1
"أريدك أن تكون حاقداً وأنت تُحارب، الحقد أحسن المعلمين، يجب أن تحول أحزانك إلى أحقاد، وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن تنتصر، أما إذا استسلمت للحزن فسوف تهزم وتنتهي، سوف تهزم كإنسان، وسوف تنتهي كقضية...".
توقف عند هذه الكلمات أعاد قراءة النص مرة.. مرتين.. مرة ثالثة.. مرة رابعة... الخ، كان يريد أن يتذكر أين قرأ هذا النص، ليس في أي رواية، بل في أي مكان.. أي زمان.. أعاد قراءة النص من جديد توقف في وسطه، أشعل سيجارة ممزوجة بالنبيذ الأبيض ولعن النسيان الذي اعتبره في تلك اللحظة جريمة ضد الذات. وبدأ عقاب الذاكرة عندما حاول الهروب من تلك الجريمة أطفأ الأضواء واشعل قصيدته المفضلة "ملحمة الظل العالي"، وبدأت الموسيقى تغازل الذاكرة مع نهاية الكلمات:
ماذا تُريد.. وأنت سَيِّدُ روحنا
يا سَيِّدَ الكينونة المتحوِّلَهْ؟
يا سَيِّدَ الجمرهْ
يا سَيِّدَ الشُّعْلَهْ
ما أوسع الثورة
ما أضيقَ الرحلة
ما أكبَرَ الفكرة
ما أصغَر الدولة...!
وبدأ ملحمته الخاصة...
كانت وقوع رواية عبد الرحمن منيف (شرق متوسط) بين يديه فرصة، محاولة لطرد الضجر والرطوبة والحر في زنزانة مليئة بالذكريات المسروقة بعد ما يقارب أربعين يوماً من التحقيق، بدأ يقلب صفحات الرواية لعل النوم يأتي فجأة دون مقدمات، يتابع القراءة محاولاً فهم ما يجري من البداية ولسان حاله يقول: حتى الملل يأتي داخل الكتب، يلعن أمريكا..!
وفجأة انتصبت عيناه كدولة ترفع علم استقلالها المنتزع بالدم في الصفحة التاسعة؛ بدأت ترتسم لوحة ذكريات التحقيق وتوقف فجأة عندما قال مع ذاته: في الطوابق السفلية كان يجري التحقيق، هذه الكلمات حدثت معي، نعم، وعاد ليقرأ ما كتب منيف "قبل أن أغادر العيادة كتب لي وصفه وأوصاني باهتمام أن أكف عن أشياء كثيرة: القلق التعب والانفعالات الحادة! أما قائمة الطعام التي اقترحها، فقد امتلأت إصرار. قبل أن أغادر العيادة على مخالفتها، قلت لنفسي "هذه قائمة لحيوان مدل، لعصفور من عصافير رمزي، أما القائمة التي تتفق ومزاجي فتختلف كثيراً، وسوف أطبقها بدقة!".
عيناه تتابع انسحاب الكلمات كلمة وراء كلمة، كأنها عربات لقطار ريفي، وصلت به عربة الكلمات إلى اليوم السابع في التحقيق، وجد نفسه في ذاك اليوم متعباً جداً، بدأ المعتقلين بجانبه الطرق على الباب حتى جاء السجان وبعد مماطلة جاء الممرض وبعد فحص يشبه فحص كلب! قال الممرض: يفضل عدم تعريض نفسك للتعب وكان يتابع بدقة ملاحظات الممرض الذي أكمل يقول: وعليك عدم تناول الأكل الحار بتاتاً وببراءة طفل قال للممرض: "جميع الطعام هنا حار!"، وبهدوء ممزوج بالحقد قال له الممرض: عليك تطبيق الارشادات لتكون بخير!
لم يكن يدرك أن هذا الممرض هو الوجه الآخر لفكرة السجان، عاد لزنزانة يفكر ماذا يفعل؟ يعلم جيداً أن الطعام المقدم بالكاد يكفي لإطعام قطة، ولكن تناوله ممكن من أجل البقاء والتحايل على الجوع في زمن الجشع على الرغم من بشاعة ورداءة الطعام. وفي اليوم التالي للفحص لم يهتم لما قاله الطبيب فقط، يريد أن يأكل، كيف يمكن في ظل الزنازين والأصعب في ظل هذه الوحدة البقاء بدون طعام.. لا صديقة تثرثر معها حول أحلامك السخيفة، ولا شارع تركض فيه لتختبئ تحت شرفة أحد البيوت هرباً من المطر المتساقط وغياب خالد الهبر يغني لك أغنية عاطفية، لا نبيذ، لا تبغ، لا كتاب تقرأه.. لا شيء.. لا شيء ... سوى الزنزانة؟ إنها التضاد للحرية.
