Menu

دراسة صهيونية حول خطر النقابات

تحليلالكيان ومصر تقتربان: هل تشكل النقابات عقبة أمام التطبيع؟

بوابة الهدف - ترجمة خاصة

على خلفية التقارب المصري–الصهيوني المتجدد، يبحث الجانب الصهيوني ويتساءل عن المعيقات التي ما زالت تقف أمام اكتمال دائرة التطبيع، التي يعارضها الشعب المصري جذريًا بمعظم أطرافه التي لا تجد لها مصلحة سواء في السلام مع الكيان الصهيوني أو التطبيع معه.

ورغم نجاح المطبعين في كسر بعض حلقات الصمود في سلسلة الممانعة إلا أن الحلقات الرئيسية في صمود المجتمع المصري ما زالت صامدة، ولعل أبرزها الطبقات الشعبية التي لم تجد أبدًا ما وعدها به أنور السادات من ثمار السلام مع العدو، بل على العكس تدهورت حالتها، وأيضًا صمود النقابات العمالية المصرية التي تقف في طليعة رافضي التطبيع ومناهضيه وتثير قلقًا خاصًا لدى الجهات الصهيونية. على الرغم من تطور يقال إنه قابل للقياس في العلاقات الاقتصادية بين تل أبيب والقاهرة في العام الماضي، وبالتالي فإن الدراسة التي أصدرها مركز الأمن القومي الصهيوني في جامعة تل أبيب تحت عنوان "إسرائيل و مصر تقتربان: هل النقابات تشكّل عقبة؟" تتساءل عما يمكن عمله لإزالة هذا الحاجز. الدراسة التي نعرضها هنا في مراجعة خاصة بـ"الهدف" كتبها الباحثان في المركز أوفير وينتر وجوني عيسى.

تلاحظ الدراسة الانفتاح المتزايد في الآونة الأخيرة في مصر نحو تعميق العلاقات مع الكيان انطلاقًا مما يسميه دعاة التطبيع "المصالح الاقتصادية المشتركة"، وخاصة في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة، ولعلها توجت عمليًا ببدء تصدير الغاز الفلسطيني المسروق من قبل الكيان إلى مصر وتفكير الكيان بمد خط أنابيب إضافي لخدمة الطلب المتنامي على الطاقة، يورى الباحثان أن هذا الانفتاح تم دفعه نتيجة المناخ الإقليمي الذي أوجدته "اتفاقات إبراهيم" التطبيعية بين الإمارات و البحرين والمغرب مع الكيان الصهيوني، ورغبة أطراف سودانية باللحاق بها. وتلاحظ الدراسة أن النقابات العمالية في مصر كانت دائمًا في طليعة الرافضين للتطبيع مع الكيان منذ منتصف الثمانينيات، وما زالت تعارض تطوير العلاقات المدنية مع الكيان، ورغم عدم قدرة النقابات على منع التقارب الحكومي إلا أن تحقيق الإنجازات الكاملة في التطبيع التي يطمح لها الكيان الصهيوني يتطلب ما يسمى "السلام الشعبي" الذي سيسمح للمهنيين والشركات الخاصة ورجال الأعمال المهتمين بالمساهمة بنصيبهم في عملية التطبيع.

وكشفت الدراسة أنه في العام الماضي عملت "إسرائيل" ومصر على توسيع علاقاتهما الاقتصادية، بما يتجاوز الشكل المحدود الموجود حتى الآن، وتم تسجيل أولى إشارات الزخم في العلاقات في آذار (مارس) 2021، عندما قام وفد اقتصادي صهيوني برئاسة وزير المخابرات آنذاك، إيلي كوهين، وبمشاركة حوالي 20 رجل أعمال من مختلف المجالات، بزيارة شريم الشيخ، والتقى أعضاء الوفد برؤساء شركات مصرية وممثلي الحكومة لتوسيع التعاون في مجالات متنوعة منها الزراعة وتحلية المياه والكهرباء والمنسوجات ومنتجات البناء والأغذية وبرك الأسماك والسياحة.

وتناولت القمة التي عقدت في 13 أيلول/ سبتمبر بين رئيس الوزراء الصهيوني نفتالي بينيت والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي كانت أول زيارة علنية لرئيس وزراء صهيوني إلى مصر منذ أكثر من عقد، تعزيز العلاقات، واقتصاديًا بشكل أساسي. وذكر بيان للرئاسة المصرية أنّ الاجتماع تضمن مناقشة "عدد من القضايا الثنائية". المزيد من التفاصيل وردت في إعلان السفارة الصهيونية في القاهرة، والذي بموجبه تناول الاجتماع زيادة التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي وإعادة فتح الخطوط الجوية بين الجانبين.

