Menu

التمثيل التصويري في نصوص الشاعر الفلسطيني أشرف فياض

علاء حمد

شاعر وكاتب عراقي/ الدنمارك

القول الشعري ليس من الأقوال العادية ولغتها المتداولة، لذلك ومن خلال التسمية، ندخل إلى الذات الجديدة للشاعر بأحيان كثيرة ومنها الذات الشاعرة والتي كتب عنها (د. عبد الواسع الحميري).. ويبحث السرياليون أيضا عن الذات، وسموها بالذات الحقيقية، وفي الترتيبين، هي نفس الذات المتحولة للقول الشعري وتمثلاتها التصويرية. لذلك وهذا ما نلاحظه من خلال النصّ الشعري بأن الشاعر يقيم علاقة ما بين الذات – كذات مفتوحة نحو العالم – وبين النصّ الشعري، وكذلك العلاقات الثابتة والتي تميل ما بين القارئ والنصّ الشعري من خلال الذائقة الحسية، ولا نستغرب عندما يكون الشاعر قارئا وناقدا في نفس الوقت، وهذا يدلّ على خروج الشاعر من ذاته الشاعرة ليوظف تحولات جديدة من خلال حسيته الجديد، وذائقته الشعرية، وقليلا ما نلمس مثل هذه المسالك، إلا لدى الشعراء النوعيين، وكتابة القصيدة النوعية.

هناك جدلية دائمة ما بين بنية النصّ الخارجية وبنية النصّ الداخلية، لذلك فعندما نميل إلى بُعد العلاقات النصيّة نذهب إلى انفتاح الذات نحو الفضاء الخارجي – وانغلاقها باعتبارها أحادية لا شريك لها - والأخذ بنظر الاعتبار الجزئيات المرسومة في النصّ الشعري، لأنها تشكـّل حركة وديمومة خارج التكلم والاستماع، بل الذهاب مع سعة الأشياء وما وراءها، كتوظيف الحالات من الحقول الاستعارية أو التفكرية؛ لذلك تكون الذات، ذات وعي ومفهوم مفتوح نحو المعاني؛ وتأتي مطابقة مع المعاني والأحداث الشعرية المنقولة والمرسومة في عمق الحقل الخيالي..

اغسل لذتك بماء النهر البارد

واعبر نحو المشبوقة فالظلمة حالكة

خُلق الليل لباسا .. لكن النهر تعرّى

كيف ستشرب شايك؟

فماء النهر قد ابتلع الموت

وأخذ يلوك الخيبة في رحلته

نحو البصرة

تسري الخيبة

كي تتخذ مقاما في حلقي

من قصيدة: بحة في مجرى النهر - التعليمات.. بالداخل ( [1] )

من الطبيعي أن يحصل التضاد في النصّ، ونحن نبحر ما بين الاختلاف في اللغة والتضاد الذي يدل على مفهوم المعاني التي جاءت مركبة من خلال المشهد الشعري، وهي صورة تكوينية متواصلة، فاللقاء هنا لقاء الذات؛ ما بينها وبين الفضاء الخارجي، وما بينها وبين الآخر (أغسل لذتك بماء النهر البارد) والمعنى هنا خارج المباشرة ليعتمد اللامألوف، ولكنه ضمن القول الشعري الذي يقودنا إلى الشعرية (يُصاغ القول ويتميز في جنس هو الشعر. القول هذا يمكن أن يكون قولا شعريا، أو سرديا، أو غير ذلك مما له مفاهيمه التي تحدده كجنس، ومما له في الوقت نفسه، تمايزاته الفردية وتغيراته التاريخية. – ص 17 – في القول الشعري – د. يمنى العيد).

وإن كان للمفردة – خارج التركيب – ذات نغمة صوتية، فعند التركيب تتضاعف النغمة برنين المفردة الواضح.. ولكن وفي نفس الوقت أنّ التحضيرات التي سبقتها، هي تحضيرات فكرية، وأخذ الباث بعين الاعتبار الموضوعة التي اختارها، وهنا حالة التفكر، قبل الانسياب أو الدخول إلى حالة الخيال الشعري، والبحث عن حسية جديدة، فالعلاقة مابين التحضيرات – قبيل التجهيز – وما بين تنفيذ الفعل الشعري، علاقة حسية مباشرة، لذلك تتراكم المعاني عند تراكيب الجمل الشعرية المتواصلة؛ وتتبين الأنغام بظهور المشهد الشعري المعتمد..

