(4-7)
عرض وتلخيص كتاب
(1876-1983)
(تأليف: باميلا آن سميث، ترجمة: إلهام بشارة خوري، دمشق – دار الحصاد للنشر – 1991)
التجارة والاستثمار في الشتات، 1948-1974:
اضطر الفلسطينيون بحكم وجودهم في الدول العربية المجاورة لمواجهة قيود شديدة. اختلفت الظروف من بلد الى آخر ومن مدينة الى أخرى. في لبنان مثلاً كانت القيود قاسية.
أما الفلسطينيون الذين لجأوا الى مصر ولم يكونوا من أبناء الطبقة العليا أو أقرباء بالزواج من مواطن مصري فقد أُعيدوا الى قطاع غزة.
أما في سوريا و الأردن فقد كانت الظروف أفضل بحيث سمح للفلسطينيين بشكل عام العمل والانخراط في نشاطات تجارية دون إذن مسبق. أما في العراق فقد سمح للفلسطينيين بالعمل في القطاعين العام والخاص، وبفتح المتاجر والأعمال الصغيرة.
واجه الفلسطينيون في دول الخليج نمط حياة مختلفاً تماماً عن ذلك الذي اعتادوا عليه، اذ أن عدم توفر الخدمات الاجتماعية الأساسية ووسائل النقل أعاق بشكل أوتوماتيكي الحركة الاجتماعية والجغرافية.
أما في الكويت فقد سمح للفلسطينيين بامتلاك بيوتهم وقطعة ارض حول المنزل، ومنُعوا في الوقت نفسه من تأجيرها.
لقد وجد الفلسطينيون في المنافي أن حريتهم مقيدة، إلا أن أصحاب الأموال وذوي النفوذ والمهن غالباً ما كان باستطاعتهم التغلب بالتحايل على تلك القيود، أو التمتع بمعاملة خاصة أو اعتبارات معينة. ففي لبنان مثلاً أعطيت الأولوية في الحصول على إذن عمل لذوي التحصيل العالي، أو المهنيين المتخصصين، ولأولئك الذين لهم أصول لبنانية، وللمتزوجين من امرأة لبنانية الأصل. استطاع الفلسطينيين مثل اميل البستاني – اللبناني المولد- الذي هاجر الى فلسطين في فترة الانتداب وأسس شركة للتعهدات والتجارة، نقل نشاط شركاتهم الى بيروت بعد هزيمة 1948.
على أية حال بإمكاننا أن نستثني من تلك الظروف الفلسطينيين الذين استطاعوا الحصول على عمل في إحدى الشركات الأجنبية العديدة التي أسست أعمالاً لها في لبنان في نهاية الأربعينات وفي الخمسينات. ويمكننا القول هنا أن الطبقة الوسطى المدينية بالتحديد كانت المستفيد الأول من هذا الوضع، ذلك أن العديد من أبناء هذه الطبقة تلقوا تعليمهم في فلسطين باللغة الانكليزية الأمر الذي مكنهم من اعتلاء مناصب هامة في الجامعة الأمريكية في بيروت وفي شركة ناشيونال كاش رجيستر وشركةIBM وتايم لايف وشيل والتابلين (شركة خطوط النفط العربية) في صيدا، ومكاتب شركات النفط العراقية في بيروت وطرابلس، وشركات أُخرى تابعة للمصالح الأمريكية والبريطانية.
يضاف إليهم أيضاً أولئك الذين حصلوا على امتيازات من الشركات الأمريكية والبريطانية في فلسطين في فترة الانتداب والذين استغلوا اتصالاتهم الخارجية لإعادة فتح أعمال مماثلة في بيروت وبفضل ذلك نمت أقلية من الفلسطينيين الأثرياء في رأس بيروت وصيدا حيث كان نمط حياتهم مناقضاً لحياة العشرات الآلاف من الفلسطينيين في المخيمات وفي الأكواخ الممتدة خارج المدن الرئيسية. واستطاع العديد من هؤلاء الأثرياء الحصول في أوائل السبعينات على الجنسية اللبنانية.
