Menu

بداية الإصلاح الديني في إنجلترا-1

عبد المجيد الشهاوي

بوابة الهدف الإخبارية

مارك كارترايت

موسوعة تاريخ العالم

توماس كرومويل يدشن الإصلاح الديني

تقلد كرومويل العديد من الألقاب والمناصب العليا ومن ضمنها دور النائب العام، أو من ينوب عن الملك فيما يتعلق بشؤون الكنيسة. وقد نال هذا المنصب في يناير 1535م حتى يتسنى له تطبيق إصلاحاته الكنسية، ثم توسع في استخدام صلاحياته لأبعد الحدود المتصورة وظل يتحين الفرص لكي يتدخل بصفة يومية في كل كبيرة وصغيرة من شؤون الكنيسة (مثل تعيين القساوسة المتطرفين وطباعة كتب العبادات المتطرفة وإنشاء شبكة من المخبرين). أصدر كرومويل كتابه المعروف باسم ’الأوامر‘ في أغسطس 1536م وهو عبارة عن مجموعة من التوصيات حول ما كان ينبغي على رجال الدين تلقينه للعامة مثل إعطاء التفسيرات اللائقة حول الوصايا العشر والخطايا السبع المميتة. ثم اكتسبت عملية الإصلاح الديني في إنجلترا زخماً قوياً فيما اشتهرت باسم ’مواد كرومويل العشرة‘ المنشورة في 1536م والمستلهمة من كتابات مارتن لوثر (1483-1546م)، التي رفضت الأسرار السبعة الكاثوليكية المقدسة ولم تبقي منها سوى على ثلاثة (المعمودية والتوبة والقربان المقدس). وأتبع ذلك ببيان للمذهب الجديد ضمنه كتاب ’الأسقف‘، المنشور في يوليو 1537م.

والآن مضى الإصلاح مسرعاً على قدم وساق مدفوعاً بمشروع سنة 1536م الذي أتم عملية إخلاء وإغلاق الأديرة الكاثوليكية، الشهير باسم ’مشروع قانون حل الأديرة‘. كان العذر الرسمي أن الأديرة لم تعد لائقة بعد لروح العصر، إذ كانت تعج بالرهبان والراهبات الفاسدين والمنحلين أخلاقياً ولم تسعى للتخفيف عن الفقراء بقدر مساعيها النهمة لكنز واحتكار الثروات. استهل كرومويل حملته بالأديرة الصغيرة وحرص على أن تسير العملية كلها بسلاسة وهدوء عن طريق إجزال الهبات والعطايا والرشاوى السخية لكبار الرهبان والمقدمين ورؤساء الأديرة. وأجريت عملية إعادة توزيع لأصول وتركات هذه الأديرة الصغيرة على أنصار التاج وهنري، فيما اعتبر بمثابة الدافع الرئيسي من وراء المشروع. وثبت أن العملية غير قابلة للتوقيف حتى رغم بعض الاحتجاجات، خاصة تمرد حج النعمة في 1536م الذي شارك فيه 40.000 منشق نجحوا في إحكام سيطرتهم على مدينة يورك، لكنهم كانوا يحتجون في الوقت نفسه اعتراضاً على قضايا عامة أخرى من بينها الحكومة والاقتصاد وليس ضد التغييرات الدينية فحسب. في النهاية تم تفريق التمرد سلمياً لكن فيما بعد طالت يد العدالة دون رحمة نحو 200 شخص من زعماء الفتنة.

بعدئذ طبع كرومويل نسخة أشد تطرفاً من كتاب ’الأوامر‘ صدرت في 1538م، أوصى فيها بإبعاد رفات القديسين من الكنائس ومنع زيارة أضرحتهم والاحتفاظ بسجلات لجميع المواليد والزيجات والوفيات في كل أبرشية، فيما ثبتت قيمته العظيمة للمؤرخين المحليين في كل العصور اللاحقة.

انقسمت أعداد غفيرة من رعية هنري بين فريقين، من جهة هؤلاء غير المكترثين بهذه التغييرات وفي المقابل هؤلاء الراغبون في إصلاح الكنيسة ومن ثم استمرار حركة الإصلاح البروتستانتي التي كانت تجتاح أوروبا حينذاك. رأى كثيرون أن الكنيسة كانت فاحشة الثراء ومليئة برجال دين يسيئون استغلال مناصبهم أبشع استغلال. في المقابل أقر آخرون ببساطة وجهات نظر رؤسائهم الاجتماعيين ولم يبالوا كثيراً بما كان يقال أو يجري فعلاً داخل الكنيسة طالما ظلت الأخيرة تقدم لهم نوعاً ما من الخدمات. وظهرت الانقسامات أيضاً حول الإصلاحات وسط الهرم الإداري الكنسي ذاته، حيث تزعم توماس كرانمر الفصيل الأكثر تطرفاً بينما سلم المحافظون الكاثوليك راية القيادة لأسقف وينشستر، ستيفن جاردينر.

ثمة تحرك آخر باتجاه الاستقلال تمثل في موافقة الملك على ترجمة الكتاب المقدس إلى الإنجليزية في 1539م. ثم أدى قانون سنة 1539م الصادر من البرلمان إلى إغلاق جميع الأديرة بصرف النظر عن أحجامها أو مداخيلها. كل من قاوم أُعدم. قاوم رؤساء أديرة غلاستونبري وكولشيستر وريدينج وووبورن وشنقوا جميعاً. كان دير والثام أبي في إسكس هو آخر دير يغلق أبوابه في مارس 1540م. وكنتيجة لحل الأديرة، ملء هنري خزائن الدولة بثروات طائلة تخطت 1.3 مليون جنيه (أكثر من 500 مليون اليوم). تلك كانت البداية الحقيقية للإصلاح الديني الإنجليزي بالنسبة للعامة، حيث كان هناك زهاء 800 دير تتدخل في صميم حياة الناس العاديين منذ قرون طويلة، تساعد الفقراء وتصرف الأدوية وتوفر فرص العمل وتقدم الإرشاد الروحي من ضمن خدمات كثيرة أخرى. مع ذلك، كان هناك المزيد من التغييرات الأشد شراسة في الانتظار.