(1-7)
عرض وتلخيص كتاب
فلسطين والفلسطينيون
(1876-1983)
(تأليف: باميلا آن سميث، ترجمة: إلهام بشارة خوري، دمشق – دار الحصاد للنشر – 1991)
تقديم:
الرفاق والأصدقاء الأعزاء
في ظروف الانحطاط العربي وآثاره على القضية الوطنية والحقوق التاريخية الفلسطينية، الى جانب أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية مركزية على الصعيدين الدولي والعربي الرسمي، وتراجعها مع تراجع المشروع الوطني التحرري الفلسطيني وأهدافه النضالية السياسية والكفاحية ضد الوجود الصهيوني ومن اجل الحرية وتقرير المصير والعودة، يسرني أن أقدم اليكم ملخصاً وعرضاً وافياً – دون أي تعديل او إضافة - لكتاب "فلسطين والفلسطينيون" نظراً لأهمية موضوعاته التي تستعرض عبر تسلسل تاريخي شامل، ومنهجية موضوعية الى حد كبير تطور المجتمع الفلسطيني خلال ما يزيد عن القرن (1876-1984) اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، والمراحل التي مر بها مع تبيان تطور القضية الفلسطينية –من وجهة نظر مؤلفة الكتاب - ودور الفعاليات الفلسطينية السياسية والاقتصادية والمجتمعية وفق المنظور الطبقي لكل مرحلة من مراحل التطور المجتمعي الفلسطيني.
الكتاب من تأليف الباحثة/ الكاتبة الأمريكية "باميلا سميث" الحاصلة على درجة الماجستير في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة هارفارد، ثم قامت بإعداد أطروحة الدكتوراه حول "فلسطين والفلسطينيون" حيث ركزت اهتمامها على "ردود أفعال الجماعات الفلاحية في فلسطين تجاه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تعرضوا لها"، إلى جانب اهتمامها بطرح الأسئلة حول الهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ على الولاءات التقليدية، واستكشاف وتوضيح معالم المجتمع الفلسطيني وتركيبه الطبقي والتغيرات التي طرأت عليه.
في هذا الجانب أشير إلى أن الكاتبة انطلقت في كل ذلك من موقع التضامن مع الفلسطينيين وقضيتهم عبر استخدامها للمنهجية الماركسية في استعراضها وتحليلها للتطور الاجتماعي الفلسطيني، رغم إشارتها الصحيحة بالنسبة إلى صعوبة تطبيق مفاهيم محددة مثل "الطبقة" على مجتمع ما قبل الرأسمالية، إلى جانب مرحلة ما بعد النكبة وتعقيداتها، وأفول العائلات الحاكمة، والتطور السياسي والاجتماعي اللاحق بعد نكبة عام 1948، وظهور مفاهيم واطر القومية والبرجوازية، وتجزؤ الفلاحين، وإخضاع اللاجئين والتحولات الطبقية وانعكاساتها على مجمل الحركة الوطنية وفي إطار م.ت.ف.
باختصار، إن هذه الدراسة تستحق الاهتمام والقراءة بالنظر إلى البعد الاجتماعي/ السياسي الذي يسهم في إلقاء الضوء على العلاقة بين الطبقي والوطني ومن ثم على مسألة الترابط الجدلي الوثيق بينهما من وجهة الوطنية التقدمية.
