Menu

هشام أبو هواش: ملحمة في سجل جنرالات الملح والصبر

نواف الزرو

     في محطات المسيرة الاعتقالية الأكبر في التاريخ الحديث، وفي قلب معسكرات الاعتقال الصهيونية وخلال عقود اعتقالهم في الزنازين والغرف الانفرادية، خاض الأسرى الفلسطينيون اضرابات مفتوحة عن الطعام في مواجهة مخططاتهم الرامية إلى دفنهم أحياء في غياهب الزنازين..!

فها هو المناضل البطل الأسير هشام أبو هواش، ينهي مساء الثلاثاء: 04/01/2022 إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، استمرّ 141 يومًا رفضًا لاعتقاله الإداري، وذلك بعد التوصّل إلى اتفاق يقضي بالإفراج عنه في 26 شباط/فبراير المقبل، بحسب ما أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين. وقد سطر أبو هواش ملحمة أسطورية كبيرة في سياق مسيرة جنرالات الملح والصبر في معتقلات الاحتلال.

 وقبله أعلن الأسير الفلسطيني مقداد القواسمي إنهاء إضرابه عن الطعام بعد 113 يومًا بعد التوصل إلى اتفاق للإفراج عنه مع إدارة السجون الإسرائيلية. وأفادت صحيفة "معاريف" العبرية وفق نادي الأسير الفلسطيني إنهاء القواسمي إضرابه يأتي بعد أن تقرر الإفراج عنه في فبراير المقبل- الخميس 11 نوفمبر 2021 -.

   وفي ذات الوقت واصل 6 أسرى، معركة الكرامة من خلال إضرابهم المفتوح عن الطعام في سجون الاحتلال، رفضاً لاعتقالهم الإداري، وأقدم الأسرى المضربين كايد الفسفوس منذ 124 يوماً، وإلى جانبه علاء الأعرج منذ 100 يوما، ولؤي الأشقر المضرب منذ 36 يوما، وعياد الهريمي المضرب عن الطعام منذ 49 يوما، بحسب نادي الأسير، فيما يستمر الأسير خليل أبو عرام في إضرابه الإسنادي للأسرى منذ 36 يوماً- الإثنين 15 نوفمبر 2021 -، أما المعتقل علاء الأعرج (34 عاما) من طولكرم، فقد أضرب 95 يومًا، وهو مهندس مدني، ويقبع في سجن “عيادة الرملة”، ويتم نقله إلى المستشفيات بشكل متكرر، وقد تم تحويله مؤخرًا للتحقيق رغم صعوبة وضعه الصحي.

وتعرض الأعرج للاعتقال عدة مرات منذ العام 2007، من بينها اعتقالات إدارية، ووصل مجموع سنوات اعتقاله إلى أكثر من خمس سنوات بشكل متفرق.

  وقبل كل هؤلاء الابطال وفي هذا السياق النضال، أكد مركز أسرى فلسطين للدراسات في تقرير له بأن ستة أسرى فلسطينيين واصلوا معركة الأمعاء الخاوية احتجاجاً على استمرار اعتقالهم الإداري، في ظروف أقل ما يقال عنها أنها قاسية وخطيرة، وأوضح الباحث رياض الأشقر الناطق الإعلامي للمركز "أن أقدم الأسرى المضربين الأسير المريض أحمد عبد الكريم غنام (42 عامًا) من الخليل، وهو يخوض الإضراب منذ 97 يوماً متواصلة-هذا الرقم حتى يوم الجمعة 2019-10-18". بينما واصل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الأسير طارق حسين قعدان (46عامًا) من مدينة جنين إضرابه المفتوح لليوم الـ 80 على التوالي". وبين الأشقر بأن الأسير إسماعيل أحمد علي (30 عاماً) من بلدة أبو ديس ب القدس خاض إضرابًا عن الطعام استمر 87 يوماً متتالية احتجاجاً على اعتقاله الإداري، وهو أسير سابق أمضى 7 سنوات في سجون الاحتلال، بينما تأتي المعتقلة الأسيرة الأردنية هبة اللبدى (24 عاماً) لتخوض أيضاً إضرابا عن الطعام استمر40 يوماً بعد اصدار أمر اعتقال إدارى بحقها، وقد اعتقلت منذ 20/8/2019 خلال وصولها برفقه والدتها لمعبر الكرامة، ورفضت مخابرات الاحتلال إطلاق سراحها وتم تثبيت الإداري بحقها لمدة 5 شهور.

