Menu

رؤية وموقف حول مشروع الوحدة بين الحزبين الشقيقين: حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي السوري/ المكتب السياسي

غازي الصوراني

مقدمة الرفيق جون نوستا.....

الرفيق غازي الصوراني مناضل من الرعيل الأول في صفوف اليسار الفلسطيني ومن قيادات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، برفقة القائد، حكيم الثورة الفلسطينية، الدكتور المرحوم جورج حبش . وهو أيضا ناشطا فعالا من أجل وحدة اليسار العربي في كل قطر من أقطاره تمهيدا للحوار من أجل تأسيس الحركة الماركسية العربية.

الرفيق غازي الصوراني مثقف عضوي، كما قال غرامشي، بكل معنى الكلمة، فهو ربط النضال على الأرض ضد الاحتلال الإسرائيلي بكل اشكاله وتعبيراته، مع النضال بالجانب المعرفي والثقافي والمجتمعي من منظور طبقي.. وأكد دوما على أن الماركسية هي الأداة الثورية والصائبة ودليل العمل النضالي والفكري على طريق النهوض العربي المتعثر في كل ساحاته. وكتب في هذا الخصوص عشرات الكتب، ونشر مئات المقالات والدراسات.

كنت منذ زمن ليس بالبعيد، مع الأسف، على علاقة متينة بالرفيق غازي، نظرا لإعجابي بنتاجه الفكري والفلسفي والتنويري الواسع المبني على ماركسية متطورة، غير جامدة ومتحجرة، تحاكي تطورات العلم والمعارف الحديثة، وظروف الواقع العربي على ساحاته المختلفة. ولهذا كله طلبت منه أن يتوجه لمجلتنا حوارات، وفي عددها الأول، بمقالة تتناول فيما تتناول أهمية وضرورة وحدة الشيوعيين السوريين .فكتب مشكورا جزيل الشكر هذه الدراسة المعمقة.

================

تحياتي الرفاقية محمولة بمشاعر التقدير لقراركم المشترك البدء بحوار موضوعي معمق يستهدف بلورة وحدة حزبيكما في اطار سياسي تنظيمي شيوعي موحد، وهي خطوة حاملة لروح التحدي  لمجابهة مظاهر التراجع وأوضاع التشرذم والتفكك التي اصابت الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية بدرجات متفاوتة من ناحية والاسهام في مجابهة وتجاوز اوضاع الانحطاط والاستبداد والاستغلال من ناحية ثانية ، ما يعني أن مشروعكم الوحدوي هو في جوهره تجسيد لروح التحدي على طريق استعادة الدور الطليعي لمواصلة النضال من اجل تحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية ، خاصة وإنّ الوضع الراهن ، الذي تعيشه شعوبنا العربية ، لم يكن ممكناً تحققه بعيداً عن عوامل الانحطاط والتفكك و الهبوط الناجمة عن تكريس وتعميق خضوع وارتهان وتبعية الشرائح الحاكمة في معظم النظام العربي للإمبريالية حفاظاً على مصالحها الطبقية النقيضة لتطلعات ومصالح الجماهير، وتحولت معظم أنظمته وحكوماته إلى أدوات للقوى المعادية، فيما أصبح ما تبقى منها عاجزاً عن الحركة والفعل والمواجهة ، في ظروف تراجعت فيها معظم الأحزاب الشيوعية والفصائل اليسارية بسبب الضعف الذي أصاب روحها وإرادتها الثورية وهويتها ، وفقدانها لقدرتها على الحركة والنشاط والنمو، وتراجع دورها في التأثير على الناس أو على الأحداث من حولها، الأمر الذي أفسح المجال واسعا للقوى والتيارات والحركات اليمينية العلمانية والغيبية ، بذريعة الليبرالية الرثة أو بذريعة المنطلقات التراثية ، وكلاهما يعبران عن المواقف والرؤى الفكرية والسياسية التي لا تتناقض مع البرامج والسياسات الإمبريالية عموما وبرامجها الاقتصادية والمجتمعية خصوصا لتكريس وحماية مصالحهما الطبقية.

ففي هذه المرحلة من حياة مجتمعاتنا العربية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لازالت شعوبنا وشعوب ما يسمى بالعالم الثالث تعاني من: السيطرة الامبريالية والتبعية والتخلف، و التفاوت الطبقي, والاستغلال والقهر الطبقي, ولم يحدث في تاريخ البشرية أن بلغ إستغلال فائض القيمة للشعوب الفقيرة والتابعة ، والقهر الاجتماعي والإفقار، المستوى الذي وصل إليه اليوم، إلى جانب كل أشكال العدوان والحروب التي تمارس لحماية مصالح النظام الرأسمالي كما هو الحال في بلادنا .

ما يعني أن الاشتراكية اليوم باتت ضرورة حتمية كتتويج للديمقراطية والحداثة وتخليص مجتمعاتنا من كل مظاهر التخلف والتبعية والاستغلال والاستبداد، إذ ليس ثمة خيار آخر –خاصة لبلداننا العربية والعالم الثالث- فإما الاشتراكية أو مزيد من التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد.

لكن على الرغم من اقرارنا واتفاقنا بطبيعة المخاطر السياسية والمجتمعية الناجمة عن الاستبداد والتبعية والاستغلال والتخلف في مجتمعاتنا العربية راهنا ، الا ان هذه الأوضاع لا يجب أن تلهينا أو تبعدنا عن الضرورة الموضوعية المرتبطة برؤيتنا -كشيوعيين- في تناول الواقع المأزوم للأحزاب الشيوعية والفصائل اليسارية في الوطن العربي .

والجدير بالذكر أن معظم من تحاورت معهم من رفاقي في احزاب وفصائل اليسار العربي يعترفون باستمرار الاوضاع المأزومة في احزابهم دونما توفر المقومات المطلوبة للخروج من الازمة صوب النهوض .. وهذا يعني ان الجميع يتحمل المسئولية امام هذا العجز او القصور او الاهمال .. لذلك أقول لهم – مخاطبا ذاتي - أما وقد مضى وقت طويل بين الإقرار بحال الأزمة، وبين اللحظة التي نعيشها الآن، ولم نتقدم على طريق حل الأزمة ، فإن ذلك يؤشر على عدم نضج الوعي ومن ثم الأوضاع الذاتية القادرة على تقديم الحلول المناسبة للأزمة ، رغم أن الأزمة نفسها قد نضجت كفاية وأصبحت تراكماتها تنذر إلى أن تصبح أزمة بنيوية شاملة، وإذ يقضي المنطق البسيط أن لكل أزمة حلا ، ولم يؤخذ به ، فإن من واجب كل كادر وكل عضو( في هذه الاحزاب والفصائل ) أن يطرح سؤالاً مباشراً حول الأسباب التي حالت وتحول دون معالجة الأزمة والخروج منها، لينتقل بعد ذلك إلى مناقشة السؤال المنهجي الأهم، وهو كيفية مواجهة العوامل أو التهديدات الداخلية التي أبقت حال الأزمة وأعادت إنتاجها، وحالت حتى اللحظة دون تقديم حلول لها، مما أدى إلى استمرار وجود مراكز القوى الانتهازية والتحريفية واليمينية والتكتلات الشللية ، وضعف قوة وهيبة مركز هذا الحزب او الفصيل وضعف وحدة القرار فيه، واستمرار ظاهرة عدم الوضوح بالنسبة لماهية الحزب الذي نريد ، وغياب القدوة والمثل الأعلى في الهيئات القيادية، مع استمرار تزايد الفجوة بينه وبين المجتمع عموما والشرائح الفقيرة – وهي الاغلبية العظمى– خصوصاً ان الصمت على تراكم عوامل الازمة والمرض هو نوع من الصمت على الموت البطىء لهذه الاحزاب/الفصائل   لكنه لا يعني مطلقا موت الافكار والمبادىء والتضحيات العظيمة التي انطلقت من اجلها. 

