سنتجاوزُ الوقوفَ عند تعريف المصطلح؛ إمّا لشموليّته، وإمّا لوضوح مفاهيمه، دونَ تجاوزِنا لمفاصله وإشكاليّاته وتشعّباته، لا سيّما أنّ البعض يرى أنّ الحالةَ الفلسطينيّةَ متشابكةٌ إلى درجة التعقيد، في حين هي ليست كذلك؛ استنادًا إلى وطنيّةِ المنطلقات، كما يرى البعض أنّ الحالةَ الفلسطينيّةَ تكتسبُ خصوصيّةً؛ نظرًا لمحيطها الغامض غير المتجانس معها بإخلاص، إضافةً إلى الاحتلال الصهيوني لفلسطين، الذي بات يُنظر إليه من زوايا مختلفةٍ بعد "اتّفاقيّات السلام" التي لم تُطبّق، لذا، وبعجالةٍ أيضًا، فإنّ الخصوصيّةَ يُقصد بها - من وجهة نظر مبرّري التعامل مع الأمر الواقع - التكتيك التنظيري والمرحلي؛ هربًا من الاستراتيجيّات والثوابت التي باتت تشبه الغموضَ في القصيدة الحديثة، الذي تجاوزه الشعراءُ بعد تحقيق شروط النضوج المعرفيّ والفنّي، ولم يعد الغموضُ حالةً فنّيّةً أو نفسيّةً تتطلّبُ من النقاد البحثَ فيها والإحاطةَ بمسبّباتها، في حين أنّ الغموضَ في قضيّةٍ، كالقضيّة الفلسطينيّة، مرفوضٌ شكلًا ومضمونًا.
وتُملي علينا الجغرافيا المفروضةُ بقسوةٍ على الفلسطيني، بما تعنيه من توزّع المثقّف وتشتّته في تضاريس البلاد المحيطة والجارة أو تلك البعيدة، التي فرضت فرضًا وجودَ نوعٍ من الاستقلاليّة، هذه الجغرافيا تفرضُ علينا تقسيمَ المثقّف الفلسطيني إلى أربعة أقسامٍ كبيرةٍ تعتريها تشعّبات، وهي المثقّف الفلسطيني داخل أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، والمثقّف الفلسطيني في أراضي الـ48، والمثقّف الفلسطيني في الشتات العربي، والمثقّف الفلسطيني في الشتات العالمي، ويمكن إضافة قسمٍ آخرَ وهو المثقّف الفلسطيني في الخليج العربي، وهي الساحةُ التي جمعت مثقّفين من كلّ تلك الأقسام والتضاريس. وعلى الرغم من أنّ المثقّفَ الفلسطينيّ يحملُ فلسطينيّتَهُ في كلّ هذه الجغرافيا، إلا أنّه يحملُ انتماءً آخرَ على صلةٍ بمكان وجوده أو لجوئه، تكوّن نتيجة الإلحاح الإعلامي المحلي لتلك الجغرافيا، وهنا لا نشكّ بانتمائه مطلقًا، إذ لا أشكّ بالفلسطينيّ البعثيّ أو القوميّ أو الجماهيريّ أو الاشتراكيّ أو الشيوعيّ أو حتى الفلسطينيّ الأمميّ والعلمانيّ والعولميّ، وبعض هذا الانتماء يجسّد التقاءَ المصالح الشخصيّة مع العاطفة العربيّة والوطنيّة التي يتحلّى بها الفلسطينيُّ أينما وُجد، ويتحوّل هذا الانتماءُ إلى عقيدةٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو دينيّةٍ أو اقتصاديّة، يُدافع عنها باستماتةٍ منقطعةِ النظير. وينطبقُ هذا على المثقّف الفلسطينيّ في أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، حيث