حاوره: سامي عيسى
* في ضوءِ التطوّراتِ الجديدةِ تَجاهَ القضيّةِ الفلسطينيّة في حزب العمّال وربطًا بتاريخكم في حركة التضامن كيف وصلت الأمور إلى القرار الجديد الداعي لفرض عقوباتٍ على إسرائيل خصوصًا في ظل القيادة اليمينية للحزب؟
** حملةُ التضامن Palestine Solidarity Campaign التي أسّسناها في 1983م، تعدُّ أكبرَ حملة تضامنٍ مع فلسطين في أوروبا، بدليلٍ خلال الأسبوع الذي شهد حربَ غزّةَ الأخيرة، وأحداث حي الشيخ جرّاح؛ خرجت مظاهرتان متتاليتان في لندن، شارك فيها ما لم يقلّ عن 200 ألف متظاهر، وهذا يعدّ تطوّرٌ مهمٌّ جدًّا، علمًا بأنّ غالبية المشاركين من الشباب الذي لا تتجاوز أعمارهم الـ30 عامًا، وهذا مؤشّرٌ على وجود تضامنٍ واسعٍ مع القضيّة الفلسطينيّة بين الجيل الناشئ في بريطانيا هذا من ناحية.
ومن ناحيةٍ أخرى، هناك نحو 15 نقابةً في بريطانيا مُناصِرةً لفلسطين، بالإضافة إلى شبيبة حزب العمال، هذهِ الشبيبةُ هي التي اقترحت مشروعَ القرار، وخلاصةُ ذلك أنّ ما يحدثُ ليس مجرّدَ حدثٍ فرديّ؛ إنّ حركة التضامن مع فلسطين نشطةٌ منذ 1983م، حتى اليوم، وتتوسّعُ بشكلٍ متواصل.
جنّ جنونُ الصهاينة، خاصّةً أنّ موضوعَ التضامن مع فلسطين لم يعد موضوعًا عامًّا ومقتصرًا على الاعتراف بدولة فلسطين وبحلّ الدولتين، وإنّما يطرح حاليًا بقوّةٍ أنّ "إسرائيل" دولةُ فصلٍ عنصريّ (إبرتهايد) وهذهِ مشكلةٌ كبيرةٌ بالنسبة لهم.
أضف إلى ذلك الأنشطةَ المتعلّقةَ بالمقاطعة، ويعد هذا الموضوعُ مؤثرًا في بريطانيا، خاصةً أنّه يتقاطعُ مع نضال جنوب أفريقيا، الذي أدّت فيه المقاطعةُ دورًا مهمًّا في إنهاء الإبرتهايد، وحين يتبنّى الحزبُ هذه القضايا مجمعة، ويصدر قراراتٍ بشأنها، خاصّةً أنّ حزبَ العمال هو أكبرُ حزبٍ في أوروبا تقريبًا؛ إذ إنّه يضمّ نحو 600 ألف عضو، وبالإضافة إلى الـ15 نقابةً آنفة الذكر، التي تمثّلُ 20 مليونَ عاملٍ، على رأسها 5 نقاباتٍ مناصرةٍ بشكلٍ قويٍّ للقضيّة الفلسطينيّة، على رأسها نقابةُ يونايتد، ينسون، نقابة المعلمين، نقابة الجي إن بي، وهذهِ النقاباتُ تمثّل نحو 6 مليون عضو.
تؤدّي 3 فئاتٍ في حزب العمال دورًا بالغَ الأهميّة، هم: البرلمانيّون، النقابات، أعضاء الحزب، وحين طرح القرار للتصويت طلبنا بتصويتٍ من خلال "الكرت" لكي نستطيعَ أن نحصيَ بشكلٍ دقيقٍ عددَ المؤيّدين إلا أنّ قيادة الحزب، كونها قيادةً يمينيّةً في الوقت الحالي، رفضت ذلك، وجرى التصويتُ برفع الأيادي، وصوّت للقرار نحو 90% من الحاضرين، وأُقرّ القرارُ دون أن يجري نقاشٌ حولَه.