 وهنا بالضبط ، فإنني اتحدث عن واقع مهزوم ومأزوم -بدرجات متفاوته- منتشر بضراوة داخل فصائل وأحزاب اليسار العربي ، وهو واقع يحتاج لجرأة عالية ومتصلة من العمل لتخطي دوائر المراوحة والإحباط ومحاولات تبرير الفشل ، باتجاه التأسيس لعمليات نهوض ذاتي معرفي وسياسي وتنظيمي، ونهوض موضوعي يسعى الى وحدة الأحزاب الشيوعية كخطوة لابد منها ، كوننا لا نزال ، على ما يبدو ، في المرحلة الأولى من جولات الصراع والتناقض الرئيسي التناحري مع أعدائنا ، الامبرياليين والصهاينة ، وفي جولات صراعنا وتناقضنا الرئيسي مع القوى والحركات الرجعية وكل أنظمة التبعية والتخلف والاستبداد "البورجوازية" العائلية والكومبرادورية الرثة .

إن نقطة البدء لعملية التصدي للوضع المأزوم ، و الارتقاء بالعامل الذاتي كعقل جمعي ، تتطلب توفير عنصر الوحدة الجدلية بين الوعي و الممارسة لدى كل عضو من اعضاء هذا الحزب أو ذاك في كل ما يرتبط بمفهوم الحزب و دوره ووظيفته و آلياته،   وفي سياق هذه العملية أو هذا الوضع، علينا أن نلحظ إشكالية الوعي/الفكر، الذي اتسم بالعفوية وبالاختلال والهبوط باتجاه حالة من التوهان المعرفي، والفوضى الفكرية ، والليبرالية الرثة وجوهرها الانتهازي، التي بدأت في الظهور مؤخراً في أوساط هذه القوى .  

لكن أية محاولة لاستنهاض أحزاب وفصائل اليسار العربي، ينبغي أن تبدأ بنقد تجربتها سواء على صعيد النظرية أو الوعي الأيديولوجي ، أو على صعيد ممارستها لدورها طوال المرحلة الماضية، خاصة وأننا نعيش اليوم ، أمام نتيجة مفزعة تتجلى في هذه الهوة المتزايدة الاتساع بين الجماهير من ناحية وأحزاب اليسار العربي من ناحية ثانية، وهنا تتبدى الحاجة إلى إثارة وتفعيل عملية النقد الذاتي البناء ، الذي يستند إلى الحاجة الموضوعية الضاغطة، لتجديد وإعادة بناء قوى اليسار العربي، عبر ممارستها لعملية التقييم والمراجعة المنهجية العلمية القاسية لكافة برامجها وسياساتها ورؤاها الأيديولوجية، وصولاً الى التطبيق الخلاق لهذه الأسس على ضوء المتطلبات والضرورات الراهنة والمستقبلية للواقع الخاص في كل بلد عربي على حدة، ارتباطاً بالبعد والاطار القومي التقدمي العربي كوحدة مجتمعية واقتصادية وسياسية واحدة، انطلاقاً من الوعي والإحساس بأن المصلحة الطبقية باتت جزءاً من المصلحة القومية، و أن إنهاء نظم الرأسمالية التابعة هو جزء من مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني، و أن تحسين أوضاع الطبقات الشعبية مرتبط بتحقيق التطوّر الاقتصادي، والتطوّر المجتمعي، وهما مرتبطان بإسقاط أنظمة الكومبرادور والتبعية والاستبداد .

اليسار العربي والازمة أو التراجع والارتداد الفكري:

ان ما يوصف بأنه " أزمة الفكر" لدى ألاحزاب الشيوعية وقوى اليسار الماركسي العربي هو في الحقيقة أزمة الممارسة بسفحيها: النظري والعملي، فثمة بون شاسع بين الممارسة النظرية، مثلاً، وبين انتقاء وجمع وتوليف مجموعة من الأفكار والمبادئ والتصورات، قُطعت عن منظومتها الفكرية، وانتُزعت من سياقها التاريخي ، عبر مسميات خجولة أزاحت النص الصريح بالالتزام بالماركسية ، لحساب نصوص تلفيقية أو توفيقية أو تحريفية، أو عناوين استرشادية جاءت انسجاماً مع مواقف العديد من الأحزاب الشيوعية التي تخلت عن اسمها أو بعض الفصائل والحركات الأخرى التي اتجهت صوب الخلط الفكري بين الليبرالية والماركسية ، أو حتى شطب الماركسية من أدبياتها، ذلك الخلط أو الشطب، سيعزز تراجعها المتصل، وتهميشها وسيعجل بنهايتها     . 

على أي حال، إن التخلي عن الماركسية أو الارتداد عنها والتنكر لها ، ليس موقفاً جديداً مرتبطاً بانهيار الاتحاد السوفياتي أو بالواقع العربي المهزوم ، بل هو ظاهرة نشأت منذ نشوء الماركسية، من خلال العناصر والقوى اليمينية التي وجدت في الماركسية خطراً شديداً على مصالحها ووجودها ، لكن " الماركسية" بمضمونها السياسي والاجتماعي ودلالاتها ومؤشراتها المستقبلية بالنسبة لتحرر وانعتاق العمال والفلاحين وكل الفقراء والكادحين في هذا الكوكب ، خاصة في البلدان المستعمرة والتابعة ، كما هو حال بلداننا العربية، الذين لن يجدوا خلاصهم إلا من خلالها ، لذلك ، فإن البحث في "أزمة الماركسية" –ولا نقول فشلها- هو بحث في الماركسية ذاتها، وإذا كان من حق اي كان، ان يتخلى عن افكار ويعتنق أفكار أخرى نقيضة، فانه ليس من حق احد اصدار حكم بالتجاوز او النفي على تيار فكري من اجل تبرير هذا التخلي، خصوصاً اذا كان الحكم بلا حيثيات سوى البعد الذاتي ومبرراته الانتهازية الأنانية الصريحة.  