وعلى خلفية تلك التوجهات التي وصفت بالإيجابية، شارك ممثلا الكيان ومصر في تشرين الأول/ أكتوبر في مؤتمر عُقد في الإمارات المتحدة لتعزيز التعاون الإقليمي، كما أفيد أن وزير المخابرات المصري، عباس كامل، أعرب لوزيرة الاقتصاد والصناعة الصهيونية، أورنا باربيباي، عن اهتمام مصر بتوسيع الأنشطة عند معبر "نيتسانا" الحدودي، وهو طريق السلع الرئيسي بين الكيان ومصر، من أجل تصدير واستيراد الأسمنت والحديد والكيماويات وغيرها من المنتجات. ومن المتوقع أن تزور الوزيرة القاهرة لتعزيز العلاقات.

مجالات التعاون الاقتصادي

تزعم الدراسة أن القاهرة في سعيها لتوسيع العلاقات مع الكيان تعطي في السنوات الأخيرة أولوية قصوى لاحتياجاتها المادية في تشكيل السياسة الداخلية والخارجية، وتعتبر ذلك وسيلة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى ما جلبته "اتفاقيات إبراهيم" من مناخ إقليمي، يدفع مصر إلى جني الثمار الاقتصادية للسلام مع الكيان، ومنحها مزيدًا من الشرعية للقيام بذلك.

ترصد الدراسة ثلاث مجالات رئيسية في قلب العلاقات الاقتصادية بين مصر والكيان الصهيوني:

الطاقة: عملت صفقات الغاز على "تسخين" السلام "البارد" منذ عقود. في شباط/ فبراير 2018، تم توقيع عقد لبيع الغاز الطبيعي من الكيان إلى مصر (جزئيًا للتسييل والتصدير إلى أوروبا) بقيمة 15 مليار دولار لمدة عشر سنوات، وفي أوائل عام 2019، تم عقد "منتدى غاز شرق المتوسط​​'' (EMGF) الذي أصبحت منذ ذلك الحين منظمة دولية. وفي كانون ثاني/ يناير 2020، بدأ الغاز بالتدفق إلى مصر، وفي فبراير 2021، قام وزير الطاقة المصري طارق الملاح بزيارة نادرة لوزير مصري إلى الكيان، تم خلالها الاتفاق على مد خط أنابيب من غاز ليفياثان. إلى منشآت الإسالة المصرية. علاوة على ذلك، أفادت الأنباء في أكتوبر/ تشرين الأول أن الجانبين يفكران في مد خط أنابيب غاز بري ليتم بناؤه في شمال سيناء في غضون 24 شهرًا، وسيعالج النقص العالمي في الغاز.

التجارة: وفقًا لبيانات وزارة الاقتصاد والصناعة الصهيونية، فإن حوالي 80 في المائة من الصادرات من البضائع إلى مصر في عام 2020 تمت بموجب اتفاقية المنطقة الصناعية المؤهلة (الكويز)، على غرار السنوات السابقة. الاتفاقية - الموقعة في ديسمبر 2004 بين الكيان ومصر والولايات المتحدة - خلقت حافزًا للتعاون بين الشركات الصهيونية والمصرية من خلال منح إعفاء جمركي لتصدير المنتجات المصرية التي تشمل المدخلات من الكيان (على الأقل 10.5 بالمائة) إلى سوق الولايات المتحدة. وفي أكتوبر، أفادت الأنباء عن مشاركة 1104 شركة مصرية في الاتفاقية (13 منها جديدة)، معظمها في المنسوجات وبعضها في قطاعات الأغذية والزراعة والكيماويات والجلود والمعادن، إلى جانب حوالي 25 شركة من الكيان.