اغسل لذتك بماء النهر البارد + واعبر نحو المشبوقة فالظلمة حالكة + خُلق الليل لباسا .. لكن النهر تعرّى ..

إنّ الحالة التي يقودنا لها الباحث حالة عليا من اللذة وقوة العمل الجنسي، والذي يصبّ بحالة الابتذال عادة، وتفتح العين قبل الجسد، بل كحالة مراهق اندفع بشكل عاجل نحو هذا الاتجاه.. فالأفعال: اغسل واعبر من أفعال الأمر، وهي موجهة وليست خارج الفضاء المعني، بل داست بساط الفضاء وطرح الكلمة المناسبة للتعبير الداخلي للشاعر أشرف فياض.. ومن العلاقة الانفرادية (للذات) إلى العلاقة مع الصورة كمشهد فعال، وكلّ جملة لها دلالتها المشهدية خارج التفرد؛ فالعلاقة التي رسمها لنا الشاعر الفلسطيني أشرف فياض؛ علاقة تداخل بين المفردات والجمل التواصلية والتي ربطتها أفعال الكلام عادة، لذلك عندما نتكلم عن دلالة الجملة، فسوف نميل إلى الحقول الدلالية، فالمفردات وضعت بتناسق تام، مما أعطت مفهوما عاما للجملة الشعرية (وهو المفهوم الذي اعتمده الباحث) وتوصيل المعنى بالشكل الذي رسمه وعلاقة المفردات مع بعضها.. كيف ستشرب شايك؟ + فماء النهر قد ابتلع الموت + وأخذ يلوك الخيبة في رحلته + نحو البصرة + تسري الخيبة + كي تتخذ مقاما في حلقي.

لو تأملنا عملية التواصل للصورة التكوينية فسوف نوصلها مع النصّ الشعري كجزء، تمثل أمامنا بمشهد حيوي يحتاج إلى النزول به مع علاقاته الداخلية والخارجية؛ لذلك فقد أسمعنا الشاعر صوت خفقان القلب الحزين، فالبصرة حزينة ولها مكانها في الحلق كما الخيبة وعلاقتها بمدينة البصرة، وقد ذكر الشاعر عن الخيبة وتمركزها في حلقه؛ وهنا أنتجت الذات وعيها، وخروج الشاعر من حالته (الفلسطينية) إلى حالته العربية، عندما قادنا وليس سهوا إلى العراق ككلّ، وإلى بغداد، والبصرة (فقد ذكر بمكان آخر عن العاصمة بغداد)، لقد اعتمد على بعض الشطور المتشابهة، والتي ولدت لنا تشبيها ضمن تشبيه.. وهناك تصحيحات انطباعية وما جرى في العراق، وسكون الطرف الاخر، فالرسالة موجه.. نعم موجهة إلى أطراف لها نفوذها في الساحة العربية.

نعبّر عن المشهد الشعري الذي أمامنا بأنه وقوع مشترك وذلك بإمكانية توليه للقول، وبما أننا ضمن التصوير الشعري ومع آليات القول، فنستطيع أن نبحر مع الجمل المركبة والتي أسست لنا القول الشعري ضمن سياق النصّ المعتمد من قبل الباحث، وهذا ما يدفعنا إلى تأملات ومشاهد توليدية أكثر، فتعددية المعاني تعني لنا أن الشاعر ومخزونه الكبير، أكبر مما يستوعبه الآخر، لذلك راح يتواصل مع النصّ الشعري ويوفر مساحة كبيرة لاستقطاب معانيه وطرحها بالشكل الأمثل، ولكن هذا لا يعني لنا بأن الفنان يترك لوحته التشكيلية، بل لها مجالها الآخر وغفوتها وتخيلاتها الخاصة، وهي شريكة مع النصّ الشعري لايفرقهما إلا فعل القول:

تحت أنقاض الأيام المغموسة بالقسوة

أشعر بدوارٍ.. من فرط الهذيان المتحلّق حولي

صخب يجتاح الليل ويسمي أحلامي

هل تصلح أن تسبى أحلامك..

