Menu

لمواجهة المشروعِ الإمبريالي الصهيوني

د.ماهر الطاهر للهدف: نحن بحاجة ماسّة إلى خلقِ وبلورةِ جبهة مقاومة عربيّة شاملة

د.ماهر الطاهر

نُشر هذا الحوار في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

قبلَ البَدْءِ في الإجابةِ على الأسئلة؛ أودُّ أن أنقلَ أعمقَ التحيّاتِ للرفاق الأعزاء في قطاع غزة الباسل العاملين في مجلّة الهدف، وبوابة الهدف، وأن أتقدّمَ بعميقِ التهنئة بمناسبةِ الذكرى الرابعة والخمسين للانطلاقة المظفّرة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، انطلاقةِ اليسار الفلسطينيّ المقاتل.

نتذكّر اليومَ حرّاسَ الحقِّ الفلسطينيّ التاريخيّ على كاملِ أرضِ فلسطين، الرموز الشامخة، والقادة الكبار جورج حبش ، وديع حداد، أبو علي مصطفى، أبو ماهر اليماني، جيفارا غزة وربحي حداد، وكلّ الرموزِ المؤسّسة دون استثناء. كما أتقدّمُ بالتهنئة لكلّ الأسرى الصامدين الأبطال في سجون الاحتلال الصهيونيّ، وعلى رأسهم قائد حزبنا الرمز الكبير أحمد سعدات - الأمين العام للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

* في الوقتِ الذي يتصاعدُ فيه الكفاحُ الفلسطينيّ، كما ظهر في معركة سيف القدس ومحطّات أخرى؛ تتصاعدُ أيضًا خططُ الضمّ الاحتلاليّة، وكذلك مسار التطبيع مع النظم العربيّة، هذا التعقيد كيف ترونه؟ وما قراءتكم للصراع في هذه المرحلة؟

** لا شكَّ أنّنا أمامَ صراعٍ واشتباكٍ تاريخيٍّ متواصلٍ ومفتوحٍ مع الكيانِ الإسرائيليّ، وهذا الاشتباكُ يتصاعدُ على مدى أكثرَ من سبعين عامًا مضت على احتلال فلسطين، وفعلًا كما ظهر في معركة سيف القدس عندما تمكّن شعبُنا من توجيه ضرباتٍ حقيقيّةٍ لكيان العدوّ من خلال صواريخ انهمرت على هذا الكيان.

 هذه المعركةُ كان لها معاني كبيرةٌ واستراتيجيّةٌ؛ إذ أكّدت وحدةَ الأرضِ ووحدةَ الشعبِ ووحدةَ الهُويّة والمصير، ووجّهت ضربةً كبيرةً لكلّ محاولاتِ تقسيمِ الشعب الفلسطيني وتجزئته وتفتيته، خاصةً بعد توقيع اتّفاقات أوسلو التي جزأت القضيّة، وأدّت إلى انقسامٍ عميقٍ بصفوف الشعب الفلسطيني؛ لأنّها وجّهت ضربةً كبيرةً لقضيّة اللاجئين الفلسطينيّين في الشتات، ووجّهت ضربةً كبيرةً أيضًا لأهلنا في الاراضي المحتلّة عامَ 1948، ومن ثَمَّ جاءت معركةُ سيف القدس والمعارك التي سبقتها، التي ستتلوها لتؤكدَ وحدةَ الأرض ووحدةَ الشعب ووحدةَ الهُويّة والمصير، وفي الوقت الذي تصاعد ويتصاعد فيه الكفاحُ الفلسطينيّ تتصاعدُ المخطّطاتُ العدوانيّةُ الصهيونيّةُ التي تستهدفُ الضمَّ والاحتلال والسيطرة على الأرض والاستيطان، ومن ثَمَّ نحن نعيشُ في ذروة هذا الصراع التاريخيّ المفتوح مع المشروع الصهيوني.

إنّ الكيانَ الإسرائيليَّ يواجهُ أزماتٍ حقيقيّةٍ نتيجةَ صمودِ الشعب الفلسطينيّ على أرضِهِ ونتيجةَ تضحياتِهِ وتمسّكه بأرضِهِ وحقوقِه، ولذلك، وبسبب هذا المأزق الذي يعيشه الكيانُ بدأنا نلمسُ مسارًا للتطبيع مع بعض النظم العربيّة، وانتقال هذا التطبيع من مرحلة العلاقات السريّة التي كانت تجري تحت الطاولة، لننتقل إلى مرحلةٍ جديدةٍ ولعلاقاتٍ علنيّةٍ بين أنظمةٍ عربيّةٍ خانعةٍ وتابعةٍ تُنَفّذُ الأوامرَ الأمريكيّة بإقامة علاقاتٍ مع الكيان الإسرائيليّ، ووصلت هذه العلاقات إلى درجة التنسيق الأمنيّ والعسكريّ، ومن ثمَّ نحن أمام تطوّراتٍ خطيرةٍ في الواقع العربيّ، وانهيار ما يسمّى بالنظام الرسميّ العربيّ التي بدأت بعضُ أنظمتِهِ – ليس تطبيعًا فقط – تتحالفُ مع هذا الكيان موجّهةً ضربةً كبيرةً لشعوبها أوّلًا، وللقضيّة الفلسطينيّة ثانيًا، ومهددةً الأمنَ القوميّ العربيّ برمّته؛ لأنّ مطامعَ المشروع الصهيونيّ وأهدافه لا تطال فلسطين فحسب، بل تطال الأمّة العربيّة بأسرها، لذلك نحن فعلًا أمامَ حالةٍ من المواجهةِ المتواصلة بين مشروعِ التحرّر الفلسطينيّ ومشروع التحرّر العربيّ ومشروع الهيمنة الإمبرياليّة والصهيونيّة، لذلك نحن نقرأُ هذا الصراع بأنّه صراعٌ متواصل، صراعٌ يتعمّق يومًا بعد يومٍ، ولا مجال لأيّ حلولٍ سياسيّةٍ مع هذا المشروع بعد أن اتّضح تمامًا أنّنا أمامَ كيانٍ عنصريٍّ يريدُ السيطرةَ على كامل الأراضي الفلسطينيّة، ويريدُ الهيمنةَ العسكريّةَ والأمنيّةَ والاقتصاديّةَ على الأمّة العربيّة بأسرها، لذلك نحن نقولُ أن هذا المأزق الذي يعيشه الكيانُ الصهيوني نتيجةَ تصاعد كفاح الشعب الفلسطيني ومحور المقاومة الذي تمكّن من تحقيق الكثير من الإنجازاتِ خلالَ العقدين الماضيين دفع الإدارة الأمريكيّة للطلب من بعض الأنظمة العربيّة التابعة  أن تنتقل إلى مرحلة التطبيع العلني، والتحالف مع هذا الكيان؛ لكي يعطوا تطميناتٍ للإسرائيليين بأنكم صحيح تواجهون الشعب الفلسطيني وتواجهون محور المقاومة وتواجهون مخاطرَ وجوديّةً، لكنكم ستكونون محميين أيضًا، ليس فقط من الولايات المتّحدة الأميركيّة وحلفائها في الغرب، بل أيضًا من أنظمةٍ عربيّةٍ خانعةٍ وتابعة.

