Menu

"عَائِدٌ إلى حَيْفَا" تَأَمُّلاتٌ زَمَكَانِيَّةٌ في بِنْيَةِ العُنْوان

عبد الرحمن بسيسو

نشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الهدف الإلكترونية

ينهضُ عنوانُ روايةِ غسّان كنفاني:"عائدٌ إلى حيفا"، وهو من أوائل العتبات النَّصيّة التي تُواجهُ القارئَ لَحْظَةَ اتّصالِهِ بالرواية، بتأسيسِ نسقٍ تصوُّريٍّ عامٍّ يشي بإمكانيَّةِ تَحَقُّقِ علاقةٍ مباشرةٍ مَا بين إنْسَانٍ موسُومٍ باسمِ الفاعل "عَائد"، ومكانٍ مُحَدَّدٍ هو مدينةُ "حيفا"؛  فصيغةُ  العنوانِ المُكَونَةُ من اسمِ الفَاعِلِ غِيـرِ المُعَرَّفِ وشبهِ الجُمْلَةِ المُلْحَقَةِ بِهِ، إنَّما يُحَدِّدُ الطَّرفَ الأوّلَ من طرفي العلاقةِ باسمِ الفاعلِ النَّكرة: "عائد"، فِيْمَا تنْهَضُ شبهُ الجملة: "إلى حيفَا"، بإنجازِ أمرين؛ أوّلُهما: تحديدُ طرفِ العلاقةِ الثَّاني باسمِ العَلم: "حيفا" الدَّالِ على المدينةِ الفلسطينيّةِ المعروفةِ بهذا الاسم؛ وثانيهما: الإعلانُ عن بَدْءِ صيرورةٍ، وإمْكَانِ تَحَقُّقٍ لعلاقةٍ مباشرةٍ سَتَجْري استعادتُها ما بين طرفيْهَا: "حيفا" والـ"عائد" إليْهَا، والكشفُ عن آليَّةِ تحقُّقِ هذهِ العلاقَةِ عَبْـرَ حَركةٍ صَائِرةٍ يُجسِّدُها السَّردُ الروائيّ، ويحْدِثُهَا الطَّرفُ الموسومُ باسمِ الفاعِلِ بوصفِهِ إنْسَانًا حيويًّا متحرِّكًا وفَاعلًا  يسْعَى لإنهاضِ فِكْرةٍ جَوهَريَّة، أو تَحقيقِ غايَةٍ سامِيَةٍ، فَيتَوجَّهُ بِنَفْسِه، مُحَفَّزًا بَأيٍّ منْهُما أو بِهِمَا معًا، صَوبَ الطَّرفِ الثَّاني، بوصفِهِ مكانًا ثابتًا يتلقَّى الفعلَ على نحوٍ سَالبٍ أو مُوْجَبٍ، أو على نَحْوٍ ينطوي على التباسٍ ذي دلالةٍ ومَغْزى.

وسيتبدَّى كُلٌّ من الإعْلانِ المُسْبَقِ عن بَدْءِ صيرورةِ تحقُّقِ العلاقةِ ما بين الـ"عائد" و"حيفا"، والكشفِ عن الآليّةِ المُفْضِيَةِ إلى تحقُّقها، من خلال حرف الجرّ "إلى"، كَحَرفٍ يشي بإمكانيّةِ حضور "زمَكَانِ الطَّريق"، بوصفِهِ زمكانًا يفصلُ ما بين طرفي العلاقةِ أو يصلُ بينهما لحظةَ انطلاقِ خطوات الـ "عائد" صوبَ "حيفا"؛ وذلك لأنَّ حرفَ الجرّ هذا ينطوي على معنى انتهاءِ الغايةِ حتَّى آخرها، أو حتَّى ما قبل آخرها بقليل.

وليست غايةُ هذا النَّسَقِ الزَّمكانيِّ إلا "العَودة"، وليس آخرُ هَذهِ العودة ومنتهاها إلا "الوصول" إلى "حيفا" لتجديدِ علاقةٍ مباشرةٍ كانت قد تشكَّلَتْ معها، وتواصلتْ، ثُمَّ انْقَطَعَتْ قَسْرِيًّا، فتلاشت ظَاهِريًّا، ويُرادُ إنهاضُهَا، والاستمرارُ فِيها، وتجديدُها، عبـرَ فعل "العودة" المَسْكُونِ بِدَوافعَ ومُحَفِّزاتٍ وأنْهاجٍ وآليَّاتٍ يُنْبِـئُ عُنْوانُ الروايةِ بأنَّ السَّردَ الروائي سَيَتولّى الإفْصاحَ عنها، وتوضيحها.