* ماذا عن إلزاميّة هذا القرار بالنسبة للحزب؟ وماذا عن ضغط أنصار فلسطينَ داخلَ الحزب بهذا الاتّجاه؟
** إنّ الوصولَ إلى الإلزاميّة يتطلّبُ الاستمرارَ في إدراج قضيّة فلسطين على جدول أعمال كلّ مؤتمرٍ يعقدُهُ الحزب، هذه الاستمراريّةُ هي التي تخلق ديناميكيّةً من شأنها تحويلُ القرار إلى إلزامي. وفي هذا السياق تجدر الإشارةُ إلى أنّ حزبَ العمال في الوقت الحالي هو حزبٌ معارض، ومن ثَمَّ لديه مساحةٌ واسعةٌ للحديث بحريّةٍ حولَ مختلفِ القضايا، أمّا حين يصعدُ الحزبَ إلى السلطة، فإنّ الموضوعَ يختلفُ إلا أنّ الرهانَ يبقى على قواعد الحزب، وهي على الأغلب متضامنةٌ مع فلسطين.
وعام 2019، ترأّسَ الحزبُ جيرمي كوربن، وصدر عن الحزب قرارٌ مشابهٌ وآخرُ متعلّقٌ "بحقّ العودة" فشنّت الصهيونيّةُ في بريطانيا هجمةً مسعورة؛ فأطاحوا به، وتحالف في الهجمة ضدَّ "كوربن" رأسُ المال والإعلام، وفي الوقت الحالي، فإنّ الدورَ الذي نحاول أن نؤدّيَه، كأعضاءٍ في الحزب، يتمثّلُ في الحفاظ على القضيّة الفلسطينيّة حيّةً في الأروقة الحزبيّة إلى أنْ تتحوّلَ إلى مُناصرةٍ فلسطينَ إلى سياسيّةٍ يتبناها الحزب، وفيما يتعلّق بمشروع القرار الحالي، من المتوقّعُ أنّ تحاولَ القيادةُ الحاليّةُ للحزب إهمالَه.
في الوقت الحالي، من المهمِّ جدًّا الاستمرارُ في طرح القضيّة الفلسطينيّة، خاصّةً على قواعد الحزب وفي النقابات، ونأمل أنْ نجبرَ بريطانيا في المستقبل القريب الاعتذارَ عمّا ارتكبته بحقّ فلسطين كونها مؤسِّسةً الكيانَ الصهيوني، وهذا من الممكن أن يتحقّق خلال السنوات القليلة القادمة.
نعملُ حاليًا على الربط بين النضال في جنوب إفريقيا، والنضال في فلسطين، وتجدر الإشارةُ هنا إلى أنّ بريطانيا هي التي أسّست ما يسمى حاليًّا جنوبَ إفريقيا عام 1910م، وبعدها بسنواتٍ أسّست ما يسمى بدولةٍ قوميّةٍ لليهود في فلسطين، ومن ثَمَّ على بريطانيا أنْ تراجعَ تاريخَها الاستعماريّ، ونحن نضغطُ من أجل ذلك، ودونَ ضغطٍ تُمسي القضيّةُ الفلسطينيّةُ بعيدةً عن الجدل السياسيّ في بريطانيا، ونحن بدورنا علينا أنْ نظلَّ نذكّرُ بقضيّة فلسطين في بريطانيا حتّى تتحمّل بريطانيا المسؤوليّةَ التاريخيّةَ عمّا حدث. والمدخلُ لربط القضيّة الفلسطينيّة بقضيّة جنوب إفريقيا، هو أنّه كما انتهى نظامُ الفصل العنصري هناك بنضال الشعب، وبالتضامن العالميّ الواسع معه، يجب أن ينتهي في فلسطين، هذا الحراكُ يبدأُ بالمقاطعة، وما رفضُ الكاتبةِ الإيرلنديّة "سالي روني" قبلَ أيّامٍ ترجمةَ روايتها إلى العبريّة إلا جزءٌ من هذا التضامن وترجمةٌ للمقاطعة الثقافيّة.