صحيح أن الماركسية هي منهج أفكار ماركس , و "مذهبه" ، لكن علينا أن ندرك أن كل من الأفكار، و"المذهب"، محدودان ومحددان بالزمان والمكان، ولذلك فإن أهم مظهر من مظاهر أزمة الماركسية في بلادنا ، هو جمودها على النص القديم او "المذهب"، وافتقارها أو عجزها عن التعامل مع روح المنهج المادي الجدلي وجوهره التاريخي، وبالتالي عجزها عن اكتشاف جدل الواقع العربي ذاته وميول تطوره، إذ لا يمكن موضوعياً الحديث عن المنهج المادي الجدلي بدون الماركسية، وبالتالي فإن الهروب من الماركسية ,والاكتفاء بالمنهج الجدلي فقط !!خطوة تؤشر على نزعة انتهازية تسعى إلى الهروب من التراث الماركسي كله ، وهي أيضاً خطوة تؤكد على انتصار التيار الليبرالي الانتهازي الرث داخل هذه الأحزاب من جهة، أو تجسيد للنزعة التحريفية او لعدم الوعي بأهمية اعتماد الماركسية ( كنظرية علمية تاريخية وفلسفية اقتصادية اجتماعية )كشرط للتعاطي مع المنهج المادي الجدلي من جهة ثانية، إذ أن معنى ذلك الشطب للماركسية، ليس استجابة للقوى الراسمالية والليبرالية ولتيارات وحركات الاسلام السياسي الرجعية وغيرهم من أعداء الماركسية في المشهد السياسي العربي الراهن فحسب، بل هي أيضاً إزاحة مفاهيم الصراع الوطني والقومي الكفاحي باسم السلام المزعوم ،وإزاحة مفاهيم وآليات الصراع الطبقي وفائض القيمة والتحليل الاقتصادي والطبقي لكل مظاهر الاستغلال من أجل تجاوزها . وفي هذا الجانب أشير إلى أن جمود الفصائل والأحزاب اليسارية لم يكن متوقفاً عند نصوص ماركس و لينين فحسب، بل كان ممتداً ومنتشراً بحيث أصاب روح التغيير الديمقراطي الثوري لدى قيادات هذه الأحزاب، التي باتت قيادات متكلسة ضحلة الوعي وعاجزة عن ممارسة اي شكل من اشكال التواصل والتجدد التنظيمي والمعرفي الجدلي بالمعنى الثوري الارتقائي ،الامر الذي انعكس سلبا على عموم اعضاء الحزب ، من حيث غياب الوعي بالنظرية والواقع المعاش ، ومن حيث غياب الدافعية الذاتية والاخلاق الثورية لدى معظمهم ، ففي غياب الوعي والاخلاق والدافعية لدى الاعضاء لا يكون مستغربا في مثل هذه الاحوال أن تتراكم الازمات الداخلية – ذات الطابع الشللي المشخصن - بكل مظاهرها الفكرية والسياسية والتنظيمية دون أي مخرج – امام القيادات البيروقراطية المتكلسة والهابطة سياسيا وفكريا في قسم كبير منها- سوى اللجوء إلى إدارة الأزمة بأزمة أخرى أشد بشاعة، عبر مزيد من التكتلات والشلل، والمحاسيب ، مما ادى إلى تفاقم الأوضاع المأزومة، التي انتجت بدورها مزيداً من التراجع والعزلة وتراجع الافكار والمبادىء الثورية ، وانتشار حالة من التشكيك بالماركسية ومنهجها او الارتداد عنهما وظهور حالة مأزومة من الارباك والفوضى الفكرية، ولجوء بعض هذه الأحزاب إلى الأفكار والسياسات الليبرالية -والمظاهر الدينية احيانا - لتبرر فشلها وانتهازيتها وهبوطها السياسي والفكري ورخاوتها التنظيمية ، الأمر الذي ينذر باسدال الستار عليها ، وولادة الجديد الثوري البديل ،إذا لم تبدأ عملية مراجعة نقدية – من كوادرها و قواعدها الرافضة لهذا المآل – تطال كافة مظاهر وشخوص الهبوط والتراجع، فالحزب يقوى بتطهير نفسه ، وتلك خطوة لا بد منها في احزاب وفصائل اليسار العربي ، باتجاه اجراء التغيير البنيوي فيها ، واحياء مبادىء ومنطلقات الحزب الثورية بالمعنى الماركسي العلمي المتجدد وفق المنهج المادي الجدلي ومن ثم الاندماج الحقيقي في مسامات ومكونات الواقع بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والمجتمعية من على ارضية الصراع الوطني / القومي التحرري وارضية الصراع الطبقي في آن واحد .

العملية الاستنهاضية للأحزاب الشيوعية وقوى اليسار الماركسي العربي:

لذا يجب أن تتم العملية الاستنهاضية الذاتية المرتبطة بالتطور المعرفي والسياسي والتنظيمي وعياً وممارسة عبر عملية إعادة التجديد والبناء والدمقرطة ، والموضوعية المرتبطة بالعملية الوحدوية،  من خلال مراكمة عوامل النهوض والإزاحة المتتالية لكل العوامل المؤدية إلى التراجع أو الفشل ، وذلك مرهون بتأمين الوعي المعمق والاتفاق الموضوعي على شروط الفعالية السياسية والفكرية والتنظيمية والكفاحية والجماهيرية القصوى للعملية الوحدوية في قلب الصراع الطبقي، عبر توفير المعايير والمنطلقات الفكرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي ، الى جانب النواظم وآليات العمل التنظيمي الداخلية ، الديمقراطية والثورية ، كعنصر قوة للارتقاء بدور فصائل وأحزاب اليسار العربي ورؤيتها وممارستها وتوسعها وانتشارها في أوساط جماهيرها ، إذ أن بقاء وضع هذه الأحزاب /الفصائل تحت رحمة البيروقراطية القيادية اللاديمقراطية التي تتميز في معظمها بأنها ضعيفة الكفاءة والعاجزة أو المترهلة أو المرتدة فكريا وهابطة سياسيا ،أودت بأحزابها وفصائلها إلى الابتعاد عن الممارسة الصحيحة والغرق في مستنقعات الردة أو المناهج التقليدية والعقلية الجامدة او الهابطة والانتهازية، وهذا يفتح الباب واسعا داخل التنظيم "أمام توليد بيئة ملائمة للشللية وللنفاق وفقدان الجرأة والصراحة واللعب على التناقضات وشخصنتها ، وفقدان القدرة لدى معظم الأعضاء على المحاسبة والنقد الجريء .وبالحصيلة ، مزيد من التراجع والتهميش ، وفي مثل هذه الحالة تكمن المأساة ، في أن الحزب هو الذي يدفع الثمن من رصيده السياسي والمعنوي والتنظيمي ، على شكل فقدان الشروط الضرورية لتأدية دوره ووظيفته السياسية التحررية والديمقراطية والاجتماعية على جميع المستويات .

لذلك لابد من وقفة مراجعة جدية لاستنهاض روح المبادرة الوحدوية لحزبيكما ، بالمعنيين الموضوعي والذاتي ، للاتفاق على توفير أسس الدافعية الذاتية أو الشغف والإيمان العميق بمبادئ الوحدة المنشودة للحزب الجديد عبر امتلاك الوعي العلمي الثوري في صفوف قواعده وكوادره .

وهنا لا بد من الاستفادة من سلبيات التجارب السابقة ، فبينما تتوفر الهمم في أوساط  العمال والفلاحين الفقراء وعموم الكادحين المضطهدين في اطار الجماهير الشعبية واستعدادها دوما للمشاركة في النضال بكل أشكاله ضد العدو الامبريالي والصهيوني ، وضد العدو الطبقي المتمثل في أنظمة التبعية والاستغلال والاستبداد والقمع ، إلا أن الأحزاب الشيوعية والفصائل اليسارية العربية لم تستثمر كل ذلك – عبر الممارسة اليومية - كما ينبغي ولا في حدوده الدنيا ، لأنها عجزت – بسبب أزماتها المستعصية الناجمة عن تراجعها السياسي ورخاوتها الفكرية والتنظيمية - عن إنجاز القضايا الأهم في نضالها الثوري ، وهي على سبيل المثال وليس الحصر:

أولا – عجزت عن بلورة وتفعيل الأفكار المركزية التوحيدية لاعضاءها وكوادرها وقياداتها واقصد بذلك الفكر الماركسي وصيرورته المتطورة المتجددة من ناحية وتفعيل الحوار والممارسة الديمقراطية داخل الحزب من ناحية ثانية ، بعيدا عن سلبيات التجربة التاريخية لتطبيق مفاهيم واسس "المركزية الديمقراطية" وكافة مفاهيم عبادة الفرد أو المركزية الأحادية التي ترفض الالتزام الخلاق بالديمقراطية الداخلية وتطبيقاتها ، وتتمسك بالجمود الناجم عن التطبيق الميكانيكي لمبدأ المركزية الديمقراطية كما تعرفنا عليه طوال العقود الماضية.  

