لاشك أن تغيير نوعية الحياة، والمغامرة من أجل حياة أفضل هي ثيمة أساسية في الأعمال السينمائية الاجتماعية، ولكنها ثيمة مستهلكة بسبب ركاكتها، ورغم ذلك فإنها في سياق تحليل سياسي-اجتماعي، تصبح مبهرة جدا في فيلم يأخذ على عاتقه تقشير الواقع الاقتصادي والسياسي الاجتماعي للمجتع الحديث المتوحش في المدن الكبيرة، كما هو فيلم "7 سجناء" الذي تدور أحداثه في البرازيل كاشفا التسلسلات الهرمية للسلطة التي تتحكم في الاقتصادات والقوى العاملة، على خلفية حيوات شخصية لأبطاله المتورطين في محاولة حلم مستحيل يعاند الواقع، كاشفًا قسوة "النظام" من جهة، وهشاشة الروح البشري وعجزها عن مواجهته من ناحية أخرى. لذا هذا الفيلم لايناسب على الأغلب المتفائلين الذين يتوقعون انتصار البطل في النهاية، وهزيمة الشرير، لأن بطلهم سيتحول إلى ترس آخر في آلة الاضطهاد العملاقة، بمعتى ما، سيصبح هو "الشرير" إن صح التعبير.
تقول الحكمة القديمة، إن عليك أن تنقذ نفسك أولا لكي تكون قادرا على إنقاذ الآخرين، وأيضا ما فائدة التضحية التي تحيلك إلى عبد، التضحية المفيدة هي التي تحرر، ترتقي بالمضحي والمضحى لأجلهم، وليس تلك التي تجعلهم سواء في العبودية.
قد تشير الكلمات أعلاه إلى مأزق أخلاقي، في أوقات الأزمة ما الذي على الإنسان فعله، الالتزام بمبادئه، لأنها صحيحة، وصائبة أخلاقيا، حتى لو أدى ذلك إلى فقدان فرصته في النجاة، أم المناورة مع هذه المبادئ، مقابل شيء أهم منها وهو الحرية أو الحياة نفسها؟
هذا هو المأزق الذي وضع فيه فيلم "سبعة سجناء" (معلومات الفيلم نهاية المقال) بطله المراهق ماتيوس (قام بالدوركريستيان مالهيروس) البالغ من العمر 18 عامًا، الذي يسعى بتوفير حياة أفضل لعائلته من الطبقة العاملة الريفية وأمه المريضة والتي ما تزال تعمل في الحقول.
بعد قبوله وظيفة (يتبين أنها مجرد فخ) جديدة في ساو باولو المدينة العملاقة، في البرازيل، قادما من هوامش الريف البعيد، ، تم نقله إلى المدينة مع حفنة من الفتيان المراهقين الآخرين من بلدته، غير مدركين لما ينتظرهم: حيث عمليا تم بيعهم لعمل مرهق في ساحة للخردة، وتم الاستيلاء على بطاقات هويتهم من قبل مدير المهام الشرير والمستغل لوكا (قام بالدور رودريغو سانتورو) المحمي بتسلسل هرمي معقد من المشغلين وأيضا من الشرطة الفاسدة، الذي يهددهم بما لا يمكن تصوره إذا حاولوا الهرب، ولكن وكما سيفهم الفتى ماتيوس حتى الرئيس لديه رئيس، بل يتبين بسخرية أن أعلى قمة الهرم في هذه الآلة الاستغلالية التي هي جزء من منظمة إجرامية للاتجار بالبشر واستعبادهم في ظروف عمل وحشية، هو مرشح عمومي يقول أنه يرشح نفسه من أجل الأطفال!
قد يوحي عنوان الفيلم لأول وهلة إنه فيلم تم تصويره في بيئة حرب أو منشأة إصلاحية، ولكن سيصدم ربما المشاهد العادي المنفصل ربما عن عنف الحياة الحديثة في المدن الكبرى، أن فيلم (سبعة سجناء) تم تصويره في بيئة حضرية تماما في ظلال ناطحات السحاب في سان باولو، ليقدم للمشاهد نظرة خاطفة رشيقة وثابتة وموضوعية حادة على العبودية الحديثة التي تُباع كفرصة للتقدم الاقتصادي.
ينتمي الفيلم إلى سينما الواقع، و لكنه وبدلاً من أن يكون فحصًا بسيطًا لمشكلة اجتماعية، يبرع في التنقيب عن العنف المتجذر والعميق الذي يؤثر على كل شخص يعيش في ظل التسلسل الهرمي للسلطة.
نفهم تماما من الدراما القاسية التي نشاهدها أن ماتيوس ورفاقه ليسوا أول من يقع في هذا الفخ، لكنهم مجرد جزء من عملية كبيرة. لا يستطيعون حتى تصور حدودها، وبعد أن يرحب بهم مدير الورشة لوكا، الذي يشدد على إظهار مسدسه وقسوته، يبدأ الأولاد عملهم القسري الذي يصل إلى مستوى ظروف العبودية، في تعرية النحاس وسحبه وفرز الفولاذ.