أمّا الإفصاحُ عن حقيقيةِ أنَّ غايةَ الـ"عائد" القصوى هي "العودةُ"، فإنّه لا يتمُّ من خلال تحوُّلِ اسمِ الفاعل "عائد" إلى صفةٍ صارت اسمًا لحاملها فحسب، وإنّما أيضًا من خلال التركيب النحويّ للعنوان، وذلك بأمرين، أوّلهما: مجيءُ اسمِ العلم "حيفا" عقبَ حرفِ الجرّ "إلى" على وجهِ التَّحديد، وتشكيلهما معًا وحدةً نحويّةً ملتحمةً هي شبهُ الجملة القابِلَة لأنْ تكوِّنَ هِي الخَبَـر، أو جُزءًا مِنْهُ لا يَني يبثُّ دلالاتِهِ كَخَبـرٍ لم يَزَلْ صَائرًا ولَم يكتَملْ بَعْدُ، وثانيهما: انطواءُ اسمِ الفاعل "عائد" على معنـى العودة، وذلك كونه مشتقًّا من الفعل "عادَ"، حاملًا إيحاءاته الدلاليّة وحركة صيرورته، ويقينيّة تحقُّقه، إنْ توفَّرتْ متطلباتُ تحقيقه، ومشيرًا إلى أنَّ تحقُّق العودة هو المدخلُ الوحيدُ لانبثاقِ علاقةٍ حيويَّةٍ مباشرةٍ تستعيدُ نفسَها فتصلُ ما انقطعَ ما بين العائد وحيفا، وتذهبُ بِهما صوبَ مستقبلهما المُلتَحمِ، أو تُفضي إلى شيءٍ آخر، ولكنّها تنطوي، في كلِّ حال، على حركة فعلٍ مركزيٍّ قابلٍ للتَّجلِّي في سلسلة أفعالٍ وأحداثٍ تنهضُ على كون اسمِ الفاعل "عائد" غيـرَ متجرِّدٍ من الدلالة على ذلك، وعلى كون "حيفا" غيـرَ متجرّدةٍ من كونها مَكانًا يسيرُ الحدثُ الروائيُّ المركزي في اتجاهه، وذَلِكَ على نحوٍ قَدْ يفضي إلى استعادة سلسلةِ أحداثٍ وقَعَتْ مِنْ قَبلُ في رحابِهِ، أو إلى متابعةِ أحداثٍ تقعُ فيه الآن، وربّما في تزامنٍ سرديٍّ مع تلك الاستعادة، أو في تناوبٍ متعاقب، أو في أيّ شكلٍ آخرَ من أشكال أزمنة السَّرد الروائي الممكنة.

وفي هذا الضوء، فإنَّ التأمُّلَ في الدَّور الذي يؤدّيه اسمُ الفاعل "عائِدٌ" في مجرى تركيبِ بِنية العنوان، إنَّما يفضي إلى العثور على جملةِ توقُّعاتٍ ذات صلةٍ بالشروط التي ستحكم الحدثَ الروائيّ المركزيّ وعلاقات أطرافه جميعًا؛ فثمةَ إشاراتٌ تدلُّ على أنَّ الـ"عائد" قد نسـج، في الماضي القريب، علاقةً ذات طبيعةٍ معيّنةٍ مع مدينة "حيفا"، وأنَّ طبيعةَ هذه العلاقة قد تغيَّـرت، على نحوٍ أو آخر، بسب ابتعاده أو إبْعاده قَسْرًا، عنها، وأنّه الآن "عائدٌ إلى حيفا" بِأملِ استعادةِ تلك العلاقةِ على نحوٍ يُعيدُ إليها طبيعتَهَا  الحقيقيَّةَ الكامنِةَ في وِجدانِهِ، الَّتي فَقَدتْهَا، وفَقَدَها، واقِعِيًّا، طوالَ فَتْـرةِ الانقطاعِ القَسْريِّ القاسي.