ذلك ان جمود احزاب وفصائل اليسار وتمترسهم الميكانيكي عند مفهوم المركزية الديمقراطية وغيره من المفاهيم والمقولات الماركسية واللينينية ثم الستالينية بدون مراجعتها ومقاربتها مع خصوصية هذا البلد او ذاك ، وبدون وعي المتغيرات النوعية في مجرى الحياة الانسانية وتطور العلوم والمفاهيم والافكار السياسية والفلسفية والاجتماعية وخاصة عدم وعيهم لمفهوم الديمقراطية بالمعنى الاجتماعي وبالمعنى التنظيمي واولويته ، جعل من هذه الاحزاب هياكل محكومة لنظم وآليات بالية قديمة غير مواكبة للتطور التنظيمي و للضرورات المعاصرة وظلت اسيرة للادوات والمفاهيم القديمة وفي مقدمتها شكلانية وجمود مفهوم المركزية كما سبق تطبيقه في التجربة الستالينية ، الأمر الذي راكم عوامل تراجع مفهوم وآليات الديمقراطية في هذه الفصائل والأحزاب ، وراكم أيضاً استفحال ظاهرة البيروقراطية في معظم المراتب والهيئات الحزبية عموماً وفي الهيئات القيادية الأولى خصوصاً عبر هيمنة المكاتب السياسية والأمناء العامون على الحياة الحزبية، وتفردهم أحياناً، وكان من الطبيعي في مثل هذه الأوضاع البيروقراطية ، وفي ظل استمرار ضعف أو غياب الوعي لدى قواعد الحزب، أن تؤدي هذه الهيمنة إلى إضعاف دور الهيئات القاعدية والوسيطة إضعافاً يجعلها تتحوّل إلى هامش في الحياة التنظيمية الداخلية، وحصر مهماتها في تنفيذ الأوامر والقرارات التي تصدرها الهيئات الأعلى في المناسبات والاحتفالات الحزبية ، وفي مثل هذه الاوضاع البيروقراطية الجامدة ، اصبح النص على الديمقراطية دون التقيد بأسسها والوعي بمضامينها ، لا يعني سوى تحوّل وثائق وانظمة ولوائح الأحزاب الشيوعية وفصائل اليسار إلى شعارات مفرغة من جوهرها، وإلى نوع مبتذل من الممارسة البيروقراطية أو الاستبدادية أو الانتهازية الذاتية والشللية في ظل غياب التطبيق الخلاق للديمقراطية  لذلك فان قوى اليسار العربي بحاجة ماسة اليوم إلى مراجعة التنظيم وأسلوب العمل بمنهجيه ديمقراطية نقيضة للبيروقراطية والمركزية الشديدة ، لكي تستلهم – في المناخ الديمقراطي الداخلي -شكل وروح التطورات السياسية والمجتمعية والفكرية والعلمية والتكنولوجية الحديثة وتتفاعل معها، بما يسمح للحزب بإعادة ترتيب البيت الداخلي والفعل المباشر في المجتمع والالتحام بقضاياه المطلبية.

وفي هذا السياق يمكن الاستشهاد ببعض الملاحظات المنهجية حول التنظيم من وجهة نظر الفيلسوف الماركسي "جورج لوكاش " التي تناولها في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي " الصادر عام 1922 ، وهي ملاحظات وأفكار ما زالت تمتلك عناصر ومقدمات الرؤية الموضوعية لحل المشكلات التنظيمية حتى يومنا هذا، وخاصة في بلادنا العربية، وتجارب الأحزاب والحركات الماركسية فيها، بالنظر إلى حالة التخلف السائدة التي تؤكد الحاجة إلى إعادة قراءة أفكار هذا المفكر الماركسي، من قبل كافة القوى اليسارية الماركسية العربية .

يرى جورج لوكاش أن المشكلات التنظيمية تمثل جزءا من المسائل التي لم تحظ بعد بإنشاء نظري معمق، بالرغم من أنها كانت في بعض الأوقات –على سبيل المثال عند مناقشة شروط الانتساب إلى الأحزاب الثورية- في مقدمة أسباب الصراعات الأيديولوجية.

فالمسألة التنظيمية ما تزال -للأسف- تعتبر مسالة تقنية خالصة، لا مسالة فكرية أساسية من مسائل الثورة، وليس ذلك لان هناك نقصا في المادة يحول دون تعميق مسالة التنظيم نظريا، بل على العكس، فالمادة وفيرة غزيرة، لكن يبدو أن الاهتمام النظري للأحزاب اليسارية العربية قد استأثرت به واحتكرته مشكلات الوضع الاقتصادي والسياسي وما يتفرغ عنها من نتائج تكتيكية، الأمر الذي حال دون ايلاء مسالة التنظيم أهميتها الحيوية والايجابية، كما حال دون إرسائها في النظرية الثورية" وهنا يعيد "لوكاش" التأكيد على صحة مقولة لينين: " لا يمكن فصل المسائل السياسية ميكانيكياً عن مسألة التنظيم".

فإذا كانت المسالة التنظيمية مسالة أساسية، بوجه عام، من مسائل العمل الثوري، فإنها تأخذ أيضا في بلدان العالم الثالث وبلدان الوطن العربي أهمية خاصة، فالحزب أو الجسد التنظيمي يمثل العامل الذاتي في التطور، في حين تشكل علاقات الإنتاج والوضع الاجتماعي _ الاقتصادي ما يمكن تسميته بالعامل الموضوعي، والحال إن أهمية العامل الذاتي في بلادنا كما في بلدان العالم الثالث المتخلف أو الضعيف التطور اقتصاديا تفوق أضعافا مضاعفة أهميته في بلدان الغرب المتطورة اقتصاديا، ففي بلادنا، ما زالت الطبقة العاملة هنا ضعيفة، هزيلة النمو، ولا تؤهلها شروطها الاقتصادية_ الاجتماعية الموضوعية لان تفرز عضوياً حزبها السياسي الطليعي، كما أن الحتمية الاقتصادية الوحيدة هنا هي حتمية الانتقال من النظام شبه الإقطاعي، شبه القبلي والعشائري، إلى أشكال بدائية ووسطية من الرأسمالية الرثة، المرتبطة بل الخاضعة أصلا للامبريالية العالمية، وهذا على وجه التحديد ما يعطي العامل الذاتي، الحزب الثوري، في كافة أقطار الوطن العربي، أهمية فائقة، فالمطلوب من الحزب الثوري في هذه البلدان أن يخلق وحدة العمال والفلاحين الفقراء والكادحين، وان يخلق دورهم القيادي معاً بالرغم من ضعف وعيهم الطبقي، فالمطلوب من الحزب لا أن يعرف كيف يستغل الشروط الموضوعية للانتقال إلى الاشتراكية_ فمثل هذه الشروط لا وجود لها في بنية الاقتصاد أو المجتمع _ وإنما أن يخلق هذه الشروط.

إن مختلف التجارب قد أثبتت أن على فصائل واحزاب اليسار العربي إعادة النظر في كيفية تطبيق مفهوم المركزية الديمقراطية، ليس بمعنى نفيه، بل بتمحيصه، واخضاعه لروح وجوهر الديمقراطية والياتها التطبيقية ومن ثم إعطائه معنى أشمل مما كان عليه خلال العقود الماضية، بما يجعل من هذا المفهوم عبر الحوار والاختلاف الموضوعي أداة لتطور وتجدد الحزب بعيداً عن كل أشكال البيروقراطية والتفرد والجمود والتخلف التنظيمي من ناحية، وبعيداً عن كل الممارسات التوفيقية أو المجاملة أو الحلول الوسط او الشللية ومراكز القوى من ناحية ثانية.

