Menu

صحّة الأسير أبو حميد تتدهور..

تقريرالسرطان.. تحدٍ جديد أمام "الأسد المقنع"

أحلام عيد

الضفة المحتلة _ خاص بوابة الهدف

لكل حكايةٍ بطلها، لكن ماذا لو كان للحكاية أبطالٌ خمسة، حكاية أربعة أسرى وشهيد، نصر وناصر وشريف ومحمد الذين حُكم عليهم بالسجن المؤبّد، وشقيقهم الشهيد عبد المنعم الذي اغتالته قوات الاحتلال في أعقاب تنفيذه لعمليةٍ ضد أحد ضبّاط "الشاباك" في منطقة "بيتونيا"، ووراء هؤلاء الأبطال أمٌ تلوّع كبدها من فراق أحبتها، قضت أيامها متنقلةً من سجنٍ إلى آخر، تلملم جراحها وتنتفض شامخةً لتواصل مسيرتها في تعليم العالم دروساً في التضحية والعطاء وحب الأوطان.

أم الأبطال اليوم أمام فصلٍ جديدٍ من القهر والأسى، حيث يمر ابنها ناصر (49 عاماً) بمشفى "برزلاي" في ظروفٍ صحيّةٍ بالغة الخطورة، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد بعد اكتشاف ورم خبيث على صدره، والذي بات على إثره يصارع سرطانين، سرطان السجّان وسرطان آخر ينهش جسده.

بدأت حكاية ناصر المُلقّب بـ"الأسد المقنّع" في انتفاضة الحجارة عام 1987، حيث شكّل ورفاقه مجموعات للاشتباك مع الاحتلال وقطعان مستوطنيه، ليُطارد ويُعتقل في العام 1990 ويحكم عليه بالمؤبد، وأفرج عنه عام 1994 بعد توقيع اتفاق القاهرة، إلّا أنّه لم يستسلم واستمر في نضاله ضد العدو الصهيوني، ليعتقل مجددًا في العام 2002 ويحكم عليه بالسجن سبع مؤبدات وثلاثين عامًا.

عند ذكر ناصر تتبادر إلى أذهاننا كلماته خلال إضراب الأسرى عام 2017، بعد 34 يوماً من الإضراب، التي جاء فيها: "لا زلنا نطرق أبواب الزنازين، وما زلنا نتنفّس الحرّية والكبرياء، نسير إلى الموت مبتسمين، ونتربّع على بطانية سوداء هي كل ما تركوه لنا حول كأس ماء وقليل من الملح، نغنّي للوطن ولربيع الانتصار القادم، عن أجسادنا لا تسألوا فلقد خانتنا وتهاوت منذ أيّام، أمّا عن أرواحنا وإرادتنا نطمئنكم فهي بخير، صامدون كما الصّخر في عيبال والجليل، أقسمنا اليمين على أن نواصل حتى النّصر أو الشهادة، وعاهدنا أرواح الشهداء ألا تكون هذه المعركة إلا شمعة انتصار نضيئها بأرواحنا وأجسادنا على درب الحرية والاستقلال".

خطأ طبي متعمّد بهدف القتل

وبصعوبةٍ بالغة وبعد محاولاتٍ حثيثة استطعنا التواصل مع نصر أبو حميد "أبو الرائد" المعتقل في سجون الاحتلال الصهيونيّة وهو شقيق الأسير ناصر، إذ ردّ علينا بصوتٍ لا مكان لليأس فيه، وقال: "إنّ الأوضاع صعبة جداً وشديدة التوتر داخل السجن، والجميع في حالة ترّقب، حيث لا يوجد أي تحسن على حالة شقيقي الصحية".

وأوضح أبو حميد الشقيق، أنّ إدارة السجون تواصلت معهم وأخبرتهم بتدهور الأوضاع الصحيّة لناصر، وأنّ جميع الخيارات بشأن مصيره واردة.

وأشار أبو حميد إلى أنّ معنويات شقيقه كانت ولآخر لحظة قبل نقله إلى المشفى مرتفعة جداً رغم سوء ظروفه الصحية.

وحول تسلسل الأحداث التي أدت إلى نقله إلى المشفى، لفت أبو حميد إلى "ظهور بعض الأعراض على شقيقه، حيث بدأ يعاني من ضيقٍ شديدٍ في التنفّس، وعند تصوير صدره لأوّل مرّة لمعرفة سبب هذا الضيق تبيّن أنّه بحاجة إلى إجراء عمليةٍ عاجلة، ولكن رغم قرار الأطباء، تمت المماطلة في إجراء العملية وأخبروه بأن الورم حميد، ومرّة أخرى أن هناك ماءً على الرئتين، واستمر هذا الإهمال حتى أصبح وضعه الصحي أكثر خطورة، ثم أدخل المشفى ليخضع لعملية استمرت 9 ساعات متواصلة اكتشفوا خلالها أنه مصاب بورمٍ سرطاني خبيث".

وتابع أبو حميد: "بعد أسبوعين من إجراء العملية الأولى تدهورت أوضاعه الصحيّة بشكلٍ كبيرٍ جداً لينقل مُجدداً للمشفى، وأجريت له عملية أخرى تم خلالها إدخال أنبوب غير مناسب للرئة ما تسبب بالتهابات شديدة، وكلي ثقة أنّ هذا الخطأ الطبي كان مقصودًا ويهدف لاغتيال شقيقي ناصر".

منزلهم انتفاضة مشتعلة

تواصلنا مع مدير مركز حنظلة الأسير المُحرّر علام الكعبي والذي تربطه علاقة شخصيّة مع العائلة، وقال: "علاقتي بهذه العائلة بدأت في فترة هدوء واستقرار خلال تواجد السلطة الفلسطينيّة ما بعد اتفاق "أوسلو"، ورغم هذا الهدوء في الساحة الفلسطينيّة، لمست في هذه العائلة انشدادًا كبيرًا للإرث الوطني، وعند دخولي منزلهم كنت أشعر أنّ الانتفاضة مشتعلة، حيث الأغاني الثوريّة والأحاديث المتحمّسة التي تدور عن الوطن والأرض وعن القضية، وتجد نفسك محاطًا بشبانٍ تعتمر قلوبهم بالحريّة ويملأ وجدانهم العنفوان الثوري".

وأوضح أنّ وراء هؤلاء الأبطال والد شديد البساطة جميع أحاديثه تدور حول الثورة الفلسطينيّة والتاريخ النضالي الفلسطيني، مشيراً إلى أنّ الشخصية الأبرز في تكوين الوعي الوطني لدى أبناء هذه العائلة هي والدتهم "أم ناجي" التي تمثل الوجه الحقيقي لنضال المرأة الفلسطينيّة ولصمود الشعب الفلسطيني كما تعد مدرسة ثورية تخرّج الأبطال.

ولفت الكعبي إلى أنّ أم ناجي كانت أمّاً لجميع الفدائيين والثوّار وكانت أبواب منزلها دائماً مشرعة لاستقبالهم وحمايتهم، وهو ما دفع آلة الحقد الصهيونية لهدم منزلها أكثر من مرة، مشيراً إلى أن أبناءها كان لهم دورًا كبيرًا في مقارعة العدو سواء خلال الانتفاضتين أو ما بينهما، متطرقاً إلى حادثة قيام أحد أبنائها بإلقاء حجر من أعلى منزل على رأس جندي أدت لمقتله.

ونوَّه الكعبي إلى أن هذه العائلة كانت محط حبٍ واحترام من جميع من عرفهم، ليس من أجل مواقفهم البطولية في وجه العدو فحسب، بل أيضاً بسبب مواقفهم المشرفة تجاه المواطنين البسطاء من أبناء شعبنا، حيث اتخذت هذه العائلة من المقولة الجيفارية "أينما وجد الظلم فذاك موطني" شعاراً لها، فأينما وجد الظلم كان موطن أبناء أبو حميد الذي يقاتلون من أجله ويدفعون في سبيله كل غالٍ ونفيس، كما كانوا مدافعين شرسين عن النّاس وعن حقوقهم.

أحرار حتى داخل الأسر

وقال الكعبي "توطدت علاقتي أكثر بأبناء أبو حميد في المعتقل، حيث عشت معهم في نفس الغرفة في سجن عسقلان والتقيتهم بسجونٍ متعددة، وخلال سنواتنا الطويلة معاً لم ألمس في يوم من الأيام أن إيمانهم بعدالة قضيتهم تراجع بالرَّغم من كل المعاناة التي وقعت عليهم - سواء معاناتهم داخل المعتقل أو المعاناة الاجتماعية -وأضاف بالقول: "هذه الأسرة الفلسطينيّة تمثل نموذجاً فلسطينياً فريداً ومشرّفاً في مواجه الاحتلال".

وتابع: "عندما كنا نشاهد أبناء أبو حميد وهم يتجولون سوياً في ساحة السجن، كان هذا المشهد يهوّن علينا ويمدنا بمزيدٍ من العزم والإصرار، حيث كنا نرى بأنّ معاناتنا فرادى لا تساوي شيئاً أمام معاناة أبناء هذه العائلة".

ولفت إلى أنّ أبناء أبو حميد كانوا متمردين في وجه إدارة مصلحة السجون، وكان لهم إسهامات كثيرة في نضال الحركة الأسيرة، مشيراً إلى أنّه لا يمكن وصف صمود هذه العائلة بعدة كلمات وأنّ ما تمثله من نموذج للصمود والتحدي يجب أن يدرّس لأجيال شعبنا.

وأكَّد الكعبي على أنّ ما يتعرّض له البطل ناصر من إهمالٍ طبي متعمّد أوصله لهذه الظروف الصحيّة الصعبة، هو محاولة تصفية علنية، ويندرج ضمن محاولات الاحتلال لكسر وإبادة هذه العائلة التي تمثل النموذج الفلسطيني الثائر في وجه الاحتلال.

ووفقاً للمتابعات الأخيرة لأوضاع ناصر الصحية، أوضح الكعبي أنّ هناك حالة تشابه كبيرة مع ما جرى في حالة الشهيد البطل كمال أبو وعر الذي تربطه علاقات نضال ومقاومة مع الأسير ناصر، ما يدلل على أن الاحتلال ينتهج سياسة تصفية الرموز المُقاوِمة، وما يكشف نوايا العدو باغتيال الأصوات الحرّة التي لا زالت تصدح بخيار المقاومة حتى داخل السجون.

أردنا التواصل مع أم الأبطال السنديانة الفلسطينيّة أم ناجي التي حرمها الاحتلال وبطشه من معانقة خمسةٍ من أبنائها، لكن لم تستطع الحديث، إذ تم إبلاغها بتراجعٍ آخر وانتكاسةٍ صحيةٍ جديدةٍ طرأت على صحة ابنها ناصر.