غازي الصوراني
26/10/2021
الجزء الأول: المنظور التاريخي
فلسطين تحت الحكم العثماني:
حكمت فلسطين من العثمانيين في عهد السلطان سليم الأول (1512-1520) حيث استولى جيشه على الأرض التي كان يسيطر عليها المماليك. وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، قامت السلطات العثمانية بتقسيم ريف فلسطين إلى مقاطعات ومناطق حكمها الشيوخ والأمراء المحليون، إلا أن السلطة الفعلية كانت في أيدي عشائر البلاد الكبيرة، حيث كان على رأس كل عشيرة شيخ يكون عادة أقوى رجال عائلته في العشيرة. وكانت كل عشيرة ترتبط بشبكة واسعة من العلاقات أساسها رابطة الدم. وفي المناطق التي حافظت على نظامها الأصلي، ازدهرت التجارة والزراعة بسبب عدم الانصياع للتجنيد الإجباري وأعمال السخرة والضرائب الباهظة، إضافة إلى ذلك فان الشيوخ المحليين كانوا يطبقون قانون إبراهيم او (شريعة الخليل). وبخلاف الشريعة المحمدية التي كان يشرحها ويفسرها رجال الافتاء والقضاة الذين يعينهم السلطان من النخبة المدينية، فان شريعة الخليل عكست القيم والعادات والتقاليد المحلية، ففي أوقات السلم كان شيوخ ريف فلسطين وأقاربهم يجمعون ثروة لا باس بها. وفي هذا السياق فقد وصف "إحسان النمر" الذي ينحدر من أقوى العائلات في جبل نابلس، وصف مركز عشيرته قائلاً:
"كانت ممتلكاتهم متنوعة جداً تعكس إمارتهم وعزهم. كانوا يملكون معامل الصابون والحمامات، ومزارع الخضار، ومعامل الفخار، والطواحين، ومعاصر الزيتون والسمسم، والمتاجر، وأفضل الأراضي... وكانوا يورثون ممتلكاتهم إلى ذريتهم، وبقياداتهم حافظت عائلة النمر على مركزها أكثر من ثلاثة قرون".
وكانت هناك عائلات أخرى قوية في البلاد استطاعت ان تحتل منصب الوالي العثماني، ففي الفترة ما بين 1840-1860 تناوب منصب الوالي أفراد عائلتي عبد الهادي وطوقان، كذلك عمل احد أفراد عائلة عبد الهادي والياً عثمانياً لمدينة غزة لفترة ما. هذا وقد نبعت قوة الشيوخ وثراؤهم من حقهم في جمع الضرائب وحفاظهم على الأمن المحلي، وفي هذا الجانب تورد الكاتبة وصف أحد المؤرخين الفلسطينيين لهذه العملية، حيث يقول:
"كان يأتي في كل عام والي الشام من استنبول إلى دمشق ويعطي لكل شيخ في المناطق المحيطة عباءة شرف ومعها أوامره، أي أوامر الحكومة. بعد ذلك يقوم الشيوخ بجمع الضرائب التي كانت تجمع حسب حجم القرية، فالقرية الكبيرة تدفع 500 زلطة· أما القرى الأخرى فتدفع 200 او 150 زلطة. وكان مسئول آخر يأتي إلى القدس للغرض نفسه.
وعندما اضطرب الأمن والقانون وتصاعدت حاجة (الباب العالي) للأموال والجنود، حاولت السلطات العثمانية الحصول على المزيد من الأموال، لذلك أوجدت نظام الالتزام الذي يجدد سنوياً اذا ما اثبت الشيخ (أو كبير العائلة من الأفندية أو البكوات) قدرته على إيجاد القوة اللازمة لجمع الضرائب من الفلاحين وضمان سيادة الأمن والقانون في منطقته.
تأججت سياسة فرق تسد التي قلبت الشيوخ ضد بعضهم البعض، وشجعت النزاعات القبلية والعشائرية (والعائلية)، نتيجة المنافسات التي كانت قائمة أصلاً، مثل الخوف بين عائلة عبد الهادي وطوقان في نابلس وطولكرم وجنين، وبين شيوخ الخليل وبيت جبرين في الجنوب. وانفجر النزاع في العام 1850 على شكل حرب أهلية في فلسطين كلها تقريبا استمرت بين مد وجزر حتى العام 1874.