هذه الأهمية الفائقة لدور العامل الذاتي في البلدان المتخلفة، تصبح أهمية استثنائية بالنسبة إلينا في كل اقطار وطننا العربي الذي لا يواجه مشكلة التخلف والتبعية فحسب بل يواجه أيضا مشكلة تحرره الوطني والديمقراطي الطبقي ، ذلك إن التفعيل الحقيقي أو الثورة الحقيقية للحزب ، لا تحددها قناعته الفكرية أو أيديولوجيته فقط ، فلكي تتمتع الأفكار بقوة تحويليه ، من الضروري أن يكون التنظيم عاليا عبر وحدته وقوته الداخلية لدعم قوة الأفكار بقوة التنظيم ، وبقوة ووضوح الموقف السياسي ، والقضايا المطلبية الديمقراطية من المنظور الطبقي، ضماناً لانتصار الثورة الاشتراكية، من خلال الالتزام الجدلي بالأسس الفكرية والتنظيمية والسياسية التي يقوم عليها الحزب الماركسي الثوري .  

ثانيا- عجزت الأحزاب الشيوعية عموما ، وبدرجات متفاوتة ، عن إيجاد الحلول أو صياغة الرؤية الثورية الواضحة والبرامج المحددة ، كما عجزت عن صياغة البديل الوطني والقومي في الصراع مع العدو الامبريالي الصهيوني من ناحية وعن صياغة البديل الديمقراطي الاشتراكي التوحيدي الجامع لجماهير الفقراء وكل المضطهدين من ناحية ثانية.

 ثالثا – كما عجزت تلك الأحزاب أيضا – بدرجات متفاوتة - عن بناء ومراكمة عملية الوعي الثوري في صفوف أعضاءها وكوادرها وقياداتها ليس بهويتهم الفكرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي فحسب بل أيضا عجزت عن تشخيص واقع بلدانها (الاقتصادي السياسي الاجتماعي الثقافي ) ومن ثم توعيتهم بتفاصيل واقعهم الطبقي ( الاقتصاد والتنمية، الصناعة ، الزراعة ، المياه ، الفقر والبطالة والقوى العاملة، الكومبرادور وبقية الشرائح الرأسمالية الرثة والطفيلية ، قضايا المرأة والشباب ، قضايا ومفاهيم الصراع الطبقي والتنوير والحداثة والديمقراطية  والثقافة التقدمية والتخلف والتبعية والتقدم والثورة ...الخ ) فالوعي والإيمان الثوري (العاطفي والعقلاني معا ) لدى كل رفيقة ورفيق، بالهوية الفكرية وبضرورة تغيير الواقع المهزوم والثورة عليه ، هما القوة الدافعة لأي حزب شيوعي أو فصيل يساري، وهما أيضاً الشرط الوحيد صوب خروج هذه الأحزاب من أزماتها ،وصوب تقدمها وتوسعها وانتشارها في أوساط جماهيرها على طريق نضالها وانتصارها ، الأمر الذي يدعونا الى امتلاك الوضوح المعرفي حول الماركسية والواقع العربي الراهن ، وذلك انطلاقا من أن الأحزاب الشيوعية والفصائل والحركات الماركسية العربية معنية باستمرار وتجدد النضال من أجل :

أولاً : أن تستعيد الماركسية دورها ككاشف لحركة الواقع وكمنظر لها (على الصعيدين الوطني والقومي في اطار الصراع الطبقي) ، ما يعني بوضوح مشاركتنا الفعالة ضمن الأحزاب   الشيوعية العربية في العمل من أجل أن تستعيد القوى الماركسية دورها الثوري في بلادنا عبر دور طليعي متميز على طريق الحوار الجاد حول فكرة /مشروع تأسيس الحركة الماركسية العربية، واثقا من أن حزبكم الموحد رفاقي الأعزاء لا بد له من ان يحمل تلك الفكرة ضمن رؤاه وبرامجه المستقبلية.

- هذه هي المهمة الراهنة، وهذا هو الهدف الراهن في لحظة تفاقم التناقضات الطبقية والصراعات المذهبية الدموية في ظل استمرار انظمة التخلف والاستبداد والاستغلال بمختلف مسمياتها ملكية جمهورية مشيخية ، مع استمرار تكريس معظم هذه الانظمة خاصة النظام السعودي و" دول " الخليج عملاء حقيقيين للتحالف الامبريالي الصهيوني يأتمرون بأمره ، إلى جانب تزايد التدخل العدواني الامبريالي الأمريكي

- لهذا يجب العمل- في إطار الصراع الطبقي والديمقراطي ضمن دوائر قومية وإقليمية- على تفعيل وبلورة الذات القومية العربية في مضمونها الجديد الذي تتداخل فيه مصالح الطبقة العاملة والفلاحين مع مصالح الأمة في إطار اقتصادي / اجتماعي يعبر عن مصالح العمال والفلاحين وكل الفقراء والكادحين في بلادنا .

- إننا في لحظة إعادة صياغة الأهداف التي تعبر عن الطبقات المعنية بالصراع ضد الرأسمالية، ومن أجل تأسيس نمط إنتاجي بديل، في قلب عملية النضال صوب الثورة الوطنية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية .   

ثانياً : إذا كان الصراع ضد الرأسمالية في المراكز هو صراع تدرجي مطلبي الآن، فإن الصراع ضدها في الأطراف هو صراع ثوري رئيسي (وهذا ما يجب أن يكون في مجتمعاتنا العربية) اذ لا معنى او قيمة لأي نضال ضد الوجود الامبريالي/الصهيوني أو أي عدوان خارجي ما لم يتوازى ويلتحم ضمن هدف النضال ضد الامبريالية وعملائها في الانظمة العميلة والرجعية والمستبدة .

إن الحاجة الموضوعية لاستنهاض فصائل وأحزاب اليسار الماركسي الثوري الديمقراطي ورص صفوفها وتقوية بنيانها في كل أقطار الوطن العربي، تبرز كضرورة ملحة في الظروف الراهنة المحكومة بكل عوامل التبعية والاستبداد والهيمنة الخارجية، والهبوط السياسي والتراجع الاقتصادي والاجتماعي والافقار الداخلي مع كل مظاهر القلق والإحباط، التي باتت تشكل مساحة واسعة في الذهنية الشعبية في كل البلدان العربية .

 وبالتالي فإن هذه الحاجة الملحة لنهضة اليسار الماركسي تزداد إلحاحاً في الظروف الراهنة التي تتطلب من قوى اليسار مشاركة فعالة ونوعية في قلب الحراكات والارهاصات الثورية الشعبية العربية وقيادتها وتوجيهها صوب استمرار النضال لتحقيق أهداف الثورة الوطنية الشعبية الديمقراطية، وتجاوز قوى اليمين العلماني والديني ، التي تتصدر الساحة السياسية في بلداننا عبر مجموعتان تختلفان شكلاً رغم جوهرهما الواحد : مجموعة الرأسماليين المنضوين تحت لواء السلطة أو أنظمة الحكم، ومجموعة الرأسماليين المنضوين أو المتنفذين في قيادة حركات الاسلام السياسي ، أي أن المجتمعات العربية وساحاتها السياسية مسيطر عليها عملياً من جانب قوة واحدة (عبر برنامجين: اليمين "العلماني"، واليمين الديني) وهى الرأسمالية التابعة ، الطفيلية والكومبرادورية بالتحالف مع البيروقراطية الحاكمة ، وكلاهما محكوم –بهذه الدرجة أو تلك- لقاعدة التبعية والتخلف، كما أن كل منهما لا يتناقض في الجوهر مع الإمبريالية والنظام الرأسمالي .