ولهذهِ الإشاراتِ أنْ تفضي، ضمنَ أمورٍ أخرى، إلى توقُّع أنْ تفرضَ العلاقةُ السَّابقةُ نفسَها على علاقةٍ راهنةٍ ممكنةِ التَّشَكُّل، بحيث نستطيعُ أنْ نتوقَّعَ انبثاقِ نوعٍ من الجدل ما بين علاقتين مختلفتين من حيثُ الطَّبيعة، والزَّمن، والشُّروط الحاكمة، وأماكن الحُضُورِ والغياب؛ فثمّةَ علاقةٍ سابقةٍ كانت متحقِّقَةً في المكانِ نفسِه، ولكنّها لا تُعيش - الآنَ - إلَّا في وجدان الـ"عائد"، ولَعلَّها تنبَثِقُ في ذاكرتِهِ النَّشِطَةِ المُحّفَّزةِ  بلَحْظاتِ مُقارنَةٍ سَتَنْجُمُ عن إبصارِ المكانِ وأشيائِهِ مِنْ جديد، وربّما قبل هذه اللَّحظات، وبعدها، وعلى مدى المسافة الفاصِلِة، أو الواصِلِة، ما بين هُنَا مِنْ قَبْلُ، وهُنَا الآنَ، وهُنَا مِنْ بَعْدُ، وما بين كُلِّ هُنا وهُناكَ، وعلى امتدادِ كُلِّ زمكانِ طريقٍ يَقْطَعُ أو يَصِلُ!

وسيكون للجدل ما بين الحضور السَّابق للمكان في الذاكرة والوجدان، والحضور الرَّاهن في المكان وَفْقَ الشُّروط الموضوعيَّة التـي تحكمُهُ، والتـي تحكمُ عودة الـ"عائد" وتحدِّدُ ظروفَ العودة، ومداها، وطبيعتها؛ أنْ يُفْضِي إلى إنتاجِ توتّراتٍ دراميّةٍ تكونُ منبعًا لما سيحدثُ من تحوّلاتٍ تطالُ أطرافَ العلاقة، فَتُغَيّـُر موقفَ الـ"عائد" من المكان، أو تُعَدِّلُ مِنْ طبيعة رؤيتِهِ إليْهِ، أو تُدْخِلُ المكانَ نفسَهُ في مجرى تَحَوُّلٍ دلاليٍّ يتجاوبُ، أو يتناقَضُ، مع تَحَوُّلاتهِ الظَّاهِرِيَّةِ المُتَعيَّنَة، ومع تحوُّلاتِ الـ"عائد" النَّفسيَّةِ والوجدانيَّة والرُّؤْيَويَّةِ المُسْهِمَةِ في إحداثِ تَحَوُّلاتٍ في منظورِهِ الرؤيويّ، ورؤيَتِه لِذاتِهِ، ولواقِعِهِ، وللعالم.

***

وهَكذا نَجِدُ أنَّ التَّحْلِيلَ الزَّمكانيِّ  لبِنية العِنْوانِ لا يكشِفُ عن نَمُوذجٍ مُصَغَّر، ومُحدَّدٍ بدقّةٍ لافتةٍ، للبِنية المكانِيَّةِ في رواية "عائِد إلى حيفا" فَحسبُ، وإنَّمَا يَكَشَفُ عَنْ نَمُوذَجٍ يَتَسَاوقُ تساوقًا تامًّا مع النَّموذجِ الكُلِّيِّ لبِنية المكان في الروايةِ الكنفانيّةِ بعامّة؛ فَثَمَّةَ مكانٌ يُوجدُ فيه الـ "عائد" الآنَ (المنفى)؛ وثمّةَ مكانٌ آخرُ سَيَشَرعُ في العودة إليه بعد حين، أو هو قد شرع في العودة إليه فِعْلًا (الوطَن/ مسقَطْ الرَّأس)،  وثمّةَ مَكانٌ يَفْصِلُ ما بين المنفى والوطن هو (الحَّدُّ المُحَرَّمُ اجتيازُه)، وثَمَّةَ مسافةٌ زمكانيَّةٌ يَجبُ عبورُها، أو اختراقُهَا، (زمكانُ الطَّريْق) وصولًا إلى المكان المقصود.