نشوء الملكية الخاصة:
مع تطبيق قانون جديد للأرض في عام 1858 بدأ النظام القبلي بالانهيار وأخذت العشائر بالتحول إلى عائلات أصحاب ملكية صغيرة من الأرض من ناحية، وبدأت عملية إفقار الفلاحين من ناحية أخرى. فقبل تطبيق هذا القانون كان الباب العالي هو الذي يقرر حق جمع ضريبة الأرض. ثم فرض قانون الالتزام على كل مصادر جباية الضرائب: التجارية والحرفية في المدن، وضرائب الأراضي المبنية والمزروعة في الريف. وباستثناء بعض الممتلكات – المكونة بشكل رئيسي من البيارات وكروم العنب ومزارع الخضار في المدن وحولها التي ُسمح لها ببقائها كأملاك وقف منذ الفتوحات الإسلامية- أو بعض الأراضي التي منحها السلطان لبعض الأشخاص الذين خدموا الإمبراطورية- فإن الملكية الفعلية للأرض بقيت في يد الدولة.
ومن أهم مميزات قانون الأرض الذي صدر في العام 1858 ومرسوم تسجيل الأرض الذي صدر في العام نفسه، هى إعطاء عائلة الملتزم حق الوراثة في الالتزام. كما وأن تسجيل الأرض وإصدار صكوك الألقاب أعطى الملتزمين حق تنظيم ملكيتهم بحرية، عن طريق نقل الأراضي أو تصنيفها كوقف.
رغم أن قانون الأرض وتعديلاته لم يطبق بشكل متجانس في جميع أنحاء الريف إلا أن التغيرات التي أحدثها شجع نشوء الملكية الخاصة، لدرجة أن العديد من عائلات البلاد ذات النفوذ أصبحت من ملاك الأراضي وحصلوا على ثروة كبيرة في سبعينيات القرن التاسع عشر. فعائلة عبد الهادي التي امتد نفوذها إلى مناطق واسعة حول مدينة نابلس امتلكت في العام 1875 سبع عشرة قرية و 60 ألف دونم من الأراضي وامتلكت عائلة الجيوسي التي كان مقرها الرئيسي في الكور، بالقرب من بني صعب 24قرية. أما عائلة البرغوثي فامتلكت حوالي 39 قرية في منطقة بني زيد وبني مرح. وفي جنوب فلسطين امتلكت عائلة التاجي (والمعروفة أيضاً باسم عائلة الفاروقي) حوالي 50 ألف دونم من الأراضي حول مدينة رام الله. وامتلكت عائلة الطيان في يافا 40 ألف دونم، أما عائلة الشوا فامتلكت حوالي 100 ألف دونم في غزة. ويقال أن عائلة يهودية اسمها بيرغيمز كانت تمتلك 20 ألف دونم في قرية أبو شوشة وحولها.
أدى انفتاح البلاد على التجارة الخارجية، والاستيطان الأوروبي والروسي إلى ارتفاع أسعار الأراضي وإلى موجة مضاربة استمرت حتى زوال الانتداب البريطاني عام1948، ورغم أن معظم الأراضي العربية التي بيعت للمستوطنين اليهود بين العام 1882 والعام 1920 كانت ملكاً لمالكين غائبين يعيشون في بلدان عربية مجاورة، إلا أن العائلات الفلسطينية المقيمة في فلسطين جنت أرباحاً لابأس بها، إما عن طريق بيع قطع أراض صغيرة، وإما عن طريق السمسرة، مما أدى إلى تزايد الملكيات الخاصة، ونشوء طبقة مالكي أراضي واسعة الثراء، وطبقة البروليتاريا الريفية المكونة من الفلاحين الأجراء والمحاصصين والمزارعين الصغار المفقرين.
تحول المجتمع الفلسطيني في الفترة ما بين 1876- 1917:
على الرغم من قصر الفترة بين 1876-1917 تاريخ وصول الجنرال اللنبي إلى القدس، ولكنها شهدت تغيرات سياسية واجتماعية عميقة تركت أثرها على المجتمع الفلسطيني، وخارج حدود هذا المجتمع.
ففي نهاية القرن التاسع عشر، كانت فلسطين مكونة من أغلبية فلاحية تسيطر عليها (النخبة) الحاكمة ومعظمها من المدن، وتكونت هذه النخبة من شيوخ القبائل المكونة من العشائر. أما في فترة الحرب العالمية الأولى فقد حلت مكانها نخبة غير متجانسة مكونة من فئتين:
- الأشراف وهم المثقفون الارستقراطيون.