أكثر من كلّ شريفات العرب القدماء

ومن حسن النسب بهنّ؟

أتنكّر في زيّ العشاق وقد زال العشق

وأعاشر ساعات الليل جميعا

عاشق تاريخ لم يُكتب..

صعلوك أسقطه التاريخ

من الأمتعة المسلوبة في حوزة قطاع طريق لم يتلاش

من قصيدة : عاشق مأجور – ص 59 – التعليمات.. بالداخل

يضرب الشاعر من داخل النصّ ضربته اللغوية وهو يستعين بلغة ديالكتيكية، سعيا منه إلى إيجاد التموضع الشعري في الجمل المتواصلة والتي تؤدي إلى الذهول والرغبة في القراءة؛ لذلك مانلمسه يجعل الوراء خلفه، وبالأساس هو (وراء) وراء الأشياء؛ ويلتقط الحاضرة منها، لذلك لايحتاج إلى تفكير ماضوي ولا إلى سنادات تسند مخيلته الخيالية وهو يقودنا إلى النصية من خلال المتعاليات. وكما وضح جيرار جينيت (كل ما يجعل نصّاً يتعالق مع نصوص أخرى، بطريقة مباشرة أو ضمنية). فالعلاقات التي أوجدها الشاعر الفلسطيني أشرف فياض تقودنا مابين النصية الداخلية والنصية الخارجية (وخصوصا أنه وظف تناصا مباشرا في بعض الشطور التي مرّت علينا).

تحت أنقاض الأيّام المغموسة بالقسوة + أشعر بدوارٍ .. من فرط الهذيان المتحلّق حولي + صخب يجتاح الليل ويسمي أحلامي + هل تصلح أن تسبى أحلامك..

لو نلاحظ أنّ قيمة الذات الصادرة، هي قيمة مشتركة بين الحاضر – الباحث – وبين الغائب عندما قال (هل تصلح أن تسبى أحلامك ..) وهنا نؤسس قيمة مشتركة، وهناك قيمة ثالثة يطرحها الشاعر، هو رؤيته ماوراء النصّ، فقد نقل لنا بعض المعاني الدائرة حوله.. مما جعله ينطلق بثلاثة اتجاهات لتأسيس عناصر الصورة، ويدسّ بين شطورها الدهشة، لكي يحافظ على المشهد التصويري في النصّ الشعري.. فالأحلام هنا لاتعلن استقلاليتها، بل ترتبط بين فاعلية الحدث الشعري وفاعلية التفكر للقول الشعري.. مما يدفعنا إلى فعل القول، وعلى مدار المشاعر والأحاسيس التي طرأت في ذهنية الشاعر.. وعندما رجع الشاعر إلى الماضي، لم يربط ماضيه هو، بل ربط التاريخ، وإشاعة الجواري في العصور القديمة ومنها العصر الاموي والعباسي.. وإلى وقتنا هذا، ولكن بصيغة تختلف مابين بيع الجسد مقابل "النفط " وما بين المتاجرة بكافة قطاعات الحياة.. ولو نرجع إلى العنونة والتي كانت (عاشق مأجور)، هذا يعني أنّ الشاعر أقام علاقة مابين العنوان والنصّ الذي رسمه للآخرين.