أما في سوريا فقد مكنت القوانين المريحة التي حكمت نشاط الفلسطينيين أصحاب رؤوس الأموال من فتح متاجر وتأسيس أعمال وشركات بنفس الشروط التي كان يخضع لها السوريون. بالمقابل كان حصول العمال الفلسطينيون على عمل صعباً جداً لأنهم مجبرون على منافسة العمال السوريون على الوظائف القليلة.
أما الفلسطينيون الذين استقروا في العربية السعودية في أواخر الأربعينات فقد استفادوا من النمو الهائل في الاقتصاد الذي بدأ بالتوسع السريع في إنتاج النفط. فحصل العديدون على جنسيات سعودية وكان بحوزتهم بعض المال، ولم تكن القيود على النشاط التجاري في أيام الازدهار الأولى شديدة. إضافة إلى ذلك استفاد هؤلاء من المبالغ الهائلة التي قدمتها الشركة العربية الأمريكية للنفط (ارامكو)، والوكالة الأمريكية (الولايات المتحدة) للإنماء الدولي (AID)، وبرنامج واشنطن و (IV) وغيرها من برامج التمويل الأميركية.
واستطاع الذين يحملون مؤهلات علمية مثل الأطباء والأساتذة والمحاسبين والمهندسين والإداريين والمستشارين الحصول على وظائف. ووجد آخرون أعمالاً مربحة مثل التعهدات والوكالات وتمثيل الشركات الأجنبية.
وعمل اعتماد المملكة الكبير على الفلسطينيين للعمل في سفاراتها وقنصلياتها في الخارج عمل على تمكين الجالية الفلسطينية في البلاد من إقامة صلات مع مصدري الأسلحة والمعدات الصناعية في الولايات المتحدة خارج إطار الآرامكو، ومكنهم أيضاً من الدخول في علاقات عمل وثيقة مع العائلات التجارية السعودية الأصل، التي سعت إلى توسيع أعمالها في الستينات والسبعينات.
في الكويت ودول الخليج الأخرى وفّر وجود الشركات البريطانية في أوائل الخمسينات فرص عمل للفلسطينيين من أولئك الذين سبق أن عملوا مع الحكومة البريطانية في فلسطين أو تعلموا في المدارس البريطانية أيام الانتداب. لعب أحد القادمين الأوائل إلى الكويت، محسن قطان، دوراً رئيسياً في تطوير النظام التعليمي في الكويت، وحقق صلات حميمة مع العائلة الحاكمة وأبناء وبنات أهم العائلات التجارية نتيجة وضعه العلمي، وأصبح فيما بعد ابنه عبد المحسن القطان نائب سكرتير وزير الأشغال العامة، وفي عام 1959 أسس شركة الهاني الكويتية للتعهدات التي بنت فندق الشيراتون ومجمع شركة الطيران الكويتية ومستودعات مياه ضخمة ومباني سكنية وشبكة مصارف المياه في الكويت.
في عام 1968 وبعد أن جمع ثروة طائلة انتخب عبد المحسن القطان رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني، وجاء هذا الانتخاب بسبب وضعه المالي المهم وبسبب دعمه الكبير لحركة فتح منذ أواخر الخمسينات*.
وفي نهاية الخمسينات كان تعداد الجالية الفلسطينية في الكويت قد وصل إلى عدة آلاف واعتبرت من أغنى الجاليات الفلسطينية في الشتات، والتي وصل تعدادها بعد عشرين سنة ما يقارب 400 ألف، ولعبت مساهماتها المالية المقدمة لفتح ولمنظمة التحرير الفلسطينية دوراً حيوياً في تمكين المنظمة وحركة فتح من النمو في السبعينات رغم الانتكاسات التي لحقت بحركة المقاومة في الأردن ولبنان.
ولقد جذبت مشيخة قطر أيضاً جزءاً من الفلسطينيين، حيث ساعدهم في ذلك عبد الله درويش (مقدسي)، وهو تاجر معروف حقق هو وأبوه وإخوته علاقات وثيقة مع العائلة الحاكمة ومع الرعايا البريطانيين في الدوحة. قوي مركزه في البلاد عندما عُين وكيل المشتريات الرئيسي لشركة نقط قطر – التي كانت كل من شركة شيل وبريتيش بتروليوم تمتلك فيها أسهماً.