- العائلات وهم من العائلات المالكة للأراضي الواسعة وهذه العائلات تحدرت من العشائر
- وجمعت الثروة والنفوذ وجردت الشيوخ من السلطة.
الأشراف:
يحصل الأشراف على صفتهم كأشراف منذ الولادة إذ معظمهم يدعون تحدرهم من أصل يربطهم بالنبي محمد أو أحد القادة العسكريين العظام الذين قادوا الفتوحات الأولى في القرن السابع الميلادي، وإذا ثبت هذا الأصل فيتمتعون عندها بامتيازات خاصة، حيث يعفون من دفع الضرائب ومن الخدمة العسكرية ومن ملاحقة القانون الجنائي، وزعيمهم ويسمى النقيب هو الذي يفصل بينهم، وإذا تطلب الأمر حبسهم فيكون الحبس في بيته وليس في سجن الدولة.
أما مصادر ثروتهم فكانت من سيطرتهم على الأوقاف، والممتلكات والمؤسسات الخيرية. مثلاً أُعطيت عائلة التميمي مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة جنوبي فلسطين من قبل عمر بن الخطاب الخليفة الثاني في القرن السابع أثناء الفتوحات الإسلامية وذلك على سبيل الوقف.
وعائلة الداوودي (وعرفت فيما بعد بعائلة الدجاني) أعطيت وقف النبي داوود في الفترة نفسها، في حين أن جزءاً من عوائد الأوقاف كان مخصصاً لبناء المساجد والمدارس والحدائق العامة، ومن أجل توزيع بعضها الآخر على الفقراء والمحتاجين، أما الفوائد الآتية من الملكية غير المنقولة المبنية على أراضي الوقف أو من ضريبة العُشر فقد كان الأشراف يحتفظون بها لأنفسهم من أجل تسديد النفقات التي ترتبها عليهم واجباتهم.
واعتُرف بالأشراف كهيئة في العهد العثماني وهى هيئة منظمة في طوائف، ولهم الحق في تسمية الأعضاء ومنحهم (الرمز المرئي) وهو ارتداء العمامة الخضراء، وإذا كان نظرياً يحق لأي مسلم أن يحتل أعلى المراكز الدينية في البلاد ومهما كان أصله، إلا أنه على الصعيد العملي كان الأئمة والقضاة بالإضافة إلى المفتي يختارون جميعاً من بين أبناء العائلات الشريفة، مثلاً: عائلة الخطيب اكتسبت سطوتها ونفوذها من خلال سيطرتها على موقع أمام المسجد الأقصى في القدس، واستمرت سيطرتهم هذه حتى ثلاثينيات القرن العشرين وعائلة نسيبه حملت مفاتيح القدس من قبل عمر بن الخطاب وذلك في نفس الوقت الذي منحت به عائلة التميمي الأراضي جنوبي بلاد فلسطين، واستمرت عائلة النسيبة بهذا الموقع حتى نهاية العهد العثماني.
وعائلة الدجاني- لم تكن من الأشراف – منحت من الوالي العثماني محمد آغا أبو نبوت موقع مفتي يافا على أثر تراجع نابليون، كذلك مارست هذه العائلة مهام القاضي والعمدة أيضاً.
أسهمت فترة التنظيمات ومركزة السلطة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني والتي اتسمت بالعنف والقمع بتوفير أساليب جديدة للعائلات الكبيرة والأشراف للاستفادة من ممتلكاتهم وثرائهم ونفوذهم وظهر ذلك بطرق مختلفة:
- شغل أبناء العائلات الكبيرة والأشراف، المدارس الجديدة ودوائر الدولة التي كانت حكراً عليهم ولهم. استفادوا فيما بعد من ذلك حيث أصبح الموظفون المدنيون والضباط العسكريون من أقاربهم وأبنائهم فاحتكروا بذلك التقدم والتطور على الصعيد الفلسطيني في العهد العثماني.
