Menu

الديستوبيا وتحوّلات الواقع: قراءةٌ في رواية "حرب الكلب الثانية" لإبراهيم نصر الله

د. نهلة راحيل

د. نهلة راحيل

نشر هذا المقال في العدد 31 من مجلة الهدف الإلكترونية

شكّلت عناصرُ الديستوبيا ملمحًا رئيسًا في رواية "حرب الكلب الثانية" (2016) للكاتب الفلسطينيّ إبراهيم نصر الله، الذي صوّر فيها عالمًا شديدَ السوداويّة، يطرح مصيرَ الإنسان في ظلّ التطوّرات العلميّة المذهلة التي ترافقها ملامحُ الرجعيّة والبدائيّة المسيطرة على رغبات البشر، ويسردُ بها واقعًا مجتمعيًّا مريرًا بأسلوبٍ غرائبيٍّ يفيد من مقوّمات الخيال العلمي، لفضح الواقع وكشف تشوّهاته.

فقد مزج الكاتبُ في متنه السرديّ بين الحقيقة العلميّة والرؤية الديستوبيّة؛ ليعرضَ للقارئ مغامرةً سرديّةً، بَدْءًا من عنوان الرواية، الذي يثيرُ ذهنَ القارئ ويطرحُ أمامَهُ العديدَ من التساؤلات - عبر التركيب الأسمى المكوّن من ثلاث دوالٍ رئيسة: "حرب الكلب الثانية" - قبل استكشاف مستويات النصّ الظاهرة أو الخفيّة. فهل هذهِ الحربُ تحملُ رؤيا انقراض الجنس البشري، مثلًا، أم تستشرفُ حربًا جديدةً يربطها خيطٌ واقعيٌّ بالحرب الأولى التي حملت الاسمَ نفسَهُ (حرب الكلب الضال) ودارت بين اليونان وبلغاريا (1925)، وغيرها من التأويلات التي قد يولّدها فعلُ القراءة.

أمّا لوحةُ الغلاف - بوصفِها أولى المصاحباتِ النصيّة التى تواجه المتلقّي- فتندرجُ ضمنَ النمط التشكيليّ التجريديّ الذي يتطلّب خبرةً فنيّةً لإدراك دلالاته، وللربط بينه وبين النص؛ حيث حمل الغلافُ لوحةً للفنان السوريّ الألماني "بَهرام حاجو"، تظهر عليها شخوصٌ غرائبيّةٌ في تموضعها الحركي، ومتشابهةٌ في ملامحها الوجهيّة، توحي بأنّها ظلالٌ لوجهٍ واحدٍ منعكسٍ في مرآة، تعلوه ملامحُ الحزن وعلاماتُ الانكسار. وبذلك شكّلت اللوحةُ تواصلًا بصريًّا يترجمُ واقعَ العمل الداخليّ، ويفسّر مضمونه الذي يكشف نزعةَ التوحّش التي أصابت عالمًا تكاثرت فيه الأشباهُ، وتطوّرت فيه التعديلاتُ الوراثيّةُ بشكلٍ يهدّد البشريّة.

ومن أبرزِ ملامحِ الواقعِ المرير الذي خلقه الكاتبُ في النص؛ الهواءُ الملوّثُ، ورائحةُ العفونة، والطيورُ النافقةُ التي تتساقطُ في كلّ مكان؛ إلى جانب تزايد الأمراض، وشيوعِ أمراضٍ جديدةٍ، وتفشي الظلامِ الدامسِ مع غيابِ الشمسِ باستمرار، وانتشارِ الكلابِ الشرسةِ في الشوارعِ مع هبوطِ الليل، وهروبِ الأغنياءِ إلى جوفِ المدينةِ؛ خوفًا من الفوضى والحيوانات: "كان الليلُ وحدَهُ في الخارج حين هبّط راشدُ الدرجاتِ العريضةَ لبوّابة المستشفى؛ ليلٌ باتت حلكتُهُ تتزايدُ يومًا بعد يوم، ومعها تزايدت روائحُ العفونة في كلّ مكان؛ بسبب الرطوبةِ الناتجةِ عن غيابِ الشمس، ودهم البشر حسّ بأنّ أكتافهم لم تعد قادرةً على احتمال ثقل العتمة الصلبة، ورغم أنّ الأمرَ أفزع الناسَ كثيرًا في البداية، إلّا أنّهم بدأوا يتعاملون معه كحقيقةٍ أبديّةٍ لا حلّ لها". (الرواية- ص 89، 90)