أما الهجرة الفلسطينية إلى الإمارات العربية المتحدة فقد تأخرت إلى ما بعد اكتشاف النفط عام 1963. وقد نمت الجالية الفلسطينية، التي كان تعدادها لا يزيد على 450 شخصاً فقط، بشكل كبير بعد حرب 1967، عندما ازداد الطلب على المهندسين والموظفين المدنيين مع تدفق عوائد النفط.
إذ رحبت الإمارات بالفلسطينيين، بخاصة أولئك الذين يحملون شهادات عالية. وفتح الفلسطينيون الذين يملكون شركات في أماكن أخرى من الخليج فروعاً لشركاتهم في أبو ظبي ودبي وإمارات أخرى، وبدأوا باستخدام أبناء وطنهم المقيمين في لبنان والأردن. وامتلأت الوزارات والسفارات لدولة الإمارات بالعاملين الفلسطينيين.
كما قام بعض الفلسطينيين بالهجرة إلى الولايات المتحدة وبلدان أمريكا اللاتينية مثل تشيلي والبرازيل والأرجنتين جذبوا إليها جزءاً من أبناء القرى المسيحية ممن كان لهم أقرباء قد هاجروا في أوائل القرن الحالي لممارسة أعمال تجارية صغيرة أو للعمل على تطوير تصدير الصناعات التذكارية في الأراضي المقدسة. وبهذا فإن أعداداً كبيرة من الفلسطينيين من رام الله و بيت لحم وبير زيت كانت تقيم في أواسط الستينات في ولايات كونيكتيكت، وديترويت وسان فرانسيسكو، وقد قدر المحامي عزيز شحادة من الضفة الغربية عام 1978 أن حوالي 80% من أصحاب الأراضي في مدينة رام الله يعيشون في الولايات المتحدة*. ورغم أن أكثرية المهاجرين من هذه الجاليات عملت في التجارة الصغيرة، إلا أن بعضهم قد حصل على تعليم عال في الولايات المتحدة مما سمح لهم بلعب دور بارز في الجامعات والكنيسة والمهن.
في أوائل السبعينات وصل تعداد الجالية الفلسطينية في تشيلي إلى 80 ألفاً، 30 ألف منهم من بيت لحم.
وخلافاً لنظرائهم في الخليج، مال الفلسطينيون الكبار في تشيلي إلى انتهاج سياسة محافظة في الشؤون التي تؤثر على السياسة المحلية، حتى أن بعضهم كان شديد المعارضة لانتخاب الرئيس سلفادور الليندي، وتعاطفوا فيما بعد مع الحكومة العسكرية للرئيس بينوشيت.
ووُجدت أيضاً جاليات فلسطينية متراوحة الأعداد في مدن أخرى من أمريكا الجنوبية مثل سان باولو وبيونس ايرس والاوروغواي ومناطق أخرى من أمريكا الوسطى. أما في البرازيل والأرجنتين فغالباً ما كانت الجاليات الفلسطينية هناك توحد قواها مع الجاليتين السورية واللبنانية اللتين أسس أعضاؤهما أعمال استيراد وتصدير وشحن وشركات مواصلات وشركات نسيج بعد هجرتهم المبكرة أيام الحرب العالمية الأولى.
أما في بلدان أوروبا فوُجدت جاليات فلسطينية صغيرة العدد من الموظفين الحكوميين السابقين والمستشارين لحكومة الانتداب، ومن آخرين مارسوا مهن معينة (صحفيين، مستشارين، وعلاقات عامة ووكلاء دعاية). وُجد بعض منهم في لندن في فترة الخمسينات والستينات ولعبوا دوراً هاماً في الدفاع عن القضية الفلسطينية في بريطانيا في الوقت الذي لم تكن فيه هذه القضية معروفة في الغرب.