* ما زالَ المشهدُ السياسيّ الفلسطينيّ بمعناه الداخليّ مأزومًا، فلم تنجح مختلف الطروحات بشأن المصالحة أو الانتخابات في تغيير الواقع القائم، سلطتين، عدم وجود بِنيةٍ قياديّةٍ موحّدةٍ تمثيليّةٍ أو نضاليّة.. فكل هذا ألا يدعو لطرحٍ مختلف؟ ما بديلُ الفلسطينيّين في ظلّ هذا الانسداد؟ ألا يشكّلُ ما حدث في هبة أيار/سيف القدس فرصةً لطرحٍ نضاليٍّ فلسطينيٍّ وبرنامجٍ سياسيٍّ بديل يشمل الـ 48 والشتات الفلسطينيّ؟

** هذا السؤالُ مهمٌّ جدًّا ونقول بوضوحٍ إنّ المشهد السياسيّ بمعناه الداخلي مأزومٌ، وتعيش الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة أزمةً عميقةً وشاملةً، ولم تنجح الجهودُ كافةً خلالَ أكثر من 15 عامًا من إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة. ما السببُ الأساسي لهذا؟ رغم أن عشرات الاتفاقيّات في القاهرة وفي مكة وفي قطر قد تم توقعيها وعُقِدت عشرات الاجتماعات ووقعنا الكثير من الاتفاقيات، لكنها جميعًا لم ترَ النور، ولم تتجسّد، ولم تترجم على أرض الواقع، السؤال الأساسيّ والجوهريّ لماذا لم تنجح كلّ هذه الجهود؟ باعتقادي السبب الرئيسي هو وجودُ نهجين سياسيين في الساحة الفلسطينية؛ نهج راهن على تسويةٍ سياسيّةٍ وحلولٍ سياسيّةٍ ومفاوضاتٍ مع الكيان الإسرائيلي متوهّمًا أنه يمكن أن يتوصّل لنتائجَ وحلٍّ سياسيٍّ، ونهجٌ سياسيٌّ نقيضٌ كان يرى - وما زال - أنّنا أمامَ صراعٍ تاريخيّ وأمامَ معركةِ وجودٍ مع هذا الكيان الإسرائيليّ، الذي لا يقرّ بأيّ حقوقٍ وطنيّةٍ للشعب الفلسطينيّ، وأنّنا في مواجهةِ مشروعٍ صهيونيٍّ استعماريّ، له وظائفُ في المنطقة لا يمكن التعايشُ معه ومع وظائفِهِ الاستعماريّة، ومن ثَمَّ هذا الواقع الفلسطينيّ المأزوم ترتّب عليه سلطتان؛ سلطة في قطاع غزة، وسلطة في رام الله، ولذلك نقول: إنّنا فعلًا بحاجةٍ إلى رؤيةٍ جديدة، وإلى اختراقٍ حقيقيٍّ، وإلى بديلٍ حقيقيٍّ حتّى نتمكّن من معالجة هذا الواقع المأزوم.

الطرفُ الفلسطينيّ الرسميّ المهيمن على منظمة التحرير الفلسطينيّة، وسلطة أوسلو لا يرغب في أيّ مشاركةٍ حقيقيّةٍ للقوى والفصائل في القرار الفلسطيني، ومن ثَمَّ نواجه عمليّةَ استفرادٍ وهيمنةٍ وسيطرةٍ وفرديّةٍ على المؤسّسات الفلسطينيّة كافة، ومن ثَمَّ تمّ إضعاف منظّمة التحرير الفلسطينية وتهميشها لصالح سلطةٍ عاجزةٍ ومأزومةٍ خاضعةٍ لسيطرة الاحتلال وتنسّق أمنيًّا معه.

 اليوم يجب أن نستخلص دروسًا مما أفرزته التَّجرِبةُ السابقة، يجب أن ننطلقَ من الدروس والاستخلاصات العلميّة الأساسيّة الكبرى، التي أفرزتها تَجرِبةُ العقود الماضية منذ طرحِ فكرةِ التسوية السياسيّة ونهجها، ما بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، وحرب أكتوبر عام 1973، وانتقال هذا النهج إلى الساحة الفلسطينيّة، التي شهدت وعاشت صراعًا سياسيًّا حادًّا وسجالاتٍ استمرّت لسنواتٍ طويلةٍ ترتّب عليها تغلغلُ عقليّة التسوية السياسيّة والمساومة لدى العديد من القيادات دون أن يجرى هذا السجال لدى العدو الصهيونيّ، الذي يحتلُّ الأرضَ، وبقي متمسّكًا بمشروعِهِ الاستراتيجيّ في السيطرة على أرض فلسطين، أي جرت السجالات والصراعات الداخليّة فلسطينيًّا دون أن يقدّم المحتلُّ الإسرائيليّ أيَّ مقابلٍ، وفي الحصيلة، تمَّ إقرارُ ما سمي بالبرنامج المرحليّ في منظّمة التحرير الفلسطينيّة وجوهره القَبول بدولةٍ فلسطينيّةٍ على حدود الأراضي المحتلّة عامَ 1967، حيث تمَّ الاتّكاءُ على هذا البرنامج للقَبول بعد ذلك بقرار 242، وتقديم تنازلاتٍ تدريجيّةٍ والانتقال إلى برنامجٍ خطيرٍ جدًّا تجسّد في اتّفاقات أوسلو عامَ 1993، التي ترتب عليها الاعترافُ بحقِّ إسرائيلَ في الوجود، وإلغاء ميثاق منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ونبذ ما سمّي بالعنف والإرهاب دون أن يعترف الجانبُ الإسرائيليُّ بأيةِ حقوقٍ للشعب الفلسطينيّ.

 لقد أفرزت مسيرةُ الأحداث والخبرة التاريخيّة والتجرِبة المريرة التي واجهها الكفاحُ الوطنيُّ للشعب الفلسطينيّ خلال العقود الماضية؛ أسئلةً تاريخيّةً تستحقُّ التأمّل والتفكير والمراجعة، يأتي في مقدّمتها السؤالُ الجوهريّ الكبير: هل هناك إمكانيّةٌ لحلولٍ سياسيّةٍ مع المشروع الصهيونيّ وكيانه الماديّ المتجسّد في "إسرائيل" الذي يعلن ويمارس دون أية مواربةٍ برنامجَهُ في دولةٍ صهيونيّةٍ على كاملِ الأرضِ الفلسطينيةِ باستثناءِ ربّما قطاع غزة؟

الجوابُ واضحٌ كلَّ الوضوحِ حيث تمّ من خلال الوقائع والحقائق، التي فُرضت على الأرض وسياسة الاستيطان وتهويد الأرض، إنّنا أمامَ مشروعٍ صهيونيٍّ أمريكيّ يستهدف التصفية الشاملة للقضيّة الفلسطينيّة بجميع أبعادها، سواءً بالنسبة للأراضي المحتلّة عامَ 48، من خلال إقرار قانون القوميّة العنصريّ، الذي يؤكّد على الطابع اليهوديّ للدولة الصهيونيّة ويستهدف وجود شعبنا ومستقبله هناك، أو من خلال مخطّط تصفية حقّ العودة للاجئين الفلسطينيّين في بلدان اللجوء، الذي باتت ملامحه ملموسةً للعيان من خلال سياسية التهجير للمنافي البعيدة، وضرب وكالة غوث اللاجئين أو بالنسبة للأراضي المحتلّة في الضفّة والقطاع والقدس، ونسف أيّة مقوّماتٍ لبناء دولةٍ فلسطينيّةٍ مستقلّة. إذنْ؛ فإنّ مخطّط التصفية الشامل يؤكّد أنّ الأزمةَ التي وصلت إليها القضيّةُ الفلسطينيّةُ والخيار السياسيّ، الذي قام على برنامج التسوية وتداعياته ونتائجه السياسيّة المدمّرة، التي جزّأت الشعب وقضيته، كلّ ذلك بات يتطلّب إعادة الاعتبار لمفاهيم وجذور الصراع مع الكيان الصهيونيّ كصراعٍ تناحريٍّ تاريخيٍّ لا يمكنُ حلُّهُ عبرَ خياراتٍ سياسيّةٍ فاشلةٍ وقاصرةٍ عن رؤية حقيقة المشروع الصهيونيّ وجوهره القائم على نفي الآخر واقتلاعه من جذوره، لذلك، فإنّ البديلَ الذي يجب أن نقدّمه لما هو مطروحٌ هو برنامجٌ سياسيٌّ جديدٌ يقوم على قاعدة وحدة الهُويّة الفلسطينيّة لـ 14 مليون فلسطينيّ، سواءً في الأراضي المحتلّة عام 48 أو في مناطق اللجوء والشتات أو الضفّة الفلسطينيّة والقدس وقطاع غزة، برنامج يحدّد الهدف المركزيّ الجامع الذي يلتفّ حوله كلّ الشعب، وهو برنامجُ المقاومة والتحرير، ومن ثَمَّ نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى رؤيةٍ وبرنامجٍ جديدٍ وإجراءِ عمليّةِ تقييمٍ شاملةٍ في الساحة الفلسطينيّة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينيّة المعاصرة لاستخلاص دورس المرحلة الماضية، وما أفرزته من نتائجَ واستخلاصات.

* في الحيّز العربيّ والإقليميّ كما الفلسطينيّ تسجّل حركات المقاومة صعودًا في قدراتها على الاشتباك لكن الدور الجماهيريّ يبدو في حال انحسارٍ قياسًا بأيّ وقتٍ مضى؛ ما الأدواتُ الممكنةُ للتعامل مع هذا الوضع؟ ألسنا أمام مقاومةٍ صلبةٍ ونشطةٍ لكنها أيضًا منحصرةٌ نسبيًّا؟

** هذا صحيح، ففي الحيح، فالومة صلبة ونشطة لكننلمعاصرةيلتف حوله كل الشعب وهو برنامج المقاومة والتحرير الكاملستعمارية  مواجهة المرحلة القادمة بكحيّز العربيّ والإقليميّ - كما الفلسطيني - تسجّلُ حركاتُ المقاومة صعودًا في قدراتها على الاشتباك، فمحورُ المقاومة بجميع أطرافه سجّل إنجازاتٍ كبيرةً خلال المرحلة الماضيّة، صمود الشعب الفلسطينيّ على أرضه، ومقاومته اليوميّة الباسلة ضدّ الاحتلال ورفض الاستسلام ورفض الخضوع، كذلك صمود المقاومة اللبنانيّة بقيادة حزب الله وقدرتها على تحرير جنوب لبنان وتصدّيها لعدوان عام 2006، وقدرتها على الصمود الكبير في مواجهة هذا العدوان وإحباط نتائجه، وكذلك صمود سوريا، التي واجهت مؤامرةً كبرى استهدفت هذا البلد العربيّ واستهدفت تفتيته وضرب إمكانياته وقدراته، لكن سوريا تمكّنت من الصمود والمواجهة، كذلك صمود الشعب اليمنيّ، صمود المقاومة في العراق، صمود الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة في وجه الحصار، وقدرتها على التصدّي للمؤامرات التي أحاطت بها منذ انتصارها، لذلك نحن نقول إنّ هناك صعودًا في قدرات الاشتباك والمواجهة في الحيّز العربيّ والإقليميّ.

أمّا على صعيد الحركة الشعبيّة فلا شكّ أنّ هناك تحرّكاتٍ شعبيّةً جادّةً وحقيقيّةً ضدّ ما سمّي بسياسة التطبيع والتحالف مع الكيان الصهيونيّ، فقد حصلت تحرّكاتٌ جديّةٌ في المغرب، تحرّكاتٌ في البحرين، تحرّكاتٌ في تونس، تحرّكاتٌ في الجزائر، تحرّكاتٌ في لبنان، تحرّكاتٌ في اليمن وغيرها، حصلت تحرّكاتٌ على امتداد الساحة العربيّة ضدّ خضوع بعض الأنظمة العربيّة، لكن نقول إنّ حركة الشارع العربيّ بحاجةٍ إلى تصعيدٍ أكبرَ وتأطيرٍ أعمق، ولذلك نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى خلق وبلورة جبهةٍ مقاومةٍ عربيّةٍ شاملةٍ على امتداد الساحة العربيّة لمواجهة المشروع الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ.

لدينا الآن صيغٌ في الساحة العربيّة فهناك صيغةُ المؤتمر القوميّ العربيّ، هناك صيغةُ المؤتمر القوميّ الإسلاميّ، هناك صيغةُ مؤتمر الأحزاب العربيّة، هذه الصيغ بحاجةٍ إلى أن نرتقي بها وتطوير عملها وبرامجها لتشكيل وبلورة جبهةٍ مقاوِمةٍ عربيّةٍ واسعةٍ لمواجهة التطبيع وسياسة التطبيع أوّلًاً، ولإسناد كفاح الشعب الفلسطينيّ ودعمه في قضيّته العادلة التي تتعرّض لمؤامرةِ تصفيةٍ حقيقيّةٍ من المعسكر المعادي. لذلك هناك حاجةٌ ماسّةٌ فعلًا لوقفة أمام الحالة الشعبيّة العربيّة، وإجراء التفاعلات واللقاءات مع الأحزاب والقوى والحركات كافةً على امتداد الساحة العربيّة من أجل بلورة جبهةٍ مقاوِمةٍ متماسكة، خاصّةً وأنّ صمود الشعب الفلسطينيّ وصمود محور المقاومة يشكّل الأرضيّة الصلبة والمناسبة لتشكيل مثل هذه الجبهة العربيّة الشاملة.

* من موقعك د. ماهر هل يمكنُ أن تحدّثنا عن أبرز ما يميّز هذه المرحلة؟

أبرزُ ما يميّز هذه المرحلة أنّنا نعيشُ أوضاعًا صعبةً ومعقدّةً للغاية بسبب الانقسام الفلسطينيّ - الفلسطينيّ، وفشل كلّ محاولات إنهاء الانقسام حتّى هذه اللحظة، وبسبب استمرار المراهنات البائسة للقيادة الرسميّة الفلسطينيّة التي وقّعت اتّفاقات أوسلو المذلّة، التي ترتّب عليها نشوءُ مصالحَ اجتماعيّةٍ اقتصاديّةٍ للسلطة الفلسطينيّة، التي تستمرّ في سياستها الفاشلة.

إنّ الرهان على المفاوضات واللجنة الرباعيّة والحلول السياسيّة، التي وصلت إلى طريقٍ مسدودٍ بات يتطلّب إنهاء هذه السياسات والمراهنات العقيمة والبائسة. وكذلك فإنّ ما يميّز هذه المرحلة أنّ أطرافًا رجعيّةً عربيّةً كشّرت عن أنيابها ودخلت في تحالفٍ مع الكيان الصهيونيّ ضاربةً عرضَ الحائط مصالحَ شعوبها ومصالحَ الشعب الفلسطينيّ وقضيّته العادلة.

ولكن في الوقت ذاته، ورغمَ كلّ الظروف الصعبة والتحدّيات الخطيرة، فإنّ شعبنا يواصل المقاومة والصمود بكلّ بسالةٍ ويقدّم التضحيات الكبيرة، وخير مثالٍ على ذلك صمود جبهتنا المظفّرة، التي تتعرّض لأقسى حملات الاعتقال والملاحقة التي تواجهها الجبهة بكلّ صلابةٍ وعنفوانٍ مؤكّدةً استمرارها على التمسّك في المبادئ قابضةً على هذه المبادئ كالقابض على الجمر، لم تساوم ولم تهادن وقدّمت آلاف الشهداء.

هذه المرحلةُ تتميّز باشتداد حدّة المواجهة بين شعبنا الصامد من جهةٍ ومواجهة الاحتلال من جهةٍ أخرى، وكذلك اشتداد حدّة المواجهة بين محور المقاومة، والمحور الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ.

وبالنسبة لنا كجبهة، فإنّ هذه المرحلة تفرضُ علينا تحدّياتٍ ومهامًا وأعباء كبرى، خاصّةً ونحن على أبواب انعقاد المؤتمر العام الثامن لحزبنا، الذي نطمحُ ونعملُ بأن يشكّل محطةً نوعيّةً على طريق الارتقاء وتطوير أوضاعنا على جميع الأصعدة والمستويات.

مهمّتنا الأولى في هذهِ المرحلةِ هي تصليبُ عمليّةِ البناءِ الذاتيّ في كلّ المواقعِ سواءً في الأراضي المحتلّة عامَ 1948، أو الضفّة والقطاع والقدس وكلّ مواقعِ اللجوء والشتات والمنافي البعيدة، أن ننفضَ الغبارَ عن أنفسنا وأن نقومَ بكلّ ما نستطيعُ من جهدٍ من أجل تصليب بنيتنا التنظيميّة والكفاحيّة حتى نستطيعَ مواجهة المرحلة القادمة بكلّ استحقاقاتها الخطيرة، ونحن على ثقةٍ بأنّ حزبنا وكوادرنا وقواعدنا وقيادتنا سوف تكون على مستوى التحدّي.

أمّا مهمّتنا الثانية فهي مواصلةُ كلّ الجهود لإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة على أسسٍ سياسيّةٍ وتنظيميّةٍ واضحةٍ وراسخةٍ وعلى أساسِ برنامجٍ سياسيٍّ مقاومٍ وعلى أساس الشراكة في القرار، وعقد مجلسٍ وطنيٍّ شاملٍ لبلورةِ برنامجٍ كفاحيّ نتمكّن من خلاله من تصعيد المقاومة بجميع أشكالها، وأن ننخرط أكثرَ وأعمقَ بأوساطِ جماهيرِ شعبِنا في كلِّ مكان.

* في ضوءِ واقعِ اليسار القائم والمشخّص بأزمتهٍ متعدّدةِ الأبعاد، فأين موقعُ الجبهة على هذا الصعيد؟ وهل وحدةُ قوى اليسار من أولويّاتها؟

أعتقدُ أنّ أزمةَ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة هي أزمةٌ شاملةٌ لا تطالُ واقعَ السلطة والقيادة الرسميّة الفلسطينيّة فقط، بل تطالُ مختلف القوى في الساحة الفلسطينيّة، أي أنّ هناك أزمةَ سلطة، وهناك أزمةَ معارضة أيضًا، بطبيعة الحال واقع الأزمة ومضمونها مختلف بالنسبة للسلطة والقيادة الرسميّة عنه بالنسبة لقوى المعارضة، لكن علينا الاعتراف بأنّ أزمة الحركة الوطنيّة أزمة شاملة ، وأنا أعتقد أنّ وحدة قوى اليسار مسألة مهمّة وضمن إطار اهتماماتنا الأساسيّة في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ولكن علينا أن نقرّ ونعترف بأنّ هناك خلافاتٍ حقيقيّةً بالمعنى السياسي بين قوى اليسار الفلسطينيّ حول التسوية السياسيّة، حول الرؤية للصراع الاستراتيجيّ مع الكيان الصهيونيّ، حول موضوع الدولتين لشعبين، هناك تبايناتٌ وخلافاتٌ سياسيّةٌ حقيقيّةٌ بين فصائل قوى اليسار، أي أنّني أريدُ القول هناك قضايا اتّفاق كبيرة بين فصائل قوى اليسار، ولكن في الوقت ذاته هناك قضايا خلافٍ عديدةٍ وجدّية. موقعنا كجبهةٍ أنّنا قوّةٌ يساريّة، تقدّميّة نسعى تجاهَ وحدةِ فصائل اليسار، ونسعى تجاه الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة الشاملة، ووحدة اليسار بالنسبة لنا من القضايا الأساسيّة والمهمّة، لكنّنا بحاجّةٍ ماسّةٍ كما أعتقد لعمليّة تقييمٍ ومراجعة، وتقييمٍ لمسار الثورة الفلسطينيّة المعاصرة، وبحث القضايا الخلافيّة، هل هناك أفقٌ – مثلًا - لما سمّي بحلّ الدولتين؟ هل هذا الأمر ما زال قائمًا؟ هل هناك إمكانيّة لتسويةٍ سياسيّةٍ مع الكيان الصهيوني ومع المشروع الصهيونيّ؟ أم أنّ هناك استحالةً للوصول إلى تسويةٍ سياسيّةٍ مع كيانٍ عدوانيٍّ عنصريٍّ إجلائيٍّ استيطانيٍّ يريد السيطرة على كلّ شيء؟ هل ما زال هناك أفقٌ لحلٍّ مرحليّ، بمعنى التسوية السياسيّة وانتزاع حقوقنا في دولةٍ فلسطينيّةٍ مستقلّةٍ ذات سيادةٍ من خلال المفاوضات؟ أم أنّ هذهِ مهمّةً كفاحيّةً لا يمكنُ انتزاعها إلا عبرَ خيار المقاومة، وتعديل موازين القوى مع العدوّ؟

لذلك هناك قضايا كثيرةٌ بحاجةٍ لعمليّةِ نقاشٍ جديٍّ ومعمّقٍ بين قوى اليسار؛ لأنّ هذه القضايا الخلافيّة تشكّلُ عائقًا أمامَ وحدةِ القوى اليساريّة، ومن ثَمَّ نحن في مرحلةِ تحرّرٍ وطنيٍّ مهمّتنا الأساسيّة هي تحريرُ الأرض، تحرير فلسطين، وليس القيام بعمليّة تسويةٍ ومفاوضاتٍ مع هذا الكيان، ونحن نرفضُ الاعترافَ بكيانِ العدوّ، ولكن بكلّ الأحوال أودّ التأكيد أنّنا بحاجةٍ للقيام بعمليّة تنسيقٍ بين القوى والفصائل اليساريّة؛ لأنّ هناك الكثير من القضايا التي نتفقُ حولَها سياسيًّا، وفيما يتعلّق بالقضايا المجتمعيّة، ما يتعلّق بقضايا الحرّيات، ما يتعلّق بالحريّة والمساواة بالنسبة للمرأة، هناك العديد من القضايا ذات الطابع الاجتماعيّ والرؤية الاجتماعيّة متّفقين عليها، لكنّنا بحاجةٍ للاتّفاق على قضايا وعناوين سياسيّةٍ وجوهريّةٍ، وهذا يحتاج إلى حوارٍ معمّقٍ وشاملٍ على ضوء ما أفرزته التجرِبة الماضية، وأودّ القول أيضًا: إنّ مسيرة الكفاح التي خاضها الشعب الفلسطينيّ بعد نكبة عام 48، أكّدت أنّ المقاومة بجميع أشكالها وحّدت الشعب وحافظت على هُويّته الوطنيّة الجامعة عبرَ إطار منظّمة التحرير الفلسطينيّة بميثاقها، الذي التفَّ حوله كلّ أبناء الشعب الفلسطينيّ في أماكن وجوده كافةً، وترسيخ هُويّته الوطنيّة وحماية حقوقه التاريخيّة، وكلّ هذا يعني تأكيد التزامنا بالهدف الاستراتيجيّ، باعتبار أنّ الهدف الاستراتيجي هو الذي يوحّد الشعب الفلسطينيّ، الذي مزّقته سياسة الرهان على حلولٍ سياسيّةٍ ثبت فشلها، لذلك نحن بحاجةٍ للتوحّد والالتفاف حولَ هدفٍ مركزيٍّ جامعٍ للحفاظ على هُويّة شعبنا الجامعة ووحدة أهدافه ومصيره ومستقبله، وبكلّ الأحوال سنستمرّ في بذل كلّ الجهود للوصول إلى وحدة اليسار على أسسٍ راسخةٍ وواضحة.

* العلاقةُ مع قوى المقاومةِ وخصوصًا الإسلاميّة منها تبدو أقوى من أيّ وقتٍ مضى، كيف تفسّر ذلك؟ وما ضوابطُ هذه العلاقة؟

 نحنُ الشعب الفلسطينيّ نمرّ في مرحلة تحرّرٍ وطنيٍّ؛ أرضنا وبلادنا محتلّة من عدوٍّ إجلائيّ استيطانيّ ينفي وجودنا ويريد السيطرة على الأرض كلّها، ومن ثَمَّ من الطبيعي في مرحلة التحرّر الوطنيّ أن تكون التحالفات على أساسٍ سياسيٍّ يرتبط بهدفِ تحرير الأرض وطرد الاحتلال، ولذلك نحن نعتقدُ أنّ ما يربطنا من علاقاتٍ مع القوى السياسيّة الفلسطينيّة ترتبطُ بالبرنامج والرؤية السياسيّة؛ بهدف تحرير فلسطين، ولذلك من الطبيعيّ أن تنشأ علاقاتٌ بين القوى السياسيّة وأطراف الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة كافةً على الأساس السياسيّ بغض النظر عن أيّة تبايناتٍ أيديولوجيّةٍ أو فكريّة بين هذا الاتّجاه أو ذاك.

مرحلةُ التحرّر الوطنيّ تتطلّب خلق أوسع جبهةٍ عريضةٍ من أجل مواجهة التناقض الرئيسيّ مع الاحتلال الصهيوني لذلك تجدون أن علاقاتنا كجبهةٍ شعبيةٍ علاقاتٌ قويّةٌ مع الاتجاه الإسلاميّ المقاوم الذي يشكّل مكوّنًا من مكوّنات الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وكذلك في الإطار العربيّ، ومن ثَمّ نحن كجبهةٍ شعبيّةٍ لتحرير فلسطين، ننطلق في رؤيتنا من مسألة البرنامج، برنامج المقاومة الذي يؤدّي إلى تحقيق أهدافنا وحقوقنا الوطنيّة.

بطبيعة الحال أريد أن أضيفَ بأنّنا في مرحلة تحرّرٍ وطنيٍّ، ولكن في الوقت ذاته في مرحلة تحرّرٍ وطنيٍّ وديمقراطيّ، لدينا مهامٌّ اجتماعيّةٌ، لدينا مهامٌّ اقتصاديّة، لدينا مهامٌّ تتعلّق بحريّة المرأة، لدينا مهامٌّ تتعلّق بحقوقِ الإنسانِ والديمقراطيّة والقضايا المجتمعيّة، ولذلك من الطبيعيّ أن يكونَ هناك تقاربٌ بيننا وبين القوى اليساريّة التي نتّفق وإياها في الكثير من المفاهيم والقضايا الاجتماعيّة، لكنّني أعود وأوكّد بأنّ الأساسَ أنّنا في مرحلةِ تحرّرٍ وطنيٍّ تتطلّب بناءَ أوسع جبهةٍ عريضةٍ لإزالة الاحتلال وتحرير الأرض.

* الحصارُ بات أداةً رئيسيّةً في استراتيجيّة القوى الاستعماريّة غزة محاصرة، لبنان، اليمن، إيران، سوريا وكذلك هناك حصارٌ سياسيٌّ وماليٌّ متزايدٌ على قوى المقاومة.. على أهميّة إدارة الصمود.. لكن فعليًّا هل هناك رؤيةٌ لفكّ الحصار والتغلّب على قدرة العدوّ والمستعمر على فرض هذا الحصار متى شاء وأينما شاء؟

بعد أن فشلت القوى المعادية والتحالف الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ في تحقيق أهدافه عن طريق الحروب العسكريّة، حيث فشلوا في لبنان وفشلوا في اليمن وفشلوا في سوريا وأيضًا دفعوا ثمنًا باهظًا لغزوهم للعراق واليمن وعلى ضوء فشل هذه الاعتداءات، ونموّ قوى المقاومة وقدرتها على الردع، باتت الولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة والمعسكر الإمبرياليّ الصهيونيّ يلجأ لحروبٍ بأساليبَ جديدةٍ، وخاصّةً مسألة الحرب الاقتصاديّة، وهي شكلٌ من أشكال الحرب، فنحن أمام واقعٍ جديدٍ أنّ الكيان الصهيوني على سبيل المثال يفكّر عشرات المرات قبل أن يقوم بعدوانٍ عسكريٍّ جديدٍ على لبنان أو يقوم بعدوانٍ عسكريٍّ على إيران؛ لأنّهم يدركون ما الثمن، ومن ثَمَّ يفكرون بوسائلَ جديدةٍ، وهي الحصار الاقتصاديّ والحرب الاقتصاديّة، ولذلك لجأت الولايات المتّحدة إلى ما سمّي بسياسةِ الحصار الاقتصاديّ، وبالحدّ الأقصى من هذا الحصار، ولا شكّ أنّ هذا الحصار حقّق بعض النتائج بالنسبة للمعسكر المعادي لخلق صعوباتٍ في هذه البلدان.

لقد شنّوا أكثرَ من عدوانٍ على قطاع غزّة، وتمكّن شعبنا من التصدّي لهذا العدوان، شنّوا عدوانًا على لبنان وتمكّنت قوى المقاومة في لبنان من صدّ العدوان، وشنّوا عدوانًا على اليمن وتمكّنت قوى المقاومة في اليمن من صدّ العدوان، ومن ثَمَّ لم يحقّقوا أهدافَهم من خلال الحروب العسكريّة، لذلك شنّوا الحروب الاقتصاديّة والحصار الاقتصاديّ.

لا شكّ أنّنا بحاجةٍ لوضع استراتيجيّةٍ لمواجهة هذا الشكل من أشكال الحروب، وأعتقد أنّ هناك قوى نجحت في فكّ الحصار، سواءً في إيران التي تمكّنت من الالتفاف على الحصار الاقتصاديّ، وكذلك سوريا إلى حدٍّ ما، رغم كلّ المصاعب التي تعيشها، وتمكّن أيضًا الشعب اليمني من مواجهةِ سياسة الحصار، لكنّنا بحاجةٍ إلى استراتيجيّةٍ موحّدةٍ وشاملةٍ من أجل مواجهة هذا الشكل الجديد من الحرب.

غزة وضعها صعبٌ بشكلٍ خاصٍّ؛ لأنّنا أمامَ بقعٍ جغرافيّةٍ ضيّقةٍ منافذها محدودة، ومن ثَمَّ الوضع في قطاع غزّة هو الأكثر صعوبة بالنسبة لهذا الشكل من أشكال الحروب.

* طرحت الجبهةُ مهمّةَ تشكيل جبهةٍ مقاوِمةٍ عربيّةٍ موحّدةٍ حتى الآن لا يبدو أنّ هذا المشروع في مرحلة التنفيذ، ما أهداف هذا المشروع المهمّة وأوجه ضرورته؟

** القضيّةُ الفلسطينيّةُ قضيّةٌ عربيّةٌ لها بعدُها القوميّ؛ لأنّ المشروعَ الصهيونيّ لا يستهدفُ الشعب الفلسطينيّ وفلسطين فقط، بل يستهدف الأمّة العربيّة بأسرها، والمشروع الصهيونيّ يستهدف السيطرة الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة على المنطقة بشكلٍ شاملٍ، وعندما تحدّث شمعون بيريز عن التعاون والتحالف بين المال العربيّ والعقل الصهيونيّ كان في ذهنه أنّهم يحقّقون مشروعَ إسرائيلَ الكبرى المهيمنة اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، فهم لا يستطيعون إقامة إسرائيل الكبرى جغرافيًّا؛ لأنّهم باتوا يدركون أنّ هناك مقاومةً حقيقيةً لمواجهة مشروعهم، لذلك نحن في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ومنذ الانطلاقة عامَ 1967، طرحنا بوضوحٍ أنّ القضيّة الفلسطينيّة مرتبطةٌ ببعدها القوميّ العربيّ، وأنّ القضيّة الفلسطينيّة أيضًا مرتبطةٌ ببعدها الاجتماعيّ، أي أنّ الجبهة الشعبيّة في منطلقاتها النظريّة السياسيّة أكّدت على الترابط بين البعد الفلسطينيّ والبعد العربيّ والترابط بين البعد التحرّري والبعد الاجتماعيّ والترابط بين البعد الفلسطينيّ والقوميّ مع البعد الأمميّ للقضيّة الفلسطينيّة، ولذلك نحن اليوم، وخاصةً بعد تصاعد مؤامرات ومخطّطات التطبيع والتحالف بين أنظمةٍ عربيّةٍ تابعةٍ وخانعةٍ مع الكيان الصهيونيّ، التي وصلت إلى حدِّ التعاون العسكريّ والأمنيّ والمناورات العسكريّة المشتركة، فإنّ كلّ هذا يطرح تحدّيات كبرى أمام الحركة الشعبيّة العربيّة، وأمام القوى السياسيّة المؤمنة بوحدة الأمة وتحرّرها، لذلك الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين طرحت ضرورة إقامة جبهةٍ مقاوِمةٍ عربيّةٍ شاملةٍ للتصدّي لهذا المشروع الصهيوني الخطير الذي يستهدف المنطقة بأسرها، فنحن سنعمل بشكلٍ جادٍّ وسنجري حواراتٍ مع القوى السياسيّة العربيّة ومع القوى الشعبيّة العربيّة في كلّ المواقع، وعلينا أن نعمل تجاهَ عملٍ جادٍّ ودؤوبٍ من أجل بناء جبهةٍ مقاومةٍ عربيّةٍ شاملةٍ حتّى نتمكّن من التصدّي للمشروع الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ الذي يستهدف منطقتنا بأسرها.

* يتمُّ طرحُ الخصوصيّة وتباين الظروف لتبرير غياب رؤيةٍ نضاليّةٍ موحّدةٍ تجمع الكلّ الفلسطينيّ، ألا يشكّل الإفراط في تقبل ومجاملة الخصوصيّات الفلسطينيّة أداة لتفكيك معاني وأدوات النضال الجامع؟

القضيّةُ الفلسطينيّةُ قضيّةٌ معقّدةٌ جدًّا؛ لأنّ الشعب الفلسطينيّ تعرّض لمؤامرةٍ كبرى أدّت إلى تشريده في كلّ أصقاع الأرض، فقد بقي قسم من شعبنا على أرض فلسطين التاريخيّة، وفي عام 1967 تمّ احتلال الضفّة الغربيّة وقطاع غزة بالإضافة لسيناء والجولان، أصبح نحو نصف الشعب الفلسطينيّ مشرّدين خارج فلسطين، وقسم بقي على أرضه عام 48 ولم يخرج، وقسم في الأراضي التي احتلّت عام 67، لذلك تشرّد شعبنا في كلّ أصقاع الأرض، وأصبحنا أمام واقعٍ شديدِ التعقيد يرتبط بخصوصيّاتٍ لكلّ تجمّعٍ من التجمّعات الفلسطينيّة، علميًّا علينا أن نشيرَ بأنّ الوضع الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ في المناطق المحتلّة عام 48، يختلفُ عنه - مثلًا - بالنسبة للفلسطينيّين الذين يعيشون في لبنان، أو الذين يعيشون في سوريا، أو الذين يعيشون في الأردن، الوضع في الضفة الفلسطينيّة أيضًا له خصوصياتٌ معيّنةٌ تختلف عن الواقع في قطاع غزة، لذلك نحن نعم لدينا خصوصيّاتٌ بالنسبة للشعب الفلسطيني ارتباطًا بالظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي واجهها، التي يعيشها كلّ تجمّعٍ من التجمّعات خلال الـ74 عامًا الماضية، وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هناك مهامًّا في الأراضي المحتلّة عام 48 تختلف عن المهام بالنسبة للفلسطينيين في المهاجر البعيدة، الذين يعيشون في أوروبا أو في أمريكا اللاتينية أو في أمريكا الشماليّة، هناك خصوصياتٌ للوضع في قطاع غزة، ومهامٌّ محدّدةٌ تختلف عن المهام في الأراضي المحتلة عام 48، هذه حقائقُ علميّة، ولكن هناك قضيّةٌ مهمّة جدًّا جدًّا، فنحن شعبٌ واحدٌ وموحّدٌ رغمَ تباين الظروف المعيشيّة، والظروف الاقتصاديّة، والظروف الاجتماعيّة بين تجمّعٍ وآخر، هناك 14 مليون فلسطيني موزعين بأماكن ومناطق مختلفة، ما أودّ التأكيد عليه بأنّ هناك مخطّطاتٍ استعماريّة، صهيونيّة، إمبرياليّة تستهدف تجزئةَ الشعب الفلسطيني وتفتيته وتحويله إلى مجموعاتٍ سكانية، ويؤسفني القول إن اتفاقات أوسلو المذلة قد أدّت دورًا خطيرًا في تقسيم الشعب الفلسطيني وتجزئته؛ لأنّه بضربةٍ واحدةٍ اتفاقات أوسلو أهملت التجمّع الفلسطيني في المحتل من أرضنا عام 48، وبضربةٍ واحدةٍ أصبح هناك علاماتُ أسئلةٍ كبرى تتعلّق بمصير الفلسطينيين في الشتات، اليوم علينا أن نؤكّد أنّه رغم كلّ الخصوصيّات بين تجمّعٍ فلسطينيٍّ وآخر، لكن هناك هدفٌ مركزيٌّ واحدٌ وهو تحرير فلسطين، وأريد أن أقول إنه رغم كل المخطّطات التي مورست خلال العقود الماضية، إلا أن معركة سيف القدس وما قبلها الكثير من الوقائع أكّدت وحدة شعبنا، ففي اللد وفي حيفا وفي يافا انتفض الشعبُ الفلسطينيّ خلال هذه المعركة وتحرّك الشعب الفلسطيني بقوّةٍ وانتفض في الضفة الفلسطينيّة، وكان قطاع غزة يوجّه الصواريخ إلى قوّات الاحتلال، لذلك فإنّ محاولات تجزئة وتفتيت الشعب الفلسطيني والمجتمع الفلسطيني باءت بالفشل، إذًا الخلاصة التي أريد الوصول إليها نعم هناك خصوصيات بين موقعٍ وآخر، لكن الأساس هو الوحدة وحدة الشعب، وحدة الأرض، وحدة الهوية والمصير، لذلك نحن بأمس الحاجة لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ببرنامجها الكفاحي وميثاقها، التي تشكل الإطار الجامع للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.

* هل يمكن أن نتحدث عن مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ جديدٍ أو عن تجديد المشروع الوطني الفلسطيني لا على مستوى الأدوات والآليات فحسب، ولكن أيضًا على مستوى الطروحات؟

أعتقدُ اعتقادًا راسخًا بأنّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة المعاصرة بحاجةٍ ماسةٍ إلى إجراء عمليّة تقييمٍ ومراجعةٍ شاملةٍ صادقةٍ ونزيهةٍ وعلمية لمسار وعمل الثورة الفلسطينية المعاصرة، لأنّني بصراحة أقول إنّ المشروع الصهيوني ومنذ بداية نشوئه حتى هذه اللحظة، لم يغير في استراتيجيّته ورؤيته في السيطرة على كامل فلسطين، بل أكثر من ذلك في السيطرة على المنطقة بأسرها، في الوقت الذي دخلت فيه الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة عمليّة سجالٍ ومناقشاتٍ وصراعاتٍ سياسيّةٍ بعد أن تمَّ طرحُ مشروع وبرنامج التسوية السياسيّة وخاصةً بعد حرب أكتوبر 1973، وعندما تمّ احتلالُ أراضٍ عربيّةٍ عامَ 67 طرحت الأنظمة العربيّة شعار إزالة آثار العدوان، بمعنى تحرير الأراضي التي احتلت عام 1967، وبدأ التفكير بعقلية التسوية السياسيّة مع الكيان الإسرائيلي، وانتقلت هذه العقلية إلى الساحة الفلسطينيّة عندما تمَّ طرحُ التسوية والبرنامج المرحليّ وإقامة سلطةٍ وطنيّةٍ على أي أرضٍ يتمُّ تحريرُها، عقليّة التسوية هذه أدخلتنا في سجالاتٍ وصراعٍ سياسيٍّ في الساحة الفلسطينيّة، وشكلنا نحن في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين جبهة الرفض في ذلك الوقت.

أريد أن أقول إنّ الساحة الفلسطينية دخلت سجالاتٍ وبدأ الحديث عن حلٍّ مرحليّ، وعن إقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ على حدود الرابع من حزيران عام 67 وعاصمتها القدس الشرقيّة وعبرَ التسويات والمفاوضات، وبدأ هذا الطرح في الساحة الفلسطينيّة في الوقت الذي لم يقدّم لنا أيّ شيءٍ كفلسطينيين، ولم تعرض علينا أية حلولٍ لا من الولايات المتّحدة الأمريكيّة ولا من أوروبا ولا من الكيان الإسرائيلي، بدأنا بعمليّة صراعاتٍ وسجالاتٍ وتقديم تنازلاتٍ دون أن يقدّم لنا الطرفُ الآخر أي شيء، ودون أن يعرض علينا أي شيء، وتم الاتّكاءُ على موضوع الهدف المرحلي، الذي تمَّ تجزئته ومرحلته إلى مراحل، إلى أن وصلنا إلى نفق وكارثة أوسلو، بمعنى أنه تمّ الاتكاء على ما سمي بالهدف المرحليّ ووصلنا إلى ما وصلنا اليه.

إنّ المرحليّة في النضال وفي المفهوم الثوريّ الكفاحيّ أمرٌ علميّ مفهوم، لكنّها مرحليّة التحرير وليس مرحليّة التسوية والمفاوضات وتقديم التنازلات والاعتراف بالعدوّ وحقّه في الوجود دون أي مقابل.

إنّ إقامة سلطةٍ فلسطينيّةٍ أمرٌ يتم بعد دحر الاحتلال، وليس في ظل وجوده وسيطرته الكاملة على كلّ شيء، والدولة الفلسطينيّة المستقلّة لا يمكن انتزاعها إلا بالمقاومة وتعديل موازين القوى على الأرض، ودون ذلك أوهام وخداع.

إنّ الوقائع على الأرض تثبت نظريًّا وعمليًّا ما كتبه وما قاله العديد من الكتّاب والمفكرين العرب، الذين كتبوا منذ وعد بلفور ومنذ أن نشأ الكيان الإسرائيلي، قالوا إنّ الصراع مع المشروع الصهيونيّ هو صراع وجود، وأنّه لا إمكانية للتعايش مع هذا المشروع، كان هناك كتابات نظريّة وكتب عديدة بهذا الاتجاه، الشيء المهم اليوم أن التجربة العملية الحسية الملموسة خلال العقود الخمسة الماضية برهنت - ليس فقط نظريًّا بل عمليًّا - على الأرض أنّنا أمام مشروعٍ صهيونيٍّ لن يقبل بأي حلٍّ ننتزع من خلاله حقوقنا الوطنيّة، ومن ثَمَّ أصبحنا نظريًّا وعمليًّا أمامَ سؤالٍ كبيرٍ هو: هل هناك إمكانية لحلولٍ سياسيّةٍ مع هذا الكيان؟ الجواب: لا. وهذا ما أكّدته الوقائع الحسيّة الملموسة خلال العقود الماضية.

لذلك أقول نعم نحن بحاجةٍ لتجديد المشروع الوطني الفلسطيني، سواءً على مستوى الأدوات، أو على مستوى الطروحات، وأقول إنّنا بحاجةٍ ليس فقط لتجديد المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ بل نحن بحاجةٍ إلى إعادة تعريف ما هو المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ؟ هل المشروعُ الوطنيُّ الفلسطينيُّ هو إقامةُ دولةٍ فلسطينيّةٍ على حدود 67 عبرَ مفاوضاتٍ وتسوياتٍ ثبت فشلها، نحن بحاجةٍ لإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، نحن بحاجةٍ لإعادة الاعتبار لميثاق منظّمة التحرير الفلسطينيّة الذي أكّد على تحرير فلسطين، وعلى الهدف الاستراتيجي؛ لأنّنا أمام مشروعٍ صهيونيٍّ لا يمكن التعايش معه، ولا يمكن التعايش مع وظائفه الاستعمارية في المنطقة، نحن مشكلتنا ليست مشكلة 5-6 ملايين يهودي يريدون أن يعيشوا في المنطقة بأمانٍ وسلام، نحن أمام مشروعٍ صهيونيٍّ استعماريٍّ مرتبطٍ بالإمبريالية، وأمامَ كيانٍ وظيفي له وظائفُ استعماريّةٌ في منطقتنا، وعلى هذا الأساس يجب أن ينطلق مشروعنا الوطنيّ من ضرورة مواجهة هذا المشروع وهزيمته.

* الأوضاعُ العربيّةُ الداخليّةُ تزداد اضطرابًا وتوتّرًا وحتّى حروب أهليّة (كامنة وظاهرة) وهذا بدوره يجعل هذه الدول مشغولةً بأوضاعها الداخليّة على حساب القضيّة الفلسطينيّة باعتبارها قضيّةَ العرب المركزيّة، كيف تقرأ هذه الأوضاع؟ وما الدور الوطنيّ والقوميّ المطلوب في المرحلة الراهنة؟

لا شكَّ أنّ الواقع العربيّ واقعٌ مؤلمٌ ومريرٌ، لأنّ الوطن العربيّ يعيش حالةَ احترابٍ داخليٍّ وصراعاتٍ ومشكلاتٍ في العديد من الدول العربيّة وهذا الواقع له أسبابٌ خارجيّةٌ وله أسبابٌ داخليّةٌ؛ الأسباب الخارجيّة تتعلّق بالمؤامرات والمخطّطات الإمبرياليّة والصهيونيّة التي تستهدف الوطن العربي بأسره، وتستهدف تكريس الوجود الصهيونيّ على الأرض العربيّة وهذا ما يفسّر عمليّات التطبيع والتحالف بين أنظمةٍ عربيّةٍ والكيان الإسرائيليّ في الوقت ذاته، هناك أسبابٌ داخليّةٌ اقتصاديّةٌ واجتماعيّةٌ وسياسيّةٌ عميقةٌ تواجهها البلدانُ العربيّة.

 القوى المعادية تعمل تجاهَ تفتيت البلدان العربيّة، وتعمل تجاهَ تفتيت حتى الدولة الوطنيّة فقسّموا السودان وخلقوا حالة اضطراباتٍ شديدة في ليبيا وتدخّلَ حلف الناتو في ليبيا وحولوا ليبيا إلى ميليشيات وصراعات هائلة، لذلك الدول العربيّة مشغولةٌ بهمومها وأوضاعها الداخليّة، لهذا تزدادُ حدّة التآمر على القضيّة الفلسطينيّة، ويتوهّم المعسكر المعادي في أنّه أمام فرصةٍ ذهبيةٍ نتيجةَ انهيار ما سمّي بالنظام الرسميّ العربيّ، وانهيار عددٍ كبيرٍ من دوله، وهذا الواقع يجعل الإمبرياليّة والصهيونيّة ترى أن هناك فرصةً ذهبيّةً لتصفيةِ القضيّة الفلسطينيّة. من هنا نقول إنّ الواقع العربي واقعٌ مجافٍ، لكن الحركة الشعبية العربية تدرك المخاطر المحيطة في واقعنا العربي، ولذلك أكدنا على ضرورة بناء جبهةٍ مقاوِمةٍ عربيةٍ شاملةٍ حتى نواجه هذا المخطّط المعادي.

القضيّة الفلسطينيّة تمرُّ بمرحلةٍ دقيقةٍ وحسّاسةٍ، لكن في الوقت ذاته، ورغم كل المصاعب ورغم كل الواقع القائم، هناك محور المقاومة يزداد قوّةً ويزداد تجذّرًا يومًا بعد يوم؛ صمدت المقاومة في لبنان وتمكّنت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله من تحرير جنوب لبنان عام 2000، وتمكّنت من تحقيق صمودٍ كبيرٍ في عام 2006، عندما أحبطت المخطّط المعادي، كذلك صمدت سوريا صمودًا كبيرًا، وواجهت المؤامرة التي استهدفت تفتيت هذا البلد العربي، الشعب اليمني أيضًا يواجه معركةً شرسةً، وصمد صمودًا أسطوريًّا في مواجهة العدوان، والشعب العراقي أيضًا والمقاومة تمكنت من طرد الاحتلال الأمريكي من العراق، والشعب الفلسطيني صامدٌ على أرضه ويواجه يوميًّا الاحتلال الإسرائيلي، والثورة الإسلامية الإيرانية صمدت على مدى أكثر من أربعة عقودٍ في وجه حصارٍ ظالمٍ استهدفها؛ بسببِ وقوفها إلى جانب القضيّة الفلسطينيّة، لذلك نحن أمام صراعٍ شديدٍ الآن بين محورين في المنطقة؛ محور مرتبط بالولايات المتّحدة الأمريكية وإسرائيل ومحور يواجه هذا المعسكر المعادي، وباعتقادي أنّ الأمور بالمعنى الاستراتيجي تسير لصالح المقاومة وأطراف محور المقاومة.

* يعيش النظام الدولي حالةً من الاستقطاب وخاصّةً في ظل تنامي القوّة الاقتصاديّة الصينيّة، وهذا يعد بداية الصدام مع الدور التقليدي للولايات المتحدة وتفردها على رأس النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، فكيف تنظرون لصعود الصين؟ وما مآلات ذلك الصعود على بنية النظام الدولي؟

** بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة، انتقل العالم من نظام الثنائية القطبية وصراع المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي إلى نظام القطب الواحد، ومن ثَمَّ دخلت البشريّة ودخل النظام الدولي في مرحلةٍ جديدةٍ بكل معنى الكلمة، حيث هيمنت الولايات المتّحدة الأمريكيّة على النظام العالمي، وأصبحنا في عصر وحيد القرن، وظهرت في تلك الفترة العديد من الدراسات حول نهاية التاريخ، وحول صراع الحضارات، وحول موت الاشتراكية والشيوعية، لذلك أصبحنا أمام واقعٍ صعبٍ ومعقّدٍ عانته شعوبُ العالم، وعندما استفردت الولايات المتّحدة الأمريكيّة في النظام العالمي؛ غزت العراق ودمرت هذا البلد العربي وغزت أفغانستان وأصبحت تتصرف وكأنها قادرة على كل شيء، ومن ثَمَّ عشنا مرحلةً في غاية التعقيد والصعوبة، واليوم نعيش مرحلةً أخرى حيث ننتقل من مرحلة نظام القطب الواحد أو من حقبة القطب الواحد إلى حقبةٍ جديدةٍ يتمُّ فيها الانتقال التدريجي إلى نظامٍ متعدّدِ الأقطاب، لأنّ الصين تمكّنت من أن تحدث ثورةً اقتصاديّةً عملاقةً ونموًّا اقتصاديًّا هائلًا، لذلك شكّلت تحدّيًا كبيرًا وتاريخيًّا للولايات المتحدة الأمريكيّة وللإمبريالية العالمية بشكلٍ عام، ومن ثَمَّ نحن الآن في مرحلة انتقالٍ من نظام القطب الواحد إلى النظام المتعدّد الأقطاب، وتمكّنت الصين فعلًا من أن تصبح قوّةً اقتصاديّةً عملاقةً، والأمور تسير تجاه أن الصين ستكون هي القوة الاقتصاديّة الأولى في العالم، وليس الصين فقط، فهناك أيضًا روسيا التي استطاعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أن تبدأ باستعادة عافيتها وأن تشكّل قطبًا على الصعيد الدولي، وهناك دول البريكس وهناك تحالفاتٌ جديدةٌ ووقائعُ جديدة.

هذهِ التحدّيات تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بقلقٍ شديدٍ، لذلك تراهم يركّزون في حديثهم على أسيا، والتركيز على الصراع مع الصين والصراع مع روسيا.

 أحدُ الرؤساء الأمريكيين خاطب ترامب ذات مرّة قائلًا: "إنّ الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الذي انشغلت فيه في غزو العراق وغزو أفغانستان ونشر القواعد العسكرية في مختلف أنحاء العالم، وصرف وإنفاق تريليونات الدولارات، كانت الصين تهتمّ بالبناء الاقتصاديّ وبناء البنية التحتية، وتمكّنت من إحداث قفزةٍ هائلةٍ على الصعيد الاقتصاديّ وعلى الصعيد العسكري" لذلك نحن اليوم أمامَ واقعٍ جديدٍ، وهذا الواقع باعتقادي سيكون لصالح الشعوب في العالم؛ لأنّه من الصعب أن يعيش العالم بنظامٍ أحادي القطبية، فالرأسمالية العالمية اليوم تعاني أزماتٍ عميقةً وشديدةً وتواجه تحدياتٍ كبيرة، من هنا نقول إنّنا كشعبٍ فلسطينيٍّ وكحركات تحرّرٍ على مستوى العالم أجمع ينبغي أن نستثمر مثل هذه التحوّلات، ونعمل تجاهَ تعزيز كفاحنا ونضالنا لأنّنا أمام عالمٍ جديدٍ يتشكّل، وتتراجع فيه الولاياتُ المتّحدة الأميركيّة وتتقدّم فيه أقطابٌ عالميّةٌ صاعدة.