سلسلةُ مقالاتٍ سينمائيّة
(7)
عن فيلم 3000 ليلة
للمخرجة مي المصري
وليد عبد الرحيم
كاتبٌ ومخرجٌ فلسطينيّ/ سوريا
هل يمكن ظهورُ فيلمٍ بشكلٍ فنيٍّ وتقنيٍّ وحسِّيٍّ ودلاليٍّ جيّدٍ دونَ نصِّ سيناريو ذي سويّةٍ فنِّيّةٍ مناسبة؟ بكلّ تأكيدٍ لا. فذلك غيرُ ممكن، ومن البديهي القولُ: إنّ الحدثَ أو الدراما ليسا سوى جزءٍ ما من براعةِ بناءِ السيناريو الأدبيّ "أي النصّ المكتوب"، ولا يعني المكتوبُ هنا القصةَ وحدَها بمعزلٍ عن أسسِ العناصر البنائيّةِ الفنيّةِ من حَبْكَةٍ وحوارٍ وتقطيعٍ زمنيٍّ وما إلى ذلك...
القصّةُ "الحدوتة" والكاميرا " الصورة، هما عنصرانِ من ضمن عناصر العمل المرئيّ، لا كلّها، فهناك فكرةُ العمل وسياقها، وتقطيع المشاهد، ولعبة الزمن، وتحريك وحوارات الشخصيّات، وخطّ التصاعد والهبوط الدراميّ، وأيضًا هناك أشياء أخرى ذاتُ أهميّة... ليس هذا بمجرّد تنظير، بل يبدو مناسبًا للدخول في صُلب الأفلام السينمائيّة الفلسطينيّة من زاويةٍ نقديّةٍ فنيّة، مع كلّ تقديرٍ لأهميّةِ للموضوع - المقولة ومناحي القضيّة التي هي الأعدلُ في تاريخ البشريّة، سواءً بصياغةٍ سينمائيّةٍ أو بغيرِها.
وبما أنّ أحدَ أهمِّ جوانبِ القضيّة الفلسطينيّة - بل الأهمّ - هو الجانبُ الإنسانيّ، الذي يحتوي، بل يكتنفُ في جنباتِهِ بالضرورةِ الناحيةَ الاجتماعيّةَ والفرداني في آنٍ معًا، ذلك الأمرُ الذي لم يتمَّ الالتفاتُ إليه من قبل، كما يجب في السينما الفلسطينيّة إلا قليلًا، وبهامشيّةٍ ربّما، حتّى ظهرَ فيلمُ عرس في الجليل، بغضِ النظر عن بعض الملاحظات على زاويةِ تناول المسألة الاجتماعيّة.
نستطيعُ القولَ: إنّ أوّلَ من التفتَ لهذهِ المسألةِ المهمّةِ بشكلٍ كُلِّي، وعمل عليها سينمائيًّا بعمقٍ فكريٍّ وفنيٍّ هو ميشيل خليفي، حين قَدَّم فيلم "عرس الجليل" (Wedding in Galilee) عامَ 1987، مُفتَتِحًا بهِ علاقةً جديدةً بين الفلسطينيّ وسينماه - سوف نفرد له مقالًا لاحقًا - وهو الفيلمُ الجريءُ الذي أثارَ جدلًا في حينِهِ داخلَ الأوساط الفلسطينيّة والعربيّة والعالميّة، ولقي استنكارًا من بعض القطاعات لأسبابٍ سطحيّة.
... في 2015، أنجزت المخرجةُ مي المصري فيلم 3000 ليلة، وهو أوّلُ فيلمٍ روائيٍّ لها عقبَ وثائقيّاتٍ عدّة.
حديثي هنا ينتمي للمقدّمة، إذ أنّه يتطابقُ معَها بخصوصِ أهميّةِ السيناريو "القصّة" من ناحية الدخول في عمق الاجتماعيّ والفرداني، وها هو يجسّد حتميّة المقولة – القاعدة، التي يمكن اختصارُها بعبارةٍ راديكاليّةٍ شكلًا، وهي أنْ "لا فيلمَ جيّدٌ بلا سيناريو جيّدٍ عميقٍ ومحكم".
فيلم 3000 ليلة، يمكن اعتبارُهُ نموذجًا فلسطينيًّا آخرَ ينضمُّ إلى العديد من الأفلام الأخرى، نموذجًا لنجاح الفيلم الفلسطيني، مع الأخذ بعين الاعتبار المقياسَ الفنيَّ، وكذا الوطنيّ في آنٍ معًا.