كان لأرشيف النصّ الشعري بدايته المنطوقة، بداية من العتبة الأولى، وانتهاء بالعتبة الأخيرة، وهي آخر نقطة رسمها الباث لنا، وهذا لا يعني أن نجد معاني وإضافات للنصّ بنصوص أخرى كما هو في النصّ الأوّل (بحة في مجرى النهر) ونحن نبحر بالنصّ الذي تلاه، بينما هناك علاقات مابين النصوص التي تحدثنا عنها، وهي ليست تأجيلات للمعاني بقدر ماهي، ظهور المعاني أكثر وأكثر، وهذه من المميزات الحداثية ومعانقة نصوص المجموعة كلها والحفاظ على صورها التكوينية.. وتأتي تأجيل المعاني عندما نضيف نصّا آخر في المعنى الدراسي – النقدي، ونحن نعتمد النصّ الأصلي.. فلا نستطيع أن نترك القيمة الفنية ونلهث خلف تفسيرات ومعاني (قد تكون خارج ذائقة المعنى والتأويل)؛ لذلك وإيمانا بما نقدمه نسعى إلى انسجام النصّ المضاف مع النصّ الأصلي، والعمل على إيضاح مقاصد الشاعر ونحن ننقاد مع النصّ بابتكاراته الجديدة (لذلك، ودائما نؤكد حول أنواعية النصوص وتأثيراتها على المتلقي) وإلا نقع بحالة مستسهلة وتقليدية في رحلتنا مع النصوص النوعية والتي تعني لنا الأحلام قبل كلّ شيء، وكذلك التناقضات والمنظور العجائبي الذي يقودنا إلى منظومة عنصر الدهشة، والتي تعتبر الأساس النصّي لفعل الإثارة. الإثارة التي لايستطيع الشاعر الاستغناء عنها في منظوره الكتابي؛ وهي المنشط الفعل للنصّ المكتوب.

إنّ الشكل اللاواعي للذات، يولد لنا فعل الإثارة، وكذلك تولد الجمل المثيرة؛ التي تتميّز بنوعيتها وتنوع دلالالتها، وهي المخطوطة الأولى للبناء النصّي؛ وهذا مانميل إليه في الأبعاد النصّية؛ حيث أنها تشكل ضرورة شعرية سحرية من خلال الماورائي عندما يقف في أسطورتها موقف الاندهاش.

لكلّ فقدان ..

وجود مفترض ..

ولكلّ فراغ .. ملء الفراغ

ولكلّ حيّ مزدحم .. فناء

يقلّ عنه في الحجم

ويعاكسه في الازدحام

فالجيران ينامون طوال الوقت

لأنك وحدك !

من قصيدة : قوانين الوطن الثلاثة – ص 75 – التعليمات.. بالداخل

لو أبحرنا مع النصّ المرسوم والذي يقودنا إلى ملحقية نصية (النصّ اللاحق) فهو انعكاس خارج قانون العنونة؛ والتزام بأحد الشروط المتاحة في النصّ، ولكنه في نفس الوقت غابت عنه المباشرة بالالتزام مع عنوان النصّ(من الممكن نكتفي بالإشارة إلى العنونة)، فقوانين الوطن، هذا يعني أنّ هناك التزامات مشتركة، في الوقت الذي انفرد الشاعر الفلسطيني أشرف فياض بقانون يخصّ ذاته لذلك وحسب نظرية "جيرار جينيت" أسميته بالنصّ اللاحق، فهو يمثل علاقة الإنتاج الثاني بالشروط الثلاثة، بينما الشاعر وظفه، بأنه كشرطه الأخير (الشرط الثالث) في النصّ؛ لذلك فقد التزم بالمشهد الشعري خارج عنونته، بل راح يعطي بعض المهام التي تدور حوله ومثال ذلك (فالجيران ينامون طوال الوقت / لأنك وحدك) ولو اعتبرناها عبارة لأنك وحدك تشير إلى الوطن، فهنا نفقد الدلالة من العبارة، لأنها لاتمثل جملة مركبة، بينما جملة (فالجيران) لها دلالاتها من خلال تركيب المفردات، ومن هنا ابتعد الشاعر وما يدور من معنى أولي رسمه في تاج النصّ الشعري، وجعله من الملحقات للنصّ يتواصل مع الشرطين الأولين.. ومن الممكن جدا أن نعتبر الشرط الثالث، كيانا لتواجد النصّ بشروطه الثلاثة.

 

1- أشرف فياض .. شاعر فلسطيني مقيم في السعودية وقد حُكم عليه بالإعدام،

وتم تخفيف الحكم فيما بعد بالسجن مع جلده وذلك لاحتجاج العالم ضدّ التهم الموجة له وهي من التهم الباطلة والتعسفية.