تتصارعُ الدوافعُ الشخصيّةُ مع شروط الحياة الاقتصاديّة مع شيءٍ من الوطنيّة لتؤدّي في النهاية إلى انتماءٍ حادٍّ وولاءٍ مُتقنٍ ظاهريًّا أو عن قناعة. والأمرُ المحزنُ يتمثّلُ في تقسيمنا للمثقّف الفلسطينيّ في أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى جغرافيّتين؛ المثقّف الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة، والمثقّف الفلسطينيّ في قطاع غزة، وزادهما الانقسامُ السياسيّ الوطنيّ تشرذمًا، ووسَمهما، أي المثقف هنا وهناك، بالاتجاه الذي يسود كلَّ منطقة، فمثلًا، يُنظر إلى المثقّف الفلسطيني في الضفّة الغربيّة على أنّه ليبراليٌّ وسطيٌّ غيرُ متزمّتٍ وغيرُ متشدّد، في حين يُنظر إلى المثقّف الفلسطينيّ في قطاع غزّة على أنّه متطرّفٌ. وهذهِ النظرةُ الشموليّةُ غيرُ صائبةٍ بكلّ تأكيد، لكن هذا لا يمنع من فرضيّة أنّ نسبةً لا بأسَ بها من المثقّفين في الطرفين لا تشذّ عن الانطباع النمطيّ، مع الإقرار بوجود شبابٍ ليبراليّين في قطاع غزّة وشبابٍ متشدّدين في الضفّة الغربيّة، وهذا ليس تصنيفًا دينيًّا وإنّما ثقافيًّا.
وإذا ذهبنا شمالًا سنجدُ أنّ الصيغةَ التوافقيّةَ المستندةَ إلى المصلحة الشخصيّة سائدةٌ في أراضي الــ48، وينطبق على تلك الحالة، ما وصفناه بمثقّفي الشتات العربي؛ نوعٌ مبطّنٌ من الانتماء الممارس يوميًّا على شكل معايشةٍ لتفاصيل المشهد مع الاندماج الظاهريّ، هكذا نفترض، مع السلطة المحتلّة، وهو اندماجٌ يشبهُ المثقّفَ الفلسطينيَّ الذي يعيش في الولايات المتّحدة الأمريكيّة أو في أوروبا؛ تتداخلُ لديه الواقعيّةُ والأمرُ الواقعُ بالنموذج الحضاري، الغائب عن دول الشتات العربيّة، ما يؤدّي إلى انبهارٍ يلغي شيئًا فشيئًا نوايا العمل على هدمه، إذ كيف تهدم النموذجَ الذي يوفّرُ حريّةَ الرأي والتعليم والعلاج وضمان الشيخوخة والبطالة، وأحيانًا يوفّر دولةَ القانون التي يتساوى فيها جميعُ الناس، وإنّ كان ظاهريًّا. هذهِ إشكاليّةٌ لا بدّ من الانتباه إليها ونحن نطالبُ فلسطينيّي الـ48 بالثورة ضدّ الدولة (الإسرائيليّة)، ولو استطردنا قليلًا في المقارنة، سنجد فلسطينيي الشتات العربي، أي اللاجئين، يعانون الأمرّينِ في بيئةٍ عربيّةٍ وليست دولةَ احتلال، فتكميمُ الأفواه والاعتقالات والسجن لكلّ من يحاولُ الحديثَ عن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، رغمَ أنّ هذا الشعارَ بات مرفوضًا في أراضي السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة؛ لالتزامها بالنضال السلمي للحصول على الاستقلال، وهو ما لن تكونَ له أيُّ مخرجاتٍ في يومٍ ما.