الفيلمُ هو أوّلُ أفلام مي المصري الروائيّة الطويلة، اعتمد على قصّةِ حياةٍ واقعيّةٍ بحسب ما يجري واقعًا يوميًّا في فلسطين، وقد قيل من قبل المخرجة ذاتها، بأنّ القصّةَ حقيقيّةٌ بتفاصيلِها كافّة، إلّا أنّ اللمسةَ الفنيّةَ والضرورات الدراميّة، لا يمكن أن تطابق الواقعَ حرفيًّا، فالضروراتُ الفنيّةُ تحتّمُ عادةً إضافاتٍ وحذفًا وإخفاءاتٍ وإيضاحات، لكن ما يُستخلصُ هو أنّ هناك سيناريو هادئٌ محكمٌ ومدروسٌ، ولا يخلو من لمساتٍ أنثويّةٍ بارعة، بل يطرح موضوعه ولغته برمّتها عبرَ نظرةٍ وروحٍ أنثويّة.
يحكي فيلم 3000 ليلة قصّةَ امرأةٍ حاملٍ بطفلٍ قادم، مجرّد مُدرِّسة – فلسطينيّة عاديّة - تذهب إلى عملها اليومي كالمعتاد، وكان ذلك في بدايات الثمانينات، حيث كانت الضفّة الغربيّة تحت الحكم العسكريّ المباشر، يتمّ اعتقالُها من قوّات الاحتلال، فهي أثناءَ ذهابِها إلى عملِها أقلَّتْ بسيارتِها شابًا من المشاركين في النضال الشعبيّ ضدّ الاحتلال، وكان قد فرَّ من جنودِ النازيّة الصهيونيّة لئلا يُعتقل، كانت هذهِ تهمةَ بطلةِ الفيلم، واسمها الحقيقي بحسب المخرجة هو "ليال عصفور" وهي شخصيّةٌ واقعيّةٌ تمامًا، سيّدة فلسطينيّة وضعت مولودها فيما بعد، داخل معتقل النازيّة الصهيونيّة، وقد قامت بدورها ببراعةٍ الممثّلة "ميساء عبد الهادي".
استطاعت مي المصري سبرَ أغوار الشخصيّة وعذابات الأنثى من نَواحٍ عدّة، بما فيها خيبتها من الزوج الذي ما إن تُعتقل وتُحكم بسنواتٍ ثمانٍ حتى يغادر إلى كندا غيرَ مُكترثٍ لزوجته المعتقلة أو لابنه الذي ولد خلفَ القضبان، وهنا توجد مبالغةٌ في التحامل على الرجل، كما اعتدنا في مجتمعنا من قبل نسائه، وكما يتطابق مع شكوى الأنثى وقلقها الأزلي من عدم وفاء الرجل.
المشهد الرائع في الفيلم يأتي في الدقيقة 34 منه، حيث تمثُل المعتقلةُ أمامَ المحكمة الصهيونيّة فيسألها "القاضي" هل هدّدك الشاب لتنقليه في سيارتك؟
تجيب البطلةُ بعد فترةِ صمتٍ بليغةٍ موحيةٍ: لا "ما هددنيش!". ويؤدّي الممثّلون ذلك بشكلٍ وأسلوبيّةٍ رائعين، علمًا بأنّ المحاميّةَ طلبت منها مسبقًا غيرَ ذلك، فلإنقاذ نفسِها ينبغي لها أن تقولَ بأنّه هدّدها طالبًا أن تُقلّه بسيارتها، ينظرُ الشابُ نحوَها وتحدّق فيه بدورها بحسيّةٍ وأداءٍ تمثيليٍّ عاليين، فنشعر بهما كأنّهما يتخاطبان روحيًّا، وفي ذهنهما القيمُ الوطنيّةُ ومفهومُ التضحيّة، وتجيبُ بعدها بــ لا. الإجابةُ الأولى كانت بصوتٍ خافت، ثم يطلب "القاضي" منها رفعَ الصوت فترفعه قليلًا وتجيب "لا ما هددنيش!" ولم تنسَ المخرجةُ صبغَ المشهد ولقطاته بلمسةٍ حسيّةٍ من خلال زاوية الصورة وحركة الكاميرا والإضاءة المدروسة جيّدًا، وجاء هذا المشهدُ كأنّهُ مشهدُ "ماستر" ممتعًا وبمهنيّةٍ راقية.