* هل هذا التحسّنُ النسبيُّ في الموقف من الحقوق الفلسطينيّة جزءٌ من التفاتٍ أكبرَ لحقوق الشعوب وضحايا المشروع الاستعماري؟ وهل يشملُ هذا مواقفُ من قضايا مختلفة؟
** إنّ التضامنَ العالميَّ بين الشعوب أساسيٌّ، ونلاحظُ أنّ الشعوبَ التي وقعت تحت الاستعمار الاستيطانيّ تتضامنُ مع بعضها البعض، وغالبيةُ الشعوب التي ترفعُ شعار "مع فلسطين ظالمة ومظلومة" خضعت لنفس النوع من الاستعمار؛ سواءً شعب شمال إيرلندا أو الشعب الجزائري، وفي هذا السياق تجدر الإشارةُ إلى أهميّة وجود قيادةٍ فلسطينيّةٍ تستثمرُ هذا التضامن، وهذهِ مشكلةٌ نواجهها كنشطاءَ في الوقت الحالي، وأبرزُ مثالٍ على ذلك: موجة التطبيع العربي الأخيرة، فحين تغضّ القيادةُ الفلسطينيّةُ الطرفَ عن التطبيع العربي من الصعب أن تطلبَ من الأوروبيّين المقاطعة، لا يمكن أن يكون الأوروبيون "ملكيين أكثر من الملك".
وفيما يتعلّق بالتضامن، يجب استثمارُ السوشيال ميديا والإعلام الجديد من أجل نشر معلوماتٍ حول فلسطين، وهذا بدوره قد سهّل وصولُ الناس إلى المعلومات، ومكّنها من الاطلاع على قضايا الشعوب الأخرى، وأبرز مثالٍ على ذلك: قضيّة جورج فلويد (المواطن الأمريكي الذي داس شرطيٌّ أمريكيٌّ رقبته) وما تبع ذلك من حراكٍ وحركةِ تضامنٍ عالميّةٍ واسعة، استثمر النشطاءُ ذلك وأشاروا إلى أنّ هذا النمط من تعامل الشرطة مع المدنيّين جرى التدريبُ عليه في "إسرائيل" هكذا تتشابكُ قضايا الشعوب، ونشدّد على أنّه إذا أردتَ أن يتضامنَ العالمُ معك فيجب عليك أن تتضامن مع قضاياه.
* ماذا عن دور النقابات داخل الحزب في الضغط لإلزام الحزب باستمرار تبنّي مثل هذه القرارات؟
** إنّ للنقاباتِ دورًا أساسيًّا في عملية التصويت، علمًا أنّ النقابات هي التي أسّست حزبَ العمال بدايةَ القرن العشرين، فحين يُطرحُ قرارٌ ما للتصويت، يمثّلُ صوتُ النقابة نحو مليون عامل، وجرى مؤخّرًا تطويرُ نظام التصويت، فبعد أن كانت الأصواتُ تنقسمُ في التسعينات إلى 3 مستويات؛ الأوّل للنقابات، والثاني للأعضاء، والثالث للبرلمانيّين، أي أنّ 200 أو 300 عضو لهم نفسُ الصوت كما العمال، قبل 10 سنوات تقريبًا تحوّل نظام التصويت إلى (one member one vote) أي أنّ لكلّ عضوٍ صوتًا، وعليه مجرّد أن تكونَ عضوًا في نقابةٍ عماليّةٍ ما، تحصلُ بشكلٍ أوتوماتيكيٍّ على صوتٍ في حزب العمّال، حتى وإن لم تكن عضوًا في الحزب؛ لأنّ نقابتك عضوٌ في الحزب، وتدفع الاشتراكَ الشهريَّ إلى الحزب عن المنتسبين لها كافّة.
إنّ للتصويت عبرَ النقابة ميزةٌ جيّدةٌ، وهو القدرةُ على استثمار النضال الطبقيّ والعماليّ في التحشيد للقضايا، وهنا يؤدّي الفكرُ الاشتراكيُّ دورًا مهمًّا، خاصّةً أنّه يلامسُ حقوقَ العمال، وخيرُ مثالٍ على ذلك، التصويت مؤخّرًا على قرارٍ لرفع الحد الأدنى من الأجور إلى 15 باوند في الساعة، هذا القرارُ - إن أصبح سياسةً معمولًا بها - يستفيدُ منه ملايين العمال، ونحن الأعضاء نناضلُ من أجل أن يتبنّى الحزبُ هذه القضيّة، ومن ثَمَّ أن تثبت للعامل أنّك أنت من يدافع عن قضاياهم.