كان بلال كايد واصل مسيرة الأبطال في معتقلات الاحتلال في اضراباتهم المفتوحة عن الطعام، وسجل –حتى اليوم- واحد وسبعين يومًا من الإضراب المفتوح عن الطعام، وسطر ملحمة جديدة في مسيرة جنرالات  الملح والصبر في معتقلات الاحتلال الصهيوني، توجت بانتصاره على الاحتلال. ومعه وإلى جانبه محمد وأحمد البلبول اللذين يسجلان إضرابًا مفتوحا عن الطعام وصل حتى اللحظة الى (2016-8-25) إلى ثلاثة وخمسين يوما.

وكان الأسير الفلسطيني الصحفي محمد القيق، قد خاض أيضًا إضرابًا عن الطعام استمر لمدة 93 يومًا، إلى أن تم الاتفاق على الإفراج عنه يوم 21 مايو/ أيار /2016. وكذلك الأسير محمد علان الذي سجل إضرابًا عن الطعام استمر 65 يومًا إلى أن أقر قضاة المحكمة العليا بوقف الاعتقال الإداري بحقه. وفي تموز /2015 أنهى الشيخ المناضل الاسير خضر عدنان إضرابه المفتوح عن الطعام الذي استمر ستة وستين يومًا، سجل فيه ملحمة نضالية فريدة في تاريخ نضالات الحركة الاسيرة الفلسطينية.

   وفي - 24/12/2013 - أفرجت السلطات الإسرائيلية عن الفلسطيني سامر العيساوي بعد تسعة أشهر من إضرابه عن الطعام، وهو بذلك يكون صاحب أطول إضراب عن الطعام. وكان العيساوي قد اعتقل عام 2003 وحكم عليه بالسجن لمدة 30 عامًا، قبل أن يفرج عنه عام 2011 في إطار صفقة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مع حركة حماس . إلا أنه أعيد اعتقاله بعد أشهر قليلة من ذلك.

وكذلك الأسيرة المحررة هناء الشلبي التي اعتقلتها قوات الاحتلال، أعلنت بدورها إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على اعتقالها دون سبب، وتحويلها إلى الاعتقال الإداري لمدة 6 شهور. وقبلها، وعلى مدى أكثر من أربعة أسابيع كاملة على التوالي واصلت الأسيرة الفلسطينية نورا محمد شكري جابر إضرابها المفتوح عن الطعام والذي خاضته احتجاجًا على التمديد السابع لاعتقالها الإداري- 2008-01-12، وقد اعتقلت نورا البالغة من العمر 37 عامًا من عقبة تفوح في مدينة الخليل من بيتها منذ 15 شهرًا واحتجزت في ظروف اعتقالية قاسية عدة أسابيع قبل أن تحوّل إلى الاعتقال الإداري دون أن تتضح ذرائع اعتقالها، فلم توجه لها أي تهمة حتى الآن، ونورا أم لستة أطفال وزوجة الأسير محمد سامي الهشلمون المعتقل في سجن النقب الصحراوي منذ أيلول 2006 الذي يغوص أيضًا في دوامة الاعتقال الإداري.

     وقبل ذلك، وباعلانهم إلاضراب المفتوح عن الطعام -الأربعاء– 4/7/2010 - خاض الأسرى الفلسطينيون وفق الاحصاءات الفلسطينية نحو اثنين وعشرين إضرابًا رئيسيًا عن الطعام في مواجهة اجراءات القمع والتنكيل والإلغاء التي تمارسها ضدهم مصلحة السجون الاحتلالية. وجاء هذا الإضراب الكبير في عشرة معتقلات احتلالية ضمن المشروع النضالي الذي يخوضه الأسرى في معسكرات الاعتقال الجماعية.

وبعد ذلك، وفي الربع الأخير من أيلول/2011، أعلن نحو 6000 أسير عشية الذكرى الحادية عشرة للانتفاضة الثانية، إضرابًا مطلبيًا متدرجًا عن الطعام منضمين بذلك إلى 200 من أسرى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدؤوا قبلهم بيومين إضرابًا مفتوحًا مماثلًا، ضمن معركة عنوانها إنهاء سياسة العزل الإنفرادي واحتجاجًا على الإجراءات العقابية التي تفرضها إدارات السجون الإسرائيلية، وعم الإضراب بشقيه التحذيري المتدرج والمفتوح، 22 سجنًا ومعسكر اعتقال ومركز توقيف احتلاليا.

