Menu

نجيب محفوظ على صفحات مذكرات يهودي- عربي

د. نهلة راحيل

يطالعنا الكاتب الإسرائيلي ذو الأصول العراقية "ساسون سوميخ" (1933- 2019) في الجزء الثاني من مذكراته "أيام غريبة- تاريخ حياة 1951: 2000"- التي نشرها في عام 2008- بمحطات حياته منذ عام 1951 الذي هاجر فيه إلى إسرائيل من موطنه الأصلي العراق وحتى عام 2000، وهي الفترة التي تنقل فيها ما بين تل أبيب وإنجلترا وأمريكا والقاهرة ليواصل دراساته عن اللغة العربية وآدابها. وقد جاء الجزء الأول من المذكرات بعنوان "بغداد بالأمس" (2003)، وفيه سرد سوميخ سنوات التكوين الأولى في بغداد التي ولد فيها، وعاش بها مع أسرته حتى السابعة عشرة من عمره.

ويكمن الفارق بين الجزأين- وفق تفسير الكاتب- في التعددية المكانية/ الثقافية التي أكسبته المرونة الهوياتية القادرة على استيعات الاختلاف، ومنحته مساحة للحوارية بين اللغتين العربية والعبرية والتحرك بحرية بين ثقافتيهما؛ وبالأخص في الفترة التي سافر فيها إلى مصر حيث عمل مديرا للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة خلال الأعوام 1996- 1998، والتقى خلالها برموز الأدب من العرب والمصريين وعلى رأسهم الروائي المصري "نجيب محفوظ" الذي تعددت لقاءاته معه، وبالتالي، احتل مساحة كبيرة من مؤلفات سوميخ وترجماته، حيث كان متأثرا به منذ إعداد أطروحته للدكتوراة عن روايات نجيب محفوظ بإشراف الأستاذ المصري محمد مصطفى بدوي، والتي صدرت ككتاب باللغة الإنجليزية عام 1973 بعنوان: "الإيقاع المتغير: دراسة في روايات نجيب محفوظ".

لذلك أسهمت تجربة الانتقالات المتعددة بين الأماكن - إسرائيل وإنجلترا وأمريكا ومصر- في إكساب سوميخ الوعي المنفتح على الرؤى الثقافية والسياسية المتعددة مما جعله يقوى على المساءلة والكشف؛ فكان من إيجابيات الترحال- في نظره- القدرة على اكتشاف الذات وتشكلها من جديد في ضوء استيعاب الاختلافات الثقافية والتعايش معها، وكذلك القدرة على رفع الصورة المثالية عن المجتمع الإسرائيلي والتمكن من رؤيته بعيدا عن الصور الذهنية المسبقة التي تصورها عنه.

وقد صرح الكاتب، في حوار له مع الكاتب ألموج بيهار بمجلة "عيتون 77"، عن حالة التعددية الثقافية التي يمكن أن تسم الهوية الإنسانية نتيجة التقاطع بين الانتماءات وتعدد الأمكنة، قائلا: "على خلاف الجزء الأول من مذكراتي ذي الوحدة المكانية/ الثقافية الواحدة (بغداد)، يحتوى الجزء الثاني على أربع محطات محورية شكلت هويتي: الأولى، إسرائيل وبالأحرى تل أبيب حيث دراستي للغة العبرية وبدايات نشاطي السياسي وتفاعلي الثقافي والانتقال إلى القدس كسكرتير علمي لمجمع اللغة العبرية. والثانية، إنجلترا التي مكثت بها حتى عام 1968 حصلت خلالها على الدكتوراة في الأدب العربي من جامعة أكسفورد. والثالثة، أمريكا التي وصلتها كأستاذ زائر بجامعة برنيستون ومكثت بها لمدة أربع سنوات عملت خلالها مع أبرز باحثي الجينيزا. أما المحطة الرابعة والأخيرة فهي القاهرة التي تعددت بها لقاءاتي مع الأديب الكبير نجيب محفوظ وعشت فيها ثلاث سنوات مديرا للمركز الأكاديمي الإسرائيلي".