* حين يسمع القارئ العربي عن نقاباتٍ ونضالٍ نقابيٍّ مناصرٍ لفلسطين في بلدٍ ذي ماضٍ استعماريٍّ، مثل بريطانيا وسياسات تقودها حكوماتٌ عدائيّة، يحتاج فعلًا للاستماع حولَ علاقةٍ ما هو نقابيٌّ بما هو سياسيٌّ في صناعة خارطة المواقف في هذا البلد؟
** بالتأكيد، لا يمكن عزلُ النقابيّ عن السياسيّ؛ إنّ النضال النقابيّ يمثّلُ الهمومَ اليوميّة لقطاعٍ كبيرٍ من الناس التي تتعلّق بقضايا الصحّة، والتعليم.. إلخ. ونحاولُ نحن - بدورنا - الربطَ بين المعاناة اليوميّة للناس في بريطانيا مع المعاناة التي يرزحُ تحتها الشعبُ الفلسطينيّ، وهنا يتكاملُ النضالُ السياسيّ مع النقابي. وأبرزُ مثالٍ على ذلك قضيّة حصار غزّة، فحين تشرحُ لأناسٍ يعانون من مشكلةٍ في المياه داخلَ بريطانيا عن معاناة الناس في غزة، بسبب نقص المياه الصالحة للشرب؛ يتحوّل التضامنُ إلى تضامنٍ طبقيٍّ عمّاليٍّ عابرٍ للحدود.
ثمرةُ هذا التضامن الطبقيّ العمّاليّ ظهرت خلال الحرب الأخيرة على غزة، حيث رفضَ عمّالُ الموانئ في دولٍ عدّة تحميلَ أو رفعَ البضائع على متن السفن إلى "إسرائيل" تعبيرًا عن تضامنهم مع غزة، هذا نموذجٌ أيضًا للتضامن الطبقيّ العمّاليّ العابر للحدود، ويشير بطريقةٍ أو بأخرى إلى أنّ النضال اليوميّ مرتبطٌ ارتباطًا عضويًّا بالنضال القوميّ والوطنيّ على حدٍّ سواء، وبالتأكيد لا يمكن فصلُ قضايا العمّال عن القضايا السياسيّة بأيّ شكلٍ من الأشكال.
* لحزب العمال ماضٍ قاسٍ مع المنطقة العربيّة وغيرها: هل هناك إمكانيّةٌ لمراجعةٍ علنيّةٍ لهذه السياسات خصوصًا محطّات، مثل غزو العراق وأفغانستان وغيرها؟
** برأيي، في القريب العاجل، من الصعب أن يُجريَ حزبُ العمّال في بريطانيا مراجعةً علنيّةً لسياساته السابقة تجاهَ الشرق الأوسط أمام الجمهور، خاصّةً فيما يتعلّقُ بقراراته أيّام كان حزبُ سلطةٍ بشأن غزو العراق وأفغانستان وغيرها، ويرجع ذلك إلى أنّ القيادة اليمينيّة في الحزب هي الأقوى حاليًّا؛ إذ يمثّل اليمينُ في الحزب ما نسبتُهُ 53% أمّا اليسار 47%.
لكن هناك ما يدعو إلى التفاؤل، ففي مؤتمر الحزب قبل 4 سنواتٍ كانت نسبةُ اليمين تصلُ إلى 70% إلى أن وصل اليسارُ إلى رأس الحزب بقيادة جيرمي كوربن، أي أنّ إمكانيّة صعود اليسار إلى قيادة الحزب واردةٌ جدًّا، والتغيير في نسب تمثيل اليمين واليسار داخل الحزب يشير إلى وجود يسارٍ صاعد، بالمقابل يجب ألّا نتجاهلَ أنّ خصومَ اليسار في الحزب أقوياءُ ومنظّمون.
نعمل حاليًّا للحشد من أجل تغيير رئيس الحزب الحالي، وذلك من خلال توقيع 40 عضوًا برلمانيًّا، وقد حصلنا إلى الآن على 37 توقيعًا، وما زلنا بحاجةٍ إلى توقيع 3 أعضاءَ لنتمكّن من الدعوة إلى انتخاباتٍ حزبيّةٍ جديدة، وبكلّ تأكيدٍ فإنّ النضال عمليّةٌ تراكميّة، ويمكن ملاحظةُ التغيير الإيجابيّ في سياسة الحزب من تتبّع مسيرته خلال 10 سنوات الماضية.