الشركات الفلسطينية والمقاولون الجدد:
شكل الفلسطينيون الذي يعيشون في الشتات، والذين يتميزون عن الأرستقراطية الفلسطينية من جهة، وعن الطبقة العاملة والفلاحين من جهة أخرى، ما يمكن أن يُسمى "البرجوازية الصغيرة". وهم أصحاب متاجر ومشاغل، وأصحاب شركات سفر صغيرة، وشركات طباعة ونشر، ومغاسل وورشات ميكانيك، وآخرين مثل الأساتذة والكتبة والموظفين في قطاع الخدمات. وفي درجة أعلى من سلم هذه الطبقة يتوضع أولئك الذين تمكنوا من تأسيس أعمال في مهنهم التكنيكية أو الحرفية مثل الاستشارات الهندسية، والمهندسين المعماريين والأطباء، ومخططي المدن والمستشارين الماليين. وفي أعلى سلم هذه الطبقة تربعت أقلية من المقاولين الفلسطينيين، الذين على الرغم من قلة عددهم إلا أنه كان لهم أثراً كبيراً ليس فقط على المجتمع الفلسطيني ولكن على تطور الشرق الأوسط برمته. فاعتماداً على اتصالات العمل الواسعة مع البلدان العربية المجاورة تمكنوا من إعادة تأسيس شركاتهم في الخارج.
تمكن هؤلاء من الاستفادة من النمو السريع على الطلب في الخليج من جهة، ومن الاحتياط الهائل في الأيدي العاملة الفلسطينية الماهرة والعاطلة عن العمل والتي وجدت في المنطقة في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات. وامتدت شبكة شركاتهم – في أواسط الستينات – لتشكل إمبراطورية منيعة للتجارة والمال، تخصصت في البناء والتعهدات والمواصلات والبنوك والعقارات في الشرق الأوسط كله، وإلى درجة ما في أوروبا والولايات المتحدة وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. إحدى أقدم هذه الشركات التي امتلكها فلسطينيون هو البنك العربي.
شجع شومان وابنه عبد المجيد وأحد أقاربه خالد شومان على نمو عدد من الشركات المكملة لنشاط البنك والمنتشرة في العالم العربي. إحدى هذه الشركات هي شركة البناء التجارية، التي أنشئت في بيروت في آب 1966 برأس مال قدره 14 مليون ليرة لبنانية (4.5 مليون دولار) لتمويل وإدارة الاستثمار في التملك.
من المؤسسين الآخرين لهذه الشركة أمين شاهين، فلسطيني من الضفة الغربية، كانت عائلته تدير شركة بناء كبيرة في الأردن، وسليمان طنوس عضو مجلس إدارة البنك العربي، وسامي العلمي مدير فرع بيروت للبنك.
وقد ساهم طنوس مع فلسطينيين آخرين منهم باسم فارس وفريد علي السعد، الذي خدم كضابط منطقة في حكومة الانتداب، ثم كمدير لفرع حيفا حتى 1948، وأبو الوفا الدجاني، رجل أعمال من القدس ، في إنشاء الشركة العربية للتأمين في بيروت، والتي أصبح لها في عام 1967 فروعاً في الأردن والكويت والبحرين وقطر ودبي وأبو ظبي والسودان وليبيا وتونس والمغرب وفي بريطانيا وبيروت أيضاً.
وشركة استثمار المشرق في بيروت، التي ضم مجلس إدارتها كل من فارس وطنوس وعدد آخر من رجال الأعمال الفلسطينيين(*).
المحرك الرئيسي وراء تأسيس شركة المشرق عام 1963 كان المحاسب الفلسطيني المعروف فؤاد سابا، الذي عمل مديراً لإدارة شركة محدودة بالاسم ذاته فترة الانتداب، إضافة إلى مقدرته الفائقة على إدارة فريق من المحاسبين باسم سابا وشركاه.