 

يتكون الجزء الثاني من المذكرات من تقديم يطرح به سوميخ سؤال التجنيس ودوافع الكتابة، ثم متن يتضمن اثنين وعشرين فصلا يبدأها الكاتب بوصوله إلى المعسكر الانتقالي "شعر هعليّا"بحيفا المُعد لاستيعاب مهاجري العراق، وينهيها بوصوله إلى القاهرة حيث شغل منصب رئيس المركز الأكاديمي الإسرائيلي، ثم خاتمة يعلن بها سوميخ توقفه عن كتابة الجزء الثاني من مذكراته- رغم عدم اكتمالها- غداة وفاة كاتبه المفضل "نجيب محفوظ" بأغسطس 2006، الذي أثر في تكوينه وبلورة هويته، وكان سببا رئيسا في اهتمامه بالثقافة العربية- بشكل عام- كوسيلة لجسر الصلة بين العرب واليهود العرب داخل إسرائيل.

وهنا يعلن أن تلك النهاية لم تكن النهاية التي يفضلها لصفحات مذكراته: "وهنا أشعر أن مثل هذه النهاية الحزينة لفصول مذكراتي، غداة رحيل هذا المفكر العظيم عن الحياة العامة وعن حياتي أنا الخاصة، ليست هي النهاية التي كنت أنتويها. فيا ليت الزمن قد توقف عند العام 1998، وقت التقاط الصورة الملحقة بنهاية هذا الكتاب والتي يظهر بها نجيب محفوظ وبجواره صحبة من الإسرائليين: رونيت متالون وسامي ميخائيل وأنا، ونحن نبتسم جمعيا". (المذكرات، صـ 202، 203)

في هذا السياق، يرفض سوميخ أن يُنسب نجاح نجيب محفوظ إلى القيم الأوروبية الحاضرة في كتابته أو أن يُعزى نجاح ثلاثيته إلى معايير النماذج الغربية التي سبقته في رواية الأجيال كجنس أدبي يقدم تاريخ المجتمع عبر تاريخ الأسرة، كما تدعي السردية الغربية. ويصرح بأن أهمية الثلاثية تكمن في أنها قد قدمت صورة بانورامية شديدة الخصوصية للمجتمع المصري في فترة طويلة من تاريخه، فمحفوظ- في رأيه- لم يكن "تابعا" يحاكي نمطا أدبيا "أعلى" إنما صاغ تجربة محلية متقنة في بنية سردية شائعة عالميا.

فرغم أن"الثلاثية قد شابهت- إلى حد كبير- روايات الأجيال المعروفة في الأدب الغربي، وبالأخص آل بودنبروك لتوماس مان الذي تأثر به محفوظ بلا شك، فإنه محفوظ لم يكتب عملا يحاكي فيه تلك النماذج الأوروبية، بل نجح في أن يشيع في روايته الرائعة روحا مصرية خالصة، وذلك، رغم التأثير الواضح لنماذج غربية بعينها على الأديب المصري". (المذكرات، صـ 180).

 ويطرح سوميخ على صفحات مذكراته قبول الكاتب نجيب محفوظ للعلاقة السلمية مع "الآخر " واحترامه للاختلافات الإيديولوجية والثقافية التي يمثلها، من هنا جاء إيمان محفوظ بإمكانية التعايش الفلسطيني-الإسرائيلي داخل دولة واحدة، وتأييده لإيجاد حلول موضوعية للصراعات السياسية وتجاوزها من أجل الوصول إلى علاقات حسن الجوار. ويعزو سوميخ موقف نجيب محفوظ الداعم للتفاوض إلى كونه أحد أبناء الجيل الذي عاش الفترة التي كان فيها اليهود جزءا أصيلا من نسيج الشعب المصري، وكذلك إلى إطلاعه على تراث اليهود الذي نشأ في أحضان الحضارة العربية الإسلامية، ووعيه بسياقه المعرفي الذي اتسم بقدر كبير من التسامح والتفاعل، دون حدوث تنافر أو صراع.