- وأخيراً تمكن الأشراف على أثر التغيرات في قانون الأراضي من حيازة ممتلكات كبيرة عبر تسجيل الأراضي المشاع بأسمائهم لأنه لم يكن أمام الفلاحين الغارقين في الديون خيارات كثيرة فإما تسجيل الأراضي باسم الشريف وهي أحسن الطرق المتاحة للتخلص من الضرائب الباهظة وإما الخضوع لسياسة تركيا الفتاة بخصوص التجنيد الإجباري، وإضافة إلى أن الوقف يحميهم من الضرائب التي لايستطيعون دفعها كذلك أمنت هذه الطريقة عدم سحب أبنائهم إلى الخدمة الإجبارية.
العائلات المالكة للأراضي:
في أواخر العهد العثماني عُرض حق الالتزام بالمزاد العلني، ليبتاعه من يدفع مبلغاً أعلى وبالنتيجة أصبحت العائلات التي اكتسبت حق الالتزام الوراثي من أقوى العائلات ضمن العشيرة الواحدة، وتميز الشيوخ الذين تمتعوا بهذا الحق عن غيرهم وباتوا يشكلون طبقة متميزة دخلت في صراع مع الشيوخ الآخرين الذين لم يكتسبوا نفس الحقوق. ومن جانب آخر دخلوا في صراع مع الفلاحين، هذا على الرغم من أنهم جميعهم من أبناء عشيرة واحدة.
وتدريجياً سيطرت هذه العائلات على العائلات الأخرى التي لاتمتلك نفس المؤهلات وحظي بمراكز السلطة هذه أبناء العائلات القوية (أي مالكة الأراضي الكبيرة).
مع بداية الحرب العالمية الأولى انهارت سلطة الشيوخ بشكل حاد مع ظهور نظام جديد يسيطر عليه الأشراف والعائلات ذات الملكية الكبيرة من العشائر ، ورغم خسارة الشيوخ للجانب المادي إلا أنهم احتفظوا بألقابهم وهيبتهم بين الفلاحين، في حين انتقلت السلطة والنفوذ إلى زعماء العائلات ذات الملكية الكبيرة مثل آل عبد الهادي وطوقان والشوا والبرغوثي والجيوسي، الذين استغلوا ملكيتهم للأراضي واستغلوا سيطرتهم على مراكز السلطة وعلاقات القربى من أجل توسيع نفوذهم السياسي وكسب الأموال لتعزيز زعامتهم وقدرتهم على المنافسة في مجتمع أصبح فيه تراكم واستثمار رأس المال أمراً على غاية من الأهمية.
تجار المدن:
كانت التجارة الخارجية في العهد العثماني بأيدي الأقليات غير المسلمة من يونان وايطاليين وأرمن ويهود وبعض السكان المحليين الذين استفادوا من الامتيازات التي منحها السلاطين العثمانيون للدول الأوربية. ورغم اقتصار منح الامتيازات في البداية على القناصل الأجانب، إلا أن وكلاءهم المحليين المسيحيين واليهود تمكنوا من الحصول على براءة من السفارات الأجنبية فاكتسبوا على أثرها امتيازات على صعيد الجمارك والضرائب التي تُفرض عادة على البضائع الأجنبية.
وكما أشار أحد المؤرخين "تمتع التجار غير المسلمين بأفضل مافي العالمين المساواة مع المواطنين العثمانيين، واستمرار الفوائد الاقتصادية والقانونية في ظل الامتيازات".
في هذه الظروف، تضاعف عدد السكان اليهود بين عامي 1897- 1914 في فلسطين من 50000 ليصل إلى 100000عاشت غالبيتهم أي حوالي 60000 في القدس وضواحيها وحوالي 12500 في صفد والجليل وحوالي 12000 في يافا ومستوطنة تل أبيب التي أسست حديثاً.
بالإضافة إلى الهجرة اليهودية كانت هنالك هجرة البعثات التبشيرية المسيحية من أساتذة وعاديين. وقفزت نسبة السكان المسيحيين من 10% في الجزء الأول من القرن التاسع عشر إلى 16% في عام 1914.