عندما استقال عدد من الموظفين السابقين في سابا وشركاه، أمثال طلال أبو غزالة، أسسوا شركات خاصة بهم. ازدهرت شركة أبو غزالة في الكويت بعد الارتفاع الكبير الذي طرأ على أسعار النفط عامي 73/1974 وتبرع عام 1978 بمبلغ ضخم – ما يقارب 10 مليون دولار – للمساعدة في إنشاء كلية الدراسات العليا في إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية ببيروت.
بالمقابل كان بنك انترا – مركزه بيروت – يتباهى بأنه يغامر بشكل يخافه البنكيون الآخرون، حيث عمل على توسيع أملاكه لتضم أملاك وعقارات ومباني وأعمال تجارية ووسائل مواصلات ومصانع، كما نشط في مجال التجارة البنكية التقليدية. أسس بنك انترا على يد يوسف بيدس، صراف فلسطيني من القدس، عام 1951. وأصبح بنك انترا عام 1965 أكبر مؤسسة مالية في لبنان حيث بلغت قيمة ممتلكاته 1000 مليون ليرة لبنانية (325 مليون دولار)(*).
اشتملت ممتلكات بنك انترا في لبنان على أسهم في شركة طيران الشرق الأوسط، وميناء بيروت، وفندق فينيقيا، وفندق الهلتون، وشركة التلفزيون اللبناني، وشركتا تأمين أساسيتين إضافة إلى ذلك امتلك البنك أسهماً أساسية في مصانع ومواصلات لاسلكية، ودور نشر، وشركات شحن واستثمار. في عام 1966 امتد نشاط البنك إلى أوروبا والولايات المتحدة وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
ساهم أصحاب الخبرة الفلسطينيون بتأسيس وتطوير شركة ضخمة أخرى كان لها أثر بارز في صناعة البناء في الشرق الأوسط في الخمسينات والستينات من هذا القرن وهي شركة التجارة والتعهدات (CAT). أسس هذه الشركة في فلسطين عام 1941 مقاول لبناني اسمه اميل بستاني.
حيث وقعت عقود مهمة لبناء أنابيب بترول، ومستودعات بترول، وطرق، ومحطات طاقة، وأنابيب مياه، وأعمال موانئ، ومحطات ضخ، ومباني تجارية في الكويت وقطر والإمارات، ومن ثم في العربية السعودية وعمان.
في عام 1963 قام ثلاثة فلسطينيين آخرين بإنشاء شركة بناء كان في نيتها منذ البداية أن تهزم كات في أواخر الستينات. الثلاثة هم حسيب صباغ ومحمد كمال عبد الرحمن وسعيد توفيق خوري. بدأ الرجال الثلاثة عملهم بمبلغ 10 مليون ليرة لبناني فقط (3 مليون دولار). ولكن في عام 1967 كانت شركة المتعهدين الراسخين (CCC) تقوم بأعمال بلغت قيمتها 55 مليون ليرة لبناني، (18 مليون دولار) في السنة. وسرعان ما أصبح كل من عبد الرحمن وصباغ وخوري من الرجال الأثرياء، واستثمروا أموالهم في شركات أخرى لها نشاطها في الشرق الأوسط. أصبح عبد الرحمن مديراً لاثني عشرة شركة تعمل في المنطقة من ضمنها شركة طيران الشرق الأوسط، والبنك العربي الفرنسي ومركزه بيروت، والجمعية الوطنية لصناعة الهيدروليك، وشركة الاستثمارات الموحدة. أما الصباغ الذي كانت عائلته تملك أعمال نسيج وصباغة في صفد فقد اشترى أملاكاً في بيروت ولندن، إضافة إلى استثماراته الأخرى التي شملت شقة في بيروت مكسوة بألواح خشب البلوط الذي يرجع إلى القرن الخامس عشر والذي شُحن من سوريا، والأنسجة القوطية المزدانة بالرسوم والأعمال الفنية الإيطالية. وأقام الخوري شركة أملاك في بيروت تستثمر في الأملاك العقارية وبعد ذلك أصبح رئيساً لبنك الاستثمار والتجارة والتمويل ومركزه الشارقة، ومدير بنك الاستثمارات والتمويل في بيروت.