وإذْ لا يُحدِّدُ العنوان، على نحوٍ مباشر، مكانينِ من الأماكن الثَّلاثةِ المُشَار إليها؛ أي المكانُ المُحَدَّدُ الذي يُوجَدُ فِيه الـ"عائدُ" الآنَ، الذي مِنْه سَيَنْطلقُ خَطوُ "عَودَتِه"، والْمَكَانُ الْمُتَعَدِّدُ الأحيازُ الذي يُشكِّلُ فاصلًا، أو حَدًّا، يَجبُ علَيه عُبُورُه، أو اختراقُهُ، وصُولًا إلى مَقصدِهِ "حيفا"، فإنَّ إشارةَ العنوانِ إلى "حيفا" بوصفِها مكانًا مقصودًا، أو غايةً تتوقَّفُ عندها خطواتُ العائد، أو حيّـزًا مكانيًّا يُنْتَظَرُ أنْ تجوسَ خطواتُهُ في رحابِه، كما أنَّ تركيـزَ العنوان على فكرة "العَودة"  الْمُضَمَّنة في اسمِ الفاعل "عائد"، وإقامَته المسافةَ الفاصلةَ ما بين حيّـزينِ مكانيّينِ من خلال حرف الجرّ "إلى" الذي يحملُ معنـى الصَّيرورةِ والتَّحوُّل من مكانٍ إلى آخر، أو من حالةٍ إلى أخرى، يجعلنا قادرين على تصوُّر البِنية المكانيّة لرواية "عائد إلى حيفا" على نحوٍ مُقارب لما يُمكن أن تكون عليه هذه البِنيةُ في النَّصّ الروائيّ نفسه؛ فثمةَ حيّـزانِ مكانِيَّانِ يفصلُ بينهما حيِّـزٌ ثالثٌ هُو طريْقٌ يجَبُ عُبورُه، أو حَدٌّ ينبغي اختراقُهُ، وُصُولًا إلى "حيفا".

وإذْ يدلّنا العنوانُ على مدينَةِ "حيفا" بِوصْفِها الحيِّـزَ الذي تقصدُهُ خطواتُ الـ"عائد"؛ فَإنَّ فكرةَ العودةِ القابلةِ للتَّجسُّدِ من خلالِ الخطواتِ الصَّائِرةِ صَوبَها إنَّما تُنبـئُ  بأنَّ "حيفا" مَكَانٌ كَانَ هَذا الـ"عائد" قدْ وُجِدَ في رِحَابِهِ من قَبْلُ؛ أي أنّها مكانٌ أليفٌ تاقَ طَوالَ غيبَتِه عَنْهُ إلى الرُّجوعِ إليه. وربّما يَكُونُ هذا التَّوقُ مُحَفَّزًا كَون"حيفا" هي "مسقطُ رأس" الـ"عائد،" أو كونها "مجالًا حيويًّا" لتحقُّقٍ اجْتِمَاعيٍّ إنسانيٍّ سبق لهُ أنْ أسْهَمَ في تحقيقِهِ ويتطلَّعُ الآنَ إلى إعادةِ إنتاجِه، والاستمرار في تحقيقِه، ومُتابَعةِ تنميتِهِ وتجديدِهِ في مُستقبلٍ مفتوحٍ على المستقبل.

وجَليٌّ، في ضوء ما تقدَّمَ،  وبدلالةِ الاسم "حيفا"  وإلحاحيّةِ فكرةِ العَودة، أنَّ  المكانَ المقصودَ هو مكانٌ من أماكن الوطنِ الفلسطينيِّ الحميْمِيَّةِ الأليفة، في حين أنّ المكانَ الذي يُوجدُ فيه الـ"عائد "الآن، وفي لحظةِ انبثاقِ السَّردِ الروائيّ، هو مكانٌ من الأماكن الواقعة خارجَ نطاقِ المكانِ الحميمـيِّ الأليف؛ أي أنّه مكانٌ من أماكن المنفى، أو الإلجاء القَسْريِّ، سواءٌ داخل الوطن، أو خارجه، وهكذا يكون المكانُ الفاصلُ ما بين المكان الحميمـيِّ الأليف، والمكانِ غيـرِ الحَمِيميِّ وغيـرِ الأليف، حدًّا مُحرَّمًا؛ لأنّه مكانٌ يفصلُ ما بين المنفَى، والوطنِ الذي يَمثِّلُ "مسقطُ الرَّأس" قلْبَ قَلْبِه، ولأنَّ اختراقَهُ بوسيلَةٍ، أو بِأخْرى، بِوصْفِهِ حدًّا مُحَرَّمًا، أو عبوره بمجرّد فقدانه، لسببٍ أو لآخر. هذهِ الصفةُ ضَروريّةٌ لتحقيق الانتقال من المنفى إلى الوطن. وفي كلا الحالين، يبقى هذا الحيّـزُ الزَّمكانيُّ موسومًا بزمكان الطَّريق، لكونه حيّـزًا طبيعيًّا، أو قَسْرِيًّا مُصطَنَعًا، يفصلُ ما بين حيـزينِ ويصلُ بينهما، ولأنّه مكانٌ يتطلَّبُ اختراقُهُ، أو عبورُه، مسافةً زمنيّةً تَسْتَوجِبُ استعدادًا وتَهَيُّئًا لاجتيازِها، فِيْمَا تَمُورُ صيرورةُ هذا الاجتياز بإجراءاتٍ، واحتـرازاتٍ، ووقائعَ مُتَوقَّعَةٍ، وأُخرى يَصْعُبُ تَوقُّعُها، ولكنَّها، في كُلِّ حَالٍ، ذاتُ خُطُورةٍ وعَقَابِيل.