في سياق الحديث عن علاقة اليسار العربي مع حركات الإسلام السياسي ، فإنني أود التوضيح هنا أنني لست في وارد تناول موضوعة " الدين" من زاوية فلسفية , في إطار الصراع التاريخي بين المثالية والمادية, فهذه المسألة ليست بجديدة, كما أنها ليست ملحة, كما أن عملية عدم الخلط بين الدين كعقيدة يحملها الناس، وبين الجمهور المتدين تعتبر مسألة مهمة وحساسة , فأن يكون لنا موقف فلسفي من الدين انعكاساً لقناعتنا المعرفية العميقة بالفلسفة الماركسية بشقيها الرئيسيين : المادية الجدلية والمادية التاريخية، لا يعني على الإطلاق سحب ذلك الموقف على الجمهور المتدين بل على العكس، فان التحليل الموضوعي ، إلى جانب الوعي والشعور بالمسئولية والواجب، يفترض منا الاقتراب من ذلك الجمهور واحترام مشاعره الدينية، والتفاعل مع قضاياه وهمومه وجذبه إلي النضال من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وإنهاء كافة أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد، انطلاقاً من فهمنا للماركسية بأنها ليست نظرية مضادة للدين – كما يروج دعاة الإسلام السياسي والقوى الرجعية والامبريالية – بل هي طريقة تفكير لفهم الوجود بكليته ، فالماركسية تنظر إلى الدين بوصفه جزءاً من تطوّر الوعي البشري في محاولتهم فهم واقعهم، وصوغ الرؤية التي تكيفهم معه، وأنه شكّل –في مراحل تاريخية معينة- تطوّراً كبيراً في مسار الفكر، وانتظام البشر في الواقع .

أما بالنسبة للعلاقة الخلافية بين اليسار وحركات الإسلام السياسي، فهي تستند – من وجهة نظري - إلى التحليل الموضوعي الذي يؤكد على أن الأساس في هذه الحركات هو دعوتها إلى معالجة القضايا المعاصرة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، عبر منطق غيبي تراجعي عاجز عن بلورة برنامج سياسي ديمقراطي اجتماعي تنموي ، يتناقض مع جوهر النظام المخلوع في تونس و مصر أو مع أي نظام استبدادي ، ما يعني إعادة إنتاج أنظمة ليبرالية رثة، وتابعة ومحتجزة التطور، مع استمرار النظام الاقتصادي الاستغلالي على ما هو عليه أسيراً وتابعاً لشروط الصندوق والبنك الدوليين وللسياسات الأمريكية .

وعلى الرغم من كل ما تقدم ، علينا أن ندرك في ضوء المستجدات والمتغيرات المتلاحقة راهناً، إلى أننا سنواجه –مع حركات الإسلام السياسي- ظروفا وأوضاعاً معقدة, ما يفرض على قوى اليسار العربي أن تتمسك برؤيتها الموضوعية إلى أبعد الحدود في العلاقة الديمقراطية وقضايا الصراع الطبقي والسياسي، ومفاهيم الاستنارة والعقلانية مع هذه الحركات بمختلف مذاهبها، كما عبر عنها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وطه حسين ولطفي السيد وأحمد أمين .. وغيرهم، بحيث نحرص على أن لا تصل الاختلافات معها ، إلى مستوى التناقض التناحري، وأن تظل الخلافات محكومة للعلاقات الديمقراطية .

ذلك ان الانفصام السياسي الاقتصادي الاجتماعي، سيظل سمة رئيسية من سمات المرحلة الحالية، أو مرحلة "الإسلام السياسي" وهي مرحلة قد تطول ، لكن الجماهير الشعبية ستتكشف تدريجياً حقيقة التيارات الدينية وسياساتها وممارساتها التي لن تختلف -في جوهرها- عن سياسات النظام المخلوع، ما يفرض على القوى الديمقراطية الوطنية والقومية، والقوى اليسارية أن تكرس كل جهودها من أجل مراكمة توسعها ونضالها في أوساط الجماهير، بما يمكنها من أن تتخطى حالة الانفصام المذكور ، وذلك من خلال امتلاكها لرؤية سياسية مجتمعية اقتصادية  وفق مهمات تنظيمية تستهدف التوسع في صفوف العمال والفلاحين والشباب وعموم الكادحين والمضطهدين وكافة الأطر والجمعيات المهنية والنقابات  ، تنطلق من استمرار النضال السياسي والمجتمعي والجماهيري الديمقراطي من منظور طبقي في المرحلة الراهنة  لمراكمة العوامل الكفيلة بانضاج تفعيل مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية .

 الرفاق الأعزاء .. إن وعينا العميق بالمعنى المعرفي الموضوعي لمفهوم المناضل اليساري الذي يتحدد قبل كل شيء برؤية ماركسية ثورية سياسية وطبقية مستقبلية تقوم على مجابهة وإسقاط كل أنظمة وأدوات الاستغلال الطبقي والاستبداد والتسلط وقمع الحريات ، ومن ثم الالتزام بتلبية مصالح وتطلعات جماهير الفقراء والكادحين وفق مبادئ العدالة الاجتماعية الثورية والمساواة وحرية الرأي دونما أي إكراه من جهة ، والالتزام أيضا بموقف سياسي وطني انعكاسا لعملية خوض الصراع ضد العدو الوطني / القومي والطبقي من جهة ثانية ، فليس يساريا من لا يلتزم في الممارسة والنظرية بأسس النضال الطبقي والصراع السياسي والديمقراطي والثوري ضد انظمة الاستبداد والاستغلال والتخلف وضد قوى اليمين الليبرالي والرجعي السلفي/الإسلام السياسي ... وضد كل اشكال التبعية والتخلف والاستبداد والخضوع ،وليس يساريا من لا يمارس - وفق الزمان والمكان المناسبين- كل أشكال المقاومة المسلحة والشعبية ضد الوجود الصهيوني والقواعد الأمريكية المنتشرة في الوطن العربي ... وليس يسارياً – بل خائنا - من يستعين بأعداء وطنه بذريعة الديمقراطية ، وليس يسارياً من يشارك في حكومة من صنع الاحتلال أو يتحالف معها ، وبالطبع ليس يسارياً أيضاً من يعترف بدولة العدو الصهيوني ويتناسى دورها ووظيفتها في خدمة النظام الامبريالي . .. وليس يسارياً أيضاً من لا يستوعب تماماً كل مكونات واقع بلده الاقتصادي والاجتماعي / الطبقي بكل تفاصيله المتعلقة بقضايا الطبقة العاملة والبطالة والفقر والتنمية والتشغيل وتوزيع الدخل والمسألة الزراعية والصناعة وقضايا المرأة والشباب والصحة والتعليم ... الخ ، وفق منطلقات ومبادئ وبرامج الثورة الوطنية الديمقراطية ضد التحالف الكومبرادوري / البيروقراطي وإسقاط أنظمة الاستبداد ، من أجل انعتاق شعوبنا عموماً و إلغاء كل أشكال قمع الحريات والاستبداد والاستغلال والاضطهاد والتبعية .

 من هذا المنطلق يجب أن نعيد تحديد معنى اليسار عموما، والماركسي المتطور المتجدد خصوصاً ،الملتزم بالمنهج المادي الجدلي ، فلا مكان هنا للتلفيق أو التوفيق ناهيكم عن الارتداد الفكري صوب الأفكار الهابطة والانتهازية والليبرالية الرثة ، إذ أنَ هذه المنهجيات المُضَللة أساءت كثيرا جدا لليسار العربي كله وأدت إلى عزلته عن الجماهير وعن سقوطه المدوي في آن واحد . هذه تعريفات جوهرية وقيم عامة لليسار، ومن وجهة نظري ،ليس يساريا من لا يدافع عنها ، وبالتالي بات من الضروري تحقيق الفرز انطلاقاً منها، وأن لا يُكتفى بالتسميات أو الألوان الحمراء ، بل أن يجري الانطلاق من المواقف والسياسات علاوة على الوعي المتجدد للماركسية ومنهجها . ولهذا حينما يجري التأسيس لعمل يساري أو وحدة قوى يسارية يجب أن ينطلق من هذا الفرز، ويقوم على أساسه، وإلا استمرت التوجهات السياسية الانتهازية والارتدادات الفكرية وتفاقم مظاهر التفكك الشللية والتحريفية الانتهازية والمصالح الطبقية الخاصة ، فاليسار ليس تسمية بل موقف وفعل أولاً وأساساً .