ومع هذا الإضراب المفتوح عن الطعام الذي أعلنوه في السابع والعشرين من أيلول-سبتمبر الماضي/2011، والذي علق يوم الاثنين/2011-10-17 بعد ثلاثة أسابيع كاملة، وفق ما أعلن وزير شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع 17/10/2011"، يصل عدد إضراباتهم التاريخية إلى ثلاثة وعشرين إضرابًا.

ثلاثة وعشرون إضراباً مفتوحاً عن الطعام حتى الموت خاضها آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الاحتلال، منذ أن وقعت الضفة الغربية وقطاع غزة في أسر الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، يضاف إليها مئات الإضرابات الامتناعية والعصيانية وأشكال الاحتجاجات الإنسانية المختلفة الأخرى..

يطلقون على الإضرابات هناك في فلسطين تارة "رحلة الموت والجوع"، ويطلقون عليها طوراً "رحلة الملح والجوع"، بينما يطلقون عليها تارة ثالثة "معارك الأمعاء الخاوية"، ويطلقون عليها أحياناً "انتفاضات الحركة الأسيرة الفلسطينية".

 وهم، يجمعون كلهم على امتداد سجون ومعسكرات الاعتقال الاحتلالية على:

    "نعم للجوع ... ولا .. ألف لا للركوع"

 وكأن لسان حالهم يقول دائماً:

   "سنصبر حتى يعجز كل الصبر عن صبرنا"..

وينشدون كلهم أيضًا مع معين بسيسو:

"نعم لن نموت، نعم سوف نحيا

 ولو أكل القيد من عظمنا

 ولو مزَّقتنا سياط الطغاة

 ولو أشعلوا النار في جسمنا

 نعم لن نموت، ولكننا

 سنقتلع الموت من أرضنا"

 وكانوا يحضرون دائماً الجسد والروح لخوض رحلة الجوع الطويلة.. فتحولوا إلى "رجال ملح وصبر خجلت الأسطورة من صمودهم التاريخي" كما وثق عيسى قراقع رئيس نادي الأسير في خلاصة قراءته لكم هائل من التقارير والنشرات والدوريات التي تتحدث عن معاناة الحركة الأسيرة الفلسطينية، ويقول قراقع:" لقد أدرك قادة إسرائيل الإنجازات التي حققها الأسرى الفلسطينيون بتضحياتهم ومعاناتهم خلال سنوات طويلة، ولذلك فالحرب من وجهة نظرهم هي حرب على الوطنية الفلسطينية، وعلى الوعي الوطني الفلسطيني".

وللأسرى الفلسطينيين القدامى "قصص وحكايات طويلة، وإن خُطت على ورق ستملأ عشرات المجلدات، فلكل أسير منهم أم لها دموع ذُرفت لتكتب بها عشرات القصص، وأشقاء فرقتهم الأسلاك الشائكة ومزقت أوصالهم جدران السجون، وللأسرى أصدقاء وجيران اشتاقوا لرؤيتهم وعانوا من فراقهم، وللأسرى أطفالاً تُركوا دون أن يستمتعوا بحنان آبائهم ودفء أحضانهم، وكبروا واعتقلوا ليلتقي الآباء الأسرى بأبنائهم خلف القضبان، كما هي حالة الأسير أحمد أبو السعود الذي ترك ابنه طفلاً ليلتقيه بعد عشرين عاماً في الأسر. كما يوثق عبد الناصر فروانه الباحث في شؤون الأسرى".

يجمع الفلسطينيون هناك على "إن سنوات الأسر الطويلة لم ولن تكسر إرادة الأسرى ولن تفت من عزائمهم، فبعد كل هذه السنوات الطوال يظل الأسرى عنوانا للصمود والتحدي وتنتصر إرادتهم على سجانيهم".

ولا يسعنا نحن في الخارج الفلسطيني إلا أن ننحني تقديرًا وإجلالًا، وربما خجلًا أيضًا أمام هذه القامات النضالية الأسطورية من بلال الكايد مرورًا بعدد كبير من الأسرى الأبطال وليس انتهاء عنده... إنه أيضًا صراع وجود وكيان في معتقلات الاحتلال الصهيوني.