذا الأمر في أماكن عربيّة عدّة، والعديد من دول العالم.

بخصوص السرد البصري والشفهي، فقد كان برهان علوية موفّقًا إلى حدٍّ كبيرٍ، حسب التقنيّات والإمكانات القليلة المتوفّرة حينها، فبدل التورّط في استخدام الصورة – مثلًا - ها هو يزامن عبر المذياع ما بين إعلان جمال عبد الناصر ذي التأييد العربي الشعبي العارم للتأميم، وعدو بقيّة الأنظمة مع حدوث المجزرة المنظّمة من قبل الصهيونيّة، حتى لتكاد ساعةُ الصفر تكون ذات نزعةٍ انتقاميّةٍ مبنيّةٍ على حقدٍ في التربيّة والعقيدة الصهيونيّة النازيّة، ممّا يعطي دلالاتٍ تكامليّةً بين أمرين؛ إنساني (المجزرة) والمدّ القومي (التأميم).

حاول برهان علوية وعاصم الجندي تقديمَ صورةٍ توضّحُ ضبابيّةَ ما يحدث في فلسطين؛ عبرَ أدواتٍ بسيطةٍ، فقد تمّ استخدامُ كاميراتٍ سينمائيّةٍ قديمةٍ وإضاءةٍ متواضعةٍ بروحٍ مبدعةٍ كبيرة.

لكلّ مخرجٍ شخصيّةٌ سينمائيّةٌ تقبع في داخله، وتسمو مع روحه أو تُجاري السائد، شخصيّةُ علوية الجوانيّة صاخبةٌ حالمةٌ تمتلك استمراريّةً ديمومةً إبداعيّةً مخبوءةً تعشّش في جوانبه وفضاءاته، فقد أراد حينها إنشاءَ ظاهرةٍ سينمائيّةٍ جديدةٍ في الوطن العربي، بعد مسيرة السينما المصريّة المهمّة، أو لنقل تطويرًا لها في نغمةٍ مدرسيّةٍ جديدة، من حيث تغيّرُ القيم والأفكار بعد نكبة 1967، حيث تمّت الإطاحةُ بالحلم، وغابت مساحاتٌ جديدةٌ من الأرض، وأُحيلت إلى قبضةِ النازيّة الصهيونيّة.

أراد برهان علوية - فيما أتيح له – أكثر من مجرّد تظهير المجزرة - المأساة في فيلمه "كفر قاسم"، فقد سعى لحفر زاويةٍ رؤيويةٍ مختلفةٍ عن سائر الأفلام العربية السائدة، ها هو يبحث هنا عن موضوعٍ مهمٍّ شائكٍ وصعب، ويحاول تجييرَهُ لصالح لغةٍ بصريّةٍ مميّزة، وسمعيّةٍ مختلفة، تتّخذُ خطوطَها ومساراتها بذاتها ولذاتها.

يمتدُّ فيلمُ كفر قاسم على مساحةٍ زمنيّةٍ قدرُها مئةُ دقيقة، وخمسون صرخةَ نهوضٍ، وخمسون إدانةً للمجزرة بطريقةٍ عميقةٍ لا خطابيّةٍ ممجوجة.

بطاقةُ فيلم كفر قاسم:

- قصّة: عاصم الجندي

- سيناريو وحوار: برهان علوية + عاصم الجندي

- مدير التصوير: بيترا وانجيه

- موسيقى: وليد غلمية

- مدير الإنتاج: محمد سالم

- ديكور: تاج الدين تاجي

- صوت: هنري موريل

- مساعد مخرج: جان كلود قدسي

- إنتاج المؤسسة العامة للسينما - دمشق

الممثّلون:

عبد الله عباسي – عصام عبه جي – شفيق المنفلوطي – توفيق مراد – حسيبة هاشم – زينة حنا – عبد الرحمن آل رشي – عبد الهادي الصباغ – أحمد أيوب – شارلوت رشدي – نصر شما – انتصار شما – مصطفى بريدي – عدنان بركات – سليم صبري – مكرم يونس – مظهر الحكيم....