أمّا فيما يتعلّق بتاريخ الحزب كحزب سلطة أيام توني بلير، كان للحزب أغلبيّةٌ برلمانيّةٌ مطلقة، فتمكّن طوني بلير إبان حرب العراق من تمرير قرار الحرب، وتلك تجرِبةٌ مشابهةٌ لتجربة ماغريت تاتشر التي حظيَ حزبُها هي الأخرى بأغلبيّةٍ برلمانيّةٍ مطلقة، أمّا هذهِ الأيّام فلم يتمَّ تمريرُ قرار ضرب سوريا بفضل نضالنا داخل البرلمان، وقد ساعدنا في ذلك أن حزبي العمال والمحافظين متعادلون في البرلمان؛ فحشدنا نحو 13 عضوًا من المحافظين بالإضافة إلى أصوات حزب العمال داخل البرلمان؛ ليصوّتوا ضدَّ قرار الحرب على سوريا، فأفشلنا الضربة.
لموازين القوى داخل الحزب دورٌ كبير، ونحن نعملُ في الوقت الحالي على قلبها لصالحنا، وفي هذه المعركة الحزبيّة ليس أمامنا سوى خيارين؛ إمّا أن نستمرَّ في نضالنا أو نتنحّى جانبًا، وفي حال اتّخذنا القرارَ الثاني، فهذا يعني أنّ خصومنا انتصروا علينا، ونحن لا نريد أن نخسر المعركة.
نعملُ حاليًّا وَفْقَ قاعدة "ثقّف، نظّم، نفّذ" وما زلنا في طور تثقيف الناس؛ بهدف رفع وعيهم في قضاياهم من أجل تنظيمهم؛ لكي نبدأ الفعل، وما زلنا نراوح ما بين مرحلتي التثقيف والتنظيم ولم نصل بعد إلى مرحلة التنفيذ والتغيير.
* كيف يمكنُ أن يستفاد من الحملات واللجان التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات مثل: (بي دي أس وحملة التضامن مع الشعب الفلسطيني في مدينة شيفلد وغيرها)، وتنسيق الجهد معها لفرض واقعٍ جديدٍ في الداخل البريطاني، خاصةً وأن بريطانيا تتحمّلُ مسؤوليّةً أولى فيما آلت إليه أوضاعُ فلسطين واستعمارها من قبل الحركة الصهيونيّة؟
** نحن في حملة Palestine Solidarity Campaign لدينا نحو 100 ألف منتسبٍ على مستوى بريطانيا، وحين تأسّست الحملة، كنت أنا عضوًا في اتّحاد الطلبة، وحين حاولنا أن نحشد لمظاهرةٍ رفضًا لحرب 1982، على لبنان استجاب نحو 200 متظاهرٍ في عموم المملكة المتّحدة، ووقتها كنا نعدّ ذلك انتصارًا لنا، أمّا في شهر مايو/أيار الماضي، وصل عددُ المتظاهرين ضدَّ الحرب على غزة في مدينة لندن وحدَها إلى 200 ألف متظاهر، ووصل عددُ المتظاهرين في عموم المملكة المتّحدة حينها إلى 500 ألف متظاهر، خرجوا نصرةً لفلسطين، من ذلك يمكن ملاحظةُ الفرق على مدار 38 عامًا الماضية هذا من جانب.
أما من الجانب الآخر، وفيما يتعلّق بمقاطعة "إسرائيل"، فأنا أعتقدُ أنّ ما تفعله حركةُ مقاطعة "إسرائيل" سواءً على المستوى الاقتصاديّ أو الثقافيّ أو الرياضيّ ذو أهميّة كبيرة، ويجب علينا في هذا المضمار الاستفادة من تجرِبة جنوب أفريقيا في المقاطعة، حتى نصل إلى عزل دولة "إسرائيل"؛ لأنّ ذلك من شأنه أن يؤثّرَ على بِنيتها، وبالرجوع إلى تجرِبة جنوب أفريقيا في المقاطعة، فإنّ العالمَ لم يشعر في معاناة السود هناك إلا بفعل نضال السود أنفسهم.