إلى جانبِ ازديادِ دلائلِ غضبِ الطبيعةِ، مثل طول الليل وقصر النهار، واختلاط الفصول كلّها في فصلٍ واحد، مع موت الطبيعة، وبقاء بعض ألوانها التي تذكّر البشر بالبحر والسماء، أو بالغابات والسهول، أو حتى بالشمس، وانقراض الورود التي باتت كائناتٍ نادرة: "علينا ألا ننسى أن الطبيعة غاضبة، غاضبةٌ تمامًا منا؛ فما نراه من طول الليل وقصر النهار، واختلاط الفصول، كلّها دلائلُ على ذلك؛ فإذا كانت الفصولُ قد اختلطت في فصلٍ واحد، فما الذي يمنع أن يصبح البشر كلّهم على صورةِ رجلٍ واحد؟! أو أن يكونوا في النهاية على صورة حيواناتهم؟!". (الرواية- ص 235)

ومع هذه الكوارثِ البيئيّة والإنسانيّة يعاني المجتمع الديستوبيّ من وطأة الأنظمة الشموليّة الديكتاتوريّة المستبدّة، وهو ما جسّده الكاتبُ في سلطة "القلعة" وما تفرضُهُ من رقابةٍ على المواطنين بوساطة "شاشات الرصد"، وما تمارسُهُ من تعذيبٍ وقمعٍ في سجونِ القلعة. وهو ما يتقاطع نصيًّا - بشكلٍ واضح - مع خطاب الروائيّ البريطانيّ "جورج أورويل" في روايته الديستوبيّة (1984) التي يحكمُها "الأخُ الكبير" في عالمٍ مريرٍ لا تهدأُ فيه الحروبُ والرقابةُ على المواطنين.

وفي عالمٍ كابوسيٍّ يتجرّد فيه الإنسانُ من إنسانيّته، ويتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعةٍ من المسوخ تُناحر بعضها بعضًا، تشكّلُ عمليّةُ الاستنساخ حدثًا مفصليًّا في الرواية، بعد قيام "راشد" باستنساخ السكرتيرة على صورة زوجته "سلام"، ثم انتشار عدوى الشبه بين شخصيّات الرواية، فيظهر "الراصد الجوي" شبيهًا لراشد، وبعده السائق الذي يصبحُ تدريجيًّا مشابهًا لراشد، والأخير الذي أصبح يشبهُ الضابطَ ومدير القلعة، وهكذا حتّى أدّى الأمرُ إلى اندلاع "حرب الكلب الثانية"؛ بسبب انتشار ظاهرة "الأصل والشبيه"، وهي رسالةٌ تحذيريّةٌ يطلقها الكاتبُ بروايته ليوجّه الأنظار إلى خطورة النتائج، التي قد تفضي إليها ازديادُ النزعة التوحشيّة والماديّة بين البشر، وبروز الوجه الآخر من استهلاك التكنولوجيا لأغراضٍ شخصيّةٍ وعسكريّةٍ دون اهتمام بإنتاجها بوصفِها منجزًا علميًّا يعكس تطوّر المجتمعات.