باختصارٍ شديد، وفي ظلّ قراءتنا للمشهد الثقافيّ الفلسطينيّ بكلّ احتياجاته، بات من الصعب وجودُ المثقّف الفلسطينيّ المستقلّ، الذي لا ينتمي إلى سلطةٍ أو تنظيمٍ أو حزبٍ أو دولة، وربّما مصطلحُ (الانتماء) هنا غيرُ دقيق، ويمكن استبدالُهُ بالموالاة، وفي بعض الأماكن قد يستخدم بعضُ المتطرّفين وصفَ (العمالة)، وهو ما لا أجرؤ على استخدامه، فالمثقّفُ البعثيّ ليس عميلًا ل سوريا أو العراق، على سبيل المثال، ولكنّني سأقولُ وبجرأةٍ: إنّه بات من الصعب وجودُ مثقّفٍ فلسطينيٍّ لا يراعي مصلحتَهُ الذاتيّةَ والشخصيّةَ والخاصّة، وهنا قد يذكّرني البعضُ بالخصوصيّة الفلسطينيّة، التي لا أميلُ إليها كثيرًا، خاصّةً حين يُفهم منها الانتهازيّة والنفعيّة.
مَن لا ظهرَ له لا يستطيعُ التقدّمَ خطوةً واحدةً إلى الأمام، هذهِ المقولةُ تصحُّ عضويًّا وجسديًّا، لكن يجب ألا تصحَّ ثقافيًّا وإبداعيًّا؛ والظهرُ هنا، في لغة المثقّفين الحزبيّين والتنظيميّين، التنظيمُ والحزبُ، وقد مارست التنظيماتُ والأحزابُ والسلطاتُ هذا المبدأ، فاحتضنت أصحابَ المواهبِ وغيرَ المواهبِ المنظّمين والحزبيّين، وتجاهلت أصحابَ المواهب الآخرين غير المنضوين تحت مظلّتها، رغمَ أنّ أصحابَ المواهب في الحالتين يكتبون لفلسطين، ولكنْ قسمٌ منهم لا يتّكئ على وسيطٍ، فيظلّ مهمّشًا غيرَ مُعترفٍ به مبدعًا أو مثقّفًا.
أعتقدُ أنّ القضيّةَ الفلسطينيّةَ تراوح مكانها منذ سبعين عامًا أو يزيد، بسبب إيمانها بهذا الشعار غيرِ الموضوعيّ وغيرِ الوطني، وبسبب غياب المثقّف الفلسطينيّ المستقلّ أو ندرته. وقد يضرب أحدُهم مثالًا بمثقّفين كبارٍ أمثال إدوارد سعيد، بأنّه مثقّفٌ مستقلٌّ وينادي باستقلاليّة المثقّف وينظّر له، لكن إدوارد سعيد كان عضوًا في المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ منذ عام 1977، حتّى عام 1991، واستقال من المجلس احتجاجًا على اتفاقيّات أوسلو، وتقول المعلوماتُ أنّه كان عضوًا مستقلًّا في المجلس الوطنيّ الفلسطيني، وهو في الشكل، أي المجلس، يُعدّ البرلمان الشعبي الفلسطيني، ولكنّه في الحقيقة تابعٌ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وبشكلٍ أدقَّ لحركة فتح، وربّما كان إدوارد سعيد يؤمنُ بمبادئ فتح الليبراليّة، وهذا سببُ اختياره في المجلس، لكنّه بعد اتفاقيّة أوسلو أثبت أنّه مستقلٌّ تمامًا عن سياسات حركة فتح أو أيّ تنظيمٍ آخر.
لا بدّ من تشجيع المثقّف الفلسطينيّ على أن يكونَ مستقلًّا، بمعنى، منحُهُ حريّةِ القول والتعبير، وقَبولُهُ والترحيبُ به والاستماعُ إليه، وليس قمعه وتصنيفه بناءً على وجهات نظره وقناعاته، فالتحرّرُ يقتضي وجودَ هذا المستقلّ وبإلحاح، بل وتكريمه مثقّفًا ومبدعًا وفنانًا حرًّا، وتبجيله بصفته غير تابع سوى لفلسطين، ومن دون ذلك، لن تقومَ قائمةٌ للثقافة الفلسطينيّة، لا في الداخل ولا في الخارج، مهما تزيّنت بالشعارات، ومهما دعمتها الماكيناتُ الإعلاميّة.. والحديثُ ذو شجون..