يتناولُ الفيلمُ قضيَّةً أساسيّةً بالنسبة للأسرى والمعتقلين الفلسطينيّين، مرفوضةً ومربكة، وبالذات للمعتقلات الإناث، وهي أنّه يُزجُّ بهنّ مع سجيناتٍ يهوديّاتٍ مجرماتٍ وممارساتٍ للدعارة والجريمة والمخدّرات، هذا الأمرُ بالفعل عهد فعله الكيان النازي منذ نشأته، حيث يعاني الأسيرُ- الأسيرةُ من رفقة هؤلاءِ في السجون، فمن المعلومُ بأنّ المعتقلين والأسرى غالبًا ما يكونون أصحابَ رأيٍ وعلى ثقافةٍ وأخلاقٍ عاليتين، فيزجّون مع متخلّفين ومجرمين وأصحاب سوابقَ مَشينة، وهنا لا تنسى مي المصري سردَ ما يدلُّ على الطبيعة الراقية للأسيرات الفلسطينيّات مقابلَ العنصريّة والهمجيّة، التي تكتنف الصهيونيّات، وهذه مقاربةٌ أخلاقيّةٌ مهمّةٌ وذكيّة، غيرُ متناسيةِ الجانب الإنساني، حيث على الرغم من قُبح عنصريّة السجينات الصهيونيّات وخشونتهن إلّا أنّ البطلةَ تنقذُ إحداهنّ من حالة إغماءٍ وتتحوّل اليهوديّةُ لتصبحَ متعاطفةً – ولو نسبيًّا - مع الفلسطينيّات، وتحديدًا مع "ليال عصفور" والطفل، في إشارةٍ إلى منطقيّة الموقف الفلسطيني وأحقيّته وإنسانيّته، وقبل خروج السجينة / المستوطنة، تنصحُها ليال بعدم العودة للمخدّرات والدعارة، وهو ما يشكّلُ في عمقِهِ مفاضلةً أخلاقيّة.
ربّما يؤخذُ على الفيلم عدم إشباع شخصيّةٍ مهمّةٍ في الفيلم، ويمكن اعتبارُها محوريّةً، وهي شخصيّةُ الطفل، الذي لم تنسه المخرجةُ بكلّ تأكيد، لكن ربّما كان من الممكن إضافةُ بعض المشاهد العميقة المؤثّرة، التي تضيف معنى وجماليّة، فمن المعروف أنّ الطفلَ بطبيعته صاحبُ تساؤلاتٍ واستفسارات، كان من السهل إضافةُ أسئلةٍ يوجّهها إلى أمّه بإلحاح، على سبيل المثال "لم نحن هنا؟ متى سنخرج إلى بيتنا؟ السؤال عن أبيه، عن وصف بيتهم ومدينتهم عن الأراجيح والألعاب التي لم يعرفها، وعن الحياة خارج الجدران...". وهكذا... لهذا يمكنُ اعتبارُ أنّ المخرجةَ ربّما أضاعت مشاهدَ دراميّةً كان من الممكن أن تضيف جماليّةً ومعنى لفيلمها الجميل..
كلُّ هذا لا ينتقصُ من أهميّة هذا الفيلم وبراعة المعالجة، حيث استفادت مي المصري من كونها أنثى وذات ثقافةٍ رفيعةٍ ورؤيةٍ وطنيّةٍ متجذّرة، وسكبت كلَّ ذلك في هذا الفيلم الذي أراه شخصيًّا محطّةً في تاريخ السينما الفلسطينيّة، بل مفصلًا مهمًّا، فقد كان الحديثُ عن الوضع والثورة والهمّ الفلسطينيّ قبل 3000 ليلة حديثًا ذكوريًّا محضًا، وكان حضورُ المرأة في السينما مجرّدَ ديكورٍ تكميليٍّ للضرورة، لإسنادِ الرجال كما يسود في مجتمعاتنا بتعبيراتٍ مثل "أخت الرجل، وأم الرجل، وزوجة الرجل" وهنا كسرت مي المصري بهدوءٍ وحكمةٍ احتكارَ الرجل للمشهديّة الاجتماعيّة والممتدّة سينمائيًّا وفنيًّا وسياسيًّا!
من أهمِّ ما يمكنُ ملاحظتُهُ أيضًا، هو ذكاءُ الكاميرا وضبطُ العدسة واختيارُ الإضاءةِ واللونِ المناسبين بحرفيّةٍ وذكاءٍ يتطابقانِ مع فحوى الفيلم، حيث أنّ التصويرَ الذي يجري عادةً في أماكن مغلقةٍ "داخلي" ومظلمة - كما في السجون- قد يهبطُ برونقِ أيّ فيلم، إلا أنّ المخرجة مي المصري انتبهت لهذهِ المسألة، وحوّلتها إلى رافدٍ دراميٍّ ببراعة.
اختارت مي المصري عنوانَ الفيلم من خلال عددٍ ليليٍّ للسنوات الثمانية التي قضتها "ليال عصفور" في المعتقل، كما تجدرُ الإشارةُ إلى أنّ المخرجةَ رفضت مشاركةَ ممثّلاتٍ إسرائيليّاتٍ في فيلمها، واكتفت بممثّلاتٍ من فلسطين والأردن، وكان اختيارُ الشخصيّات موفّقًا.
حاز الفيلمُ على أكثرَ من 20 جائزةً دوليّةً وعربيّة.
فيلم 3000 ليلة، الزمن:103 دقيقة، سيناريو وإخراج مي المصري، إنتاج 2015.