جنون! ما يحدث جنون هو أن تمسك رأسك وتفرغ ما تبقى فيه داخل الحائط ترفض كل ما بداخله هو شعور العجر، الموت أسهل ما يمكن أن يحدث برغم صعوبته، أن تفقد الإرادة وماذا تعني الإرادة التي لم يكن بالأساس يعلم معناها أو ربما لم يسمع بها من قبل؟
وبدون قصد وجد عبد الرحمن منيف يخاطبه "لا تصدقوا أن أكبر قوة على الأرض، لا يمكنها ارغام إنسان على الاعتراف، أقصد إذا أراد الإنسان. بعض الناس يموت ولا يعترف.. القضية متوقفة على الإرادة، وعلى البداية إذا قرر الإنسان أن لا يعترف، إذا صمم، وتحمل لحظات العذاب الأولى، يصبح كل شيء بعد ذلك سهلاً.. الإرادة.. كنت أتصور أن بعض الكلمات لا تعني شيئاً أبداً".
كاد يصرخ من وهل الفكرة، كانت قراءة هذه الكلمة بمثابة مخاض نفسي، لامست يديه غطاءه ضغط عليه مثل امرأة تنطق طفلها الأول، دائماً أسأل ماذا تعني الإرادة؟ هل هي الإيمان المطلق بالحرية والتضحية الأبدية في سبيلها؟
صمت.. صمت وعيناه مثبتتان على الورق وبدأ يسب ويسأل: لقد عايشت هذه الكلمات يا منيف، ليس بالكلمات تأتي الحرية، الحرية هي انتزاع من حنجرة العالم الوسخ، عليك أن تتنزع الحرية لكي تكتب عنها، الانتزاع هو الأساس، الكلمات لا تبني الحرية لوحدها، وختم يتمتم ويسأل: "منيف كيف تعرف ذلك؟ كيف تجرأت وكتبت؟"
لم يستطع استكمال حفلته مع الرواية كان يعلم جيداً أن البقاء حتى هذه اللحظة مستيقظاً ستكون الشكوك حوله كبيرة داخل السجن المتواجد فيه، كان يوجد معتقلين يشكون في النملة أنها تعمل مع السجان، أغمض عيناه يحاول الهروب إلى النوم، حاول الاستمناء هذه الفكرة التي كانت لعنته القادمة، تقلب شمالاً ويميناً.. لمعت النجوم بعينيه.. وآخر ما تذكره الهذيان في العبرة "أتتصورن أن الإنسان إذا قال شيء ينتهي الأمر؟ لا، الكلمة الأولى بداية لسلسة من الاعترافات، وأي تأخير في الاعتراف، في الإجابة، يثيرهم أكثر من الصمت. لا أقول لكم هذا الكلام إلا عن تجربة. جربت نفسي، ورأيت الذين جربوا العكس. الخرزة الأولى وبعدها ينفرط كل شيء!".
2
كان يجيد الطعام وبدأ بصناعة الفطور بعد ممارسته الرياضة الصباحية وهو يقف أمام البندورة التي كانت تمتصها المياه، تذكر الرواية بدأ يبحث عنها مثل أم فقدت طفلها، وجد نفسه يقلب أغراضه على سريره دون وعي، لا يريد لأحد معرفة علاقته السرية معها، أرجوكِ أين أنتِ لا تفضحيني ارجوكِ؟ كاد يبكي لولا لمعان غلافها تحت الوسادة احتضنها بالخفاء وتفقدها، قبلها بنهم مثل عاشق سري يقبل عشيقته خلف أكوام الحطب، تنفس بهدوء ممزوج بالخوف، كان صدره يدق بصمت كأنه بركان على وشك الانفجار، كانت قصاصة الورق التي قام فيها بتحديد الصفحات التي وصل إليها مكانها إنها حدود الحكاية قال لنفسه: عليا أن لا أفقدها حتى أستطيع تحطيمها، ووجد نفسه يقول لها: حبيبتي أنتِ بخير!
أعادها مكانها وأكمل يومه المعتاد بعد الصحو الصباحي والرياضة ثم الفطور، بعد ذلك كان يأتي الغداء ومن شده الفرح قام بصناعة الفتوش لهم في هذا اليوم، ليخفي لهم قلق مدفون تحت ابتسامته.