وفي هذا السياق، أودّ أن أكرّر التنويهَ المتعلّقَ بالتطبيع العربي، إذ أنّ التطبيعَ العربيَّ من شأنه أن يضعف حركةُ مقاطعة "إسرائيل" خاصّةً كما ذكرت؛ بأنّ القيادة الفلسطينيّة غضّت الطرف عنه، فحين تقول للأوروبي قاطع "إسرائيل" فسيقول لك باختصارٍ شديدٍ: إنّ العرب لا يقاطعون "إسرائيل" فلما سأفعل أنا ذلك؟! ويجب علينا أن نستثني من هذه القاعدة أولئك الذين بالنسبة لهم مقاطعة "إسرائيل" قضيّة مبدئيّة. عاصرت الكثير من قصص المقاطعة المبدئيّة والملهمة، ولكي تكون المقاطعةُ مؤثّرةً وفعاليّةً يجب على القيادة الفلسطينيّة استثمارها ودعمها؛ كي تحقّق النتائج السياسيّة المرجوّة منها.
من المهمِّ جدًّا أن تندمجَ الجاليات الفلسطينيّة في المجتمعات التي تعيش فيها، ونلاحظ في الوقت الحالي أنّ قضايا الوطن الأم ما عادت أولويّةً للأجيال الجديدة التي تنشأ خارج أوطانها، وكما ذكرت سابقًا غالبية المتضامنين مع فلسطين هم دون سن 30 عامًا ومن جالياتٍ غيرِ إنجليزيّة.
على سبيل المثال، في ألمانيا والسويد وإيطاليا، حركة المقاطعة والتضامن مع الشعب الفلسطيني تعدّ حركةً قويّةً رغم التحدّيات التي تواجهها، علمًا بأنّ غالبية الفعّالين في حركات التضامن والمقاطعة هم من الجيل الثاني للمهاجرين، وفي هذا السياق أدعو المهاجرين الجدد للمشاركة والانخراط في حركات التضامن والمقاطعة في أوروبا، وأن يتحرّروا من خوفهم، وعلينا ألا نعيش منعزلين في أوروبا عمومًا، بل يجب أن نؤدّي دورًا مؤثّرًا في نصرة قضيّتنا.
* ماهي فرص استعادة حزب العمال إلى قيادة سياسية وربطا بذلك فرص عودته للحكم؟
** فرص وصول حزب العمال إلى الحكم هذه الفترة ضئيلةٌ، خاصّةً أنّ قيادة الحزب الحاليّة ضعيفةٌ وأولوياتها في الوقت الحالي التخلّصُ من تأثير اليسار داخل الحزب لا الوصول إلى السلطة، لكن يمكن تحقيق اختراقٍ إيجابيٍّ فيما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة من خلال البرلمان، رغم أنّ بريطانيا حاليًّا تقودُها الحكومةُ الحاليّةُ بقيادة بوريس جونسون وهي الأسوأ منذ 40 سنة.
رغم ذلك، إذا تمكّنا خلال الفترة القادمة من إعادة القيادة اليساريّة إلى الحزب، وهذا واردٌ جدًّا، فاحتمالُ الصعود إلى السلطة في 2024، يصبحُ قويًّا جدًّا، وعليه يمكن بعد ذلك العملُ على تغيير سياسات الحزب تجاه القضيّة الفلسطينيّة إلى أن تتحوّل هذه السياساتُ إلى استراتيجيّةٍ للحزب، بعد ذلك يمكن لنا البَدْءُ في اقتراح قراراتٍ مقنعةٍ للأعضاء من أجل طرحها للتصويت في البرلمان، خاصّةً أنّ القرارات المتعلّقة بالسياسة الخارجيّة لا يلزمها للنفاذ عبر البرلمان سوى 50+1، أي لا يلزمها أغلبيّة مطلقة كما القرارات المتعلّقة بالشأن الداخلي، وعليه يجب علينا دعم المناصرين للقضيّة الفلسطينيّة للترشّح إلى البرلمان.
حصلت قضيّةُ فلسطين على الترتيب التاسع من عشرين قضيّةً مطروحةً للنقاش خلال مؤتمر الحزب الأخير، رغم أنّها لا تعدّ أولويّةً بالنسبة للحزب؛ إلا أنّها حصلت على مركزٍ متقدّمٍ بين القضايا المطروحة، خاصّة أنّ قضايا كالصّحّة والتعليم والعمل تشغلُ حاليًّا بشكلٍ كبيرٍ الرأيَ العام في بريطانيا.