يتمتع الفتى ماتيوس بصفات القائد الفطري، فهو شجاع ومبادر، ولايتردد بالتضحية إذا كان لازما، ولكن إحدى الأفكار الرئيسية التي يطرحها الفيلم بشكل غير مباشر هي غياب "التنظيم" فماتيوس لايستطيع أن يكون قائدا لرفاقه الذين لايريدون أن يكونوا (جنودا) إن صح التعبير، ويدرك كاتيوس أنهم وقعوا في خدعة، وأن لوكا ليس لديه أي نية لدفع أي رواتب أو تركهم يرحلون، وفي هذه الخلفية ينقل لنا المخرج أليكس موراتو، والكاتب المشارك ثينا مانتيسو (سبق بهما التعاون في فيلم "سقراط" الحائز على جائزة لمخرجه موراتو) وبدقة الحالة الجسدية والروحية للمراهقين المحتجزين، الذين ينهارون ببطئ مركزين بشكل أساسي وبقوة على الحالة العقلية المنهارة للمراهقين عند اكتشافهم أنه تم خداعهم.
بسبب استعداده للمبادرة، يتصدر ماتيوس رفاقه محاولا المساومة نيابة عنهم، لكنه يمكن القول بحذر أنه يبدأ بالآسر، أو أنه يدرك أنه لايستطيع مساعدتهم إذا لم يساعد نفسه والطريق لهذا هو الانصياع لكسب ثقة لوكا، في مساومة أخلاقية مأساوية، وهنا يقدم المخرج صراعا متغيرا تدريجيا على السلطة والانتماء إليها يعيشه ماتيوس، الذي يتقدم خطوات فيها نحو التحرر إن صح التعبير، ويترك رفاقه خلفه، وبينما يكون قد وعدهم بالمساعدة، يبدأ تدريجيا في التخلي عن الوعد ربما لإدراكه باستحالته، ويدركون هم هذا أيضا وهم يراقبونه يبتعدد عنهم تدريجيا، بينما يتقرب أكثر من لوكا، مدير العمل، ورغم أنه لا يمكن أن تكون هناك صداقة بين الاثنين، إلا أنه تنشأ علاقة أشبه بمتلازمة ستوكهولم، وفي سياق التحول يتواطؤ ماتيوس في أعمال تضر برفاقه ويعيش تردده وقلقه ويبدو مستعدا لدفع الثمن النفسي والأخلاقي من أجل النجاة، من عالم متوحش يمثل فيه مدير العمل، لوكا، طبقة واحدة فقط أعلى من عماله المستعبدين، ويكشف لنا المخرج الصورة الواسعة للتسلسل الهرمي لهذه المنظومة، وكأنه يقول إنه في ظل هذا المخطط لايمكن لشخص مثل ماتيوس أن ينجو دون أن يتعلم التهام الآخرين.
ومن خلال القيادة المترددة أو غير الممكنة لماتيوس لفريقه فإت المخرج يسحب ببطء يتوافق مع الإيقاع الذهني للفيلم الستار عن نظام الاتجار بالبشر الذي تتواطؤ فيه نظم وعصابات وأفراد، في السلطة وخارجها، فلجعل المدن العظيمة تزدهر لابد من استعباد ماتيوس وأمثاله وهذا ما يشير له لوكا بوضح عندما يشير إلى أسلاك الكهرباء المعرشة على المدينة ويقول لماتيو "هذا هو نتاج عملك" يصبح المراهق المستعبد هو الوسيلة لتشغيل المدينة الكبيرة، وفي إيقاع تصويري مبهر وكاميرا مفعمة بالحيوية يديرها جواو غابرييل دي كيروز يتقلب المخرج بنا من العمل المادي الشاق لماتيوس ورفاقه في تعرية وفصل أسلاك النحاس، إلى شبكة الكابلات اللانهائية التي تمتد عبر المدينة والقطار الكهربائي، وصولا إلى الأبراج المبهرة المضيئة، وكأن عرق المراهقين المستعبدين يمر عبر تلك الأسلاك ليشغل القطار وليضيء في النهاية منازل من لا يعلمون عنهم شيئا، في مدينة توحشت كأي مدينة في العالم، وكأن موراتو يريد أن يقول إنه في ظل سطوة الحداثة المتوحشة، لا مكان للإنسان، ولا يوجد مخرج لأولئك الذين يُعتبرون قابلين للاستبدال: الفقراء ، والأميين، والأجانب.
بينما يقشر بمهارة طبقات هذه العلل الاجتماعية، يلتزم موراتو بالواقع القاسي ويتجنب اتخاذ قرار قائم على التمني فماتيوس ليس هو البطل المنتظر الذي يتوقع المشاهدون انتصاره في نهاية الفيلم، وطبعا لا يتم التشكيك أبدًا في كون ماتيوس ضحية، لكن الاضطراب الداخلي الذي يحمله الحفاظ على الذات يترك بصمة لا يمكن تجاوزها ليكون مرة أخرى السؤال عن تلك الحكمة القديمة، وما الذي على الإنسان فعله، الالتزام بمبادئه، لأنها صحيحة، وصائبة أخلاقيا، حتى لو أدى ذلك إلى فقدان فرصته في النجاة؟ أم المناورة مع هذه المبادئ، مقابل شيء أهم منها وهو الحرية أو الحياة نفسها؟
معلومات الفيلم:
7 سجناء: 93 دقيقة- دراما برازيلية (باللغة البرتغالية).
التقييم (R) يتضمن بعض العنف والإشارات الجنسية.
الإنتاج: Noruz Films (I)
المؤلفان: أليكس موراتو وثينا مانتيسو
إخراج: أليكس موراتو
بطولة: كريستيان مالهيروس- رودريغو سانتورو-لوكاس أورانميان- فيتور جوليان