عد المعتقلين ثلاثة مرات باليوم وعند الساعة السادسة تغلق الزنازين وتبدأ كل زنزانة ممارسة طقوسها الخاصة، وكان أحد طقوس زنزانته جلسة ثقافية حول العولمة في ذاك اليوم، وبعدها يتابع كل معتقل حياته الخاصة، أحدهم يقرأ وآخر يبحث عن وسيلة لنقله لسجن آخر هو نفسه الذي أثار الاستغراب بداخله: كيف صلى صلاة الجمعة مع المعتقلين الإسلاميين وعاد لزنزانة في نفس اليوم ليعطيه جلسة حول كيف تبنى حزبه الماركسية، ومقابله كان معتقل آخر يجلس حائر خائف، يمشي وأصابع يديه على الحائط كمن يعزف على العود لحن الأمل، هذا السجين الذي قام بتهريب سائلة المنوي خارج المعتقل لينجب طفلة الأول الذي أسماه علي. هذه الزنزانة التي تحمل رقم 26 وتأتي في الرواق الأخير في قسم رقم 5 بدأ فيها استكمال الحزن مع كلمات منيف...
أعاد فتح الرواية كمن يعيد فتح كتابة المقدس وبدأت الكلمات تنهال على شفتيه، ولكنها كانت تصل عقلة بشراسة قبل شفتيه، ومنها ما كان يدق جدران قلبه لتسقط تلك الدموع صدى للكلمات، كانت منغمس حتى الثمالة حتى وجد نفسه يقرأ: "انظر من النافذة، أميل برأسي قليلاً لكي أسمع وقع الخطوات في الدهليز، ولا أجد شيئاً يمكن أن اقوله! ماذا لو شنقت نفسي؟".
استند بظهره إلى الخلف ورمى رأسه للفراغ أغمض عيناه وتذكر مباشرة.. تذكر جيداً ما حدث وجد نفسه يضع يديه على الكلمات ويعيد شريط اللحظة "داخل زنزانة رقم 2 القريبة من مكتب التحقيق بدأ بصناعة حبل صغير كان الانتحار هو الطريقة الوحيدة للنجاة من المجهول"، كان كل ما يراه عتمة السقف عندما توقف المشهد في رأسه، بدأ يرتجف شعر بالحرارة تنهال عليه كيف يمكن الهروب من هذا؟ يسأل أين يمكن ذلك حتى بالأحلام لا يمكن الهروب من هذه اللحظات؟ كاد يختنق ثم بكى فقط، بكي حتى لو عاد لتذكر كما بقي على الوضعية لبكى من جديد، بالدموع يحسب الوقت هنا بالألم لا بالثواني القاسية قال لذاته التي تسيطر عليها الذكريات.
لماذا.. لماذا.. لماذا.. كل هذه الهزيمة ألا يوجد لحظة نصر وحيدة يا عبد الرحمن ألا يوجد؟! طرح ذلك السؤال ودمعة سقطت من عيناه على الورق وقال: الدموع ملح الوجع وحل سلمي للحرية المنهوبة. أعاد مسح بقايا تلك الدموع المتناثرة على وجه ولتكن فعلا الإجابة على سؤاله كانت الصفحات التالية تحمل معها البشرى وبدأ يقرأ كمن يقرأ بيان الحرية "وداعاً يا أصدقائي، وداعاً يا أحبتي. وأنتِ يا أمي أودعك الآن، وأغفري لي، وبصوت يمزقه الأسى أسألك: هل يمكن أن تستقبل رجلاً سقط ويحاول من جديد، حتى بعد سقوطه، أن يتطهَر؟".
لم يكمل الرواية لم يريد النهاية ووجد نفسه يقول: "أن هذا المقطع هو المحك!"، ثم وضع الرواية بجانبه وأعلن للجميع علاقته معها، وتمنى فقط أن يسمع أغنية .. أغنية واحدة وهي أغنية خالد الهبر "معتقل الخيام":
كيف مرِّت الإيّام ... بالسجن الرهيب
جلّاد ما بينام ... ولا بيوقف التعذيب
وأصوات المعتقلين ... عبّا الزنازين
ما أطوَل الأيّام ... ما أصعَب الأيّام
ب معتقل الخيام ...
3
توقف عن ترديد الأغنية برأسه فجأة وقال:
سأغنيها على طريقتي... ما أصعَب الأيّام بمعتقل عسقلان وضحك بسخرية وقال: ما الفرق!