  أيها الرفاق الأعزاء ، أعتقد أننا نتفق على أن نقص الوعي بالنظرية وبتفاصيل الواقع المعاش، هو مقتل الفصائل اليسارية الماركسية والأحزاب الشيوعية ، وبسبب هذا النقص يسود مناخ الشللية والمحسوبيات والانتهازية اليمينية واليسارية الطفولية ، وهذا يقودنا الى دعوة الرفاق كوادر واعضاء حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي السوري م.س خصوصاً ، وكافة الفصائل والاحزاب والحركات اليسارية العربية  عموماً ، الى استعادة وتكريس دور الوعي الثوري في داخلها كشرط اول ووحيد لضمان تطهير احزابها وفصائلها من العناصر الانتهازية ، "فالحزب الثوري يقوى بتطهير نفسه " ، فمن المستحيل ان تكون هناك ممارسات ديمقراطية وثورية بدون الوعي بالنظرية وبتفاصيل الواقع السياسي والطبقي الاجتماعي والاقتصادي المعاش ،وممارسة النضال التحرري والديمقراطي في اوساط الجماهير وفق رؤية وبرنامج عملي يعبر عنها ويجسد طموحاتها ، فالممارسة الثورية وحدها التي تدل وتؤشر على النظرية والوعي بها وبمنهجها ، وهنا تطرح إشكالية الوعي والممارسة، حيث إن العمل الثوري يفترض عملا تثقيفيا فكريا بالقضايا النظرية والمجتمعية الطبقية المطلبية الانية والاستراتيجية في آن معا، كما يفترض عملا تنظيميا – للتوسع والانتشار - واعيا وثوريا ،مع الحرص على كافة الوسائل والامكانات المادية والخبرات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاعلامية والاكاديمية في خدمة الرؤية والبرنامج والاهداف ، ذلك هو مضمون ومغزى نضال الشيوعيين في الوطن العربي ، وهو نضال يهدف الى تحقيق ثورتين معاً : الأولى هي ثورة علمانية على الصعيد الفكري والثقافي، والثانية ثورة على الصعيد الاقتصادي المجتمعي ، وهي الثورة الاشتراكية ، تغير علاقات الإنتاج  القديمة المتخلفة بكل رواسبها شبه الإقطاعية، وشبه الرأسمالية، وتستبدلها – نوعيا - بعلاقات إنتاج اشتراكية، لتركيز قاعدة مادية لانطلاق اقتصادي جدي.

هنا أشير بوضوح الى ان الثورة الاشتراكية في بلد متخلف ستكون هجينة ومشوهة ومبتورة إذا تناولت بالتغيير الجانب الاقتصادي، من دون أن يترافق هذا التغيير بثورة تنويرية عقلانية علمية- علمانية على الصعيد الفكري والثقافي. فالاشتراكية ليست مجرد خلق وضع اقتصادي مطابق للعدل فحسب، بل هي أيضاً –وقبل كل شيء- نظرة إلى الإنسان والمجتمع تستند إلى منطلقات ديمقراطية علمانية وعقلية كرست الإيمان باقتدار الإنسان على صنع مصيره وتشريع نظمه وتنظيم أمور المجتمع الإنساني تنظيماً عقلانياً حراً وديمقراطيا، دونما أطر مسبقة تشله أو تقاليد محافظة تشوهه أو تعاليم ثابتة تقسره وتشده إلى وراء .

وفي كل الأحوال ، فاننا نتفق أيضا على أن ان الحاجة الى النظرية الثورية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي قضيه تقرر مصير العمل الثوري الديمقراطي كله في بلادنا ، فلا إمكانية لتأسيس أو لتواصل حزب شيوعي أو اشتراكي ماركسي بدونها .

ان الموقف الثوري ضد الاستبداد والتخلف والاستغلال وكل أشكال الاضطهاد وأدواته ورموزه سواء في سوريا أو مصر او تونس والمغرب والأردن أو اليمن أو في أي نظام عربي تابع ومستبد، يجب أن يتوحد مع الموقف ضد القوى الامبريالية وركيزته الحركة الصهيونية ، انطلاقا من الرؤية الواضحة والوعي العميق بالماركسية والالتزام النضالي بتحقيق اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية ، وهذا هو المقياس الاول -من وجهة نظري – لمصداقية الفصائل والأحزاب الوطنية والديمقراطية واليسارية في علاقتها مع جماهيرها، إذ أن هذا الموقف هو الكفيل -عبر الممارسة في أوساط الجماهير- بالتصدي لادوات ومظاهر الاستغلال والاستبداد و لمخاطر التدخل الخارجي (العسكري والسياسي) من جهة والتصدي للقوى اليمينية وقوى الثورة المضادة التي تسعى لإعادة انتاج التبعية والتخلف القبائلي والطائفي بأشكال جديدة في بلادنا .

حول "أزمة الماركسية" :

أرى أنه ليس من المغالاة في شيء، إذا قلنا بأن ما يسمى بأزمة الماركسية في بلادنا ، هي انعكاس –بهذا القدر أو ذاك- لأزمة وتخلف المجتمع والفكر السياسي العربي ارتباطاً بالمسار التطوري التاريخي المشوه .

إضافة إلى كل ما تقدم، نستطيع الكشف عن مظهرين آخرين من مظاهر "أزمة الماركسية" في البلدان العربية ، أولهما: عدم استخدامها كفلسفة نقدية في تشخيص ودراسة خصوصية التطور الاجتماعي الاقتصادي العربي، وانماطه وثقافته المختلفة كلياً عن الانماط التي سادت في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، والثاني: عدم تمحورها على المستقبل، بسبب عدم توجيهها صوب فكرة الثورة الديمقراطية والتقدم بوصفها عملية تَخَطِّ وتجاوز مستمرة، ليس لأنظمة التخلف والمشيخات القبلية الشبه إقطاعية فحسب ، بل أيضاً لما كان يسمى بأنظمة "البرجوازية الوطنية ".

وكما نتفق جميعا بأن الدرس الذي يمكن استخلاصه بالنسبة إلى كفاح الشعب عموما وجماهير العمال والفلاحين الفقراء خصوصا ،هو ان أنظمة الاستبداد تكتسب في ظل تفشي الورم الانتهازي القدرة على دق اسفين في خاصرة الحركة الثورية ، وبالتالي قطع الطريق امام الثورة.

فالانتهازية تزرع الأوهام بين الجماهير لكي تحرفها عن النضال الفعلي ، لكي يتعزز النظام الاستبدادي الحاكم ، ولكي تجني الطغم الحاكمة مزيداً من الأرباح ومراكمة الثروات المنهوبة ، وبالتأكيد فان الانتهازية لا تفعل ذلك دون مقابل فهي تزيد من وراء إداء تلك الخدمات التموقع في السلطة وبالتالي الفوز بنصيبها من الثروات المنهوبة ، لذلك فان القوى الثورية بحاجة إلى جهد متعاظم لمحاربة تأثير الانتهازية وفضح رموزها والقضاء نهائيا عليها بما يمكن الثوريين من استكمال مهماتهم النضالية ضد انظمة التبعية والاستغلال والانتصار عليها معلنة بداية عهد جديد تسوده الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.