ليصبح ارتداءُ الأقنعة، في هذه الحالة، ضرورةً للتمييز بين الأصل والشبيه، في مفارقةٍ ساخرةٍ تبدل فيها دور القناع من التخفيّ إلى المكاشفة، وأصبح ارتداؤه - وليس نزعه - وسيلةً لمعرفة الآخر، وهو ما يمكن اعتباره نوعًا من الثراء التجريبيّ- على مستوى اللغة - تجاوز ما هو منطقيٌّ أو سائدٌ إلى ما هو غيرُ تقليدي: "وقف رجال الشرطة يتحقّقون من شخصيّات السائقين والركّاب، فيما أصوات الانفجارات تأتي من بعيد، ووهجها يضيء الأفق ما وراء التلال. فتحت امرأةٌ نافذة سيارتها، وناولت الشرطي بطاقتها، نظر إليها جيّدًا، ثم قال: إذا سمحتِ، ارتدي قناعكِ كي أعرفكِ! فأخرجت قناعًا ووضعتْه على وجهها فغدتْ صورتها مطابقةً لصورتها في رخصة القيادة. تفضلي قال لها." (الرواية- ص 325)

وكان توظيف المسخ أيضًا من ملامح العالم الديستوبي الذي يهدّده خطرُ التشابه بين الإنسان من ناحيةٍ والحيوانات والحشرات من ناحيةٍ أخرى، خاصّةً بعد الاعتراف بإساءةِ الإنسان للكائنات التي تعيش على كوكبه كافة، وعدم اكتفائه بسرقة لحومها وجلودها، بل استلابه أيضًا لقدراتها، حتى أصبح خلاصه من فتكها مرهونًا بتشبّهه بها. وهنا نلمحُ ظلال ميثولوجيا بروميثيوس الشهيرة، الذي بالغ فيها البطلُ في شأن البشر، وسرق النار من أجل منحهم القوّة والسيطرة على الكائنات الأخرى كافة: "نعم هناك أخطار؛ لأنّ هناك كثيرًا من الحيوانات أثبت العلمُ منذ زمنٍ طويلٍ أنّ خارطتها الجينيّة قريبةٌ منّا، وعلينا أن نخشى هذهِ أوّلًا، بمعنى أنّنا مهدّدون بأن نكون على صورتها، فقد عانی تطوّرها ممّا يمكن أن أطلق عليه اسم (السُّبات الطويل)، وهي تتطلّع إلى قفزةٍ ما، ما دامت تنتمي إلى الكائنات الحيّة، وبعضها لديه مشاعرُ مركّبةٌ مثلنا، فما دمنا جيرانها في الخارطة الجينيّة، ويمكن القول: (الحيط بالحيط)، فإنّ ظاهرةَ التشابه يمكن أن تتّسعَ فتشملنا، وتشملها أيضًا". (الرواية- ص 234)

كلّ هذه الكوارث الطبيعيّة والبيولوجيّة تُنبئ - كما يلمح الكاتب - بنهاية العالم، لتتقاطعَ الديستوبيا والأبوكاليبس بالمتن السرديّ في ظلّ انتشار الدمار والخراب واندلاع الحروب العبثيّة ذات النتائج الكارثيّة التي تبرهن على تَكرار البشر للأخطاء ذاتها على مدار التاريخ؛ لتثيرَ الرواية بهذا الشكل العديدَ من التساؤلات حول مصير البشر وحال العالم، وحدود المعرفة الإنسانية بعد انتشار الشرور، وسيطرة الآلة.

وقد اعتمد الكاتبُ أسلوبَ الخيال العلميّ الناعم/ اللين (Soft- SF) بِنيةً لنصّه الروائيّ الذي اهتمّ فيهِ بعرضِ موضوعٍ اجتماعيٍّ/ سياسيٍّ في الأساس، ولكنّه استعانَ بالمنجزاتِ التكنولوجيّةِ وسيلةً لمعالجة الموضوع. وتراوحت وظيفتُهُ ما بين الوظيفةِ الانتقاديّة التي ترفضُ ما تجلبُهُ الاكتشافاتُ العلميّةُ من أضرار، والوظيفةُ التنبؤيّةُ التي تحذّر من مخاطر الإفراط في استخدام التكنولوجيا، وسيادة النزعة الماديّة لدى البشر.