تراكمت الثروة لدى التجار المسيحيين نتيجة السيطرة المطلقة على السلع الغربية المستوردة في وقت تزايد فيه الطلب على تلك السلع، وانتشر بين مختلف طبقات الشعب وفئاته بعد التوسع الذي حصل في التجارة والزراعة والاستثمار.
وجد التجار المسيحيون أنفسهم قادرين على منافسة الأشراف والتجار المسلمين للسيطرة على السوق المحلية متسلحين بالحق الجديد "الامتيازات" الذي مكنهم من الوصول الي السوق الداخلية وعُزز وضعهم هذا بالتعرفة الجمركية المخفضة المفروضة على السلع المستوردة والتي كانت أقل من 11% من ثمنها.
كما أدى نمو التجارة الخارجية وزيادة ثراء وعدد التجار المسيحيين إلى تشكيل أو نشوء طبقة صغيرة ولكن مهمة بين المسيحيين في فلسطين هي "البرجوازية الصغيرة" مكونة من أصحاب الدكاكين والمزارعين وتجار المفرق من جهة، ومن الانتلجنسيا الوليدة المكونة من المعلمين والصحافيين والمحامين والموظفين من جهة أخرى، وقد جاءت سيطرة المسيحيين على تجارة المفرق ليس فقط من خلال صلاتهم بالمستوردين وتجار الجملة فقط، بل من وجودهم بالمدن التي نمت نمواً سريعاً وازدادت دخولها الإضافية.
إضافة إلى ذلك فإن أعضاء الانتلجينسيا الذين استفادوا من تحصيلهم العلماني والعالي ووصولهم إلى مواقع قيادية في المعاهد الخاصة والشركات الأجنبية غالباً ماكان لهم اثر يتعدى طائفتهم المحدودة عددياً، فالعديد منهم لم يعلم أبناءه وبناته فقط بل علموا أبناء عائلات مسلمة متنفذة مثل الحسيني و العلمي.
وظهر جانب آخر من النفوذ الذي حظيت به الانتلجينسيا من النمو السريع للصحف العربية والكتب والمجلات في العقد الذي سبق الحرب، فقد لعبت بعض هذه الصحف مثل صحيفة "فلسطين" اليومية في يافا، وصحيفة "الكرمل" في حيفا، واللتين يمتلكهما مسيحيان دوراً فعالاً جداً في تنظيم الصراع ضد الصهيونية وفي تقديم الأفكار العصرية حول القومية العربية. وقد دعم معظم التجار المسيحيين نشاط هاتين الصحيفتين اللتان كانتا معاديتين للصهاينة، على الأقل لأنهم كانوا يخشون منافسة المهاجرين اليهود الجدد الذين يملكون رأس مال أجنبي ينافس في مجالات اقتصادية هى مجال عمل التجار المسيحيين.
الحرفيون والصناع المهرة:
انتكس وضع الحرفيين والصناع الذين يكسبون عيشهم من صناعة السلع للسكان المدنيين والريفيين، بخلاف تجار المدن الذين توسعت أعمالهم وازدهرت نتيجة تطور التجارة الخارجية وازدياد الاعتماد على الواردات من الغرب.
إلى جانب التباين بين كل من المدينة والريف، فان كل حرفة من الحرف تأثرت بشكل مختلف عن الأخريات بنتيجة إغراق السوق بالسلع المستوردة، فحياكة القطن مثلاً، استمرت بالازدهار في غزة والمجدل بسبب سهولة وصولها إلى أسواق التصدير، بينما تراجعت صناعة غزل الصوف وحياكته بسبب نقص الطلب على العباءات البدوية.