وفي ضَوءِ شبكَة الزَّمكاناتِ الروائيَّةِ الَّتى جَلَّى تحليلُ بِنْيَةِ العنوان وجودَهَا، ستنبثق طائفةٌ من التَّوقُّعَاتِ السَّردِيَّة، حيث يُمكنُ للسَّرد الروائيّ أنْ يُجسِّدَ الظُّروفَ والأوضاعَ والشُّروطَ التـي حكمت عمليّةَ "الانفصال" عن "حيفا" وأسفرتْ عَنْهُ، أو التـي أسْهَمَتْ في الإفضاء إليه، كما يُمكنه إبراز الشُّروطِ والمعطياتِ التـي حَكَمَت عمليّةُ عودة الـ"عائد" إلى "حيفا"، وكيفيّة حدوث هذه "العودة"، وطريقةِ اجتياز الحَدِّ المُحَرَّم، والظُّروف والأوضاعِ  التـي جعلت هذا الـ"عائد" يرحلُ عن "حيفا"، وتلك التـي أحاطت بحياتِهِ في المنفى بعيدًا عنها، والمُحَفِّزات، والأحوال، والمُمكِناتِ الموضوعِيَّةِ الفِعلِيَّة، الَّتـي وفَّرتْ إمكانيَّةَ إشباعِ شَوقَهِ العَارمِ لـ"عَودةٍ" إليها.

وكذلك يُمكننا توقُّعَ دوران أحداث الرواية في إطار البِنية المكانيّة التـي كشف عنها تحليلُ بِنيةِ العنوان، مع تركُّزِ هذهِ الأحداثِ في "حيفا" والأماكن الصُّغرى التـي تُشَكِّلُ طوبوغرافيّتها كمدينةٍ تحتوى مثل هذه الأماكن، وذلك في سياق الكشف عن علاقة الـ "عائد" بـ "حيفا"، كعلاقةٍ أفصـحَ العنوانُ عن وجودها من دون أنْ يُحدِّدَ طبيعتَها النِّهائيّة، أو يشيرَ إلى منحنـى تحوّلاتها التفصيليّة، إذْ ليس للعنوان أنْ يُطَالَبَ بفعلِ ذلك، فيكفيه أنْ يبثَّ الدلالةَ المركزيّة للنَّصّ، وأنْ يكون مفتاحًا للرواية يضعنا في بؤرةِ توقُّعاتٍ مُجرَّدةٍ قابلةٍ للتَّجسّد في سِيَاق السَّرد الروائي الذي نتوقَّعُ أنْ تنطلقَ حركتُه، في هذه الرواية، من لحظةٍ يكونُ فيها الـ"عائد "قد شَرعَ في إقامةِ علاقةٍ واقِعيَّةٍ مباشرةٍ مع "حيفا" التـي أسَّسَ العِنُوانُ مُمْكنَاتِ استِعادةِ العَلاقةِ المباشِرةِ الَّتـي كَانَتْ قَائِمَةً، واقعيًّا،  ما بينها وبين الـ"عائد" إليْهَا؛ هذا الذي لَم تنقِطِعْ علاقَتُهُ الوجدانيَّةُ، قطُّ، مَعَها.