السياحة: تعتبر صناعة السياحة في مصر مصدرًا رئيسيًا لعائدات النقد الأجنبي والتوظيف، لكنها تعرضت لضربة خلال فترة كورونا. قبل ذلك، كان مئات الآلاف من السياح "الإسرائيليين" يزورون ساحل سيناء كل عام، وكان آلاف السياح المصريين (معظمهم من الحجاج الأقباط) يزورون فلسطين المحتلة. وقد تم إغلاق معبر طابا في مارس 2020 بسبب الوباء، وأعيد فتحه جزئيًا بعد عام وعاد إلى النشاط المنتظم في سبتمبر 2021. في آب/ أغسطس، قرر الكيان خفض مستوى "التهديد الإرهابي" في جنوب سيناء وشرم الشيخ من المستوى 1 (مخاطر عالية جدًا) إلى المستوى 3 (أساسي)، ويتناقش الطرفان مع افتتاح خط طيران مباشر بين الكيان وشرم الشيخ. علاوة على ذلك، في تشرين أول/ أكتوبر، بدأت شركة الطيران الوطنية المصرية، مصر للطيران، تشغيل طريق مباشر بين القاهرة وتل أبيب لأول مرة، والذي من المتوقع أن يسهل مرور السياح ورجال الأعمال بين الدول والسماح برحلات الترانزيت عبر القاهرة إلى وجهات أخرى.

النقابات العمالية: عائق أمام العلاقات الدافئة؟

يتم تغطية العلاقات الاقتصادية مع الكيان في الغالب في وسائل الإعلام المصرية من دون لفت الأنظار، ربما بسبب الخوف من ردود فعل الرأي العام المصري، ومن العوامل الرئيسية في معارضة مصر للتطبيع مع الكيان تقليديًا النقابات العمالية، التي تمثل ملايين العمال. وقد منع العديد منهم على مر السنين رفاقهم من الانخراط في التطبيع وفرضوا عقوبات على "المذنبين"، وقد منعت هذه الممارسة الأفراد والشركات من تطوير العلاقات الاقتصادية وغيرها مع الكيان، من بين أمور أخرى خوفًا من الإضرار بوضعهم المهني والوظيفي في مصر والعالم العربي. وقد تجذّر هذا الواقع في الموافقة الصامتة للسلطات، كجزء من سياسة السلام "الباردة".

في تزييف للوقائع التاريخية، وربما كتعبيرٍ عن الجهل الكبير للواقع المصري يزعم المؤلفان أن "الروح الحية" في معارضة النقابات للتطبيع مع الكيان كانت جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب القوى العربية واليسارية، حيث بدأ الإخوان خوض الانتخابات النقابية عام 1984 ، وفازوا بالعديد من المقاعد وتولوا مناصبًا رئيسية في النقابات، وأصبحت المنظمة تدريجيًا قوة تحدد النغمة في نقابات المهندسين والأطباء والصيادلة والمحامين والعلماء والمهندسين الزراعيين والصحفيين والتجار.، حسب التحليل الوارد، حيث أن موقفهم في إدانة التطبيع كان مبررًا بالتضامن مع القضية الفلسطينية، وكذلك بالخوف من هجوم "اقتصادي" وثقافي صهيوني، وحذروا من تدفق النفوذ "الإسرائيلي" السام والأجنبي إلى مصر قلب العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي من شأنه إفساد قيمها واستعباد مواردها. وبينما لم يتم الاستجابة لدعواتهم لإلغاء اتفاقية كامب ديفيد وفتح أبواب الجهاديين لمحاربة "العدو الصهيوني" [على حد العلم لم يسبق لحركة الإخوان المسلمين المطالبة بفتح باب الجهاد ضد العدو الصهيوني على العكس لعبت دورًا أساسيًا في تصدير المهاجرين بعيدًا عن ساحة الصراع مع العدوٍ- المحرر]، سمحت النقابات - على أقل تقدير – بتفريغ الضغط.

بعد "الربيع العربي" عام 2011، كان "الإخوان" يأملون في إحكام قبضتهم على النقابات، وبالفعل سجلوا نتائج جيدة في الانتخابات لبعضها، ومع ذلك، أدت ثورة 30 يونيو 2013، التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس محمد مرسي وما تلاه من صعود الرئيس السيسي، إلى تجريد الإخوان وإزالة نفوذهم من النقابات واستبدال الموالين لهم. بعد ذلك، أوقف أعضاء النقابات التعبيرات المناهضة للكيان، مثل حرق الأعلام "الإسرائيلية".