رغم قلة المعلومات عن الحرف وطوائفها الا انه برزت بعض السمات في الفترة التي سبقت الحرب والتي أهمها الزيادة المنتظمة في فقر الحرفيين الذين يعيشون ويعملون في البلدات والقرى، ويوضح هذا الأمر تزايد فقر الفلاحين الذين كانوا يعتمدون عليهم لاستهلاك بضائعهم. وهناك عامل آخر مهم وهو الازدياد الملحوظ لأسعار المواد الخام التي يعتمد عليها الحرفيون والتي كان معظمها يشتري من الأسواق المحلية. أخيراً التضخم الذي أثر على البلاد ككل.
هذه العوامل مجتمعة مضافاً إليها منافسة السلع الأجنبية الرخيصة والمتدفقة بغزارة إلى البلاد أجبرت العديد من الحرفيين إما على التخلي عن مهنهم والبحث عن العمل في أماكن أخرى، وإما الهجرة إلى المدن حيث تسارعت في هذه الفترة عملية الهجرة بشكل كبير في السنوات الأولى للانتداب البريطاني.
في البلدات المسيحية كما في رام الله و بيت لحم وفي الأحياء المسيحية في القدس أدخلت الابتكارات الرأسمالية من اجل الإنتاج والتسويق. ففي هذه المناطق تسارع إنتاج السلع المصنعة محليا من الأصداف البحرية وخشب الزيتون والمواد المتعلقة بالطقوس الدينية كالقطع الفنية والشموع المقدسة.
وقد وجدت في أماكن أخرى ورش مستقلة يقع نطاق عملها خارج حدود البلدات، فمدينة الخليل على سبيل المثال أصبحت مركزاً للحرفيين المستقلين الذين يعملون خارج أسوار المدينة وتخصصوا بإنتاج الزجاج، وبخلاف أهل الحرف في المدن كان إنتاج الحرفيين المستقلين معداً للتصدير إلى المدن الكبيرة وليس لأجل الاستهلاك المحلي.
وفي حالات أخرى هاجر بعضهم الى المدن الساحلية حيث أنشئت أول ورش ومعامل صغيرة لتزويد الأسواق الجديدة، ولإنتاج بضائع جديدة مثل الكتب التعليمية للمدارس الأجنبية، والنبيذ والمشروبات الروحية.
ولكن على الرغم من استمرار عمل الطوائف الحرفية التقليدية، إلا أن دخول السلع الأجنبية وانتشار الدفع النقدي وتغير الطلب في المدن الكبيرة، كل ذلك اضعف سيطرتها المطلقة على الإنتاج المحلي، وعلى الرغم من ان المناطق الريفية استمرت بطلب السلع التقليدية المصنعة محلياً، إلا أن الإفقار التدريجي للفلاحين والحرفيين وإدخال العمل المأجور في المدن أدى إلى انح9دار المهارات التقليدية في مجمل الحرف تقريباً.
ورغم صغر حجم الطبقة العاملة (صغيرة لدرجة أنها لا تكفي لدعم أي نقابات تجارية فاعلة) إلا أنها وضعت الأساس للازدياد الحاد في عددها الذي طرأ في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
الفلاحون: بقيت الأغلبية الساحقة من السكان الفلسطينيين تعيش في البلدات والقرى الداخلية، رغم ازدياد سكان المدن الساحلية، حيث يُظهر أول إحصاء سكاني بعد الحرب العالمية الأولى في عام 1922 أن نسبة سكان الريف تبلغ حوالي 81% من مجموع سكان فلسطين. ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار المستوى العالي للهجرة إلى القدس والمدن الساحلية الذي تم أثناء سنوات الحرب، فإن الرقم الأدق سيكون 75%.
ويكسب معظم أبناء الريف رزقهم من الأرض إن فلاحين وإن بدواً، وقلة منهم عملوا بالتجارة البسيطة في أواخر العهد العثماني، ومن خلال هذه التجارة زودوا السوق الداخلية في فلسطين وسوريا وشرق الأردن بالحيوانات والإنتاج الزراعي، وعاش معظم مالكي الأراضي الكبار والأشراف في المدن بعيداً عن عقاراتهم، وقد أبرزت طريق الحياة الباذخة التقسيم الاجتماعي الدائم بين الفلاحين وبين المدنيين الذين كانوا يعيشون حياة أكثر استقراراً.