في أوائل السبعينات كانت شركة المتعهدين الراسخين (CCC) والشركات ذات العلاقة معها تقوم بأعمال قدرت قيمتها بمبلغ 60 مليون دولار في السنة في دول الخليج وليبيا ونيجيريا.
التحدي والتراجع 1964 – 1974:
في الوقت الذي كان فيه المقاولون الفلسطينيون يوسعون قاعدتهم الاقتصادية في العالم العربي بدأت تظهر هناك قوى جديدة مما أدى تدريجياً إلى نشوب صراعات بين البرجوازية الفلسطينية ونظيراتها العربيات في العربية السعودية، والكويت، ولبنان والأردن.
لقد كان التوسع الاقتصادي الفلسطيني ممكناً بسبب حالة التخلف التي كانت سائدة في دول الخليج من جهة، والتجربة المبكرة في الرأسمالية والتي اكتسبها الفلسطينيون فترة الانتداب البريطاني، خصوصاً أثناء الحرب العالمية الثانية.
في أواخر الخمسينات بدأت البرجوازيات المحلية تتوسع وتتحدى منافستها الفلسطينية. أما سلسلة الإضرابات في أواسط الخمسينات التي قادها عمال فلسطينيون احتجاجاً على الشروط المروعة التي سادت في صناعة النفط فقد أدت إلى إبعاد مئات الفلسطينيين من العربية السعودية، والكويت والعراق وليبيا.
وكان التجار المحليون تواقين إلى تحقيق نسبة أعلى من عوائد النفط، ويقولون أن استخدام اليد العاملة الفلسطينية قد قلل من الاستقرار بدل أن يعززه. وآخرون كانوا يقولون أن شركات النفط الأجنبية بتفضيلها استخدام الأجانب (الغربيين والفلسطينيين) تحول دون تطور رأس المال المحلي، وأقروا على أن يُمنح المواطنون المحليون فرصاً أكبر لإقامة مشاريعهم الخاصة.
أما في مناطق أخرى من العالم العربي فقد حد وصول أنظمة راديكالية إلى السلطة في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من فرص المقاولين الفلسطينيين. مثلاً أدى سقوط الملكية المؤيدة لبريطانيا في العراق عام 1958، ووصول حكومة عسكرية بزعامة العميد الركن عبد الكريم قاسم إلى سدة الحكم، إلى إحداث تغيرات كبيرة في اقتصاد البلاد أنهت حقوق الأجانب في الحصول على الأرباح أو حالت بينهم وبين ممارسة نشاط مالي على الصعد البنكية وتحويل العملات الأجنبية.
في سوريا تركت القيود على النشاط الخاص والتي ظهرت في فترة الوحدة مع مصر (1958 – 1961) هامشاً للعمل في مجال التجارة والبناء والمواصلات.
وفي ليبيا أدى إسقاط الملك إدريس وقيام النظام الجمهوري برئاسة معمر القذافي في أيلول 1969 إلى اعتقال العديد من الفلسطينيين الذين عملوا كمستشارين للملك أو موظفين مدنيين في إدارته. وبعد عام واحد أُممت البنوك والمصانع وشركات التأمين.
إلى جانب المنافسة المتزايدة الناجمة عن ولادة برجوازيات محلية وازدياد القيود على المشاريع الخاصة، وجد المقاولون الفلسطينيون أنفسهم أمام مشاكل جديدة نجمت عن عدم قدرتهم على ترجمة نفوذهم الاقتصادي المتنامي في سلطة سياسية. ففي لبنان، تبع موت اميل البستاني وانهيار شركة كات الانهيار الكبير لبنك انترا في تشرين أول 1966 الذي جاء في أعقاب سلسلة من الانسحابات قام بها أصحاب الأسهم من العائلات المالكة في الكويت والعربية السعودية.
تجزؤ الفلاحين:
أدت هزيمة المقاومة العربية وإقامة دولة إسرائيل إلى هجرة جماعية لللاجئين من المناطق التي احتلتها القوات اليهودية. ورغم أن بعض الفلسطينيين تمكنوا من المغادرة مبكراً وإيجاد فرصة عمل في البلدان العربية المجاورة، إلا أن غالبية الفلاحين وجدت نفسها دون طعام ودون مأوى وضرورات الحياة الأساسية.