ولذلك يصوّر الكاتبُ مستقبلًا تخيليًّا يخضعُ فيهِ البشرُ لسلطة الذكاء الاصطناعيّ؛ حيث تستخدمُ الشخصيّاتُ تكنولوجيا أكثرَ تطوّرًا ممّا عليه الآن، ويقومون بتوظيفها لخدمة رغباتهم ولتحقيق طموحاتهم: "وفي أسوأ الأحوال، أنت تعرف، يمكن أن نضغطَ مفتاحًا واحدًا، وتتابع الأولاد على شاشة الهاتف أو التلفزيون في أيّ لحظة، ما دمنا حقنّاهم بتلك الشعيرات الإلكترونيّة المتصلة بالكاميرات العامّة". (الرواية- ص 211)

وفي ظلِّ هيمنة التكنولوجيا المتقدّمة على وسائل الاتّصال والتواصل، وانتشار السيارات الآليّة والهواتف المدمجة، وأجهزة المراقبة، التي تؤطّرُها - كما سبق القول - رائحةُ العفونة، والطيور النافقة؛ تغيبُ العلاقاتُ الاجتماعيّةُ والإنسانيّةُ بين الشخصيّات، خاصّةً بعد انتشار عمليّات الاستنساخ.

ولأنّ الخيالَ العلميَّ هو شكلٌ جديدٌ في خلقِ عالمٍ آخرَ لمواجهةِ عالمٍ معروفٍ بطريقةٍ إدراكيّة، وَفْقَ تصوّر روبير شولز، فإنّ الكاتبَ ينطلقُ من الواقع، ويستشرفُ المستقبل عن طريق اختلاق أخبارٍ تتردّد عن اندلاع انتفاضةٍ فلسطينيّةٍ تاسعةٍ، وبناء الإسرائيليّين لجدار عزلٍ ثامنٍ، وإدراج مذكرات هتلر في المناهج الدراسيّة الألمانيّة؛ ردًّا على التهديد الإسرائيليّ بحرق ألمانيا، وغيرها من أخبارٍ استشرافيّةٍ تخيليّةٍ يربطها بالحاضر مرجعيّةٌ واقعيّةٌ/ تاريخيّةٌ سابقة: "احتفالات في روما بإزاحة الستار عن تمثال موسوليني؛ إحياء الحكومة الأمريكيّة لذكرى إلقاء أوّل قنبلةٍ نوويّةٍ على هيروشيما؛ قيام إسرائيل ببناء جدارٍ ثامنٍ على مبدأ التقاطع لا التوازي، مع ما يعنيه ذلك من مضاعفة عدد الأبواب في الجدران مئات المرّات، واضطرار الإسرائيليّين لعبورها بشرائحَ إلكترونيّةٍ لا يمكنُ اكتشافُها، مزروعة في عظامهم؛ واندلاع الانتفاضة الفلسطينية التاسعة على إثر ذلك؛ ثمّ الحدث الأبرز، وهو تهدیدُ إسرائيلَ بحرق ألمانيا، وردّ الألمان بإدراج مذكّرات هتلر في جميع المراحل الدراسيّة". (الرواية- ص 307- 308)

ليؤكّد الملمحُ التجريبيُّ بالنصّ على أنّ تدوينَ التاريخ - خاصّةً في الأنماط الجديدة من الكتابة الروائيّة - لا يقتصر على سردِ أحداثِهِ الواقعيّةِ الماضية، بل قد يمتدّ إلى تغيير تفاصيله واستشراف نتائجه القادمة؛ من خلال خلق تاريخٍ افتراضيٍّ موازٍ للتاريخ الرسميّ، ومتحرّرٍ من ثوابته. فالروايةُ - في النهاية - بخلفيّتها الديستوبيّة التي تنبئ بكوارثَ محتملةٍ مصاحبةٍ للتغيّرات التكنولوجيّة، هي محكيٌّ استباقيٌّ ينطلق من معطيات العلم في اللحظة الراهنة، ويدخل في حوارٍ مع واقعٍ جديدٍ، وإنسانٍ جديدٍ يهيّئُهُ الكاتبُ إلى ما يمكنُ تسميته بـ "صدمة المستقبل".