في نهاية القرن التاسع عشر أدى الارتفاع السريع في أسعار الأراضي وازدياد الطلب عليها نتيجة الهجرة اليهودية، إلى تحفيز عدد كبير من مالكي الأراضي لإخراج الفلاحين منها دون أن يأخذوا بعين الاعتبار حقوق الرعي التقليدية للبدو ودون أن يأخذوا بعين الاعتبار أن أجيالاً من الفلاحين قد تعاقبت على هذه الأرض وتعتبر عملياً مالكة لها.
واجه الفلاحون، إضافة إلى حالة الدَّين التي نتجت عن الاعتماد على أصحاب الأراضي في تامين وسائل الإنتاج الأساسية، ارتفاعاً سريعاً في قيمة الضرائب التي فرضتها الدولة، بخاصة بعد ثورة تركيا الفتاة وبداية التحضيرات للحرب ، وإضافة الي ضريبة العُشر التي بلغت حوالي 10% من قيمة المحصول كان على الفلاح أن يدفع ضريبة على الأرض التي يزرعها، وأخيراً على الفلاح الذي يملك الحيوانات أن يدفع ضريبة أخرى هى ضريبة الغنم.
وعلى الرغم من أن قيمة العشر حُددت رسمياً ب 12.5% عام 1897 إلا أن النسبة التي كانت تُجمع عنوة عام 1900 وصلت أحياناً إلى حوالي 30% وفي أحيان أخرى إلى 50% وارتفعت أيضاً نسبة ضريبة الوركو فتراوحت بين 20 إلى 30% من قيمة الممتلكات المبنية، وإضافة إلى نسبة الضرائب المرتفعة أصبح المبلغ على أساس إجمالي الموسم دون اقتطاع التكاليف التي يدفعها الفلاح أثناء عملية الإنتاج. يضاف إلى ذلك حقيقة كون أصحاب الأراضي الكبار قادرين على رشوة جباة الضرائب لتقليل حجم المستحقات الضريبية المفروضة عليهم وزيادة الفروق المترتبة على هذا الاختلاس على ضرائب الفلاحين، حيث كانت الدولة بحاجة ماسة للنقود لذا فقد سحبت النقود التي هي بحاجة إليها بشكل عشوائي من أولئك الفلاحين القادرة على قمعهم.
وصلت النسبة التي يتقاضاها المرابون كفوائد على القروض النقدية إلى حوالي 40% أو 50%، الأمر الذي اجبر العديد من الفلاحين على بيع أراضيهم المشاعية أو تسجيلها بأسماء ملاك الأرض الكبار تهرباً من الضرائب، كذلك فَقَد آخرون أراضيهم لصالح مالك الأرض أو لصالح الدولة، بسبب عدم قدرتهم على دفع الديون المترتبة عليهم.
أدت هذه التغيرات الكاسحة في ملكية الأرض وفي الأوضاع المالية للفلاحين إلى تغيرات حادة في العلاقات الاجتماعية التقليدية في الريف، فقد أدى تمركز رأس المال في أيدي كبار الملاك والمدنيين وسحب فائض الإنتاج من الريف إلى توتر شديد في تضامن القرية، هذا التضامن الذي اعتمد عليه الفلاح، عندما كان العمل الجماعي في الحراثة والحصاد يقود إلى تقسيم العمل وتوزيعه حسب توزيعات طبقية.
ويقع العمال المأجورون في أسفل السلم الاجتماعي وكذلك كان وضع الحراثين الموسميين (وعادة يعمل هؤلاء كحراثين وفي أحيان أخرى كمزارعين في البيارات وفوقهم يأتي المحاصصون الذين يتمتعون ولو نظرياً على الأقل بحصة من المحصول، وقد تأثروا – إضافة إلى ديونهم المتزايدة – سلبياً بتقسيم الأراضي المشاعية الذي شجعه النظام الجديد، وبهذا تركزت أراضيهم في أيدي كبار الملاك.
· الزلطة قطعة نقدية فضية تزن أربع دراهم