وفي كانون ثاني 1949، عندما نظم برنامج حصر الغذاء، قدر عدد اللاجئين المسجلين للإغاثة بحوالي المليون.
نشأت المخيمات في الضفة الغربية و غزة والدول العربية المجاورة. هذه المخيمات التي كانت مصممة على أساس أنها مؤقتة أصبحت فيما بعد دائمة عندما ذبلت آمال الفلسطينيين بالعودة.
كانت الغالبية العظمى من الذين أجبروا للسعي وراء الإغاثة من الفلاحين الذين إما كانوا يملكون بيوتاً وأراضي في قراهم أو في قرى مجاورة.
لقد أدى تشرد الفلاحين وبالتالي انفصال طبقة كاملة من الشعب الفلسطيني عن مصدر رزقها إلى خلق بروليتاريا جديدة في صفوف المجتمع الفلسطيني. أصبح هؤلاء الفلاحون المكدسون في المخيمات وتحت رحمة الشرطة المحلية ومنظمات الإغاثة، يعيشون حياتهم اليومية في صراع من أجل البقاء. الأمر الذي كان يعني للعديد منهم إيجاد عمل أينما أمكن: في حقول ملاك أراضي محليين، أو في الشوارع كبائعين متجولين، أو في مشاغل ومكاتب منظمات الإغاثة في المخيمات.
وبينما تمكن الجيل الجديد من الفلسطينيين الذين ولدوا في المخيمات من الحصول على تعليم مكنهم من إيجاد أعمال دائمة في دول الخليج، فإن معظم جيل الفلاحين أو المحاصصين الذي نشأوا في فلسطين (جيل فلسطين) لم يجدوا مخرجاً لوضعهم وبقوا عاطلين عن العمل منذ مغادرتهم فلسطين. وبعد أن غادر أبناؤهم المخيمات في الستينات والسبعينات أصبحت هذه المخيمات تدريجياً مركزاً للمقاومة المسلحة وملجأ للكبار والنساء والأطفال.
* – كانت هنالك مصالح أخرى لعبد المحسن قطان، كان يمتلك فندقاً ضخماً ومطعماً ومجمعاً للمكاتب في بيروت، كشركته للبناء ومكاتبه التجارية التي استخدمت مئات الفلسطينيين. مقابلة في بيروت م.د.وم.ب.في أيار 1972، وحكمت نشاشيبي، لندن، شباط1982.
*– الحوادث، (لندن)، 30حزيران، 1978، ص59. انظر أيضاً "هجرة أقلية"، في منشورات بربارة أسود، "الجاليات الناطقة بالعربية في المدن الأمريكية"، (نيويورك،1974)، ص85-110. في عام 1981كان في جمعية رام الله الأمريكية 5000آلاف عضو. أما التجمع الفلسطيني لشمال أمريكا، والذي ضم مهاجرين وأبناءهم وأحفادهم من جميع أنحاء فلسطين فقد مثل حوالي 40ألف فلسطيني، أي حوالي 35% من جميع الفلسطينيين في الولايات المتحدة عام 1981. ميدل ايست انترناشينال 15 كانون ثاني 1982.
* -أصبح السعد وزير المالية الأردني عام 1971، وكان يملك حصصاً مهمة في شركات التبغ والسجائر والأحذية في الأردن، وعمل مديراً لشركة مصفاة النقط الأردنية، وشركة الخطوط الجوية الملكية. "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 1975-1976"، (لندن، 1975) ص 890. أبو الوفا الدجاني كان عضواً في مجلس إدارة شركة الكهرباء الأردنية، والبنك الوطني الأردني، وشركة التنقيب عن الفوسفات.
*– "قضية بنك انترا"، ص 76، 79. قدمت بعض الأموال للبدء في البنك من قبل بيرت معلوف، الزوجة اللبنانية المرموقة للطبيب النفسي الفلسطيني المعروف الذي قتلته عصابة شتيرن عام 1948.