وقد تجسدت تلك الرؤية في خطاب أرسله محفوظ إلى سوميخ في عام 1978 ضمّه الأخير بملحق نهائي لمذكراته، بعد أن أورده بالمتن مترجما للعبرية: "فمما لا شك فيه أن تعاونا مثمرا قام بين شعبينا على مدى الأعوام الطويلة في العصور القديمة والوسطى والحديثة، وأن أيام الخصام كانت قصيرة وقليلة، غير أننا ويا للأسف عنينا بتسجيل لحظات الخصام أكثر مائة مرة من تسجيل أجيال الصداقة والتعاون". (المذكرات، صـ 144).

 ولذلك دعم محفوظ- كما جسد سوميخ بمذكراته- التواصل الأدبي والفكري بين الثقافتين، وأيدّ أهداف المركز الأكاديمي الإسرائيلي الذي أقيم في القاهرة ودعم رواده من الباحثين الإسرائيليين والمصريين، وربطته أيضا أواصر الصداقة مع الكاتب نفسه أثناء الأعوام الثلاثة التى تولى فيها رئاسة المركز، فكان المركز آلية ضرورية- في رأي كليهما- لتحقيق التفاعل الإيجابي وإبراز التجارب المشتركة بين الثقافتين بعيدا عن أشكال الصراع السياسي أو الصدام الأيديولوجي: "مكثتُ بالقاهرة بشكل متواصل بالأعوام ما بين 1995- 1998 التي كنت خلالها مديرا للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة، الذي أُسس عام 1982 وكان محور حديثنا في الثمانينيات، وقد اعتاد نجيب محفوظ على الإعراب عن تضامنه مع أهداف تلك المؤسسة التي أنشئت لدعم علاقات التعاون بين الجانبين الأكاديميين، المصري والإسرائيلي... وقد جمعته عدة لقاءات مرتبة مع رؤوساء المركز السابقين لي، وحرص على تشجيع الأدباء والطلاب المصريين على زيارة المركز، بينما لم يتمكن هو نفسه من المشاركة بشكل فعّال في أنشطته لاعتبارات مختلفة". (المذكرات، ص 195- 196)

ومن الجدير بالذكر أن ساسون سوميخ قد كتب مؤلفات عديدة عن الإبداع الأدبي العربي وخاصة لدى الكاتبين المصريين "نجيب محفوظ" و"يوسف إدريس"، منها: "الإيقاع المتغير: دراسة في روايات نجيب محفوظ" (كتاب بالإنجليزية) (1973)، و"النوع واللغة في الأدب العربي الحديث" (كتاب بالإنجليزية) (1991)، و"نصف يوم: نجيب محفوظ، إبداعات ولقاءات وترجمات" (كتاب بالعبرية) (2012)، "التهجين في قصص يوسف إدريس" (مقال بالعربية) (2011)، و"لغة القص في أدب يوسف إدريس" (كتاب بالعربية) (1984).

 كما ترجم سوميخ العديد من القصائد العربية إلى العبرية لشعراء مثل: أدونيس وفؤاد رفقة ومحمد الماغوط وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج ومحمود درويش وسهام داود وإيمان مرسال وغيرهم، وضمنّها بمختارات أدبية، منها: "نهر الفراشة: مختارات من الشعر السوري واللبناني الحديث" (1973)، و"العشق بالحبر الأبيض، قصائد سهام داود" (1984)، و"جغرافيا بديلة، شعر إيمان مرسال" (2009). وكذلك قام بترجمة مقتطفات من القصص العربي لنجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف الشاروني وسليمان فياض وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم بمشاركة آخرين في كتابه "تحت العريشة: مختارات مصرية" (1979)، كما كتب تقديما مهما للترجمة العبرية لثلاثية نجيب محفوظ في طبعتيها الصادرتين عام 1980 وعام 2017، والتي نقلها إلى العبرية الأديب العراقي الأصل سامي ميخائيل (1926-    ) بتشجيع من سوميخ نفسه.

صورة 1.jpg
صورة 2.jpg