على الرغم من "الرياح الجديدة" التي هبت على النقابات في السنوات الأخيرة، لا يزال جدار رفض التطبيع قائمًا، ويفسّر الكاتبان أن هناك عدّة أسباب لذلك: أولاً، إن معارضة التطبيع ليست فقط من اختصاص "الإخوة" [الإخوان]، ولكن أيضًا قوى أخرى في الجمهور المصري، بعضها متأثر بالأفكار الناصرية، والبعض يدعو إلى تقييد التطبيع كتعبيرٍ عن التضامن مع الفلسطينيين. ثانيًا، حتى في غياب الحضور الرسمي "للإخوة"، يتعاطف بعض أعضاء النقابات مع أفكارهم ويكرهون اتجاهات التطبيع للاتفاقيات الإبراهيمية واحتمال أن تحذو الحكومة المصرية حذوها. ثالثًا، يستخدم النظام المصري أحيانًا النقابات لرسم "خطوط حمراء" لمواطنيه، والتي، في نظره، لديها الشكل المطلوب للعلاقات مع الكيان. قد يشمل هذا الشكل التعاون الاقتصادي الذي ترعاه الحكومة، ولكن ليس بالضرورة التعبيرات "الشعبية" للروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

تتنوع الأمثلة على موقف النقابات تجاه العلاقات مع الكيان، وتذكر نقابة الصحفيين، على سبيل المثال، سنويًا في تقاريرها أن "معارضة التطبيع مع الكيان الصهيوني هو الموقف الرسمي للشعب المصري ومن بينهم الصحفيون"، ونقابات المهندسين والأطباء والصيادلة والأطباء البيطريين دعت في شباط/ فبراير 2016 لاتخاذ إجراءات ضد عضو في البرلمان المصري، توفيق عكاشة، الذي استضاف السفير الصهيوني آنذاك في القاهرة حاييم كورين، وكذلك الحملة ضد المغني محمد رمضان الذي التقط صورًا مع مغني صهيوني هو عمر آدم، علق ممثلو نقابات الفنانين المصريين أنشطته من خلال توضيح أنّ "[هناك] فرق بين الاتفاقات الرسمية التي تمارسها الحكومات العربيّة والموقف الشعبي والثقافي والفني من هذه القضية. التطبيع".

في حين أنّ العلاقات "الشعبية" مع الكيان تعرضت لانتقادات حادة من قبل النقابات العمالية، فإن العلاقات التي ترعاها الدولة - على سبيل المثال في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة - لم تثير احتجاجات منها حتى الآن. علاوة على ذلك، فإن مقاطعة التطبيع مع الكيان غير منصوص عليها في الوثائق الأساسية لمعظم النقابات، وغالبًا ما تظهر تعبيرات المعارضة حول سياقات نقطة تلو الأخرى.

الاستنتاجات والتوصيات:

اعتبرت الدراسة أن التعاون الاقتصادي بين "إسرائيل" ومصر يحمل إمكانات كبيرة في ضوء القرب الجغرافي، والتحديات المشتركة التي تواجه الطرفين والخصائص الفريدة - مثل المعرفة والأيدي العاملة والأسواق الجديدة - التي قد يقدمها كل منهما لجارته، إلى جانب التعاون الحالي، تتمتع "إسرائيل" ومصر بالقدرة على الاستفادة من الإخصاب المتبادل في العديد من المجالات الأخرى، بما في ذلك الطاقة المتجددة والأمن المائي والزراعة الصحراوية ومعالجة أزمة المناخ والبيئة البحرية والذكاء الاصطناعي والطب الإلكتروني. حسب ما ورد.

وعلى الرغم من المعارضة الواسعة النطاق بين النقابات العمالية للتطبيع، اعتبر البحث أن هذه لا تشكل حاجزًا أمام التقارب الاقتصادي الأخير بين الحكومات، حيث يقتصر دورهم الأساسي على فرض التمييز بين المصالح الاقتصادية للدولة "المشروعة" و"السلام الشعبي"، ومع ذلك، فإن هذا التمييز مصطنع إلى حدٍ كبير، وقد يحجب محاولات تطوير روابط اقتصادية مثمرة. في مجالات عديدة.

وتزعم الدراسة أنّ لدى "إسرائيل" ومصر مصلحة في تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما، لكن تحقيق إمكاناتهما الكاملة يتطلب تنمية "السلام الشعبي" الذي سيمكن المهنيين والشركات الخاصة ورجال الأعمال المهتمين، من المساهمة أيضًا في الاتجاهات الإيجابية التي يقودها الطرفان. حيث يمكن للنقابات بعد التخلص من معارضتها للتطبيع المساعدة في تمهيد الجسور لتحركات من شأنها أن تعود بالنفع على اقتصاديات الجانبين ورفاهية "شعبيهما"، كما ورد.