ذلك هو المعنى الجوهري في أن نكون شيوعيين او ماركسيين ثوريين ، وبالتالي أيها الرفاق ، أن تكونوا ماركسيين اليوم ، معناها أن تقاوموا كافة مظاهر وادوات الاستبداد والاستغلال ، وأن تقاوموا نظام العولمة الامبريالي البشع ، لا أن تستهلكوا بضاعته الفكرية الرخيصة من الواقعية الى الليبرالية ، وأن تقاوموا أيضاً الحركة الصهيونية وليدة النظام الرأسمالي وربيبته ، أن تكونوا ماركسيين ، يعني أن تكونوا حاضنة دافئة للجماهير العفوية، تحترمون كل تراثها ومعتقداتها وتتعلموا منها .

وأخيراً أن تكونوا ماركسيين ، هو أن يتكامل وعيكم أيها الرفاق ، فتنهلون من النظرية وتدركون منهجها ادراكاً ذاتياً ، وتؤسسوا لك أرضية صلبة تنطلقون منها للعمل النضالي والديمقراطي في خضم الصراع الطبقي ، لا أن تأخذوا السياسة على حساب الفلسفة، فالجزء يكمل الكل، ولا تنفصل النظرية الماركسية ومنهجها بالنسبة لنا وفي كل الظروف عن العمل السياسي، فإذا ضاع الجزء، ضاع الكل ، وضاعت معه هوية أحزابنا الفكرية.

أن تكونوا ماركسيين هو أن تعملوا على أن تكون سوريا وطناً لجميع أبنائها دونما أي تعصب اثني او مذهبي أو جندري ، وطناً مستقلاً حراً موحداً تسوده الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، يبنيه ويحميه أبناؤه من الفقراء والكادحين وكافة المضطهدين بإرادتهم الجماعية الحرة .

أخيراً أكرر سعادتي الغامرة بقراركم الوحدوي رفاقي الأعزاء ، وهو قرار آمل أن يحمل في طياته كل معاني الوحدة الجدلية الحاملة للحوار الموضوعي المنبثق عن اقتناعكم جميعا بهذه الخطوة واهميتها وضرورتها التاريخية في هذه اللحظة الفارقة التي تتميز بالتحول الخطير لمعظم الأنظمة العربية تحت عنوان الأنظمة الكومبرادورية الحاملة لابشع المظاهر والممارسات والمصالح الطبقية الرأسمالية والبورجوازية الرثة ، التي كرست التبعية والتخلف والخضوع والارتهان العربي للتحالف الامبريالي الصهيوني في بلادنا ، وهنا بالضبط أسجل احترامي لكم رفاقي الأعزاء على توافقكم شبه الكامل على كافة القضايا والأمور السياسية الخاصة بالأوضاع في سوريا كما في مجمل الوضع العربي .

أما بالنسبة لبعض وجهات النظر الخلافية ذات الطابع التاريخي المتعلق بنشأة الاتحاد السوفيتي وصيرورته خاصة بعد وفاة الرفيق لينين وبداية المرحلة الستالينية ، وبروز الخلاف الصيني الروسي وغير ذلك من الاختلافات السياسية او المعرفية وصولا الى تفاقم مظاهر عبادة الفرد ، والبيروقراطية والاستبداد وغير ذلك من المواقف والممارسات التي عرفناها طوال المرحلة التاريخية ما قبل سقوط وانهيار التجربة السوفياتية ، وما تفرضه علينا الان ضرورة التحليل والنقد الموضوعي المعمق لتلك التجربة من منطلق توحيدي معرفي وفق منهجيتنا ورؤيتنا الماركسية .

حول الماركسية والمستقبل:

في ضوء ما تقدم فإنني على ثقة من أن الرفيقات والرفاق كوادر وأعضاء حزب العمل والحزب الشيوعي م.س، يضعون نصب عقولهم وأعينهم هدفاً أولياً ورئيسياً لرؤيتهم الأيديولوجية ، يتلخص في العمل على استعادة الماركسية لدورها ككاشف لحركة الواقع وكَمُنَظِّر لها ، وبالتالي كمحدد لرؤية تهدف الى تحقيق التغيير السياسي والمجتمعي الثوري وفق المنظور الطبقي الذي تتطلعون اليه وتناضلون من اجله .

هذه هي المهمة الراهنة، وهذا هو الهدف الراهن في ظل هذا الانهيار الذي طال الحركة السياسية التقدمية العربية، وأفضى الى إعادة صياغة الوطن العربي وإلحاقه في المرحلة الراهنة تابعاً للتحالف الأمريكي/الصهيوني المعولم، عبر أنظمة كومبرادورية تابعة ومستبدة ، وطبقة حاكمة فقدت كلياً وعيها وانتماؤها الوطني والقومي لحساب مصالحها الذاتية الأنانية البشعة.

إننا في لحظة تفاقم التناقضات الطبقية عالمياً، علاوة على أن رأس المال الأمريكي يخوض حربه ضد الشعوب وضد الطبقات العاملة في مختلف الأمـم من اجل استمرار الاستيلاء على فائض القيمة للشعوب الفقيرة.

وهذا يعني العمل من أجل مساهمة حزبكم الموحد في أن تستعيد الحركة الماركسية العربية دورها الثوري، بتدرج واقعي مدروس يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحركات والفصائل والأحزاب الماركسية في هذا القطر العربي أو ذاك، على طريق تفعيل الحوار حول الفكرة التوحيدية للحركة الماركسية العربية، تمهيداً لتوليد آلياتها العملية التنظيمية في مرحلة لاحقة.

 لهذا يجب العمل -في إطار الصراع الطبقي العالمي- على تفعيل وبلورة "الذات القومية" في مضمونها التقدمي الجديد الذي تتداخل فيه مصالح الطبقة العاملة والفلاحين مع مصالح الأمة في  إطار اقتصادي / اجتماعي يعبر عن مصالح العمال والفلاحين.

هنا يتداخل المطمح القومي ، مع مطمح تأسيس عالم إنساني (أممي) وتحقيق الترابط العضوي بين مختلف الأمم لتأسيس عالم خال من الاضطهاد والاستغلال والحروب.

إننا في لحظة إعادة صياغة الأهداف التي تعبر عن الطبقات المعنية بالصراع ضد الرأسمالية، ومن أجل تأسيس نمط إنتاجي بديل، اشتراكي وديمقراطي ، وإذا كانت الأحزاب الشيوعية والفصائل اليسارية العربية قد تراجعت في معظمها، فإن إعادة تفعيلها لكي تستعيد دورها الطليعي الثوري هي المسالة الحاسمة الآن، وهي الهدف الراهن، وهنا يتجلى الدور الراهن لحزبيكما تمهيدا للدور الاستراتيجي لحزبكم  الشيوعي الموحد .

وبالتالي فإن إمكانيات الاتفاق على الضرورة الموضوعية للخطوة الوحدوية بينكم لابد لها ان تشكل عنواناً اساسياً ومدخلاً رئيساً يعزز بلورة الوحدة التي نتطلع الى إعلانها بين الحزبين الشقيقين ، العمل الشيوعي والشيوعي السوري المكتب السياسي ، بعيدا عن كافة مظاهر السلب السياسية والمعرفية والتنظيمية التي راكمت البيروقراطية المقيته في المرحلة التاريخية الماضية من ناحية وتجسد شكل وجوهر الديمقراطية التعددية وما تعنيه من التفاعل الديمقراطي المعرفي في اطار المناظرات الداخلية التي ستعزز وحدة الحزب وحيويته من ناحية ثانية .

أخيراً ... لا أملك سوى أن أسجل اعتزازي وسعادتي بالمعنيين الموضوعي والذاتي بموقف حزبيكما أيها الرفاق الأعزاء الحاسم صوب خيار وحدتكم التنظيمية والسياسية والمعرفية على طريق الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية .