Menu

في ذكراه الأولى..

تقريرالرفيق عبد الرحيم ملوح.. صاحب سجايا تشكّل هاديًا للأجيال القادمة

أحلام عيد

خاص بوابة الهدف

مساء الأربعاء 23/12/2020، وفي ليلةٍ من ليالي رام الله الباردة، تثاقلت عقارب الساعة محاولةً منع الرحيل، دقت عقارب الساعة الحادية عشر إلا أنّ قلبه لم يعد يدق، إذ جاءت لحظة رحيل الفدائي ملوح، لحظة كانت مؤلمة وموجعة للجميع بقدر ما آلمته ضربات السجّان التي انهالت على جسده خلال خمسة أعوامٍ كاملة، وبقدر ما آلمه الاحتلال والاستيطان والانقسام وتخلّي البعض عن الإيمان بالفكرة.

"رحل ابن يافا في زمن التيه العربي واللاجئ ابن مخيم الجفتلك في منطقة الأغوار، درس في مدرسة الجفتلك التابعة لوكالة الغوث؛ وانتقل إلى الكويت عام 1963؛ انضم إلى جيش التحرير الفلسطيني في بغداد عام 1965، وأكمل تعليمه في دورات مسائية؛ ثقف نفسه بنفسه، شارك في تأسيس الجبهة عام 1967؛ جرح في معركة الكرامة في آذار 1968؛ عضو مكتبها السياسي؛ شغل مهاماً عسكرية من الأردن إلى الداخل الى لبنان، قاد قوات الجبهة في حصار بيروت عام 82، شغل نائب الأمين العام  للجبهة  وعضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1991؛ عاد إلى الوطن عام 1996؛ رئيس الدائرة السياسية التابعة للجبهة عام 2000؛ اعتقل في معسكر عوفر الصحراوي؛ أمضى سبعة أعوام في المعتقل إضافة إلى عامين في مطلع العام 2007، ترك مناصبه القيادية مفسحاً المجال للجيل الجديد وبقي محتفظاً بعضويته في الجبهة.. سنبقى مع جيل الأحبة الذي معهم ناضل وكتب وقاتل وأسر وجرح وتناقش وتخانق وظل الود في قلبه" مروان عبد العال.

بمُناسبة الذكرى الأولى لرحيل القائد المناضل عبد الرحيم ملوح، أجرت "بوابة الهدف" عدّة مقابلاتٍ خاصّة للاقتراب أكثر من شخصيّة هذا الرفيق الصلب التي ألهمت الكثيرين من أبناء شعبنا خلال مسيرة النضال والكفاح التي ما زالت مُستمرة في شوارعنا ومدننا وقرانها ومُخيّماتنا، إذ يواصل رفاق ملوح السير على دربه ودرب الشهداء وما خطّوه من معالمٍ واضحةٍ لهذا الصراع مع العدو الصهيوني.

شخصية شاملة ومتكاملة

عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبيّة كايد الغول كان الشخصيّة الأولى التي تحدّثنا معها، إذ أشار في بداية حديثه إلى أنّ ملوح شخصية شاملة، أغنى تجربته بجهدٍ ذاتي، وكان من أشد الأشخاص المخلصين لانتمائهم ولهويتهم، واصفًا إياه بـ"الوطني الحزبي" حيث لم يكن وطنيًا بدون هويةٍ أو انتماء وفي ذات الوقت لم يكن حزبيًا متعصبًا لمجرد الانتماء الحزبي وإنما كان حزبيًا بهدف خدمة القضيّة الوطنية.

وأضاف إنّ "خبرة ملوح في مجالات العمل المختلفة في الجبهة مكّنته من اكتساب الوعي في العديد من المسائل وعكست نفسها على شخصيّته وخبرته في قراءة الأحداث السياسيّة، حيث كان قائد كتيبةٍ عسكريّة في الجبهة، وأصبح مسئول فرع الأرض المحتلة للجبهة الشعبيّة في الخارج، ومسئول الدائرة الحزبيّة التي تُشرف على العمل النقابي أيضًا في الجبهة الشعبيّة، عدا عن إشرافه على الدائرة الأيديولوجيّة للجبهة في بعض الفترات، ثم أصبح عضوًا في اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة.

ولفت الغول إلى أنّ ملوح كان يمتاز برؤيةٍ استشرافيةٍ للأحداث ويقدّم آراءه التي لها علاقة بالمستقبل، ما يعكس المخزون الفكري الغزير لديه، كما كان يربط دائمًا الحدث أو أي تطورٍ سياسي يتعلّق بالقضية الفلسطينيّة بالحالة القائمة عربيًا وإقليميًا ودوليًا وبتأثيراتها المتبادلة، ما كان له الأثر في دقّة وصحّة تشخيصه للأوضاع القائمة في حينه.

وقال الغول: "لقد كان ملوح من القيادات الأساسيّة في الجبهة، الأمر الذي جعل اللجنة المركزيّة تنتخبه ليكون الرجل الثالث في القيادة قبل أن يصبح نائبًا للأمين العام، وبحكم موقعه ساهم في بلورة مواقف الجبهة وسياساتها، كما كان جزءًا من اللجان التحضيريّة التي تعد لعقد المؤتمرات الوطنيّة للجبهة إضافةً لإسهامه في الصياغة النهائيّة للوثائق المقدّمة لها".

كما أوضح أنّ "هناك حالة من التوازن في شخصيّة ملوح، في بعض المحطات تجد فيه المرونة السياسيّة -التي لم تعكس ضعفًا في الوعي أو في الرؤية وإنّما بما يخدم الموقف والفعل في اللحظة المحدّدة- وفي محطات أخرى وأمام أي انحرافاتٍ أو مخاطر سياسيّة تجده الأكثر تشددًا وصلابة.

ناضل لحسم التناقضات الداخليّة

وفي سياق حديثه، نوَه الغول إلى أنّ ملوح كان يرى في الوحدة الوطنيّة عاملاً حاسمًا في ظل الصراع مع العدو الصهيوني، وناضل في سبيل حسم التناقضات الداخليّة بالاستناد لرؤية الجبهة بأنّ التناقض الرئيسي يجب أن يستمر مع الاحتلال، مؤمنًا بالحوار الديمقراطي في الساحة الفلسطينيّة للبحث عن حلولٍ ذات طابع وطني لمسببات الانقسام، وعمل بكل جد من أجل توحيد الساحة، حيث قاد وفد الجبهة في حواراتٍ عديدة عقدت في القاهرة وكان مبادرًا في تقديم تصوّراتٍ ومشاريع حلول ويدفع بوجهات نظر إيجابيّة تغلّب المصلحة الوطنيّة لإنهاء هذه الحالة التي كان يرى فيها مصلحة استراتيجيّة للاحتلال.

وذكَّر بأنّ ملوح كان من أشد المؤمنين بضرورة توحيد قوى اليسار الفلسطيني ومن المتحمسين للقيادة المشتركة مع الجبهة الديمقراطيّة، لما يمثله ذلك من أهمية في خلق حالة من التوازن في الساحة الفلسطينيّة ومنع أي انحرافات، وكان عنصرًا رئيسيًا في الفريق الذي ساهم في بلورة رؤيّة اليسار لمواجهة سياسات اليمين في الساحة الفلسطينيّة، ولعل هذا برز في دوره أيضًا بتشكيل التحالف الديمقراطي الفلسطيني الذي ضمّ الجبهة الشعبيّة والجبهة الديمقراطيّة والحزب الشيوعي الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينيّة.

وحول موقف ملوح من منظمة التحرير الفلسطينيّة، أكًّد الغول على أنّه كان من أشد المدافعين عنها في كل المحطات وكان يرى فيها وفي الحفاظ عليها أمر لا يجب العبث فيه تحت أي حالٍ من الأحوال، وميَّز بين كيان المنظمة باعتبارها المنجز الأهم للثورة الفلسطينيّة المعاصرة والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وبين من "يقود المنظمة"، ومارس دوره في اللجنة التنفيذيّة على هذا الأساس.

شخصية فريدة ودائمًا في المقدّمة

وخلال حديثها معنا، نوهت رفيقته لفترة طويلة في بيروت، الرفيقة المناضلة عضو المكتب السياسي للجبهة الدكتورة مريم أبو دقة إلى أنّ ملوح نجح في أن يثبت نفسه كقائدٍ حقيقي، ليس من خلال "التمظهر" والحرّاس والمرافقين الشخصيين، بل من خلال حب رفاقه له وإيمانهم العميق به وبما يحمله من فكرٍ ووعيٍ وشخصيةٍ حازمة.

وتابعت: "التواضع في شخصية ملوح لم يتعارض إطلاقًا مع الشخصية الكاريزماتيّة التي تفرض هيبتها ووقارها على الجميع، حيث مزج ملوح بين الشخصية البسيطة الدمثة المقرّبة للناس وبين الشخصية الصلبة القيادية الحاسمة التي لا تتهاون مع الأخطاء".

وأشارت أبو دقّة إلى أنّ ملوح كان عنيدًا صلبًا متحاملاً على نفسه، وكان في أشد لحظات الألم يمنح الأمل للمحيطين به، وتابعت: "بعد تحرّر ملوح من الأسر الذي تعرّض خلاله لكافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، تواصلتُ معه لتهنئتِه وكان يتحدّث بروحٍ مرحة لم تهتز رغم قسوة السجّان".

وحول مقالات ملوح وكتاباته، أوضحت أبو دقة أنّه كان حريصًا على امتلاك الثقافة والوعي حيث لم يفصل بين الجانب النظري الذي كان يتبنّاه ويؤمن به وبين تطبيقه عمليًا على أرض الواقع سواء في مواقفه الجذريّة أو في علاقاته وتعاملاته مع رفاقه وأصدقائه.

وأفادت بأن التزام ملوح بالحزب كان التزامًا صادقًا وأصيلاً وليس ادعاءً، وأنه كان يمتاز بشخصيّةٍ هادئة ويتمالك أعصابه في أحلك الظروف وأشد الأزمات حائزًا على ثقة جميع من حوله.

ملوح كان إنسانًا لأبعد الحدود

وقالت رفيقته أبو دقة: "لقد أولى الرفيق ملوح اهتمامًا شديدًا لرفيقاته في الحزب وكان خير داعمٍ لهن"، مشيرةً إلى أنّ هذا الحرص جاء بدافع إيمانه بإمكانيات المرأة وقدرتها على التغيير، حيث كان حريصًا على تواجد المرأة في جميع المناصب والهيئات المختلفة، وعلى الصعيد الشخصي كان ملوح من الداعمين لي في مواصلة مسيرتي التعليميّة حيث أبلغني بقرار القيادة منحي فرصةً لدراسة الدكتوراة في بلغاريا".

وعن علاقته برفاقه، أشارت أبو دقة إلى أنّ ملوح كان صارمًا ولكن في ذات الوقت لم يكن صداميًا، كما لم يكن انتقاميًا بتقديم الملاحظة على غيره بل كان معنيًا بإصلاح الخطأ ويقدّم ملاحظاته بطريقةٍ محبّة جدًا تدفع الآخرين للقبول بها وهم على رضىً تام.

وختمت أبو دقة حديثها قائلة: "تعلّمنا من ملوح أن نتمسّك بحقوقنا وبنضالنا الوطني حتى تحقيق كافة الأهداف الوطنيّة وفي مقدمها تحرير أراضينا المحتلة من النهر إلى البحر والعودة إلى ديارنا التي هجرنا منها عام 48"، وتابعت: "من عايش ملوح لن ينساه حيث فيه من الصفات والخصال التي مكّنته من أن يكون خالدًا في ذهن كل من عرفه".

"ليس للإرادة أو النضال من أجل الحرية تواريخ نهاية"، هذه كلمات بسيطة كتبها الرفيق ملوح في مقال له حمل عنوان "الحق بالحرية أولاً" في العام 2010، كلماتٌ بسيطة لكنها على بساطتها تحمل مضامين ثوريّة ونضاليّة عميقة، وتعبّر عن وعي الرفيق ملوح وإدراكه لجوهر القضية الفلسطينيّة، فمسيرةِ شعبنا النضاليّة ممتدة وباقية ولن تزول، فرغم رحيل ملوح وغيره الآلاف من المناضلين والمدافعين عن قضيتنا، فإنّ إرادتنا باقية ونضالنا مُستمر.

عبد الرحيم ملوح.jpg